هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
أهمية عدم التمذهب في فقه الأقليات
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام حضارة المسلمين، وبعد.
فمن الأصول التي يقوم عليها الاجتهاد للمسلمين الذين يعيشون في الغرب، ومن المبادئ الفقهية المهمة التي يعتمدها المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في اجتهاداته:عدم التمذهب
معنى عدم التمذهب:
عدم التقيد بمذهب واحد، في عملية الاجتهاد لفقه الحضور الإسلامي في الغرب، أو ما اصطلح عليه بـ “فقه الأقليات”
وهذا موضوع مهم لكل مسلمٍ؛ ليس فقط المسلم الذي يعيش في الغرب؛ لكنه يكون أكثر أهمية بالنسبة للمسلم الذي يعيش في الغرب، مراعاة لخصوصياته الثقافية والدينية والقانونية، ولتضاعف التحديات التي يمر بها؛
لكن الأصل بالنسبة لأي مجتهدٍ، أن يكون على إطلاع بكافة الآراء الفقهية، في المسألة التي يجتهد فيها، أو يدلي برأيه فيها
ولذلك اشترط علماء الأصول في المجتهد أو المفتي، أن يكون على علم باختلاف الفقهاء.
لماذا يكون على علم باختلاف الفقهاء؟
لأنه إذا كان فقيهاً في مذهب واحد فقط من المذاهب الأربعة مثلًا، فالمستفتي الذي يستفتيه إذا أجابه بحسب هذا المذهب، الذي يعرفه؛ لأنه لا إطلاع له على غيره، وكان حل المسألة أو المشكلة في المذهب الآخر، فقد ضيق على هذا المستفتي، وأعنت عليه.
وليس أمام عموم المجتهدين اليوم في هذا العصر، مع تحدياته ومشكلاته، إلا التنقل بين المذاهب؛ بل بين آراء الفقهاء، وفقهاء الصحابة وأئمة السلف، والأئمة المتبوعين، غير الأئمة الأربعة
توسعة وقت رمي الجمار في الحج
في فتاوى الحج ونوازل الحج، لو تقيد المفتي أو الفقيه فيها بمذهب واحد؛ لضيق على الناس ولأعنت عليهم، ولأصبح عموم الحجاج في حرج، وفي إشكال كبير قد يؤدي إلى المخاطرة بأرواحهم أحياناً
جمهور الفقهاء: يقولون بأن وقت رمي الجمرات في الحج، من الزوال، أي: منتصف النهار، إلى غروب الشمس، وهذه مساحة زمنية قليلة جداً، لا تكفي لملايين الحجاج الذين يقومون فيها برمي الجمار في أيام التشريق
لكن قال عطاء وطاووس من فقهاء وأئمة السلف، وتبعهم في هذا عدد كبير من الفقهاء المعاصرين، بتوسيع وقت الرمي من قبل الزوال، ومن بعد غروب الشمس، وهذا توسيع وتخفيف، ورفع للحرج عن المسلمين
اشتراط الطهارة للطواف
جمهور الفقهاء يشترطون الطهارة للطواف، ويعتبرون الطواف مثل الصلاة، كما ورد في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاَةِ، إِلاَّ أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلاَ يَتَكَلَّمَنَّ إِلاَّ بِخَيْرٍ» [ أخرجه الترمذي في سننه]
ولكن ذهب ابن حزم وابن تيمية وابن القيم وعدد من الفقهاء المعاصرين، كالشيخ ابن عثيمين ومن وافقه، إلى أن الوضوء ليس شرطاً لصحة الطواف، وإنما هو سنة، وعليه فإن من طاف بغير وضوء، فطوافه صحيح ومجزئ، ولا إعادة عليه، وعمرته وحجته صحيحة.
