المرأة المسلمة بين الشرع والغرب (الجزء الثاني)

              المرأة المسلمة بين الشرع والغرب (الجزء الثاني)

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأبياء والمرسلين، وبعد:

هذا هو الجزء الثاني الذي نستكمل فيه ما سبق ذكره في الجزء السابق، من هذا الموضوع الهام، وقد انتهينا فيما سبق من ذكر خمسة ضوابط فقهية للمرأة المسلمة في الغرب، وفيما يلي نستكمل بقية هذه الضوابط

الضابط السادس: التضييق في التحريم والإيجاب

بعض الناس أحكام الشرع عندهم، إما حرام وإما واجب، لا يعرفون المراتب التي بينهما، وهي: مندوب، سنة مؤكدة، سنة غير مؤكدة، ومكروه.

وبالنسبة للتضييق في التحريم والإيجاب، فحقيقةً نصوص القرآن الكريم عكس هذا تماماً، فالله سبحانه وتعالى يقول: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145].

فقد حدد الأشياء المحرمة، بطريق الحصر والقصر في أشياء محدودة ومعدودة، وهذا معناه أن ما عدا هذه الأشياء، كله مباح وجائز ومشروع.

ماذا أخذ العلماء من هذه الآية؟

أخذوا قاعدة تقول: “الأصل في الأشياء الإباحة”، فالأصل الإباحة وليس الأصل التحريم، فالأصل أن هذا الشيء مباح، حتى يأتي دليل على أنه حرام.

فدائرة الواجبات محدودة، ودائرة المحرمات معدودة، وما بينهما واسع جداً؛ فالمباح، والمكروه، والسنة المؤكدة وغير المؤكدة، كثيرة جداً.

ولم أرَ في زمن الأئمة السابقين، كالإمام أبي حنيفة، والإمام مالك وغيرهم، من يخافون من مصطلح الحرام والواجب، مثل هؤلاء الأئمة، رغم ما بلغوه من العلم.

فالإمام مالك في كتبه يقول: “وأكره كذا”، وهو يقصد أنه حرام؛ ولكنه يخاف أن يقول “حرام”، فيحرّم شيئاً أباحه الله سبحانه؛ أما نحن، فأسهل شيء عندنا: “حرام حرام حرام”! فنحرّم على الناس ما أباحه الله سبحانه وتعالى، ونضيّق عليهم فيما وسّع الله تبارك وتعالى.

وعندي أمثلة كثيرة جداً، حتى في قضايا النساء نفسها، تنطبق على هذا الكلام

مثال: دخول المرأة الحائض إلى المسجد

الفتوى المشهورة جداً، والمتداولة والسهلة هي: أنه حرام ولا يجوز، مستدلين بقوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]، والمرأة الحائض تقاس على الجنب.

وكذلك بالحديث المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم: «لا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلا جُنُبٍ» [رواه أبو داود في سننه]، وهو حديث ضعيف كما قال كثير من العلماء.

وهذه القضية من القضايا التي ينتشر فيها التشديد والمنع، رغم أن الراي الأقوى هو الإباحة، وليس المنع.

والشيخ القرضاوي نفسه يقول: “أنا شدّدت على النساء المسلمات سنين طويلة جداً، أخذاً برأي الجمهور، وتبين لي فيما بعد أن رأي الإمام ابن حزم، ومن وافقه أقوى من رأي الجمهور من ناحية الأدلة”،

وهناك نحو عشرة أدلة يُستدل بها على صحة، ومشروعية دخول المرأة الحائض المسجد.

وعلى الأقل، إذا تشددنا، نقول: تدخل لحاجة، إذا كان عندها درس علم، أو أتت بابنها إلى المدرسة القرآنية، فلا تنتظر في الشارع؛ بل تنتظر في المسجد، أو كانت تعمل في المسجد، أو لأي سبب من الأسباب.

لنفترض أن امرأة ذهبت إلى الحج أو العمرة لبضعة أيام، وتبقى هذه الأيام حائضاً، ونقول لها: “لا تدخلي المسجد ولا تقرأي القرآن”، فماذا تفعل في هذه المدة كلها، إذا منعناها من دخول المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم؟!

فهذه قضية أيضاً من القضايا التي إذا تشددنا فيها، وأخذنا بعكس هذا المبدأ، مبدأ التضييق في الإيجاب والتحريم، وإذا أصررنا على العصبية المذهبية، وقلنا: نحن مع الجمهور ومع الأئمة الأربعة، فإننا نضيق على الناس حياتهم.

