هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
مفاتيح فهم القرآن ( الجزء الثالث)
مقدمة:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أكرمنا بخير كتاب أنزل، وخصنا بخير نبي أرسل، وأتم علينا النعمة بأكمل دين، وأذكى صلوات الله وتسليماته على معلم الناس الخير، وهادي البشرية إلى الرشد رحمة الله للعالمين، وحجته على الناس أجمعين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه، وتمسك بهديه وسنته إلى يوم الدين، وبعد:
في الجزئين السابقين من هذه السلسلة تحدثنا عن الإشكاليات والعوائق والحجب، التي تحجبنا عن هدايات القرآن الكريم، وعن تحقيق ثلاث من الوظائف الكبرى التي نحتاج إليها في سياقنا الأوروبي.
الوظيفة الأولى هي: وظيفة القرآن الكريم في حفظ الدين والتدين
الوظيفة الثانية وهي: تحقيق القرآن الكريم لمقصد البلاغ المبين، والتعريف بالإسلام لغير المسلمين
الوظيفة الثالثة وهي: تحقيق القرآن الكريم لوظيفة التزكية في سياقنا المادي، مع طوفان المادية العاتي الذي يفتك بالقلب والروح
وذكرنا جملة من الحجب والعوائق، ثم أتبعناها بجملة من الحلول العملية
القراءة المفتاحية والمنهجية التطبيقية
من أهم الحلول العملية هو ما سميناه القراءة المفتاحية لكل سورة من سور القرآن الكريم، بمعنى: كيف يمكن أن يعيش المسلم مع السورة، ويستوعب كل آية من آياتها استيعاباً في سياقها الإجمالي، بحيث نتجاوز بهذه المنهجية عقبة اللغة، ونصل أولادنا الذين لا يتقنون اللغة العربية، ونصل غير المسلمين، ونصل المسلم الجديد الذي يفتح المصحف ويقرأ الترجمة ليأخذ المعنى الإجمالي الكلي للسورة، ويأخذ المفتاح الذي يفتح به كل آية من آياتها
وفي هذا الجزء سنقدم نموذجاً تطبيقياً عملياً على هذه المنهجية، بالتطبيق على سورة البقرة
وقد اخترنا سورة البقرة لسببين:
السبب الأول: أنها أطول سورة في القرآن الكريم كما هو معلوم، فكيف يمكن عقلاً أن نتصور أن هذه السورة مع طولها تتمركز حول فكرة واحدة؟ وهذه الفكرة كل آية من آيات السورة الطويلة تدور حولها، وتتشابك معها، ولا توجد آية واحدة من آيات هذه السورة الطويلة يمكن أن تكون بعيدة عن هذه الفكرة الأساسية، وهذه الفكرة لها ارتباط وثيق باسم السورة.
إذًا نحن نحتاج إلى الكلمة المفتاحية التي نفتح بها هذه السورة، ونحتاج أيضاً إلى علاقة هذه الكلمة المفتاحية باسم السورة، ونحتاج إلى ربط موضوعات وقضايا السورة بهذه الفكرة، وباسم السورة في نهاية الأمر.
السبب الثاني: أنها انفردت من بين سور القرآن الكريم بجملة من الانفرادات لم تشبهها فيها أي سورة من سور القرآن الكريم
الانفراد الأول: أول شيء انفردت به سورة البقرة أنها السورة الوحيدة التي اشتملت على أركان الإيمان، وأركان الإسلام، فأركان الإيمان الستة ذكرت في سورة البقرة في مقدمتها إجمالاً، وفي ختامها تفصيلاً،
في مقدمتها إجمالاً ذكرت في قول الله تبارك وتعالى {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [سورة البقرة الآيات 1-3]
الإيمان بالغيب هو أصل الإيمان بأركان الإيمان الخمسة التي تأتي بعد ذلك، فهذه الأركان كلها غيب، ثم في آخر السورة جاء الحديث عن أركان الإيمان بشيء من التفصيل، قال الله تعالي: ( آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [سورة البقرة: الآية 285]
وأما أركان الإسلام الخمسة، فذكرت الإيمان بالله تعالى والتوحيد، قال الله { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة، الآية 21]
وذكرت الصلاة، قال الله {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [سورة البقرة، الآية 238]وذكرت الصيام، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[سورة البقرة، الآية 183]
وذكرت الحج، قال الله {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [سورة البقرة، الآية 196]
ثم ذكرت الزكاة، قال الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفُقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [سورة البقرة، الآية 267]
هذه الآية انفرد الإمام أبو حنيفة بالاحتجاج بها على أن الزكاة في كل ما يخرج من الأرض، خلافًا لباقي الأئمة الذين تقيدوا بالأصناف التي أوجبت السُنة فيها الزكاة، فما لم تثبت السُنة فيه زكاة واجبة قالوا: لا زكاة فيه، كأنواع من ثمار الفاكهة وغير ذلك
الإمام أبو حنيفة قال: هذه الآية تدل على أن الزكاة في كل ما يخرج من الأرض
ولعل رأي الإمام أبي حنيفة، هو الرأي الأرجح والأدق والأنسب لزماننا، مع شيوع الفقر وكثرة الحاجات.
إذًا، سورة البقرة هي السورة الوحيدة التي اشتملت على أركان الإيمان وأركان الإسلام.
الانفراد الثاني: أنها من أوائل ما نزل من القرآن بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة.
الانفراد الثالث: أنها استمرت في النزول قرابة العشر سنوات، مدة مكث النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، فلم يتوقف نزول الآيات من سورة البقرة إلا قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بتسع ليال، فأنت عندما تحفظ سورة البقرة، أو تستوعبها، أو تتدارسها معي الآن ستعيش استمرار نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم لعشر سنوات تقريباً، الفترة المدنية كلها!!
