المرأة المسلمة بين الشرع والغرب (الجزء الأول)  

                المرأة المسلمة بين الشرع والغرب (الجزء الأول)  

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على مبعوث رحمة للعالمين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه، وتمسك بهديه، وسنته إلى يوم الدين.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، إنك أنت علام الغيوب، {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (سورة الأعراف، الآية 23).

{وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (سورة هود، الآية 88)، أما بعد:

مظلومية المرأة في الفكر الإسلامي والغربي

الحقيقة أن قضايا المرأة المسلمة بشكل عام، ظلمت ظلماً كبيراً في دائرة الفكر الإسلامي، سواء على مستوى الكتابات والتصانيف، أو على مستوى المحاضرات والحلقات النقاشية وغير ذلك.

وهي كذلك مظلومة في نظر الغربيين؛ فالأوروبيون غير المسلمين فكرتهم عن المرأة المسلمة، أو نظرتهم عن المرأة في الإسلام، أن الإسلام ظلمها وميز الرجل عليها في كل شيء.

وهذا الظلم للمرأة في الإسلام واضح بيّن، منذ أن تولد إلى أن تموت؛ فمن أول ما تُولد المرأة، فالعقيقة عن الذكر تكون بشاتين، وعن الأنثى تكون بشاة واحدة، وهذا ظلم، أليس كذلك؟

ويستمر هذا الظلم مع المرأة عبر أطوار ومراحل حياتها؛ فلا يجوز لها أن تختار شريك حياتها، بل لا بد من موافقة وليها على هذا الزواج.

وهي كذلك شهادتها على النصف من شهادة الرجل، قال الله {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} (سورة البقرة، الآية 282).

ثم إذا مات من سترثه تُظلم كذلك في الميراث، فترث نصف ما يرث الرجل، هذا كله في الذهنية والعقلية الغربية، التي تدعي أن الإسلام ظلم المرأة.

تحديات الوعي ومركزية المرأة في الثقافة الغربية

الكتابات والنقاشات، ومستوى النضج، والوعي الثقافي لدى النساء المسلمات في الغرب، ليس على المستوى الذي يدحض هذه الشبهات، ويرد عليها، ويبين حقيقة إنصاف الإسلام للمرأة عن الحضارات السابقة، سواء التي كانت قبل الإسلام، أو الحضارات المعاصرة الموجودة الآن، بما فيها الحضارة الغربية أو الأوروبية.

يضاف إلى هذا، مركزية المرأة في الثقافة الأوروبية، أو في الوعي الأوروبي؛ نحن نقول في بلادنا إن المرأة نصف المجتمع، والمرأة في أوروبا هي المجتمع كله؛ هي رئيسة الدولة، وهي المسؤولة في المؤسسات، وهي التي تقود الأحزاب، وهي تفعل كل شيء، ولا يُقبل بحال من الأحوال أن نطرح، ولو طرحاً نظرياً يُفهم منه أن توضع المرأة في مرتبة متأخرة عن هذه المراتب.

بين التقاليد الراكدة والوافدة

أمام هذا الظلم الذي وقع للمرأة في كتابات العلماء والمثقفين المسلمين، فإن الكتابات العادلة، والعاقلة والمنصفة، التي تعرضت لقضايا المرأة بشكل علمي، وموضوعي نزيه، هي كتابات معدودة على الأصابع؛ مثل: كتاب شيخنا الشيخ/ محمد الغزالي “رحمه الله” “قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة”

حاول أن يرد عن المرأة الشبهات التي ارتبطت بالأعراف، والعادات الخاطئة من ناحية، والتي وفدت على الثقافة العربية الإسلامية، من الحضارة الأوروبية من ناحية أخرى، فكتب هذا الكتاب

والحقيقة أن المرأة العربية المسلمة بالفعل، ضحية للأمرين معاً:

الأول: عادات وتقاليد خاطئة لا يوجد عليها دليل في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك الناس أقامتها مقام النصوص المحكمة كانها آيات.