فمن القواعد المقررة “أن القول بدليله لا بقائله، وكلام العلماء يُحتج له ولا يُحتج به”، فإذا قال الجمهور الفقهاء قال: إن المرأة الحائض لا يجوز لها أن تدخل المسجد أبداً، إلا كعابر سبيل، أي: تمر فقط لو أحدثت، وهي داخل المسجد لتخرج، فليس لمجرد أن جمهور الفقهاء قال ذلك، يكون هو الرأي الأقوى والأصح.

بل ننظر إلى الذين خالفوا الجمهور، وبأي شيء استدلوا، فربما تكون أدلتهم أقوى من أدلة الجمهور، وعندئذٍ يكون رأي المخالفين للجمهور هو الأقوى، وهو الذي نأخذ به ونعمل به.

وعندما نقول أن كلام العلماء يُحتج له ولا يُحتج به، فلا تقل لي: إن الشيخ القرضاوي قال كذا، إذن حُسم الأمر، مع كامل التقدير لشيخنا الشيخ القرضاوي، أو ابن تيمية، أو أبي حنيفة؛ وإنما ننظر للدليل الذي استدلوا به على قولهم، والذين ينظرون في ذلك هم العلماء الراسخون في العلم.

وقد ورد في الحديث الشريف: «أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» [متفق عليه].

وهذا يصب في الكلام الذي نقوله، من أننا نشدد في مسألة التحريم، بينما الشارع غير متشوف للتحريم، ولتضييق الأمور على الناس، بل يوسع في الإباحة والتسهيلن والتخفيف عليهم.

الضابط السابع: التيسير خصوصاً في القضايا التي تعم بها البلوى

عندما نقول التيسير والتخفيف في الفتوى، وفي قضايا المرأة، بعض الناس يقول لنا: أنتم تريدون إحداث فوضى في الأحكام، وأن ينفلت الناس من الأحكام الشرعية بحجة التخفيف والتيسير!

ونحن عندما نقول التيسير، هل نقوله من عندنا ونخترعه، أم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟

إذا رجعتم إلى أي آية في القرآن الكريم فيها حديث عن الأحكام، ستجدون أنها دائماً تُختم بالتخفيف والتيسير، ورفع الحرج.

مثال: قال الله في الصيام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ…}، ثم تُختم بـ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 183-185]، وهذا قمة التخفيف.

مثال: وختم آية الوضوء والطهارة في سورة المائدة بـقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6]، فلا يريد الله سبحانه أن يشدد عليكم.

مثال: وقال في آيات المحرمات من النساء: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ…} [النساء: 23]، إلى أن تقول الآيات: {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28]، وهذا أيضاً تيسير.

وما نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم «مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا» [متفق عليه]، فيختار دائماً الأخف والأسهل.

ووصية النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ بن جبل، وسيدنا أبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا» [متفق عليه]، فهذه هي وصية النبي صلى الله عليه وسلم: التيسير والتخفيف دائماً.

فعندما نقول التيسير والتخفيف، لا نخترع شيئاً من عندنا؛ بل إن أصل التشريع قائم على التخفيف والتيسير.

ولذلك وضع العلماء قاعدة فقهية مهمة جداً قالوا فيها: “المشقة تجلب التيسير”، فهي كالمغناطيس تجذب التيسير إليها مباشرة.

فالإنسان إذا سافر وهو صائم، كان في مشقة، فجاء التيسير، بالفطر {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [ البقرة، 183]

والإنسان إذا كان مسافراً، وقلنا له صلِّ كل فرض في وقته أربع ركعات كما هو، كان في ذلك مشقة، والمشقة تجلب التيسير، فيأتي التيسيريقو له: صلِّ ركعتين، واجمع جمع تقديم أو تأخير… وهكذا.

وقضية سفر المرأة واشتراط المحرم لسفرها، قضية تعم بها البلوى، أي يكثر وقوعها، ويكثر السؤال عنها بشكل دائم، فالمرأة لا تستغني عن السفر الآن، ومسافة الـ 85 كيلومتراً (مسافة السفر) مسافة صغيرة جداً، فهي تسافر إما للتنزه، أو للعمل، أو للدراسة، أو للحج، أو للعمرة، أو لزيارة أقاربها وأهلها، وغالباً نمط الحياة وظروفها قد لا تسمح لها بالسفر مع محرم، أو لا يوفر لها زوجها محرم يسافر معها؛ لكونه مشغولاً في عمله.