الانفراد الرابع: أنها انفردت بجملة من الفضائل، فأغلب الفضائل التي ثبتت لسور القرآن الكريم أحاديثها ضعيفة أو موضوعة، فبعض العلماء بدافع حسنٍ، في زمن من الأزمنة، وجدوا الناس عزفوا عن تلاوة القرآن، فوضعوا لهم أحاديث ترغبهم في تلاوة القرآن، ولذلك الأحاديث التي أثبتت فضائل القرآن الكريم أغلبها ضعيف
لكن الأحاديث التي أثبتت الفضل لسورة البقرة كلها أحاديث صحيحة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم“لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة” [صحيح مسلم]
وقول النبي صلى الله عليه وسلم “اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه اقرأوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما اقرأوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة” [صحيح مسلم]
فهذا فضل كبير أثبته النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة كلها لسورة البقرة
ولذلك الصحابة اعتنوا بالسورتين اعتناء شديداً، يقول سيدنا أنس بن مالك: “كان الرجل فينا إذا حفظ البقرة وآل عمران جد فينا” يعني: عظمت منزلته، وعظم شأنه وقدره، أنه حفظ البقرة وآل عمران
الانفراد الخامس: انفردت سورة البقرة بأنها السورة الوحيدة التي رسمت معالم الدولة بالمفهوم الحديث، فجاء فيها ذكر كل المنظومات، المنظومة الاقتصادية، المنظومة العسكرية، المنظومة الاجتماعية، المنظومة العلمية، وقبل ذلك المنظومة العقدية والإيمانية، كما أشرنا في أركان الإيمان وأركان الإسلام.
الانفراد السادس: أن سورة البقرة هي أكثر سورة على الإطلاق جمعت تشريعات وأحكام.
الانفراد السابع: أن سورة البقرة هي أكثر سورة حظيت الأسرة فيها بالنصيب الأوفى والأكبر، فسورة النساء فيها تفصيل يتعلق بأحكام الأسرة، وسورة النور فيها تفصيل يتعلق بأحكام الأسرة؛ لكن لا توجد سورة اشتملت تقريباً على كل الدقائق، والتفاصيل المتعلقة بالأسرة، كسورة البقرة، ففيها الحديث عن الخِطبة، وفيها الحديث عن الزواج، وفيها الحديث عن الطلاق، وفيها الحديث عن الرضاع، كل ما يتعلق بالأسرة مبثوث تفصيلاً في سورة البقرة
وهذا أمر له غاية ومقصد، كأنه عندما تتحدث سورة البقرة عن معالم الدولة، أو المجتمع المسلم، وتجمع هذه المنظومات التي تبنى عليها الدولة الحديثة ، ثم تركز كثيراً على منظومة الأسرة بكل تفاصيلها، فهذا يعطي إشارة إلى أمرين الأمر:
الأمر الأول: هو أنه لا قيام للمجتمع المسلم بغير الأسرة
الأمر الثاني: أنه لا قيام، ولا تحقيق لأركان الإيمان، أو حفاظ عليها إلا بحفظ الأسرة
هذا في السياق العام، وفي السياق الخاص مع التحديات والضغوط التي نواجهها في أوروبا، يتأكد أمر أهمية الأسرة أكثر، كما أشرنا من قبل
الانفراد الثامن: أن سورة البقرة فيها أعظم آية في كتاب الله عز وجل، وهي آية الكرسي
الانفراد التاسع: أن سورة البقرة اشتملت على أطول آية في القرآن الكريم، وهي آية الدين
الانفراد العاشر: أن سورة البقرة فيها آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي قول الله تبارك وتعالى {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [سورة البقرة، الآية 281]
هذه السورة تلخص القرآن، كله كما قال علماء التفسير فمن حفظ سورة البقرة أو استوعبها، فكأنما استوعب القرآن كله.
مفتاح سورة البقرة: الاستخلاف
بعد هذه المقدمة عن الانفرادات التي انفردت بها سورة البقرة، نأتي إلى تطبيق الفكرة المنهجية العملية التي طرحناها في أول الحديث، وطرحناها في الجزء السابق من هذه السلسلة، وهي أننا نريد كلمة مفتاحية للسورة، تلخص السورة، وعندها ارتباط أو علاقة باسمها، فما هي الكلمة المفتاحية التي يمكن أن تشكل مفتاح السورة؟
الشيخ محمد الغزالي “رحمه الله” كان يرى أن مفتاح هذه السورة، وفكرتها وموضوعها وملخصها كلها، هي التقوى، كان يقول: لو أني خُيرت أن أُسمي سورة البقرة باسم آخر، لسميتها سورة التقوى، أو سورة الأتقياء؛ لأنه لا توجد صفحة من صفحات سورة البقرة إلا وفيها تقوى، فتختم الآيات ب “واتقوا الله”، أو ب “لعلكم تتقون”، أو ب “المتقين”، كما في آيات الصيام {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة، الآية 183].
وفي علاقة الخاصة بين الرجل مع زوجه، جاءت التقوى، قال الله {نسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ} [سورة البقرة، الآية 223].
فهل هذا فعلاً هو مفتاح السورة؟
وهناك من يقول ان مفتاح السورة هو “الوسطية”؛ لأن سورة البقرة تحدثت عن الوسطية، قال الله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [سورة البقرة، الآية 143]
وهذه الآية وقعت في منتصف سورة البقرة تماماً، فعدد آيات سورة البقرة 286، ونصفهم بالضبط هو 143، فتكون هذه الآية قد وقعت في منتصف السورة تماماً، فقالوا “وسطاً” هي مفتاح سورة البقرة.
ورأيي واجتهادي _والله أعلم_ أنه لا هذا ولا هذا، لا وسطًا، ولا التقوى هو موضوع سورة البقرة ولا مفتاحها الذي نفهم به السورة، نحن سنحتاج الوسطية وسنحتاج التقوى؛ لكن فيما بعد سأخبركم في أي شيء سنحتاجهما؛ إنما مفتاح سورة البقرة هو كلمة “خليفة” قال الله {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفةً} [سورة البقرة، الآية 30]
فكلمة “خليفة” هي مفتاح سورة البقرة، فالاستخلاف وتعمير الأرض وفق منهج الله هو موضوع سورة البقرة.