فأنا لا أفهم حتى الآن، ما السبب أو السر وراء أن يكون من العيب ومن غير المألوف، أن تتزوج المرأة إذا طُلقت، أو مات عنها زوجها، خاصة إذا كان عندها أولاد؟!

فإذا فعلت وتزوجت، تكون بهذا امرأة غير وفية لزوجها، ولا تقدر أبناءها، إلى آخره.

من أين استوردنا هذه الثقافة، أو هذا المعنى؟ وأنا أتكلم عن مصر بشكل أساسي، لا أدري إذا كانت الثقافة هذه موجودة في فلسطين أيضاً، أو في لبنان، أو في الأماكن الأخرى، أم لا.

مع أن السنة والسيرة والتاريخ يعكس هذا تماماً؛ فالسيدة أسماء بنت عميس تزوجت ثلاث مرات، وهي وزوجة الشهيدين، والخليفتين، لدرجة أن أحد الصحابة كان يمزح قائلًا: من أراد أن يلقى الله تعالى شهيداً ،فليتزوج من هذه المرأة؛ لأنه كلما تزوجت من أحدٍ من الصحابة، يستشهد في غزوة أو في معركة.

وهذا معناه أن زواج المرأة بأكثر من رجل إذا طلقت، أو مات عنها زوجها، كان شيئاً مألوفاً في صدر الإسلام، وفي زمن الصحابة، وفي زمن الفقه والوعي الصحيح بالإسلام.

الآن تم إفساد هذا الكلام، وكذلك العكس تماماً في الأشياء التي استوردناها من الغرب؛ فالخطيب إذا خطب يُباح له كأنه تزوج، يُباح له أن يخرج مع مخطوبته، وأن يفعل معها أي شيء، هذه كذلك من الثقافة الوافدة علينا، فلا هذا صحيح، ولا ذاك صحيح.

مقاصد وجود الأقلية المسلمة في الغرب

المقصد الأول: حفظ الهوية الدينية

نحن كأقلية مسلمة تعيش في الغرب، دائماً نؤكد على أن من أهم مقاصد وجودنا، حفظ الهوية الدينية لهذه الأقلية، محافظة بلا انغلاق، واندماج بلا ذوبان.

محافظة بلا انغلاق: فأنتِ كامرأة مسلمة تعيشين في الغرب، تحافظين على تدينكِ، وعلى هويتكِ الدينية، تعيشين بلباسكِ وبحجابكِ، تربين أولادكِ كذلك على هذه الهوية الدينية؛ لكن الموازنة المهمة والدقيقة جدا،ً أن حفظ هذه الهوية لا يؤدي أبداً إلى الانغلاق، والانزواء عن المجتمع، وعدم الاندماج فيه.

اندماج بلا ذوبان: أريد أن أندمج في المجتمع، فأجد أن الحجاب عائق، وأجد أن الخلوة عائق، وأجد أن حركة المرأة نفسها، ونظرة الجماعة المسلمة في الغرب عائق، وعليه فإن الحل حتى أندمج في المجتمع أن أتحلل من الأصول الشرعية، ومن ثوابت الإسلام!

لكن الموازنة الدقيقة: محافظة بلا انغلاق، واندماج بلا ذوبان، فاندماجي بكوني عنصر فاعل في المجتمع ،بإسلامي وبديني.

المقصد الثاني: التعريف بالإسلام

هذا المقصد مهم، ولا يقل أهمية عن المقصد السابق للجماعة المسلمة التي تعيش في الغرب، فإننا كمجموعة تعيش في الغرب نريد أن يتعرف غير المسلمين على الإسلام من خلالنا، وليس من خلال كتب، أو من خلال نسخ كثيرة من القرآن نوزعها، كما فهم بعض الناس، فالغرب وغير المسلمين عندما ينظر إلينا، يعتبر كل مسلم وكل مسلمة، كتاباً مفتوحاً عن الإسلام.

فأي امرأة أو أي رجل غير مسلم، إذا رأى المرأة المحجبة في المواصلات، أو في العمل، يأخذ انطباعاً عن الإسلام، ويقول: هذا هو الإسلام.