فإذا أرادت المرأة الذهاب إلى الحج بـ 3500 يورو مثلاً، ولا بد من وجود محرم، فسنحتاج إلى 7000 يورو، غير النفقة الأخرى!

فإذا كان عندي رأي يخفف في هذه المسألة، ويفتي بجواز سفر المرأة بغير محرم، إذا توفر لها الأمن في الطريق ذهاباً وإياباً، فهو من باب التيسير

وبالمناسبة ليس الشيخ القرضاوي وحده من قال بذلك، بل قال بذلك فقهاء سابقون كالإمام الشافعي، والإمام مالك، والإمام أبي حنيفة، الذين نظروا إلى علة الحديث الذي نهى فيه النبي صلى الله عليه وسلم المرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم، واختلفوا فقط في التفاصيل: ما عدد الرجال المأمونين الشروط؟ وهل لا بد من وجود رجال ونساء، أم تكفي النساء فقط، أم يكفي الرجال فقط؟ الخلاف في التفاصيل فقط.

وحتى هناك علماء من السعودية، كالشيخ سعود الفنيسان (عميد كلية الشريعة سابقاً في السعودية)، قال: إن هذا الزمن ألغى قضية المحرم تماماً؛ لأن اشتراط المحرم كان قديماً يُفهم بسبب السفر على الإبل، وكان من الواضح أن المدة التي تستغرقها المرأة في السفر طويلة؛ بل هناك شيء في الحديث لم ينتبه إليه الكثيرون، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ…» [متفق عليه]، وفي روايات: «يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ».

والآن، هل هناك سفر يأخذ ثلاثة أيام؟ مسافة السفر بالطائرة لأبعد مكان لا تتجاوز يوماً، فسفر اليوم لا ينطبق عليه النص الوارد في الحديث نفسه.

فالشيخ سعود يقول: إن هذا العصر ألغى قضية المحرم؛ لأن الزمن تغير.

وكذلك الشيخ عبد المحسن العبيكان من علماء السعودية، له بحث كبير في مسألة المحرم، انتهى فيه إلى ما انتهى إليه الشيخ القرضاوي، والعلماء السابقون: أنه يجوز للمرأة أن تسافر بغير محرم، إذا توفر لها أمن الطريق ذهاباً وإياباً، سواء كان سفر تعليم أو حج أو عمرة، المهم ألا يكون سفر معصية.

وهناك دليل أصرح من هذا، لأن المعارضين يقولون: الحديث لا يقصد ذلك، وهذا ادليل هو الحديث الوارد عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ» [رواه البخاري].

ولقد أذن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعدد من نساء الصحابة (أمهات المؤمنين) أن يسافرن إلى الحج مع سيدنا عثمان بن عفان، وسيدنا عبد الرحمن بن عوف، دون وجود محرم لأي واحدة منهن، وهذا معناه أن سيدنا عمر والصحابة لم يفهموا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم التحريم المطلق لسفر المرأة بدون محرم.

وبالتالي ما دامت الضوابط الشرعية متوفرة؛ فهذه امرأة ملتزمة ستسافر، والأمن متوفر، ولن يتخلل ذلك تكشف، أو تعرٍّ أمام الأجانب، والضوابط الشرعية متحققة بالكامل في هذا السفر، فهو سفر جائز.

الضابط الثامن: مراعاة مقاصد الشريعة

ما معنى مقاصد الشريعة؟ يعني الهدف، فمثلاً: أنت عندما تركب السيارة تربط حزام الأمان، ما الهدف من ربطه؟ الوقاية والسلامة.

أول ما طبقوا موضوع الحزام في مصر، قدموا المسألة للناس على أن الهدف هو العقوبة، والغرامة المالية، وليس الأمان!

فالناس دارت مع هذا الهدف الخاطئ، وصاروا يفعلون أشياء مضحكة، كأن يأتي أحدهم بقطعة سوداء على شكل حزام الأمان، ويخيطها على ثيابه ليراها رجل الشرطة من بعيد، فيظن أنه رابط لحزام الأمان!

وكنت عندما أركب السيارة في مصر أضع الحزام دائماً، فيقول لي السائق: فك الحزام، وكن على راحتك، لا توجد شرطة مرور هنا!

فأقول له: هذا لمصلحتي أنا، فلو وقع حادث الآن ستكون النتيجة كارثية”، فهذا هو المقصد من حزام الأمان.