حصل نقاش بين العلماء، في حكم قول: أن المسلم أن هو خليفة الله سبحانه وتعالى في الأرض، وهل العبارة سائغة، أم لا؟ خلاف قديم حديث، خلاصته: أنه يصح استعمال هذا المصطلح، قد رجح والشيخ القرضاوي ” رحمه الله” صحة ذلك، واستدل على ذلك بأدلة كثيرة جداً.
كيف يكون المسلم عبداً وخليفة لله في الأرض، يعمرها وفق منهج الله، ويقيم فيها دين الله؟
كيف يمكن إعداد الأمة لعمارة الأرض، والقيام بدين الله تبارك وتعالى؟
كيف تُبنى الأمة الإسلامية، وتستعيد مهمة الاستخلاف في هذه الدنيا؟
السورة أجابت على هذا السؤال، حيث ذكرت السورة ثلاثة نماذج للاستخلاف
نماذج الاستخلاف الثلاثة
النموذج الأول: سيدنا آدم عليه السلام
قال الله {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفةً} [سورة البقرة، الآية 30]
كان نموذج سيدنا آدم، نموذجًا تمهيديًا للاستخلاف، وليُبين للأمة وللمكلف المسلم، إذا ما سقط في ذنب أو معصية في طريقه للقيام بالاستخلاف ماذا يفعل، فلما وقع من سيدنا آدم عليه السلام، ما سماه ربنا عصيان وغواية، قال الله {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [سورة البقرة، الآية 37]
فتجب التوبة على الإنسان المستخلف عندما يقع في ذنب، كالذنب الذي وقع فيه سيدنا آدم عليه السلام
لكن هذا النموذج ليس هو النموذج المنشود أو المطلوب، أوالذي يريده ربنا سبحانه وتعالى منا كمسلمين، هو يعلمنا ونحن في طريقنا لإقامة الدين وتعمير الأرض بالدين، أنه لو حصل منا سهو أو غفلة، أو خطأ أو ذنب أو معصية، كيف نتوب، وكيف نستغفر، كما حصل مع سيدنا آدم عليه السلام.
النموذج الثاني: بنو إسرائيل
بنو إسرائيل ماذا فعلوا؟ رسبوا بامتياز في الاستخلاف، لماذا؟ لأنهم تلكأوا في الاستجابة لأمر
قال الله {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [سورة البقرة، الآية 67]
{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا} [سورة البقرة، الآية 69]
{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [سورة البقرة، الآية 71]
ولما استجابوا حتى قال الله {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [سورة البقرة، الآية 71]
وهنا يأتي السؤال، لماذا سميت سورة البقرة بسورة البقرة ؟!
لماذا لم تُسمَ بسورة الاستخلاف، أو سورة الخليفة، إذا كان موضوعها فعلاً هو الاستخلاف؟!
لماذا لم تُسمَ بسورة التقوى، إذا كانت فعلاً التقوى قضية مركزية محورية في سورة البقرة؟ّ!
لماذا لم تُسمَ بسورة الوسطية، إذا كانت الوسطية هي القضية المحورية المركزية في سورة البقرة؟!
سميت بسورة البقرة؛ لأن البقرة هي النموذج المجسد لأولئك الذين رسبوا في الاستخلاف، بتلكؤهم في الاستجابة، والسمع والطاعة لله سبحانه وتعالى
فالله سبحانه وتعالى يريد أن يجعل هذا النموذج حاضراً شاخصاً ظاهراً أمامنا، فعندما تسمع كلمة البقرة كاسم أطول سورة في القرآن الكريم، تستحضر النموذج الذي رسب في الاستخلاف، فتحذر منه، فتنتبه ألا تفعل مثل فعله.
والعنوان الأساسي لفعل بني إسرائيل، الذي أدى إلى رسوبهم في الاستخلاف، وأدى لأن يجعلهم الله سبحانه وتعالى هم النموذج الحقيق بالحذر والانتباه من أن نقع في مثل ما وقعوا فيه، هو: سمعنا وأطعنا، وسمعنا وعصينا، فبنو إسرائيل قالوا {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [سورة البقرة، الآية 93]، ولما استجابوا تلكأوا في الاستجابة.
النموذج الثالث المنشود: سيدنا إبراهيم عليه السلام
هذا النموذج جعله ربنا سبحانه وتعالى، هو النموذج المركزي المحوري، ومحل الاقتداء لنا قال الله {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [سورة البقرة، الآية 124]
لماذا استحق سيدنا إبراهيم عليه السلام هذا الذكر في القرآن؟
لماذا هو أكثر نبي من الأنبياء حاضر معنا في صلاتنا، نذكره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل تشهد؟!
لماذا سيدنا إبراهيم عليه السلام حاضر معنا في نسك الحج، وفي أعمال الحج؟!
سيدنا إبراهيم موجود معنا في الأضحية، لماذا نضحي؟
الناس منهم من يفهم أن الأضحية عبارة عن لحوم توزع على الفقراء، ومنهم من يقول لك سأتبرع بالأموال، وسأدفع أكثر من قيمة الأضحية.
وكل هذا غير صحيح، فالأضحية شعيرة لابد فيها من إراقة الدم، لماذا؟ إحياء لسنة أبينا إبراهيم عليه السلام
لماذا نحيي سنة أبينا إبراهيم عليه السلام؟
لأن الأمة كلها تجدد العهد، والعبرة والموعظة من عام إلى عام، سواء كانوا من الحجيج، أو من غير الحجيج
فسيدنا إبراهيم عليه السلام جسد سمعنا وأطعنا في أعلى نموذج للامتثال، والانقياد لطاعة لله سبحانه وتعالى، فيما لا يعقل، وفي أعز وأغلى شيء عنده، وهو ولده الذي انتظره طويلاً، قال الله {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}
[سورة الصافات، الآية 102]
لذلك جعله ربنا سبحانه وتعالى هو النموذج الذي يجب أن نقتدي به، وأن نستحضره بصورة دائمة؛ لأنه يلخص لك الإسلام والاستخلاف، في الاستسلام لعبودية الله سبحانه وتعالى، وفيه تلخيص المقارنة بين بني إسرائيل وبين النموذج الناجح الذي يريده الله سبحانه وتعالى منا، مقارنة ما بين سمعنا وأطعنا، وما بين سمعنا وعصينا
وهذه قضية محورية بالنسبة لنا في الغرب، وبالنسبة لأولادنا الجيل الجديد الذي يولد وينشأ ويربى في هذه البلاد، فالشاب لا يتربى على الاستسلام، ولا يتربى على الانقياد؛ وإنما يتربى بصورة دائمة على التفكي،ر وعلى المُسائلة، على المحاججة، وعلى التمرد، وعلى عدم الطاعة
وهذا أمر يحتاج إلى مراجعة تربوية مع أولادنا منذ الصغر؛ لذلك موضوع المقاصد مهم جداً، ونحن نتحدث فيه ونركز عليه؛ لكن المقاصد يجب أن تكون خادمة للتعبد والامتثال والانقياد، وليس العكس؛ لذلك لا يصح أن نعلق الامتثال على ظهور المقصد، فتقول لي: لست مقتنعًا بالصلاة، وعندما أقتنع سأصلي، أو لست مقتنعًا بالحجابن فتقول إحداهن: عندما أقتنع سأتحجب إن شاء الله.