هل معنى هذا أننا سنقول للناس طوفوا بغير وضوء؟ أبداً هذا لا يقول به فقيه؛ وإنما سيجعل هذا الرأي رخصة، وبطاقة في يد المفتي يخرجها وقت الحاجة
كأن وجَدَ حاجاً مسناً في وقت زحام، فقد وضوءه، والوضوء بالنسبة له مشكلة معضلة كبيرة، فيفتيه عندئذ بهذا الرأي
أما إذا لم يكن على اطلاع بهذا الاجتهاد الفقهي، الذي قام عليه دليل معتبر، فسيؤدي إلى أن يحرج الناس وأن يشدد عليهم
ولذلك العلماء قالوا: إن المسلم في أي مكان في أوروبا، أو في غير أوروبا، لا يلزمه أن يتقيد بمذهب معين
موقِف الأئمة أنفُسِهم مِن التقيد بمذاهبهم
أنكر الفقهاء والأئمة التقيد بمذاهبهم، وتكرر منهم الإنكار والرفض، وعدم التزامهم هم بمذاهبهم، والآثار المأثورة عنهم شواهد على ذلك:
يقول الإمام أبو حنيفة: هذا رأينا فمن جاءنا بأحسن منه قبلناه، يعني هذا اجتهاد
ويقول الإمام مالك: كل يؤخذ من كلامه ويرد، إلا صاحب هذا القبر، ويشير إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم
ويقول الإمام الشافعي: إذا رأيتم حديثاً يخالف قولي، فاضربوا بقولي عرض الحائط
وليس في كتاب الله، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نص أو قول، يلزم المسلم في أي مكان باتباع مذهب معين
الفرق بين إفتاء المجتهد وتتبع الرخص
هذه ليست دعوة للفوضى أو لعدم التمذهب، التمذهب مطلوب جداً في حق المجتهد، أو طالب العلم، أو المشتغل بالفقه، فلا يمكن أبداً أن يتكون الفقيه أو المجتهد، حتى يدرس ويتمكن من الفقه على مذهب معين، ويعرف أصوله وفروعه، لكن إذا أراد أن يفتي الناس، لابد أن يطلع على كل الآراء، وينظر في الواقع، ويعطي المستفتي الرأي الذي يتناسب مع حالته ومع ظرفه، ويوسع عليه كما هو الأصل في عملية الفتوى والاجتهاد، خاصة في السياق أو في الواقع الأوروبي.
هذه أيضاً ليست دعوة إلى أن يبحث الناس، أو أن يتتبعوا الزلات والرخص، والأقوال الشاذة، التي لم يقم عليها دليل.
نحن نتحدث بهذا الخطاب ليس إلى العوام؛ إنما إلى المفتين، وإلى المجتهدين، وإلى المؤسسات الفقهية الاجتهادية الجماعية، كالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ونشرح كيف يعتمد المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث منهجية التنقل بين المذاهب، وأن هذه منهجية صحيحة، والمنهجية المرفوضة هي تتبع الزلات، وتتبع الرخص حتى نصل إلى صورة تلفيقية مذمومة، لا تصح عند أي مذهب، أو عند أي فقيه من الفقهاء
أثر التمذهب داخل أوروبا وخارجها
إن المناسب للمسلمين في أوروبا هو ترك التمذهب؛ بل إن المذهبية أو إجبار الناس على مذهب واحد، أو أن تتبنى المرجعية الفقهية والإفتائية للمسلمين في الغرب، فيقول مجلس الإفتاء أو لجنة الفتوى هناك نحن سنسير على المذهب المالكي، أو المذهب الحنفي، أو غير ذلك، فهذا خطأ كبير
لأن التمذهب لا يمكن أن يجمع كلمة المسلمين في بلد؛ إلا إذا تبنته الدولة، فإذا تبنته الدولة كتركيا التي تعتمد المذهب الحنفي، فإن رئاسة الشؤون الدينية بها تنظم حركة الدعوة، وحركة المساجد والإمامة، فبما أن الدولة تتبنى مذهبًا، فالمذهب جامع لكلمة المسلمين في هذا البلد
وكذا المغرب، يتمذهب بالمذهب المالكي، وهناك هيئة ودولة تتبنى هذا المذهب، وكل المساجد تصلي وفق هذا المذهب
وفي السودان نفس الشيء، وإذا ذهبت إلى روسيا تجد المذهب الحنفي كما في تركيا، فيتمذهبون بمذهب واحد