فإذا عرفنا المقصد سندور معه، ولن أخاف من الغرامة؛ بل سأفعله لأجل السلامة لي ولأولادي.

كل حكم من الأحكام الشرعية له مقصد عام، وله مقصد جزئي خاص.

مثال: ما مقاصد الزواج في الإسلام؟ السكينة النفسية، والافضاء النفسي والبدني، قال الله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، وكذلك إنجاب الأولاد، وعمارة الكون، فهذه مقاصد عامة للزواج.

أما المقاصد الجزئية الخاصة بالزواج، فلا بد فيه من الشهود، ما المقصد من الشهود؟ التوثيق والاستيثاق؛ فلو جاءت امرأة بطفل وقالت: هذا ابن فلان لأني تزوجته، وشهد فلان وفلان

نقول لها: أين هؤلاء الشهود لنستوثق؟ فنحقق التوثيق.

وإذا علمنا هذا المقصد، أليس توثيق الزواج في الدوائر الرسمية والمدنية، أقوى لتحقيق هدف التوثيق أم الشهود؟ بالتأكيد هو كذلك؛ لأن الشهود قد يموتون أو يغيبون، وخاصة هنا في الغرب، كثيراً ما تأتيني مشاكل لامرأة تزوجت، وغاب زوجها منذ سنة لا تعرف أين هو، ولا تستطيع الاتصال به، فصارت لا هي متزوجة، ولا هي مطلقة!

فأسألها: أين تزوجتِ؟ تقول: في المسجد عند الإمام

فأقول لها: وهل هناك شهود؟، تقول: نعم، شاهدان أحضرهما الإمام، ولا أعرفهما، كانا يصليان ومضيا!

لكن لو كان هناك توثيق رسمي لانتهى الموضوع، فالكتابة والتوثيق المدني يحققان المقصد عند الإنكار، أكثر من الشهود أنفسهم.

مثال آخر: ما المقصد من حجاب المرأة؟ الستر، وتحقيق العفة، والاحتشام.

لكن الآن لدينا أشكال من الألبسة للمرأة تكشف أكثر مما تستر، وتعرّي أكثر مما تغطي!

والأخت التي تلبس هذا، تريد إقناع نفسها أنها محجبة، لمجرد أنها غطت رأسها، لكن ملابسها ضيقة جداً، أو شفافة، وتلبس حذاءً ذا كعب عالٍ يحدث أصواتاً وهي تسير، وتضع المكياج والعطر، وتضع حجابًا من عدة طبقات فوق رأسها! لأن هذه موضة، تجعل ملامح الوجه تبدو أصغر!

بدأت هذه الظاهرة بظهور الفنانات التائبات، فالفنانة التي تركت التمثيل أو الغناء وتابت، ما زالت تعيش بعض تلك الأجواء، وتريد الالتزام، فتلبس حجاباً على الموضة مع مكياج، فبدأت الفتيات يقلدن هذه الأشكال.

ومن الأشياء العجيبة التي رأيتها، أنني كنت في باريس، وفوجئت بأن التلفزيون الفرنسي يعرض فيلماً وثائقياً عن حجاب فتاة في مصر، قررت عمل معرض أزياء للمحجبات وفق رؤيتها للحجاب، وفي اليوم التالي، كان قرار منع النقاب في فرنسا! وما العلاقة؟!

كان المراد إيصال رسالة مفادها، أن هذا الحجاب العادي على الموضة، هو الذي يناسب البيئة، ولا مانع من تغطية الرأس، بشرط أن تكون الفتاة كشكل هؤلاء اللاتي يلبسن وما يلبسن، وهذا هو بالضبط مفهوم “الكاسيات العاريات”.

وأذكر عندما كنت أدرس اللغة الألمانية، كانت معنا طالبة مسلمة محجبة، والمعلمة ليست محجبة بطبيعة الحال، وكنت أستحيي عندما تخرج هذه الطالبة لتكتب على السبورة؛ لأن المعلمة الألمانية كانت أحشم في ملابسها من هذه الاخت المحجبة!

هي في الأخير اسمها محجبة ومقتنعة بذلك، ولكننا بهذا ابتعدنا عن مقصد الحجاب، فأين الاحتشام والستر؟ إذا قلنا لغير المسلمين إن الحجاب الهدف منه ستر وإخفاء الزينة والجمال للزوج والبيت، فسيقولون: هذا لم يتحقق هنا! فوصلنا من خلال فهمنا وسلوكنا إلى معنى الرمزية في الحجاب.