قصة “أنتوني فلو” شيخ الملاحدة
السؤال المركزي الذي يعتبر الصخرة التي يقوم عليها الإلحاد في الغرب يتمثل في قصة “أنتوني فلو“، وهو الذي يعتبرونه شيخ الملاحدة -إذا صح أن نطلق وصف شيخ على الملاحدة- هذا الرجل أفنى عمره في الدعوة إلى الإلحاد، وكتب كتابات كثيرة جداً في هذا الموضوع، وبعد ذلك وفي نهاية المطاف، وبسبب المدخل الأساسي الذي بنى عليه فكرته الإلحادية كلها وهو “سؤال الشر“:
هل الله سبحانه وتعالى قادر على إيقاف الشر؟ إذاً المفروض أن يوقفه ما دام قادراً، ولو أنه قادر على إيقاف الشر، ومع ذلك لم يوقف الشر، فليس رحيماً!!
فمثلًا: لوقادر على إيقاف القتل الذي يحدث في غزة، وتعطيل الآلات والدبابات وهذه الأشياء كلها؛ فهو إله على كل شيء قدير، ومع ذلك ما أوقف الحرب، فأين رحمته إذاً؟!
فإما أنه غير قادر، وهنا لا يصح أن يتصف بأنه إله، وإما أنه قادر ولكنه لن يوقف هذه الحرب، ولا يمنع هذا الشر، ولا يمنع ألم الأطفال وتشريدهم، وهذه الأشياء كلها، فبالتالي هو غير رحيم.
الشباب بعد سماعهم لهذا الكلام يقولون لي حين يسألونني عنه: “هذا كلام منطقي جداً، وقد اقتنعنا به”.
لكن هذا الرجل (أنتوني فلو) في آخر حياته ألف كتاباً موجوداً باللغتين الإنجليزية والعربية بعنوان:“ليس للكون إله”، ثم وضعوا علامة “اكس” على كلمة “ليس”؛ مما يعني أنه آمن بأن للكون إلهاً، هو لم يدخل الإسلام؛ لكنه آمن بوجود إله.
مفهوم العبودية والاستسلام لله
فكرة “سؤال الشر” تتبدد، وهناك إجابات كثيرة جداً عليها؛ لكن مدخلها الأساسي ومشكلتها الأساسية هي: أنك تريد أن تخرج عن معنى ومفهوم العبودية لله سبحانه وتعالى.
الشباب يقولون: “دعونا الله سبحانه وتعالى ولم تكن هناك استجابة، فلن أدعو مرة ثانية، فما فائدة الدعاء ما دام الله لا يستجيب؟”.
كان عندنا شاب -رحمه الله- مريض، وكان الشباب متعلقين به جداً؛ لأنه كان حسن الخلق وطيباً، دخل المستشفى وكان يكابد المرض، وظل الشباب يتواصون بالدعاء والصيام والصدقة، وعملوا طاعات كثيرة، وبعد ذلك مات الشاب؛ فحدثت هزة كبيرة للشباب وجاءوا يسألونني:“ألم ندعُ؟ ألم ننفق ونتصدق؟ أليس الله سبحانه وتعالى قال: {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}؟”[سورة: البقرة، الآية: 186].
قلت لهم: أولاً من أخبركم أن الله لم يستجب الدعاء؟ هذه هي عين إجابة الدعاء، فربما لو أطال الله في عمره لفتن فتنة لا يتحملها، كما جاء في معنى حديث رسول الله ﷺ:“إنَّ اللهَ لَيَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّهُ، كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمْ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ تَخَافُونَ عَلَيْهِ”.وفي رواية أخرى: “إن الله يقضي للعبد بالمنزلة لا يبلغها بعمله فيبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها”. [أخرجه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك وصححه].
وكما قال الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- معلقاً على حديث يعتبره بمثابة المرهم الذي يلطف الجروح:“ليودنَّ أهل العافية يوم القيامة، حين يعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض”. [أخرجه الترمذي في سننه وحسنه الألباني].
فالذين عافاهم الله من الابتلاءات في الدنيا، حين يرون أجور أهل الابتلاء يوم القيامة، يتمنون لو ابتلوا مثلهم لعظم الأجر الذي حصلوه.
فالله سبحانه وتعالى هو أدرى وأعلم بخلقه، يحب العبد فيستعجل لقاءه؛ ليريه ما أعده له في الجنة.
من قال لك إن الله لم يجب دعاءنا حين قبضه إليه؟ أو حين يزيد المرض على من تدعو له بالشفاء؟
الله يريد أن يربي عباده، فيجب أن تكون عبداً لله تستسلم له.
حين تقول: “أين الدعاء؟ ولماذا يترك أهل غزة؟ ولماذا يعاني الأطفال؟” فهذا معناه أنك خرجت من دائرة العبودية إلى دائرة المناظرة، أين الاستسلام لله؟
المفروض أن نسلم ونرضى، ونأخذ بالاسباب، ونعمل كل ما في وسعنا، ثم نسلم الأمر الله.