فالدولة أو الهيئة التي تقوم على الشأن الديني في البلد، هي التي تنظم هذه العملية، وهي التي تقوم عليها، فيمكن أن يحقق المذهب الوحدة الفكرية والثقافية، لمجموع المسلمين في البلد، وفي المساجد
أما في أوروبا فالوضع مختلف، ففي أوروبا هناك تجمعات إسلامية انحدرت من بلدان كثيرة، كل تجمع جاء بمذهب، فإذا قلت للأتراك ابقوا على مذهبكم الحنفي، وقلت للمغاربة ابقوا على مذهبكم المالكي، وقلت للسعوديين ابقوا على المذهب الحنبلي، وقلت للصوماليين ابقوا على المذهب الشافعي، فإذا تجمع هؤلاء في مسجد واحد، فكيف يصلون؟
وإذا كانت هناك عصبية مذهبية، سنفرق المسلمين وسنحزبهم وسنشتتهم، فضلاً عن أننا سنشق على المسلمين في هذا البلد، وسنوقعهم في الحرج والمشقة؛ لأنه قد يكون رفع الحرج عنهم، في عدم التقيد بمذهب أبي حنيفة في هذه المسألة، أو عدم التقيد بمذهب الشافعي في هذه المسألة، وبالتالي عدم التمذهب هو الذي يناسب فقه الحضور الإسلامي في الغرب
أذكر أننا كنا في اجتماع مع ألمانيين ومجموعة من الأئمة من مختلف الدول والمذاهب، أردنا أن نصلي وكان الوقت ضيقاً، واقترح بعض الأئمة أن نجمع بين الصلاتين تقديماً؛ حتى نستطيع أن نستمر في اجتماعاتنا، واعتبروا أن هذه رخصة؛ لكن كان معنا أئمة يتمذهبون بالمذهب الحنفي، فقالوا: لا، نحن ليس عندنا استعداد أبداً أن نأخذ معكم بهذا الرأي، واضطر الناس إلى أن يتفرقوا في هذه الصلاة، وغير المسلمين من الألمان لم يستوعبوا هذه الصورة التي يرونها!!
تطبيقات فقهية وقع بسببها عدم الفهم عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث
النموذج الأول: بقاء المرأة المسلمة تحت زوجها الكافر
إذا تزوجت المرأة المسلمة برجل غير مسلم، فهذا لا يجوز، ولم يقل بجوازها أحد من العلماء، أما الصورة التي معنا فهي كالتالي:
إذا تزوجت المرأة الغير مسلمة برجلٍ غير مسلم، وعاشت معه وهي غير مسلمة، ثم شرح الله صدرها إلى الإسلام، وبقي زوجها على الكفر، وعندهم أولاد، والزوجة تحب زوجها
جمهور الفقهاء يقولون بوجوب التفريق فوراً، بين هذه المرأة وبين زوجها، فمبجرد نطقها بالشهادتين تترك زوجها فوراً
ولكن إذا علمت المرأة قبل إسلامها أنه بمجرد إسلامها سيفرق بينها وبين زوجها، ربما تمتنع عن الدخول في الإسلام، وإذا علم الزوج أن هذا الإسلام يفرق بين المرء وزوجه، وكان يمكن أن يفكر في الدخول في الإسلام، ربما امتنع عن الدخول في الإسلام
وبالتالي عندنا مفاسد كثيرة جداً، ستترتب وتنبني على القول برأي الجمهور
هل معنى هذا أننا نريد أن نخرج على النصوص، مراعاة لهذه المصلحة الدينية التي ذكرت؟
أبداً، كان العلماء في مقدمتهم شيخنا العلامة الإمام/ يوسف القرضاوي يفتي برأي الجمهور، ويقول:إنه لا يجوز للمرأة أن تبقى مع زوجها إذا أسلمت، وعلى هذا اتفاق الأئمة والعلماء، حتى إطلع على بحث المجلس الأوروبي للإفتاء في هذه المسألة، فوجدها مسألة خلافية
فقد اختلف العلماء فيها، فقد ذكر الإمام/ ابن القيم في كتابه “أحكام أهل الذمة” أن في هذه المسألة تسعة أقوال، وعندما حقق هذه الأقوال الشيخ/ عبد الله الجديع الرئيس الأسبق للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وجد أن الأقوال في المسألة 13 قولاً، فأصبحت المسألة واسعة
فإذا التزمنا بأقوال الأئمة الأربعة، وجمهور الفقهاء نقول: نعم يفرق بينها وبين زوجها فوراً