وعندما حدثت أزمة الحجاب في فرنسا قالوا: نحن لسنا ضد الإسلام؛ بل نمنع الرموز الدينية، كالصليب للطائفة المسيحية، أو القلنسوة لليهود، بزعم أنهم يريدون إلغاء العلامات المميزة، والحجاب من العلامات المميزة للمسلمة عن غيرها

ونحن نقول لهم: الحجاب ليس رمزاَ، الحجاب له وظيفته ودور، وهو العفة والستر والاحتشام؛ ولكن الممارسة الخاطئة التي لا تحقق شروط الحجاب الشرعي، تجعلهم يقولون: إن المحجبة تلفت النظر أكثر من غير المحجبة!

وبذلك شوهنا الفكرة الإسلامية أمام غير المسلمين؛ نتيجة الفهم والممارسة الخاطئين، فالحجاب ليس قطعة قماش تضعها المرأة على رأسها؛ إنما هو لباس كامل يحقق مقصده.

ولذلك وضع العلماء شروط الحجاب: ألا يشف، وألا يصف، وأن يكون فضفاضاً واسعاً.

ولا يُفهم من كلامي أننا ضد أن تكون المرأة ذواقة في ملابسها، وأن تكون أنيقة ومناسبة للبيئة التي تعيش فيها، بل هذا مطلوب.

نريد باختصار شديد أن تكون ملابس المرأة وحجابها مطابقين للشروط الشرعية، ومتناغمين مع البيئة التي نعيش فيها قدر الإمكان.

وهذا هو المبدأ: “محافظة بلا انغلاق، واندماج بلا ذوبان”، فلا نتحلل من الحجاب وشروطه الشرعية لنندمج، ولا ننغلق بدعوى الالتزام بأحكام الإسلام ونقعد في البيت.

تطبيق الضوابط الشرعية على موضوعي الاختلاط، والمصافحة

أولا: الاختلاط

في موضوع الاختلاط أنصح بمطالعة كتاب “تحرير المرأة في عصر الرسالة” للشيخ/ عبد الحليم أبو شقة، وهو كتاب من خمسة أجزاء، وهو أهم كتاب كتب عن المرأة وقضاياها، بنظرة وسطية معتدلة، تناسب الشرق وتناسب الغرب

هذا الكتاب يحمل ميزتين مهمتين جدًّا، غير متوفرتين في أي كتاب آخر كتب عن المرأة

الميزة الأولى: أنه لم يعتمد إلا على القرآن الكريم وصحيح البخاري ومسلم فقط، لا يأتي بأدلة من خارج البخاري ومسلم إلا قليلاً جدًّا، وهذا معناه أن كل ما كتب فيه كلام صحيح، متزن موضوعي، دقيق جيد.

الميزة الثانية: أنه قدم له الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ محمد الغزالي، والدكتور محمد سليم العوا، والدكتور محمد عمارة، أعلام المفكرين المسلمين، قاموا بمراجعته وودققوا فيه.

تعرض لمسألة الاختلاط  في جزء كامل، وساق عشرات المواقف، والأدلة والأمثلة من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية.

مفهوم الاختلاط ومشاركة المرأة في عهد النبوة

مصطلح “الاختلاط” ليس مصطلحًا إسلاميًّا، ولم يكن معروفًا زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ولا زمان الصحابة، ولا زمان السلف، و ربما هو ترجمة لمصطلح غربي أو أوروبي، وربما كان المصطلح المناسب هو “مشاركة المرأة للرجال” مثلاً.

مجتمع الصحابة ومجتمع الرسول عليه الصلاة والسلام، لم يعرف أبداً الفصل بين الرجال والنساء في أي شيء، ولا حتى في الصلاة، لم يكن هناك فاصل بين الرجال والنساء في الصلاة، في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في زمان الصحابة، وكانت صفوف النساء في مؤخرة المسجد.

وما زاد الرسول عليه الصلاة والسلام عن قوله: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» [ أخرجه مسلم في صحيحه]

وأي رجل يقترب من النساء ويحاول أن ينظر إليهن، يزجره وينهاه فقط، لكنه لم يضع فاصلًا بين الرجال والنساء، فقط قال: «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ» [أخرجه أبو داوود في سننه]

ومن ذهب إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة لا زال مكتوبًا عليه “باب النساء” إلى جوار باب جبريل عليه السلام، لكن لم يضع النبي صلى الله عليه وسلم فاصلًا بين الرجال والنساء.

