هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
فطرةُ الانحياز للمستضعفين
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 10 يوليو 2026م
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد
فما زال العالم مشغولا ومتفاعلا مع الحدث الرياضي الأشهر والأكبر في العالم، وهو مباريات كأس العالم والتي صعدت فيها بعض الدول العربية، واللافت للنظر في مباريات كأس العالم لهذا العام انحياز الناس في الجملة للفِرق المنتمية لبلدان فقيرة إذا واجهت دولا كبرى عُرفت بظلم أو عدوان على غيرها في تاريخها حتى وإن كانت الدول الكبرى أفضل أداءً وشهرةً من غيرها.
والمشهد الذي لقي احتفاء كبيراً من الناس شرقا وغربا هو رفع علم فلسطين في هذه المباريات، واستثمار الفوز والصعود لإيصال رسالة للعالم عبر وسائل الإعلام العالمية لرفع الظلم والحصار والتجويع عن أهل غزة، فالإنسان بفطرته ينحاز للمستضعف والمظلوم وينصره حتى لو في لعبة لن يكسب منها في الواقع شيئا، فتلك فطرة فُطر الإنسانُ عليها قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون}[الروم:30]
وإذا كنا نغضب لأننا رأينا انحيازا من الحكم لفريق أقوى لأننا استشعرنا الظلم وعدم العدل فالواجب علينا أن نرفض الظلم وأن نسعى لإقامة العدل فيما هو أهم وأعظم من المباريات، وكم من مظالم ارتُكبت، وانتهاكات وقعت، ودماء سفكت، وحرمات انتهكت رآها الناس وعاينوها ولم ينتفضوا غضبا لإنكارها كما انتفضوا غضبا لظلم رأوه من حَكمٍ، أو جهةٍ منظمة في مباريات ولعب ولهو، فالفطرةُ أبداً تدعو الإنسان أن يرفض الظلم وأن ينحاز للمستضعف وأن يسعى لنصرته ومؤازرته، وحين نرى الظلم يقع ولا ننكره ولا نسعى لإقامة العدل في كل ميادين الحياة فنحن نتعجل سنة التداول والاستبدال الحضاري.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إذا رأيتم أمتي تَهابُ الظالمَ أنْ تقولَ له: إنك أنت ظالمٌ، فَقَدْ تُوُدِّعَ منهم” أحمد والحاكم بسند حسن، ومن المفارقات المؤسفة رفض وإنكار الظلم إذا وقع في اللعب وتسويغه والصمت عنه إذا وقع في أشد الأمور خطرا وحرمة في الإسلام وهو أمر الدماء.
وهذه إضاءات حول فطرة الانحياز للمستضعفين:
1- قصص المستضعفين في القرآن:
إن التأمل في القرآن الكريم ينتج تكرار قصص المستضعفين ومقاومة الأنبياء والمرسلين للظلم والاستبداد كما في قصة موسى مع فرعون، وإبراهيم مع النمرود، وقصة أصحاب الأخدود، وقصة يوسف في السجن، وقصة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في مكة، وهذا التكرار لقصص المستضعفين في القرآن له حِكم كثيرة بالغة منها:
2- نصرة الضعيف من أهم صفات النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة:
من أدق الأوصاف التي وُصف بها النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ما وصفته به زوجته خديجة رضي الله عنها في بدء نزول الوحي عليه، حيث قالت له مطمئنة إياه: “كلَّا، أَبْشِرْ، فواللهِ لا يُخْزِيكَ اللهُ أبدا، فوالله إنَّكَ لَتَصِلُ الرحِم، وتصدُق الحديث، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْف، وتُعِين على نَوَائِبِ الحقِّ” رواه البخاري.
والمعنى كما قال العلماء: إنه لا يصيبه مكروه، لِمَا جمع الله تعالى فيه من هذه الصفات الحميدة الدالة على مكارم الأخلاق وحُسْن الشمائل، وأمتنا في مجموعها إنْ نصرت الضعيف وآزرت المظلوم و أطعمت الجائع لا يخذلها الله أبدا، وأما إن خذلت المستضعفين وتشاغلت عنهم بتوافه الأمور وطلبت السلامة لنفسها، وآثرت دنياها على نصرة الضعفاء والمظلومين فالخذلان والذلة والصغار مصيرها.
