هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
رسائل وعِبر من حر الصيف في أوروبا
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا. 3 يوليو 2026م
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد
فقد عاشت ألمانيا وأوروبا أياما عصيبة الأسبوع الماضي حيث ارتفعت درجات الحرارة إلى معدلات غير مسبوقة منذ عام 1947م حيث تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية في بعض المدن، في منظومة حياة مصممة ومهيأة للبرودة لا للحرارة حيث لم يتخيل أحد أن تصل الحرارة في أوروبا إلى هذه المعدلات، وقد كان أهل الخليج يفرون من حر بلادهم صيفا إلى طقس أوروبا المعتدل برودة فإذا بها تتحول إلى ما يشبه طقس الخليج المتوقد، فأُغلقت المدارس وارتفعت معدلات الوفيات غرقا واختناقا من شدة الحرارة، وهرب الناس إلى بيوت غير مكيفة ينتظرون الفرج وانتهاء هذه الموجة الحارة القاسية العنيفة، تأثر كلُّ شيء بهذه الموجة الحارة غير المسبوقة في أوروبا.
المسلم له في كل حدث يمر به آية وعبرة يتزود فيها من دنياه لآخرته فيتوب ويعود إلى ربه ويستقيم على أمره، قال تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الأَبْصَار}[النور:44]
وهذا الحر الشديد يذكرنا بحر جهنم لنستعيذ بالله منه ونبحث عن السبيل للوقاية والنجاة منه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” اشتَكَتِ النَّارُ إلى رَبِّها، فقالت: يا رَبِّ، أكَلَ بَعضي بَعضًا، فأذِنَ لَها بنَفَسَينِ: نَفَسٍ في الشِّتاءِ، ونَفَسٍ في الصَّيفِ، فهو أشَدُّ ما تَجِدونَ مِنَ الحَرِّ، وأشَدُّ ما تَجِدونَ مِنَ الزَّمهَريرِ” متفق عليه.
ونحن عندما نلوذ بالبيوت والسيارات نستظل بها من الحر الشديد، وشربة الماء البارد نطفئ بها شدة العطش والظمأ نتذكر أمنية أهل النار {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِين}[الأعراف:50]، والمشهد كله تلخصه هذه الآية التي تصف نعيم أهل الجنة الذي لا حر فيه ولا برد قال تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلاَ زَمْهَرِيرًا}[الإنسان:13]
وهذه أهم الرسائل والعبر من هذا الحدث:
1- بما كسبت أيديكم:
يقول ربنا تبارك اسمه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون}[الروم:41]، وظهور الفساد في البر بقلة الزرع والنبات، وانقطاع المطر، وهلاك الدواب والأنعام، وفساد البحر بقلة صيده، وانقطاع بركته، وتوقف حركة الملاحة بسبب الظلم، وهذا الفساد يقع في البر والبحر بسبب ظلم العباد وذنوبهم وما كسبته أيديهم، وما رأيناه من ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة هو من مظاهر الفساد في البر والبحر الواقعة بسبب كسب الإنسان سواء بكثرة الظلم والطغيان الذي يقع منذ سنوات تحت سمع العالم وبصره، أو بعدوان الإنسان على نظام الحياة المسخر له، فارتفاع درجات الحرارة في أوروبا أحد أهم أسبابه التغيرات المناخية، والاحتباس الحراري الذي يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض لتراجع الغطاء الجليدي في أنحاء أوروبا، حيث تعمل الثلوج على عكس أشعة الشمس إلى الفضاء، ومع تقلص الكتلة الجليدية تمتص الأرض والمحيطات قدرا أكبر من الحرارة، وهو ما يؤثر بالتبعية على تسارع وتيرة الاحترار المناخي، فذوبان جليد القطب يكشف المياه ويعرضها لأشعة الشمس فترتفع حرارتها؛ فقد تراجعت نسبة الثلوج الى ثلث المعدل الطبيعي، فسخنت التربة بسبب انبعاثات المصانع، والحل بالتوبة والرجوع إلى الله أولاً، وحماية البيئة وما سخره الله للإنسان فيها من كل صور العدوان عليها وتغييرها لتحقيق المكاسب المادية، فما لم نوقف سبب ارتفاع حرارة الأرض ستستمر الموجات الحارة المهددة لحياة الإنسان والحيوان على الأرض.
2- الشعور بالآخرين والسعي للتخفيف عنهم:
إن حصار درجات الحرارة لنا على مدار الأيام الماضية وسعينا للتخفيف من أضرارها ومخاطرها بالبقاء في البيوت وشرب الماء البارد يجب أن يذكرنا بنعم الله علينا لنشكره ونعبده حق عبادته من جهة، ونتذكر إخواننا الذين يعيشون في هذه الحرارة طوال الوقت في غزة وفلسطين وفي السجون والمعتقلات، وفي بقاع شتى يكثر فيها الظلم ويقل أو ينعدم فيها ما يقي الناس من مضار الحر ومخاطره، وهو ما يوجب علينا تذكرهم بالدعاء وعدم نسيانهم من بذل الجهد للتخفيف عنهم، وتعريف العالم بمعاناتهم ومأساتهم، “فالمسلمُ أخو المسلمِ لا يظلِمُه ولا يُسلِمُه مَن كان في حاجةِ أخيه كان اللهُ في حاجتِه ومَن فرَّج عن مسلمٍ كُربةً فرَّج اللهُ بها عنه كربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ ومَن ستَر مسلمًا ستَره اللهُ يومَ القيامةِ” متفق عليه.