والمرأة كانت تشارك الرجال في الغزو، وفي التعليم، وفي التمريض، وفي سائر مناشط الحياة الاجتماعية

الآثار الإيجابية للمشاركة المنضبطة بين الجنسين

مشاركة المرأة المسلمة للرجل في الحياة بالضوابط الشرعية هو أمر مشروع؛ بل ومندوب، وينتج عنه نتائج إيجابية كثيرة جدًّا، إذا التزمت المرأة، والتزم الرجل بالضوابط الشرعية.

وهذه الأشياء راعاها الشارع الكريم، والنبي صلى الله عليه وسلم، من ذلك:

مسألة تعارف الرجال على النساء

 إذا أراد شاب أن يتزوج، أو يريد أن يخطب فتاة، وهو يأتي إلى المسجد، ووجد سورًا ليس له باب بين الرجال وبين النساء، ولا توجد أي مناشط فيها اختلاط الشباب مع الشابات، ونؤكد أن يكون الاختلاط منضبط، هذا الاختلاط المنضبط فيه فرصة كبيرة جدًّا؛ لأن يتعرف الشباب، ويكون هذا التعارف محتشمًا مؤدبًا، على من يرغب.

فلو كانت هناك محاضرة يشارك فيها الرجال والنساء مشاركة منضبطة، وقامت فتاة تطرح سؤالاً، وهنالك شاب يبحث عن زوجة، فاستمع إليها وهي تطرح السؤال، ووجد أنها ذكية أو منطقية، فسأل رجلاً آخر عنها، ووجد أنها مناسبة له، وبدأت التعارف.

أنا أتنقل في كثير الأقطار الأوروبية، وهناك شكوى عامة وكبيرة جدًّا في أوساط المسلمات، وهي ارتفاع نسبة العنوسة في وسط البنات المسلمات، رغم وجود الشباب الذي يريد الزواج؛ ولكنه يذهب ليتعرف عن طريق مواقع الإنترنت، أو يتزوج من الكتابيات من غير المسلمات، ويكسد سوق المسلمات، أحد الأسباب المباشرة لذلك هو عدم وجود هذا المناخ.

وهذا الوضع من نتائج المحافظة التي لا سند لها في الشرع؛ فلا أنسى أبداً أنه في مصر إذا قابلني أحد الإخوة من أتباع المدرسة الوسطية المعتدلة، ومعه زوجته بحجابها، وألقيت عليه السلام لا يرد؛ لأن معه زوجته!

أين المشكلة أن ترد أو تلقي السلام، أو أن تقف وتتكلم معي، ومعك زوجتك؟ وهذا لا زال موجوداً إلى الآن!!

تذهب إلى البيت، وتجد أنه يعني يُضرب بينك وبين أهل البيت بسور، ليس له باب حتى، وإن كانت المرأة محتجبة، أو إن كانت حتى منتقبة، في هذا ممنوع ولا يجوز شرعاً، من أين لا يجوز شرعاً؟

أحداث ومواقف من العهد النبوي

وهناك مواقف كثيرة جدًّا، كان وضع المرأة من حيث المشاركة على خلاف ما نراه

مثال: كانت هناك امرأة تدعو النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة على الطعام كل يوم جمعة، وتقدم لهم الطعام بنفسها، وليس عن طريق زوجها.

مثال: أحد الصحابة وهو عمرو بن سلمة، كان يؤمهم في الصلاة، وكان فقيراً وثوبه قصير، فانكشف ثوبه وكشفت عورته، وهو يسجد، والنساء في الخلف يصلين، فرأوه، “فقالت امرأة من النساء: ألا تغطون عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصًا” [صحيح البخاري]

ألم يكن ممكناً أن تكتب ورقة؟ لأنه عيب أن تقول هذا الكلام؟! أو أن تذهب لزوجها تقول له، ليبلغ الإمام؟

هي لم تفعل شيئاً خطأ، هي تفعل هذا في مجتمع الصحابة، وفي مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان خطأ لنبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم

فوجود المرأة في الخلف، خلف الإمام بطبيعة الحال سيمكنها من رؤيته؛ لأنها تسجد وتركع متأخرة عنه، وعن بقية المؤمنين، وهي خافت على الصلاة، فأرادت أن تصحح الصلاة، فأتوا له بثوب صار يصلي فيه بعد ذلك.