سورة يوسف ولطف التدبير الإلهي
جوهر قصة سيدنا يوسف عليه السلام يجسد هذه الفكرة، فلو انتقلنا من سورة البقرة إلى سورة يوسف وسألنا: ما هو مفتاح السورة؟ وما الكلمة التي تلخصها؟
البعض يقول “العفة” أو “الصبر” أو “الاستسلام”، وكلها صحيحة؛ لكن هناك آية تلخص الفكرة والرسالة الإجمالية لهذه السورة، وتعطيك القانون الذي لو طبقته ستكون كأنك فعلت مثلما فعل يوسف عليه السلام: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [سورة يوسف، آية: 90]
أما الكلمة التي تشكل المفتاح فهي: لطف الله {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ} [سورة يوسف، آية: 100].
فيجب أن ترى ألطاف الله في حياتك كلها، وفيما ينزل بك من ابتلاءات وتراها في حياتك
وأمتنا اليوم محتاجة لقراءة سورة يوسف؛ لأنه كما قال عطاء بن أبي رباح: “ما قرأ سورة يوسف محزون إلا استراح”.
لقد أراد الله أن يواسي نبيه ﷺ بهذه السورة التي نزلت في عام الحزن؛ ليخبره أن ألطافه تدبر الأمر وتُهندسه
فالموضوع ليس كما تراه في الظاهر، ففي ظاهر الصورة قد تقول: “يا حرام” يوسف الذي قال عنه ﷺ “الكريمُ، ابنُ الكريمِ، ابنِ الكريمِ، ابنِ الكريمِ؛ يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ”. [صحيح البخاري].
هذا الكريم يرمى في البئر، ويباع عبداً، ويُتهم من امرأة العزيز، ويلبث في السجن بضع سنين، وإخوته يقولون عنه: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف، آية:77].
لقد كان مجروحاً من الداخل، فهل يُعقل أن يُتهم الكريم بالسرقة؟
وبنفس المنطق نقول: “لماذا أمتنا مجروحة ومكلومة، تخرج من جرح لتدخل في جرح؟”.
الله هو الذي يدبر الأمر، ليصل بيوسف من الجُب إلى الملك.
من يصدق أن من يُرمى في الجب يصبح عزيز مصر؟! هذا أمر لا يُصدق؛ لكن الله يقول لك: انظر إلى ألطافي، وتدبيري، وسلم لأمري.
الانقياد قبل إدراك المقاصد
فعنوان سيدنا إبراهيم هو الاستخلاف، والنموذج الذي قدمه هو أنه سلم لأمر الله: “سمعنا وأطعنا”
فموضوع المقاصد مهم، لكن لا يجوز أبداً أن يؤخر “الامتثال” حتى نعلم “المقصد”، عليك أن تمتثل أولاً، وتقول سمعنا وأطعنا، ثم يأتي الفهم: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة، آية: 260].
المقاصد تزيدك ترسيخاً وتثبيتاً، والأساس هو الانقياد والتسليم لامر الله.
قصة طالوت وجالوت وفئة الاستخلاف
ذكرت قصة طالوت وجالوت في سورة البقرة بشيءٍ من التفصيل، ولها علاقة بالاستخلاف تكمن في قوله تعالى: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} [البقرة، آية: 249].
فالفئة التي ستقوم بالاستخلاف هي فئة صغيرة جداً وقليلة، فليس كل الناس ينجحون في اختبار الاستخلاف، وهذه الفئة القليلة هي التي يتنول عليها النصر، قال الله {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} [سورة البقرة: الآية 251]
يقول الدكتور مصطفى محمود -رحمه الله- إن هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} [البقرة، آية: 249]؛ تلخص حقيقة الدنيا والمطلوب منا فيها، وهو: أن نقاوم ما نحب، ونتحمل ما نكره.
هم قاوموا ما يحبون، وهو الماء، فهم يحبون أن يشربوا ويرتووا، ويعيشوا حياتهم، كما الأمة تريد ذلك الآن.
فالأمة الآن مشكلتها أنها ليست قادرة على مقاومة ما تحب من الدنيا، وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام عن حب الدنيا وكراهية الموت يلخص ذلك
فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا” فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ» فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: “حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ” [رواه أبو داود في سننه، وأحمد في مسنده، وصححه الألباني]
إنكم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، هذا هو الحال الذي نحن عليه الآن، فالمسلمون يزحمون الأرض من كثرتهم ثم لا يغنون في أمر جلل
وتفسير هذه الغثائية هو، حب الدنيا وكراهية الموت، فالأمة غير قادرة على مقاومة ما تحب من الدنيان وغير قادرة على تحمل ما تكره، من البذل والتضحية
أهل غزة هم الفئة الوحيدة التي قدرت على مقاومة ما تحب وتحمل ما تكره، فترى المرأة تفقد زوجها، وتسعة من أولادها، والولد الوحيد الذي تبقى لها مريض يصارع الموت في المستشفى، وتستقبل هذا بصبر جميل، وتقول: رضيت يا رب!!
ومن المؤكد أنها فقدت مالها، وفقدت بيتها، وفقدت كل ما تملك، أين الدنيا هنا؟! فهي قاومت ما تحب، ولا شك أنها قاومت وتحملت ما تكره
عبادة الصيام ومقاومة الهوى
لماذا الصيام له هذه المنزلة عند الله سبحانه وتعالى؟ وقد قال الله فيه، في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِه”
[رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما] لسببين:
السبب الأول: أنه العبادة الوحيدة السرية الخفية، وكل العبادات علانية ظاهرة
السبب الثاني: أننا في الصيام نقاوم ما نحب، ونتحمل ما نكره
وهذا الأمر لن يظهر جليًا في صيام الشتاء السهل الخفيف؛ لكنه يظهر جليًا في صيام الصيف، حيث النهار الطويل تتحمل وتقاوم ما تحب، وتتحمل ما تكره، لماذا؟ ما الذي يحملنا على هذا؟
رضا المولى الجليل سبحانه وتعالى، وانتظار الفرحة عند الإفطار، والفرحة الكبرى عند رؤية الأجر الذي أعده الله سبحانه وتعالى لنا كصائمين.