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ . مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى” متفق عليه. وقد تألمت أجساد إخواننا وسمعنا صرخات أطفالهم وأنات أمهاتهم فما تداعينا لنصرتهم، وإن تداعينا فسرعان ما شغلتنا الدنيا فأنسينا رغم كون الألم في جسدنا وأعضائنا.
وعن عبدالله بن سهل بن حنيف، عن أبيه، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: “من أعان مجاهدًا في سبيل الله، أو غارمًا في عسرته، أو مكاتبًا في رقبته، أظلَّه الله يوم لا ظل ألا ظله” أحمد والطبراني بسند صحيح.
3- المسارعة إلى الأعمال التي نستظل بها من حر جهنم:
لقد سارع الناس إلى الاستظلال من حر الشمس ولهيبها، واقتناء المراوح والمرطبات طلباً للسلامة وحفاظا على الأرواح وتخفيفا للحرارة وآثاراها، ولكنَّ حرَّ ونار الآخرة أشد وأطول أمدا، فالواجب علينا أن نبحث عن الأعمال التي نستظل بها يوم القيامة من حر جهنم لنسارع ونبادر إليها ومن أهمها:
الصيام في الحر؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” من صام يومًا في سبيل الله باعَدَ اللهُ بذلك اليوم حرَّ جهنم عن وجهه سبعين خريفًا” الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد بسند صحيح.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، في اليوم الحار الشديد الحر، وإن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما في القوم صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبدالله بن رواحة؛ ابن ماجه.
وخرج ابن عمر رضي الله عنه في سفر معه بعض أصحابه، فوضعوا سفرة لهم، فمر بهم راعٍ، فدعوه إلى أن يأكل معهم، فقال: إني صائم، فقال ابن عمر: في مثل هذا اليوم الشديد حره وأنت بين هذه الشعاب في آثار هذه الغنم وأنت صائم؟! فقال: أبادر أيامي هذه الخالية.
فهنيئا لمن وفقه الله لصيام يوم عاشوراء في هذا الطقس الحار واليوم الطويل.
ومن الأعمال التي نستظل بها من حر جنهم: الصدقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إنَّ الصدقةَ لتُطفئُ عن أهلِها حرَّ القبورِ، وإنما يستظلُّ المؤمنُ يومَ القيامةِ في ظِلِّ صدقتِه” الطبراني والبيهقي بسند صحيح، ومنها: إنظار المعسر والتخفيف عنه، فعن أبي اليسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله” أحمد بسند صحيح، ومنها الحب في الله؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: “إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابُّون بجلالي؟ اليوم أظلُّهم في ظلي يوم لا ظلَّ إلا ظلِّي” مسلم.
4- حرُّ الدنيا وحرُّ الآخرة:
إنَّ حرَّ الدنيا الذي ضقنا به ذرعا لبضعة أيام ليس شيئا يذكر أبدا أمام حر الآخرة ولنتأمل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ” تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ؛ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ… فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا، وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ” رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال:”إنَّ نارَكُم هذِهِ جزءٌ مِن سبعينَ جُزءًا من نارِ جَهَنَّمَ، ولَولا أنَّها أُطْفِئَت بالماءِ مرَّتَينِ، ما انتفعتُمْ بِها، وإنَّها لتدعو اللَّهَ عزَّ وجلَّ أن لا يعيدَها فيها” ابن ماجة والحاكم بسند صحيح.
فالمؤمن صاحب القلب الحي إذا رأى حرارة الدنيا تذَّكر حرارة الآخرة فاستعاذ بالله منها وفرَّ من كل ذنب يقربه منها، وفزع إلى كل سبب يبعده عنها، وصاحب القلب الحي يعتبر بما يمر به من آيات، وهذا كان حال أئمة السلف يخافون النار فيعملون للنجاة منها.
يقول أَبُو نُوحٍ الْأَنْصَارِيُّ: “وَقَعَ حَرِيقٌ فِي بَيْتٍ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، النَّارَ، يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، النَّارَ، فَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى أُطْفِئَتْ فَقِيلَ لَهُ: مَا الَّذِي أَلْهَاكَ عَنْهَا؟ فَقَالَ: أَلْهَتْنِي عَنْهَا النَّارُ الْأُخْرَى “
اللهم أجرنا من النار، ومن كل عمل يقربنا إلى النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، اللهم إنا نعوذ بك من حر وزمهرير جهنم، اللهم كن لأهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين سندا ومعينا ووليا ونصيرا، وفرج عن المستضعفين في كل مكان يا رب العالمين، والحمد لله رب العالمين.
لتحميل الخطبة هنا:
رسائل وعِبر من حر الصيف في أوروبا