فالاختلاط المنضبط، يهذب نظرة الرجال إلى النساء، ونظرة النساء إلى الرجال، فالشباب الملتزم اللي تربوا في أوروبا على الاختلاط المنضبط، نظرتهم إلى النساء ليست هذه النظرة المتفحشة المتحملة التي تراها في الشرق، الذي في أول فرصة تأتيه لأن ينظر ويحملق، يريد أن يلتهم المرأة بنظره، هذه ليست موجودة في هذا المجتمع المنفتح بضوابط، هذا من مقاصد ومن آثار الاختلاط المنضبط.

ضوابط الاختلاط الشرعي

أهم الضوابط التي يجب أن تتوفر في هذا الاختلاط:

الضابط الأول/ غض البصر:

من الرجل ومن المرأة، فالرجل ليس وحده هو مطالب بغض البصر، إنما الرجل والمرأة

قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (سورة النور: الآيتان 30-31)

ونحن نفهم غض البصر خطأ، فليس معناه أن تبقى أعمى؛ بل التقليل، وعدم الحملقة، ولذلك نظر الحاجة النظر الطبيعي، فالأستاذ في المحاضرة ينظر للطالبات، والطبيب ينظر نظر الحاجة، إنما إدامة النظر الذي يفضي إلى التلذذ والشهوة هذا هو الممنوع، وهذا المقصود بغض البصر.

الضابط الثاني/ التزام المرأة باللباس الشرعي

الضابط الثالث/ عدم الاحتكاك أو التماس: فلا نجلس في مكان مزدحم  فيلتصق الرجل بالمرأة.

الضابط الرابع/ التزام المرأة بأدب المسلمة عند التعامل مع الرجال:

ومن هذه الآداب التزامها بالأدب عند الكلام، فلا تخضع في القول، ولا تلين في كلامها حتى تلفت نظر الرجل، وهذا حتى إذا كان في الهاتف، وكل امرأة تعرف ما معنى الخضوع، وما معنى الانضباط في الكلام، قال تعالى:

﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (سورة الأحزاب: الآية 32)

الضابط الخامس/ تجنب كل ما يثير ويغري:

أن تتزين المرأة، وتبالغ في زينتها، أو تتعطر إذا كانت ستلتقي برجل، أو ستتكلم معه.

الضابط السادس/ الحذر من الخلوة المحرمة:

الحذر كذلك من أن ينفرد الرجل بالمرأة، أو المرأة بالرجل، ويختلي بها خلوة محرمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَلاَ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ” (رواه الترمذي في سننه)، ولو كانت صالحة، ولو كانت مريم ابنة عمران.

مفهوم الخلوة الشرعية ومواطن الشبهات

الخلوة: المكان الذي يكون فيه الرجل مع المرأة وحدهما، ولا يستطيع أحد أن يدخل هذا المكان إلا بإذنهما.

مثلاً: وجود المرأة في التاكسي مع سائق التاكسي، ليست خلوة.

وجود المرأة في حجرة مع رجل وحدهما، وهناك باب زجاجي يستطيع من بالخارج أن يرى من بالداخل، ليست خلوة.

وجود المرأة مع رجلين ليست خلوة.

وجود امرأتين مع رجل، كذلك ليست خلوة.

قد تكون كل المواقف التي ذكرتها الآن شبهة لا تليق

فجلوس الإمام مع مرأة تستفتيه في مطعم أو في كافتيريا المسجد، ولا يوجد فيه غيرهما، هذه ليست خلوة، فهو مكان مفتوح؛ لكن لا ينبغي له أن يفعل هذا، ولا ينبغي لها أن تفعل هذا؛ لأنه وضع نفسه في موطن الشبهات.

هنا نفرق نحن بين مواطن الشبهات، وبين الخلوة المحرمة التي تترتب عليها الأحكام الشرعية.

الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقف مع زوجته السيدة صفية في ليلة مظلمة بعد العشاء، ومر عليه اثنان من الصحابة، فكأنهما أرادا أن يرفعا الحرج عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأسرعا في المشي، فقال:

«عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا» (أخرجه البخاري في صحيحه)

فأخرج نفسك من مواطن الشبهات، وأخرجي نفسك كذلك من مواطن الشبهات.