وإذا وسعنا الأمر وأخذنا بقول أحد فقهاء الصحابة مثل: سيدنا عمر بن الخطاب، وسيدنا علي بن أبي طالب، ووافقهم ابن تيمية، وابن القيم على هذه الآراء، هذا التوسيع أن المرأة يمكن أن تتربص إسلام زوجها، فتنتظر فترة العدة، وتبقى معه بعد العدة، إذا توقعت أن يتعرف على الإسلام بعد إسلامها، وأن يسلم، فإذا أسلم لا تحتاج إلى إجراء عقد جديد
والمجلس هنا لا يتوسع بإطلاق، فقال مثلًا: إذا أسلمت المرأة قبل الدخول بها، يفرق بينهما فوراً، ولا تنتظر، ولا يتمم الدخول بها
لكن إذا دخل بها، وكانت الزوجية قائمة، وكان عندهم أولاد، ثم أسلمت، فتوسع المجلس وأعطى بحبوحة من الوقت، والبقاء مع زوجها، بالنظر إلى أن المسألة خلافية، ووجود آراء أخرى في هذه المسألة توسع على المسلمين، وتحفظ على المسلمة الجديدة دينها، وتعطي وتمنح الزوج فرصة أخرى للتعرف على الإسلام، والالتحاق بزوجته إسلاماً
والقاعدة الفقهية “أنه يغتفر في البقاء، ما لا يغتفر في الابتداء” يعني: الحكم قبل وقوع الواقعة شيء، وبعد وقوعها شيء آخر
وهناك فرق كبير بين أن تكون المرأة الأوروبية قد أسلمت، وتريد أن تتزوج برجل غير مسلم، فهنا نقول لها لا يجوز قولاً واحداً، وبين أن تكون هي متزوجة بزوجها، ومستقرة معه، وعندها منه أولاد، ثم تسلم، ونقول لها بالتفريق الفوري
فعدم التفريق الفوري والتوسعة هو تطبيق لعدم التمذهب مثل ما ذكرت
النموذج الثاني: نجاسة الكلب وطهارته
معلوم أن اقتناء الكلاب، ووجودها في البيوت في أوروبا، ثقافة مجتمعية لها مقاصد وعندها أهداف، فهم يستأنسون بالكلاب، ويحبون وجود الكلاب والحيوانات في البيوت، وكثير من الأسرة والعائلات تتخذ أكثر من كلب في البيوت، وبعض الثقافات تعتبره وسيلة عملية للإكراه على التريض، والخروج وممارسة المشي والحركة في الأوقات المختلفة
فالكلاب موجودة في المجتمع، وفي المواصلات، وفي الشوارع، وفي المنازل، والذين تزوجوا بأوروبيات مسلمات أو غير مسلمات، وبدأت الأجيال الجديدة تتأثر بهذه الثقافة، ثقافة اقتناء الكلاب؛ بل أصبحت موجودة حتى في العالم العربي والإسلامي الآن
إذا أخذنا بقول جمهور الفقهاء “ما عدا الإمام مالك” فإننا سنشدد على الناس جداً في مسألة نجاسة الكلاب، في الثياب، وفي المكان، وفي كل شيء يتحرك فيه الكلب، أو يمسه الكلب، أو يصيبه بلعابه
الإمام مالك من أوسع الأئمة والأقوال في نجاسة الكلاب، فيقول إن الكلب كله طاهر، حتى لعاب الكلب نفسه طاهر، ونجاسة الكلب فقط في بوله وغائطه ومنيه؛ أما لعاب الكلب نفسه فطاهر
ودليله من أقوى ما يمكن استدل بقول الله تبارك وتعالى:﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة، آية 4]فالله سبحانه وتعالى أباح أكل ما اصطاده الكلب، وهو سيمسكه بفيه، وسيصيبه بلعابه، ولم يأمرنا بغسل ما مسه الكلب، فهذا معناه أن الكلب طاهر
وكانت الكلاب تروح وتجيء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فما كان الصحابة يرشون شيئاً، ولا يطهرون مواضعها؛ فدل هذا على طهارة الكلب
هذا الاجتهاد وهذا الرأي هو الذي يناسب المسلمين الذين يعيشون في الغرب
حكى لي إمام أن مسلماً ألمانياً دخل عليه في المسجد، وهو غاضب جداً، وطرح عليه هذا السؤال، قال له: أريد أن أفهم لماذا يكره الإسلام الكلب هكذا
فقال له الإمام: من قال لك إن الإسلام يكره الكلب؟!