إذا رآها متقنة للغة الألمانية مثلًا، يقول: هذه امرأة مسلمة ناجحة.

إذا رآها موظفة في عمل يقول: هذه اندمجت بالفعل في المجتمع، وحجابها ليس كما يظن، أو يعتقد أو يفهم، فحجابها ما أعاقها عن هذا العمل، فيبدأ يفهم الفكرة الصحيحة عن الإسلام، ويصحح المعلومات الخاطئة عنده عن الإسلام وإن لم تتكلم هذه المرأة المسلمة عن الإسلام.

ولذلك فإن أفضل طريقة للدعوة وللتعريف بالإسلام هي الدعوة الصامتة؛ فإذا فهمنا الإسلام بشكل صحيح، ومارسناه بصورة صحيحة، فسنكون خير سفراء للإسلام في هذه البلاد؛ إنما المشكلة من أين تأتي؟

من فهم مشوش وخاطئ، يُنتج كذلك الممارسة المشوشة والخاطئة.

قصة الممرضة الألمانية والدعوة الصامتة

استقرأت تقريباً كل الحالات التي طالعتها، أو تابعتها، واعتنقت الإسلام، سواء كانوا رجالاً أو نساء من غير المسلمين، السبب المباشر والدافع الأساسي هو القدوة، هو الدعوة الصامتة.

ومن أغرب المواقف التي رأيناها، أننا حضرنا حفل اعتناق امرأة ألمانية غير مسلمة للإسلام، وعمرها 70 سنة، وكان السؤال الطبيعي: ما الذي ذكرها بالإسلام وعندها 70 سنة؟!! فعادة المرأة عندما تعتنق الإسلام تكون أصغر من هذا!!

تعرفت على شاب مسلم، وتريد أن تتزوجه، وهو تمسك بأن تعتنق الإسلام؛ لكن بعد هذا العمر، فأكيد هناك شيء غير عادي وراء هذا الأمر.

فسألناها: ما السبب الذي جعلكِ تعتنقين الإسلام الآن، وأنتِ عمركِ 70 سنة؟

قالت: أنا أقرأ عن الإسلام منذ 30 سنة.

قلنا لها: ما السبب؟ هل أحد أعطاكِ نسخة من المصحف المترجم حتى تقرأيه، ويقودكِ هذا إلى معرفته؟ قالت: لا، أنا أعمل ممرضة في قسم الحالات الحرجة في مستشفى ألماني، وكل المرضى عندي في القسم حالاتهم خطيرة جداً، وكلهم يشكون، ويقولون: لماذا نحن نبتلى، وبقية الناس يعيشون بصحتهم؟!

وكلهم يطلبون مني أن أقتلهم، ليموتوا ويستريحوا من الحياة، إلا امرأة واحدة أشدهم ألماً، وأكثرهم صبراً، وما رأيتها مرة إلا والابتسامة على وجهها مبتسمة

حتى دهشت فقلت لها: أنتِ أكثرهم بلاء، ومع ذلك أكثرهم صبراً، لماذا؟! ما الذي يحملكِ على هذا الصبر والاحتساب؟

قالت لها: أنا مسلمة، والإسلام يأمرني بالصبر عند الابتلاء، والله سبحانه وتعالى يعوضني بأجر كبير في الآخرة إذا صبرت، لهذا أنا صابرة، لم تقل لي أكثر من هذا.

قالت: فبدأت أفكر، وأقرأ عن هذا الدين، الذي يجعل صاحبته أو المنتسبة إليه، بهذا الصبر وبهذا الاحتساب، فبقيت 30 سنة أقرأ، حتى تكونت لدي القناعات العقلية والروحية لأعتنق الإسلام الآن.

هل كان يمكن أن تظن أو تعتقد أن هذه المرأة المسلمة بصبرها هذا تدعو إلى الإسلام؟!