ضوابط الذهاب إلى الطبيب واللقاءات العامة

إذا ذهبت المرأة إلى الطبيب، ولم تستطع أن تأخذ معها أحداً، أو أن تدخل معها الممرضة، فصارت هي والطبيب، فحتى تذهب إلى الطبيب لابد أن تتوفر الشروط الشرعية:

1/ تبحث المرأة أولاً عن الطبيبة المسلمة.

2/ فإن لم تجدها، فالطبيبة غير المسلمة.

3/ فإن لم تجدها، فالطبيب المسلم.

4/ فإن لم تجد، فالطبيب غير المسلم.

في كل هذه الصور، إذا ذهبت إلى الطبيب المسلم، أو الطبيب غير المسلم، تجتهد أن يكون معها رجل من محارمها، أو أن يكون معها امرأة، وإذا لم تجد، فلا تنطبق الخلوة؛ لأنه يمكن للممرضة أن تفتح الباب وتدخل في أي وقت وبدون استئذان، هذا هو الفاصل بين المسألة.

وإنما أقول لا نلجأ إلى هذا، ولا نفعل هذا إلا إذا اضطررنا، ولا يوجد حل آخر إلا هذا

حتى المصعد كذلك يعني لا يعتبر خلوة؛ لأنه أي حد يمكن أن يوقف المصعد، في المكان اللي هو فيه ويخرج الإنسان؛ لكن الأحسن والأفضل عدم ذلك، خاصة أن هذا غير مفروض عليك، انتظري حتى يصعد، ثم اصعدي أنت بعده، وأخرجي نفسك من هذه الدوائر؛ لأنه أول ما يفتح المصعد، وتخرجوا أنتم الاثنين، فيوسوس لكما الشيطان  «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» [متفق عليه]

الضابط السابع/ أن يكون اللقاء في حدود ما تفرضه الحاجة.

فلو أن مُدرسة تعمل في مدرسة أو في مسجد، ويعمل معها معلم أو مشرف على التعليم، وتريد أن تتكلم معه في شيء خاص بالمدرسة، فأذا انتهي الكلام الخاص بهذا الشيء، ينتهى الحديث والحوار بينهما

وكذا لو امرأة اتصلت بشيخ تستفتيه في مسألة، وانتهت الفتوى، فينتهي الكلام والحوار، فلا استمرار للحديث في تفاصيل، وحكايات ليس لها علاقه بالموضوع الذي تتكلمون فيه؛ فضلًا عن المزاح، بل وارتفاع الأصوات بالضحكات!!، وكل هذا لا يجوز شرعا، وغير مسموح به

الصحابة كانوا يتحاورون مع النساء، ونقلوا الأحاديث عنهن، وكانت تدور أحاديث جادة جدا

مثل: حكاية المرأة التي راجعت سيدنا عمر بن الخطاب، أمام الناس جميعا في المسجد، في مسألة المهر، حيث كان خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وينهى الناس عن الغلاء في مهور النساء، فاعترضته امرأة من قريش، وقالت: «يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا النساء صداقهن… أما سمعت الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾؟ فقال عمر رضي الله عنه: «كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ» وفي رواية: “امْرَأَةٌ أَصَابَتْ وَرَجُلٌ أَخْطَأَ” [الطبري وابن كثير في تفسيرهما]

يقولون هذا الحديث ضعيف؛ لكن الإمام ابن كثير ذكره، وقال: إسناده جيد، وكثير من العلماء يستدل بها، و يستشهد بها

هذه هي الضوابط التي يجب أن تتوفر في لقاء، أو اختلاط الرجال بالنساء في أي مجتمع من المجتمعات، ولذلك إذا اردنا أن نطبق الضوابط التي ذكرناها، وأن نكون أمام اختيار فقهي يناسب البيئة، والزمان والعصر الذي نعيش فيه، فيمكن أن نختار هذا الاختيار الفقهي؛ لأنه إذا شددنا ومنعنا الاختلاط، دون وجود دليل شرعي صريح في القران الكريم، أو في السنه النبوية، فنحن بهذا نضيق على أنفسنا فيما وسع الله تبارك وتعالى

ختامًا: نكتفي بهذا القدر، ونكمل الحديث إن شاء الله في الجزء الثالث، والحمد لله رب العالمين

ملحوظة مهمة: هذه المحاضرة تم تفريغها وتنسيقها للفائدة العلمية من فريق الموقع، وليست بطريقة التصنيف أو التأليف العلمي.

 

 

 

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 231