قال: أنا سمعت عندكم أنكم تقولون إن الكلب غير طاهر، ولا يمس، ويجب التنظيف، وكلما قابلني مسلم يهرب ويجري إذا اقترب كلبي منه، فأريد أن أفهم ما هو الموقف الذي بين الإسلام وبين الكلب؟!
قال له الإمام: لا، فالكلب مذكور في القرآن، وخلد الله سبحانه وتعالى ذكره في سورة الكهف، قال الله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [ الكهف، الأية 18]
وغفر الله سبحانه وتعالى لرجل ولامرأة، سقيا الكلب وعطفا عليه، وقص عليه طرفاً من هذا، كما ورد في الأحاديث:فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ». [متفق عليه]
وقال له الإمام: إن الرأي الذي نتبناه هنا في الغرب هو: أن الكلب طاهر، وقص عليه طرفاً مما قلت
يقسم لي الإمام أن هذا الرجل خرج من المسجد مسلماً، أسلم بعد أن صُحِّحت عنده الصورة المغلوطة، وقدّم له الاختيار الفقهي الذي يتناسب مع ثقافته، وبيئته التي يعيش فيها
فهنا نحن لم نخرج على الأصول الشرعية، فرأي الإمام مالك رأي وجيه معتبر، فإذا كان رأي غير الإمام مالك يتناسب مع بيئة أخرى، فليفتِ بها الفقيه أو المفتي؛ لكن المسلم الذي يعيش في الغرب يناسبه هذا الرأي أكثر من غيره
النموذج الثالث: ميراث المسلم من غير المسلم
هذه المسألة أيضاً، من الاختيارات الفقهية التي اختارها المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، فيحدث كثيراً أن يعتنق أحد الإسلام، وتبقى عائلته، أو يبق أبواه على الكفر، فيموت الأب، أو تموت الأم، ويريد أن يرث الابن الذي أسلم منهما
فالأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء يقولون بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى». [رواه أبو داود في سننه]
والحديث الآخر نصه يشرح هذا الحديث، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ». [ متفق عليه]
هذا حديث واضح، في أن المسلم إذا أسلم لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم
قال الناظم في متن الرحبية:
وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ المِيرَاثِ … وَاحِدَةٌ مِنْ عِلَلٍ ثَلَاثِ
رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلَافُ دِينِ … فَافْهَمْ فَلَيْسَ الشَّكُّ كَالْيَقِينِ
لكن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث وجد أقوالاً أخرى، لعددٍ من فقهاء الصحابة، وأئمة السلف، كمعاذ بن جبل وسعيد بن المسيب ووافقهم على هذا ابن تيمية وابن القيم يقولون:
يجوز للمسلم أن يرث غير المسلم، ولا عكس، وتأولوا حديث “لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم” قالوا: هذا في الكافر المحارب الحربي، أما الكافر المسالم مثل واقع الوجود الإسلامي في الغرب، فيجوز للمسلم أن يرث غير المسلم ولا عكس
وقاسوا هذا على مشروعية زواج المسلم من الكتابية، وعدم جواز زواج المسلمة من الكتابي
وقالوا أيضاً: إن الصحابة لم يمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم من الاستفادة من أموال آبائهم الكفار، أو من أخذها
ووجد المجلس في هذا الرأي توسيعاً على المسلمين، وإن خالف في هذا الاجتهاد رأي جمهور الفقهاء الذين قالوا: بأن المسلم لا يرث من غير المسلم، وغير المسلم لا يرث من المسلم