أكيد لا يمكن أبداً، هي تتصرف بشكل تلقائي وطبيعي، فهمت شيئاً في الإسلام هو الصبر عند البلاء، ونفذته فقط،، فكانت داعية، وكانت سبباً في إسلام هذه المرأة بعد 30 سنة

فنحن لن ننجح في تعريف غير المسلمين بالإسلام بصورة صحيحة، إلا إذا كسبنا الفهم الصحيح للإسلام، وإذا استطعنا أن نفهمهم حقيقة موقف المرأة في الإسلام، ومنزلتها في الإسلام، ونرد على الشبهات التي تُثار حول قضايا المرأة في الإسلام، بحيث إذا طرحت علينا امرأة غير مسلمة أي شبهة حول الإسلام، يكون عندنا قدرة على أن نتحاور في هذا الباب، وأن نتحاور بنفس طريقة وأسلوب تفكيرهن، أو نتجادل معها.

فإذا كنت أتكلم مع امرأة مسلمة ليست متحجبة، فسهل جداً أن أتحاور معها، وأقول لها: أنتِ مسلمة تؤمنين بالله، الله سبحانه وتعالى أمركِ بالحجاب، وينهتي الأمر بسرعة بسهولة.

لكن امرأة غير مسلمة لا تؤمن بالله، أو حتى ملحدة لا تؤمن بالله، كيف سأتحاور معها؟

الأمر صعب؛ لأن ثقافة هذه المرأة هي التكشف والتعري، فكيف يمكن أن تُفهم مثل هذه المرأة أنه لابد من تغطية سائر جسدها ما عدا الوجه والكفين؟ فهذه مسألة صعبة عليها أن تتخيلها في ثقافتها

فكيف أتحاور معها، وأقيم لها الحجج والأدلة، على منطقية وعقلية، وعقلانية الحجاب الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى به؟

وأنها إذا أرادت أن تشعر بأنوثتها وبحياتها كامرأة، وبجمالها كامرأة لها جمال، عليها أن تلبس الحجاب لا أن تتبرج، كيف يمكن أن أصل إلى هذه الدرجة؟ هذا لا يتم إلا بتثقيف، وبلقاءات وبمحاضرات، معلومات

محورا الفقه والفكر

مما سبق يتضح لنا أن هذا الموضوع المطروح على قدر كبير من الأهمية، وعندنا فيه محوران اثنان كالآتي:

المحور الأول: فقهي

يعني كيف تعيش المرأة المسلمة بإسلامها في الغرب؟ وعندما تتعارض حياتها في الغرب، مع حكم من الأحكام التي فرضها عليها الإسلام، كيف تتصرف وماذا تفعل؟

المحور الثاني: فكري

وهو أن المرأة المسلمة المتحجبة كثيراً ما تتعرض لأسئلة واستفسارات، من غير المسلمين حول المرأة في الإسلام

فيقال لها: لماذا المرأة في الإسلام تقف خلف الصفوف في الصلاة؟ ولماذا لا تقف إلى جوار الرجل؟

لماذا تعملون هذا الفاصل بين الرجال والنساء؟

لماذا ترث المرأة نصف الرجل؟ لماذا تلبس المرأة الحجاب؟

لماذا تُمنع المرأة من السفر إلا ومعها محرم؟ لماذا لماذا لماذا… أسئلة كثيرة جداً يطرحها غير المسلمين على النساء المسلمات، لا بد من إجابات شافية، إذا أردنا أن نعرف بالإسلام بصورة صحيحة، ووسطية ومعتدلة.

القواعد والضوابط الفقهية للمسلمة في الغرب

هناك جملة من الضوابط والقواعد، والأصول التي تحكم فقه المرأة المسلمة التي تعيش في الغرب؛ إذا استطعنا أن نفهم هذه الضوابط وأن نستحضرها، نستطيع أن نحكم على أي موقف، أو فتوى أو رأي فقهي، في أي قضية من قضايا المرأة، بأنها تتناسب وتتوافق مع الشرع أو تتعارض معه.