قال ابن القيم:” فقالت: أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، ثم استدلت بما فيه من الصفات على أن منْ كان كذلك، لم يخزه الله أبدا، فعلمت بفطرتها وكمال عقلها، أن الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة تناسب كرامة الله وإحسانه، لا تناسب الخزي”
3- واجب المسلمين في الغرب حماية الفطرة:
يحمل المسلمون في الغرب رسالة عظيمة بتحقيق مقصد الشهادة على الناس، قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}[البقرة:143]
وفطرة الإنسان مسلماً كان أو كافرًا الانحياز للمظلوم والضعيف غير أن الإعلام المتحيز يقلب الحقائق ويحول الظالم إلى مظلوم، والضحية إلى جاني، والمعتدى عليه إلى معتدي، فيقلُّ التعاطف مع المظلوم أو تُنسى قضيته فلا يتحمس لها أحد، وواجب المسلمين في الغرب التعريف بقضايا المظلومين والتذكير الدائم بها، وإيجاد القنوات الرسمية التي تهدف لرفع الظلم ونصرة المستضعفين، والعمل الدائم على إيقاظ الفطرة لدى الأوروبيين، ولابد أن يكون المسلمون في الغرب قدوة أولاً في أنفسهم بإيقاظ الفطرة في قلوبهم، وتربية أولادهم على الفطرة النقية التي تأبى أن ترى ضعيفاً وتتقاعس عن نصرته، وأيضا ضرورة الحذر من الانتقائية في النصرة فلا ينصر المسلمون إلا الضعيف المسلم، وهذا يُفقدهم مؤازرة المجتمع غير المسلم لهم في قضاياهم العادلة، والقرآن علمنا أن لا نفرق في الإطعام والإغاثة بين مسلم وغير مسلم قال تعالى:” {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}[الإنسان:8].
4- ضرورة النصرة العملية للمستضعفين:
لقد فرح الناس فرحا كبيرا برفع علم فلسطين عقيب الفوز في إحدى المباريات، وتصريح مدرب الفريق المصري بتعاطفه مع أهل غزة وإهدائه الفوز لهم ومطالبته برفع الحصار عنهم وإدخال الطعام والمساعدات إليهم، بينما انتقد البعض المبالغة في تقدير الفعل قائلين: وما الفائدة التي عادت على أهل غزة برفع العلم وبإهداء الفوز لهم؟ هل دخل الطعام لهم، وهل تحررت فلسطين برفع العلم وبهذا الإهداء؟!
والواجب أن لا نُحقِّر من المعروف شيئا، وكلُّ فعلٍ أو قول صغر أم كبر يلفت النظر لقضايا المظلومين والمستضعفين العادلة ويحرك العالم لإغاثتهم ويحرجه لتقاعسه عن نصرتهم يجب أن يُثمن غالياً ويقدر، وأن يُشكر صاحبه، وإذا كان الكلام ورفع العلم ليس فعلا مثمرا فلنفعل نحن ذلك العمل المثمر والنافع لغزة وأهلها بعد مرور ألف يوم على الحصار والموت والتجويع، وبعد استحالة الحياة على أرض غزة، والواجب العملي البناء على إيقاظ القضية وإحياء معاناة أهل غزة بالمبادرات العملية السلمية والحضارية والقانونية التي ترمي إلى دعمهم ونصرتهم وإغاثتهم.
قال تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ}[الأنفال:72]، أما الاكتفاء بالنقد والتهوين والتحقير من المواقف والأفعال دون عمل فمسلك العاجزين والمثبطين.
قال الشاعر:
أيها العائب أفعال الورى أرنا بالله ماذا تفعلُ
لا تقل عن عمل ذا ناقص جيء بأوفى ثم قل ذا أكمل
إن يغب عن عين سار قمر فحرام أن يلام المشعل
اللهم أغث أهلنا في غزة، وكن للمستضعفين في كل مكان، وارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأعنا على نصرة المظلومين في كل مكان، والحمد لله رب العالمين.
لتحميل الخطبة اضغط هنا
فطرةُ الانحياز للمستضعفين