وكما رأينا فإن الالتزام بالتمذهب هنا، أو بالمذاهب الأربعة يضيق على المسلمين، ويحرج عليهم، ويضر ويخل بمقصد التطلع إلى التعريف بالإسلام، وحفظ الدين على المسلمين الجدد، الذين اعتنقوا الإسلام حديثاً
النموذج الرابع: اشتراط الولي في عقد الزواج
وهذه المسالة أيضًا، من القضايا التي ينطبق عليها خطر التمذهب، والتزام الفقيه أو المفتي أو الإمام الذي يعيش في الغرب بمذهبه، المذهب الذي درسه، أو الذي نشأ عليه، أو الذي يفتي به في بلده الأصلي، الذي قدم منه
معلوم أن جمهور الفقهاء يشترطون لصحة عقد الزواج موافقة الولي، فيقولون: إن العقد لا يقع صحيحاً إلا إذا وافق ولي الفتاة على الزواج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ». [ رواه أبو داود في سننه]
وعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: «لا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ». [رواه البيهقي في سننه الكبرى]
فلا يصح النكاح إلا بموافقة الولي وهذا ليس سلباً لرأي المرأة، أو لحريتها في اختيار الزوج الذي تريد
فالإسلام أعطى المرأة الحرية في أن تختار الزوج؛ بل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فسخ عقد نكاح تممه الأب دون استشارة ابنته، ولما شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أمر الزواج إلى هذه الفتاة، فأمضت ما أمضاه الأب
فعن خنساء بنت خذام الأنصارية رضي الله عنها: «أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ نِكَاحَهُ». [ رواه البخاري]
فهذا إجراء شرعي، وأحد الضمانات لاستقرار واستمرار الأسرة، فكأن الولي ينير الطريق لابنته، يقول لها: هذا الزوج لا يناسبك، هذا الزوج لا يصلح لك، من أجل كذا وكذا، وهذا الزوج يناسبك، بحسب خبرته الكبيرة في الحياة، ثم يجعل القرار النهائي له
الإمام أبو حنيفة خالف جمهور الفقهاء، وقال: يجوز للبنت البكر البالغة أن تزوج نفسها بغير إذن وليها
هذا الرأي يجعله كذلك الفقيه رخصة في جيبه، فهذه ليست دعوة أبداً إلى أن الفقيه يقول: أنا أُفتي برأي أبي حنيفة، ويؤلب البنات على الآباء والأمهات، ويقول لكل بنت تعيش في أوروبا تزوجي بدون موافقة الأب، هذا لا يقول به أحد
ولكن رأي أبي حنيفة يسعفنا في بعض الصور الاستثنائية، التي يقدرها الفقيه أو الإمام، كمسلمة أسلمت حديثاً، ووالدها غير مسلم، ورافض لهذا الزواج
أو كحالة أب تعسف في استخدام حقه، والزوج كفء لهذه الفتاة
وكإمام يريد أن يحمي الفتاة والشاب من الوقوع فيما حرم الله تبارك وتعالى
هذه حالات تقدر بقدرها، ويسعف الإمام فيها رأي الإمام أبي حنيفة، وفي هذا سعة
الخاتمة
أرجو أن تكون صورة عدم التمذهب، كأساس لفقه الحضور الإسلامي في الغرب قد اتضحت، وتوازنت
وأسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا حسن الفهم، والبلاغ والبيان عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين
ملحوظة مهمة: هذه المحاضرة تم تفريغها وتنسيقها للفائدة العلمية من فريق الموقع، وليست بطريقة التصنيف أو التأليف العلمي.