الضابط الأول: المرجعية للنصوص

أن تكون المرجعية العليا في قضايا المرأة للنصوص الصحيحة من القرآن والسنة، وليس لأقوال العلماء أو فتاوى العلماء، لا يليق أني أقدم أقوال العلماء، أو فتاوى العلماء على القرآن الكريم، أو على السنة النبوية

وهذا الأمر يتضح في صور كثيرة جداً

مثال: صوت المرأة

لا زال هناك من يقول إن صوت المرأة عورة، من أين أتوا بأن صوت المرأة عورة؟! هل هناك أي دليلٍ على أن صوت المرأة عورة؟!

عورة يعني يجب أن تُخفى، فسائر جسد المرأة عورة ولذا سترتموه باللباس، فإذا كان صوت المرأة عورة فالمفروض أنها لا تتكلم إلا أمام زوجها، وأولادها ومحارمها فقط، هذا هو معنى العورة.

قد يقال أن الدليل على أن صوتها عورة قول الله تعالي {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (سورة الأحزاب: 32).

هذه الأية معناها بوضوح، أن صوت المرأة ليس عورة، ما دام القول سيكون معروفاً، ليس فيه خلاعة، وليس فيه تكسر، وليس فيه ميوعة، فقد قال الله {وقلن قولًا معروفًا}

نحن قلنا إن المرجعية العليا في قضايا المرأة، وفي فهمها، هي للقران الكريم وللسنة النبوية، فعندما نقرأ القرآن الكريم نجد عشرات المواضع، التي تتكلم فيها المرأة في القرآن الكريم، والقرآن الكريم يحكي كلامها

مثلاً: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} (سورة المجادلة: 1)

مثال: قصص سيدنا موسى مع الفتاتين ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (سورة القصص: 26)

مثال آخر: قصة ملكة سبأ بلقيس ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ (سورة النمل: 29)

مثال: امرأة فرعون التي حكى لنا القرأن كلامها، في أكثر من موضع

مثال : الصحابة بعد وفاة رسول الله يستفتون السيدة عائشة في بعض الأمور، وكيف نُقلت إلينا هذه الأحاديث الكثيرة جداً التي نقلتها السيدة عائشة.

وإذا نظرنا في السنة لوجدنا عشرات المشاهد والمواقف، التي تتكلم فيها نساء من أمهات المؤمنين، ومن غيرهن أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وأمام سائر الصحابة؛ بل هناك أحاديث ربما الواحد يتحرج أن يذكرها من شدة حساسيتها، ولو ذكرناها الآن لقالوا علي أني شيخ منحرف، ويطرح أموراً خطيرة أمام النساء، وهذا كلام لا يصح

مع أن الحديث في البخاري، وطرحته امرأة أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وأمام الصحابة الجالسين عنده!

لدرجة أن سيدنا عمر بن الخطاب أخرج سيفه وحركه من ظهره، ناحية هذه المرأة يقول لها: يا امرأة، غضي من صوتكِ فإنكِ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي لا يصح أن تتكلمي في هذه القضايا! وماذا يقول له النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا يزيد على التبسم ويقول: “دعها يا عمر”، لأنها تسأل عن شيء في أمور دينها.

فالمرأة كانت متزوجة،  ثم طلقها زوجها، وتزوجت من زوج ثانٍ، وبدا لها أن ترجع إلى الزوج الأول في قضية التحليل، والنبي صلى الله عليه وسلم رفض هذا، ويقول لها: “أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟” إلى زوجكِ الأول؟ وتشكو من ضعف زوجها الثاني في الناحية الجنسية أمام النبي والصحابة، ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبان بن سعيد رضي الله عنهم أجمعين

فعن عائشة رضي الله عنها: «أنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ القُرَظِيِّ جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي، وإنِّي نَكَحْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ الزَّبِيرِ القُرَظِيَّ، وإنَّما معهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (صحيح البخاري).