فقصة طالوت وجالوت كانت لأجل أن يقول لنا ربنا سبحانه وتعالى، أن من سيقوم بالاستخلاف، وسينجح في الاختبار، ولن يرسب كبني إسرائيل، هم فئة قليلة، وهذه الفئة هي القلة الرائدة في الأمة، وهي التي تصنع التغيير، وهي التي تحدث الفرق، وهي التي وجودها يعجل بالتغيير والإقلاع الحضاري، وغيابها يؤخر التغيير والإقلاع الحضاري، وهذه الفئة قليلة في الأمة؛ إن لم تكن معدومة، أو غير موجودة، ويتعين على الأمة في مجموعها أن تسعى لإيجادها {إِلَّا قَلِيلًا} [سورة البقرة: الآية 249]
تحقيق الاستخلاف بين المأمورات والمنهيات
أنا كعبد لله سبحانه وتعالى، عندما أريد أن أحقق العبودية والاستخلاف، أو الأمة تريد أن تحقق العبودية والاستخلاف وتعمير الأرض، وفق منهج الله سبحانه وتعالى، فهل أفضل طريقة أو منهجية لتحقيق ذلك هي التركيز على المأمورات أكثر والبدء منها، أم التركيز على المنهيات والمحرمات أكثر؟
فلو أردنا أن نقيس معيار التدين بالنسبة للمسلمين في بلد ما، هل المعيار هو مدى محافظتهم على المأمورات، كالصلاة والصيام والزكاة، أم مدى تركهم للمحرمات؟
نحن نركز أكثر على المحرمات، و هذا هو رأي جمهور العلماء، لكن خالفهم ابن تيمية وابن القيم والإمام الرازي ومن وافقه، وقالوا: إن المأمورات هي الأساس
وابن تيمية ذكر اثنين وعشرين دليلاً على هذا الأمر، وابن القيم أوصل الأدلة إلى مئة دليل تقريبًا، على أن الأصل هو الأمر، والمحرمات هي لخدمة المأمورات
قالوا : إن الله سبحانه وتعالى قال {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [سورة هود: الآية 114]
فالحسنة فعل المأمور، فالصلاة تذهب أثر السيئة التي هي شرب الخمر مثلاً، إن الصلاة التي هي من المأمورات، تنهى عن الفحشاء والمنكر قال الله تعالى {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت، الآية: 45]
ولكن ليس بالضرورة ترك الفحشاء والمنكر أن يؤدي إلى فعل الصلاة.
ومن أهم الأدلة على ذلك آيات سورة البقرة، فالنداءات القرآنية التي أعقبتها تكليفات بمأمورات، عددها 68 تقريباً، والنداءات القرآنية التي أعقبتها محرمات، عددها 27 تقريبًا، فالفارق بينهما كبير جداً، وهذا معناه أن الأمر أهم
ومعناه أنه يجب علينا في تربية أولادنا، أن نركز على الصلاة، وعلى الصيام، وعلى المأمورات، فسلامة المأمورات ستسهل جداً ترك المحرمات؛ وليس العكس.
واستدل الإمام ابن القيم على أن المأمورات على الأساس، بالمقارنة بين معصية آدم، ومعصية إبليس
قال: معصية آدم كانت في الاستجابة لدواعي النفس، وإغواء الشيطان في فعل المحظور، لا تأكل من الشجرة، فأكل منها، وانتهت هذه المعصية بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى قال الله تعالى {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [سورة البقرة: الآية 37]
أما معصية إبليس، فكانت في الأمر، أُمِر بالسجود، فقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فكانت العاقبة هي الخلود في النار، ولم يكن لمعصيته حل؛ لأنها في دائرة الأمر.
المقارنة بين معصية آدم ومعصية إبليس
العلماء قارنوا بين معصية آدم، ومعصية إبليس وقالوا:
وهذا معناه أنك إذا عصيت الله سبحانه وتعالى، فكن في معصيتك كمعصية سيدنا آدم، تجاهد وتقاوم وملتزم، ولا يوجد عندك معصية إلا في دائرة واحدة، فإذا تُبت تُبت إلى الله سبحانه وتعالى صادقاً
توبة الصادقين، توبة الكذابين
توبة الكذابين هي: توبة الذين يتوبون إلى الله سبحانه وتعالى بألسنتهم؛ ولكن المعصية مركوزة في قلوبهم؛ فهو يتوب الآن؛ وهو عازم على العودة إلى المعصية مرة أخرى بعد ذلك
إنما الشأن أن تنفر من المعصية، وتخاف منها وتحذر، وتأخذ بالأسباب التي تحجبك عنها، وتدعو الله سبحانه وتعالى أن يعينك على عدم الوقوع فيها، ومع كل هذا تضعف نفسك أحياناً، أو يغويك الشيطان، فماذا تفعل في هذه الحالة؟
تتوب، فإذا تبت والتزمت، ثم غلبتك نفسك مرة أخرى، تتوب مرة أخرى، فكلما تكرر الذنب، كرر التوبة.
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا أذنب العبد ذنباً كُتب عليه قالوا: فإن تاب؟ قال: مُحي عنه قالوا: فإن عاد؟ قال: كُتب عليه قالوا: فإن تاب؟ قال: مُحي عنه قالوا: فإن عاد؟ قال: كُتب عليه ولا يمل الله حتى تملوا” [أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده]
فكلما تكرر الذنب كرر التوبة؛ ولكن بشرط أساسي وهو: أن تكون توبتك توبة صادقة، انتزعتها من قلبك حقاً، ولهذا كان الندم توبة؛ لأنه أكبر دليل على أنك تبت إلى الله سبحانه وتعالى صادقاً، فالندم توبة، لهذا السبب.
