المُطَففون الجُدد

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 18 سبتمبر 2026م
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد
فمن السور الكريمة التي تعالج جملة من المشكلات الواقعية والاجتماعية في حياة المسلمين اليوم:
سورة المطففين
لكن التطفيف بمفهومه الواسع وليس بقصره على تطفيف الكيل والوزن، وإنما التطفيف بمفهومه العام وهو: المسلم الذي إذا كان له الحق استوفاه كاملا دون نقص، وإذا كان الحق عليه انتقصه وتهرب مما يجب عليه وبرر فعله وبحث عن حيلة للخروج مما يجب في ذمته تجاه الخلق.
وسورة المطففين المكية تأتي في الجزء الأخير من القرآن ويكون موضوعها مختلفا عن موضوع السور المكية التي تركز على قضايا الإيمان بالله واليوم الآخر، فتأتي السورة للحديث عن حقوق البشر وتنظيم التعامل بينهم وكأن المعنى والمغزى هو أن مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر يظهر في عدم التطفيف في المعاملات، وأنه إذا كان التطفيف في حق البشر يستوجب الويل فما بالك بالتقصير في حق الله عزوجل، وأن حقوق الله تجري فيها المسامحة والمساهلة بخلاف حقوق الآدميين التي تقوم على التدقيق والمراجعة وهي مقدَّمة على حقوق الله عزوجل.
والـتأمل في السورة وفي مفهوم التطفيف ينتج وجود مطففين جدد في عصرنا، ومن صور التطفيف الجديدة في عصرنا ما يلي:
أولا/ التطفيف مع الخالق:
المطفف الجديد هو الذي يطلب من ربه الكثير ولا يتعبد له إلا بالقليل،ومن صور التطفيف:
- يريد الصحة الكاملة والرزق والستر والأولاد وإجابة الدعاء، لكنه ينقص صلاته ونفقته وبره بأبويه.
- يربط عبوديته التامة لربه ببلوغ ما يريد من تمام النعم ودوامها وعدم نقصانها فإذا نقصت أو وقع له ابتلاء في حياته فتر عن العبادة وقصَّر فيها وربما وقع في المعاصي وتأخر في التوبة والعودة إلى ربه، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين}[الحج:11]
- ومن التطفيف مع الخالق عزوجل التعرف على الله في الشدة دون الرخاء والنصيحة النبوية لسيدنا عبدالله بن عباس:” تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة”
- ومن التطفيف طلب الأشياء دون التحقق بأسبابها؛ كطلب إجابة الدعاء دون إطابة المطعم، وطلب المغفرة دون كمال التوبة، وطلب البركة في العمر والرزق مع التفريط في الصلاة وصلة الأرحام.
ثانيا/ التطفيف مع الخلق:
من صور التطفيف في العلاقات الاجتماعية:
- تجد الأخ مع أخيه يريد منه علاقة مثالية في العطاء والإهداء والمؤازرة والسؤال والرعاية لأنه المستفيد والآخذ، وعندما يكون المعطي ينقص ويتجاهل ويبرر.
- ومن التطفيف مع الناس التفريق في المعاملة بين المسلم وغير المسلم، فترى المسلم يستبيح أخذ الأعضاء حالة المرض من غير المسلم لأنه المستفيد، ويرفض التبرع بها لغيره بحجة أنه ربما المستفيد منها غير مسلم لأنه المعطي.
- ومن صور التطفيف في المعاملات والبيوع، إخفاء عيوب السلع عند البيع لرفع الثمن إذا كنت البائع، وتضخيم عيوب السلعة عند الشراء إذا كنت المشتري لإنقاص ثمنها.
- ومن التطفيف في الزواج طلب مواصفات مثالية من الخاطب في المخطوبة ربما لا يكون لها وجود في الدنيا لأنه الخاطب المستفيد، في المقابل لا يمتلك هو الحد الأدنى من الصفات التي تنشدها المخطوبة في الخاطب.
- وبالجملة كلما كنت في مقام الآخذ طلبت الكمال، وإذا أصبحت في مقام المعطي بحثت عن النقص.
ثالثا/ التطفيف الأُسَري:
ولعلَّ أعلى وأظهر صور التطفيف في أوروبا التطفيف الأسري بين الأزواج، ومن صور التطفيف:
- ترى الزوج يطلب التحاكم إلى القانون إذا كانت له فيه مصلحة مالية ومكسب أعلى أو تقليل لما يجب عليه دفعه، ويطلب التحاكم للشرع إذا كان الشرع يوفر عليه ويقلل ما يجب عليه دفعه قائلا: لقد تزوجنا على الكتاب والسنة فنتحاكم إليهما، وذات الشيء تفعله الزوجات.
- ومن التطفيف طلب الزوج من زوجته الكمال في كل شيء في حسن تبعُّلها، وقيامها بشؤون المطبخ والأولاد، وبرها بعائلته لأنه الآخذ، ثم تراه مقصرا في كل ما يجب عليه نحو زوجته لأنه المعطي.
- ومن التطفيف طلب الآباء من أبنائهم كمال البر بهم مع تقصيرهم في النفقة والتربية والتعليم والتوجيه والرعاية لهم، وينعكس الأمر من الأبناء للآباء كذلك.
- ومن التطفيف نسيان الحسنات وتضخيم السيئات عند الاختلاف بين الأزواج.
رابعا/ التطفيف مع الدولة:
ومن صور التطفيف:
- كل حق لك عند الدولة تستوفيه وتستكمله ما دمت الآخذ ؛ أما إذا كنت المعطي للضرائب والالتزامات المالية مثلا تحايلت ونقصت لأنك المعطي.
- ومن التطفيف عدم إتمام ساعات العمل وإتقانها وصرف الوقت في غير العمل كالانشغال بالهواتف في ساعات العمل، أو تسجيل ساعات أزيد مما عملت.
- ومن صور التطفيف أن يكيل المديح للغرب إذا كان في صالحه وينقده ويعتبره دولة كافرة إذا عارضت مصلحته.
- ومن التطفيف تقديم معلومات خاطئة للدولة أو رب العمل لتحقيق مكاسب أو الحصول على مساعدات دون حق.
- ومن التطفيف تقديم إجازات مرضية للتهرب من العمل وأخذ أجر عليه.
- ومن التطفيف ركوب الحافلات دون شراء التذكرة المطلوبة إذا أمنت المراقبة والتفتيش.
- ومن التطفيف استغلال جهل الناس بالقوانين واللغة وأكل حقوقهم.
- ومن التطفيف إنكار التمييز والظلم إذا وقع علينا، والقبول به أو الصمت عنه إذا وقع على الآخرين.
فالمطفف الجديد ليس من ينقص الميزان، وإنما من يجعل له ميزانين: الأول دقيق جداً لحقوقه والثاني مضطرب متسامح في حقوق الآخرين.
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وامكر لنا ولا تمكر بنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وفرِّج الكرب عن أمة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، وكن لأهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين واليمن والسودان وكل مكان سنداً ومعيناً وولياً ونصيراً، والحمد لله رب العالمين.
المُطَففون الجُدد