أبعد هذا نقول إن صوت المرأة عورة؟ إذاً من أين أتى أن صوت المرأة عورة؟

لأننا جعلنا المرجعية لأقوال العلماء، أو لاجتهادات بعض المفتين؛ نتيجة البيئات التي عاشوا فيها، ولم نجعل المرجعية الحقيقية للقرآن الكريم وللسنة النبوية، ولو جعلناها بشكل مباشر للقرآن الكريم والسنة النبوية، لا يمكن أبداً ننتهي إلى أن صوت المرأة عورة.

مثال آخر: صور العلاقة في فراش الزوجية

كثير من النساء يسألن عن بعض الصور في العلاقة الزوجية، في علاقة الفراش بين الرجل وبين زوجته، وهل هي محرمة أم لا، وبعض المشايخ يحرم بعض هذه الصور.

على أي أساس حرم هذا الكلام؟ ليس في القرآن الكريم هذا، وليس في السنة النبوية هذا التحريم؛ القرآن الكريم والسنة النبوية إنما حرما أمرين اثنين فقط في العلاقة الزوجية، هما:

الإتيان أثناء الحيض، والاتيان في الدبر، ما عدا هذا كله مباح.

عندما أنا أحرم شيئاً غير هذين الشيئين، لا أجعل المرجعية العليا للقرآن الكريم وللسنة النبوية.

الضابط الثاني: الجمع بين النصوص

فلابد من ربط النصوص بعضها ببعض، ولا أقف عند نص واحد، وأترك النص الآخر.

مثال: الشرب قائمًا

تشاهد البعض عندما يشرب الماء يجلس، لا يشرب وهو قائم، ويقول لك أن ذلك من السنة، وبالتالي إذا شربت وأنت قائم، فأنت لا أطبق السنة!

ودليلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب قائماً؛ فلا يجوز للإنسان أن يشرب وهو قائم، وقال النبي: “مَنْ نَسِيَ فَشَرِبَ قَائِمًا فَلْيَسْتَقِئْ” (صحيح مسلم)، فيرجع ما شربه وهو قائم؛ هذا يعني أن المسألة خطيرة جداً

فلو وقفنا عند هذا النص وحده، فمعناه أنه لا يصح أن نشرب أبداً ونحن وقوف، ولا بد أن نجلس إذا أردنا أن نشرب؛ لكن هناك نص الآخر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من ماء زمزم قائماً، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وهو قَائِمٌ» (صحيح البخاري)

وهذا النص معناه إنه يجوز الشرب وأنت واقف، كما أنه يجوز الشرب وأنت جالس.

فهل هذا تناقض؟ لا، هناك قاعدة أصولية اسمها: تخصيص العام، وأخرى اسمها: حمل المطلق على المقيد، فهذا العام، الذي نهى فيه عن الشرب قائمًا، خصصه هذه الرواية الثانية، فهذا مطلق قيّد، أو هذا مقيد أطلق.

فلا تعارض، والحديثان صحيحان، ولو لم يشرب النبي صلى الله عليه وسلم من ماء زمزم واقفاً، لكان الشرب واقفاً حراماً وممنوعاً؛ لأن فيه وعيداً شديداً جداً، لكنه شرب قائماً، إذاً الشرب قائماً مشروع وصحيح.

مثال: زواج المسلم من الكتابية غير المسلمة

هل يجوز للمسلم أن يتزوج من الكتابية غير المسلمة؟ نعم، يجوز.

هل يجوز للمسلمة أن تتزوج من الكتابي؟ لا، لا يجوز.

من أين عرفنا ذلك؟ من القرآن قال الله {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [البقرة: 221].

لكن هذه الآية قد حرمت الاثنين معًا، فلا يجوز للمسلمة أن تتزوج من غير المسلم، ولا يجوز للمسلم أن يتزوج من غير المسلمة، فكيف أجزنا للمسلم أن يتزوج من الكتابية؟

لكن هناك آية أخرى تقول: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] معطوفة على {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ}، فيجوز أن يتزوج المسلم من الكتابية غير المسلمة.

ولكن ماذا عن الآية الأولى؟!