ولذلك قال العلماء في حِكَمهم: «رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خير من طاعة أورثت علواً واستكباراً» و«فربما فتح لك باب الطاعة، وما فتح لك باب القبول، وربما قضي عليك بالذنب، فكان سبباً في الوصول»
فكيف يكون الذنب سبباً في الوصول؟
كلما ذكرت ذنبك الذي تحترق ندماً بسببه، وتظن أن الله سبحانه وتعالى لم يغفره لك، فتتحرك وتبذل الطاعات، حتى تمحو أثر هذا الذنب، فهذه معصية ربما تكون هي باب الصعود، وباب القبول والرضا عند الله سبحانه وتعالى
ولذلك قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه “إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا” [ صحيح البخاري]
وفي الحديث النبوي «إياكم ومحقرات الذنوب…» [أخرجه أحمد والنسائي وصححه الألباني]
إذ يقول المرء هذه مجرد نظرة، أو مال فيه شبهة وليس حراماً محضاً، فيجتمعن على المرء حتى يهلكنه،أما المؤمن فينظر إلى ذنبه، كأنه قاعد تحت جبل، يخاف أن يسقط عليه؛ لأنه ينظر إلى عظمة المولى الجليل سبحانه وتعالى
قضية التقوى وعلاقتها بالاستخلاف في سورة البقرة
لماذا تكررت التقوى على هذا النحو في سورة البقرة، تكراراً لم ير مثله في أي سورة أخرى من سور القرآن الكريم؟!
لأن التقوى إطار منهجي لتحقيق الاستخلاف، فالأسرة تقوم على التقوى، والمنظومة العسكرية تقوم على التقوى، والمنظومة الاقتصادية تقوم على التقوى، كما في قوله تعالى {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: الآية 278]
فكيف يمكن أن نفسر وجود التقوى في الأحكام التشريعية التي وردت في سورة البقرة، والتي شملت أحكام الأسرة؟ ما هو مفهوم التقوى؟
إن أبسط مفهوم للتقوى وكيف نوجده هو: السريّة، وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم التقوى في الحديث الشريف حين قال “اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن”
[أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]
وكلمة «حيثما كنت» هي تعريف التقوى، فإذا كنت تراقب الله سبحانه وتعالى في أي مكان، وفي أي زمان، كنت مع الخلق، أو كنت وحدك، يراك أحد، أو لا يراك أحد، فمعناه أنك تخاف الله سبحانه وتعالى في السر.
وهناك لفتة مهمة جداً في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه” [متفق عليه]
فما هو الجامع المشترك بين هذه الأصناف السبعة كلهم، والذي لأجله استحقوا هذه الدرجة ،وهذه الرتبة عند الله سبحانه وتعالى؟
الجامع هو السريّة، فجميع هذه الأصناف أعمالهم خفية، حتى الإمام العادل يمكن أن يعدل، وهناك كافر يعدل؛ ولكن الكافر الذي يعدل لا يفعل ذلك خشية لله سبحانه وتعالى، ورجاء رحمته ورضوانه، فليس بالضرورة أن يكون عدله قضية سرية
وكذلك الرجل الذي قلبه معلق بالمساجد، إنما تعلق قلبه بالمسجد لما في المساجد من أنوار وروحانية، ولطلب رضا الله سبحانه وتعالى، والأخوان اللذان تحابا في الله، هل كان تآخيهما لله وفي الله، أم لدنيا خفية؟
والرجل الذي تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله، فهذه قمة السرية
والأوضح من هذا كله، رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله
وهنا نتساءل، لماذا لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم وامرأة دعاها رجل؟ فلو أن امرأة دعاها رجل ذو منصب وجمال، فقالت إني أخاف الله، فهل تدخل في الأصناف أم لا تدخل؟
قطعاً تدخل، وتكون من السبعة؛ ولكن لماذا لم يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم باللفظ؟
هي مفهومة من السياق بمفهوم المخالفة؛ ولكن هناك معنى خفي، وهو اتضاح السرية عندما يقول الرجل إني أخاف الله، وانخداش السرية في المرأة إذا امتنعت، فإذا دعاها رجل فامتنعت فإن السرية قد تنخدش؛ لأنها قد تمنعه خوفاً من الله؛ ولكن في نفس الوقت قد يكون عندها خشية من الفضيحة، أو من الحمل من الزنا، فيكون عندها همان وهي خائفة من الله؛ ولكن ليس خوفاً خالصاً من كل شائبة دنيوية، بينما الرجل يكون خوفه خالصاً.
هناك أمر آخر: أيهما أشق على النفس ويحتاج إلى مجاهدة أكثر؟ أهو الصدقة السرية، أم أن يقول المرء لامرأة ذات منصب وجمال دعتني إني أخاف الله؟
قد يظن البعض أن موضوع المرأة يحتاج مجاهدة أكبر، بسبب الانشغال بها، وهذا ظاهرياً صحيح؛ ولكن باطناً وحقيقة فإن مجاهدة النفس في الصدقة السرية أعلى وأكبر، وأجرها عظيم، ولذلك اختلف ترتيبها في الحديث؛ لأنك عندما تتصدق صدقة سرية تجاهد نفسك في أمرين:
الأمر الأول: هو ما تأمرك به نفسك من الشح والبخل، فتيأس وتتردد في إخراج المال؛ ولذا كان من يوق شح نفسه من المفلحين
وقد كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يدعو في الطواف ويقول: «اللهم قني شح نفسي، اللهم قني شح نفسي» فلما سُئل عن ذلك قال «إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل شيئاً»
[أخرجه عبد بن حميد وابن جرير الطبري في تفسيره].
الأمر الثاني: هو مقاومة رغبة الظهور والـ «أنا»، فالإعلان عن التبرعات في المساجد؛ ليس خطأ من الناحية الشرعية، بل هو مطلوب لتشجيع الناس؛ ولكن الأفضل منه أن تكون الصدقة سرية خالصة لله سبحانه وتعالى.
علاقة التقوى بالاستخلاف تظهر في أشياء كثيرة جداً، وفيما يلي ذكر لنماذج لذلك
نماذج تطبيقية للتقوى في أحكام الطلاق والأسرة
فلو رجعنا إلى موضوع الطلاق في سورة البقرة في الآية يقول الله تعالى
{وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِتَقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
[سورة البقرة: الآية 237] فانظر كيف جاء ذكر التقوى هنا
يقول تعالى {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: الآية 231]
فانظر إلى هذه المهددات الكثيرة والزواجر، من اتخاذ آيات الله هزواً، والأمر بتقوى الله، والعلم بأنه بكل شيء عليم
ثم تأتي آية أخرى لتقول {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة: الآية 241]
ويقول تعالى {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [ سورة البقرة: الآية 232]
فرجعنا إلى التقوى ومراقبة علم الله مرة أخرى، فما علاقة الطلاق بالتقوى؟
وهنا نسأل هل ممارسة المسلمين للطلاق اليوم، تجسد منهج التقوى الذي دعت إليه سورة البقرة، أو سورة الطلاق؟
فسورة الطلاق تتكون من صفحتين، وتكررت التقوى فيها عدة مرات كقوله تعالى
{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}
وقوله تعالى {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}
وقوله تعالى{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [سورة الطلاق: الآيات 2-5]
وعلاقة التقوى بالطلاق، أن الزوج يجب أن يراقب الله تعالى في السر، فهل السبب الذي يطلق زوجته لأجله يستدعي الطلاق فعلاً؟ والمرأة التي تصر على الطلاق هل تملك سبباً حقيقياً؟
والرجل الذي يتهرب من الحقوق المالية الواجبة عليه تجاه زوجته، فيُزَوِر الأوراق الرسمية، بل والأعجب من ذلك الزوج الذي يتوقف عن العمل قصداً، حتى يضار زوجته وأولاده، ويعطيهم نفقة أقل!!
وفي المقابل نجد امرأة من أهل الله، تأتي لتقول: لقد طلقت من زوجي، والمحكمة قضت لي بنصف ثروته، وأريد أن أعرف حقي الشرعي، حتى أرد له ما لا حق لي فيه، على الرغم من وجود خلافات وعراك وأذى بينهما؛ ولكنها تخاف الله، وتخاف الحرام، وحين يبين لها الشرع حقوقها المالية، وترى أن هناك مبلغاً كبيراً يجب رده، تذهب وترده إليه مختارة، فهذه امرأة تطبق التقوى، وتخاف الله سبحانه وتعالى.
وكذلك في قضية الحضانة، ورؤية الأولاد، وقضية الاستقواء بالقانون، عندما تدعي امرأة كذباً على زوجها، ومصلية، وحافظة لكتاب الله وتعطي إجازات في كتاب الله عز وجل، ثم تقول للمحكمة: ليس عندي وقت لرؤية الأطفال، إلا وقت صلاة الجمعة؛ لتضع الأب في خيار بين رؤية أولاده، أو ترك صلاة الجمعة!!
فهل هذه امرأة تتقي الله؟!
فعندنا هذان النموذجان في الواقع، والآية التي نزلت في سيدنا معقل بن يسار رضي الله عنه، وهي قوله تعالى {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} [سورة البقرة: الآية 232]
تبين أن هناك آباء يعضلون بناتهم عن الزواج، ويعطون أسباباً ظاهرية، كقولهم: إن الشاب غير ملتزم دينياً، وغير مناسب للبنت؛ ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم السبب الحقيقي في نفسه، وأنه يملك خطة أخرى في رأسه، فهل هذا يتقي الله سبحانه وتعالى في ابنته؟
إن الانحرافات عن منهج التقوى كثيرة في واقعنا على مستوى الأفراد، ولا يمكن أن ننسى موقفاً حدث، حين جاء زوج وزوجة من بلد آخر، وكان الزوج متعلقاً جداً بزوجته ويحبها وهي تحبه؛ ولكنه لا ينجب، فأراد أن يطلقها خشية لله سبحانه وتعالى، حتى لا يحرمها نعمة الأولاد إذا ما تزوجت بغيره، وهي تريد الطلاق لتبحث عن الأولاد مع غيره؛ ولكنها تحبه وتشفق عليه، فكان هو يبكي وهي تبكي، ولا يريد أحدهما فراق الآخر؛ ولكنها متعلقة بفطرة الأمومة، وجاءا يسألان عن الحكم الشرعي، وكيف يكون الطلاق بما يرضي الله سبحانه وتعالى!!
وفي هذا الموقف نتذكر وثيقة طلاق من القرن السابع الهجري، كان نصها من أعجب ما يمكن، حيث يقول الزوج فيها: «بسم الله تم الطلاق بأمر الله» ويشرع الزوج الذي يتقي الله في الثناء على زوجته، وذكر صفاتها الجميلة وأخلاقها، حتى إن من يقرأ الوثيقة يتساءل، لماذا طلقها؟!!
ثم يقول لها في آخر الوثيقة: «اتخذيني أخاً لك متى وقعت في كربة أو ضائقة أو أزمة فاقصديني وسليني ما تشائين من الأموال»
فانظر كيف كان الناس يقفون عند حدود الله، وكيف أصبح الطلاق مكروهاً وقبيحاً اليوم، بسبب ممارسات المسلمين؛ وليس لأن الله قبحه، فالطلاق مشروع كالزواج تماماً، ويمكن للعبد أن يتقرب بالطلاق إلى الله سبحانه وتعالى، كما يتقرب إليه بالزواج، إذا أوقعه كما أمر الله سبحانه وتعالى، وبأسبابه وبتقوى الله فيه
لقد تحدثت السورة عن التقوى في الرضاع، وتحدثت عنها في القتال، وتحدثت عنها في الحج، وفي مواضع كثيرة جداً؛ لأن أزمة الأمة اليوم هي أزمة تقوى، وأزمة ضمير، وأزمة خشية لله سبحانه وتعالى.
وهذه نظرة إجمالية على سورة البقرة، بالنظر في مفتاحها المتمثل في التقوى، ويمكن أن نربطها بالوسطية أيضاً، فالوسطية معلم منهجي لتحقيق الاستخلاف مثل التقوى تماماً بتمام؛ ولكنه يحتاج إلى حديث خاص مستقل
وفي الختام: أستغفر الله لي ولكم، وللمسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
ملحوظة مهمة: هذه المحاضرة تم تفريغها وتنسيقها للفائدة العلمية من فريق الموقع، وليست بطريقة التصنيف أو التأليف العلمي.