قالوا: هذه الآية الثانية خصصت الآية الأولى، واستثنت من هذا الحكم أن الرجل المسلم يجوز له أن يتزوج من المرأة غير المسلمة الكتابية بأربعة شروط؛ ولكن هذه الشروط الأربعة ثلاثة منها غير متوفرة في نكاح الكتابيات الآن، ومع ذلك الناس تمضي فيه ولا تبالي!!

الضابط الثالث: احترام الإجماع اليقيني

ما هو الإجماع اليقيني؟ الإجماع هو الدليل الثالث من الأدلة المتفق عليها بين العلماء، فإذا استُفتي أحد العلماء في مسألة وأراد أن يفتي فيها، يرجع أولاً إلى القرآن الكريم، فإذا لم يجد فيه دليلاً يرجع إلى السنة النبوية، فإن لم يجد يرجع إلى الإجماع.

تعريف الإجماع: “اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من الأعصار على حكم شرعي”.

مثال: فرضية الحجاب

عند الرجوع إلى إجماع العلماء، نجد أنهم أجمعوا على أن الحجاب فرض على المرأة المسلمة، ولم يخالف أحد في الحجاب وقال إنه سنة أو مندوب، ولا أي مذهب من المذاهب، أو أي إمام من أئمة أهل السنة أو غيرهم، فهناك إجماع على أن الحجاب فرض؛ لكن هناك خلاف في النقاب.

فمادام هناك إجماع، فلا نتكلم في فرضية الحجاب، فهذا موضوع نغلقه، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، فلا اختيار مع كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

مثال: حكم تحلي المرأة بالذهب

يجوز للمرأة أن تتحلى بالذهب لا خلاف في ذلك خلاف

والحديث الوارد عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أنها قالت: دخلتُ أنا وخالتي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلينا أساورُ من ذهبٍ، فقال لنا: «أَتُعْطِيَانِ زَكَاتَهُ؟» قُلْنَا: لَا، قَالَ: «أَفَلَا تَخَافَانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمُ اللَّهُ أَسَاوِرَ مِنْ نَارٍ؟ أَدِيَا زَكَاتَهُ». [أخرجه أبو داود في سننه]، ليس الهدف منه تحريم أصل التحلي، بل الهدف منه إيجاب الزكاة، فهناك إجماع على جواز تحلي المرأة بالذهب.

وحتى النص الوراد في لبس الخلخال، لم يُحرم لأجل أنه الذهب، بل لأجل الصوت الناتج عنه، قال تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} [النور: 31]. كانت المرأة تلبس الخلخال في رجلها، فإذا مشت أحدث أصواتاً تلفت أنظار الرجال، فالنهي لأجل ذلك، لا لأجل الذهب نفسه.

حكم زكاة حلي الزينة للمرأة

هل تجب الزكاة في حلي المرأة أم لا؟ في ذلك خلاف بين الفقهاء. والراجح أنه لا تجب فيه الزكاة؛ إلا إذا اشترته بنية الادخار، كأن تقول: الذهب سعره يرتفع، سأشتريه وادخره لتزويج ابنتي، ففي هذه الحالة تجب فيه الزكاة.

أما إذا كان الذهب للزينة، فالراجح من أقوال الفقهاء أنه لا تجب فيه الزكاة، حتى لو كان كثيراً، بشرط أن يكون فعلاً للزينة، وتلبسه للتزين، ولو مرة واحدة في العام.

ومن الفقهاء من قال بوجوب الزكاة فيه، حتى لو كانت تلبسه كل يوم؛ لكن الراجح عدم الوجوب مادام للزينة، حتى لو كان هدية، فإذا كان للادخار، وحال عليه الحول، وبلغ النصاب ففيه الزكاة.

فلدينا إجماع على جواز التحلي بالذهب، وخلاف في إخراج الزكاة منه، فالإجماع محترم ونقف عنده.

الضابط الرابع: التحرر المذهبي وترك التعصب

التحرر المذهبي يعني ترك العصبية المذهبية، فلا ينبغي أن تقول إحداهن: أنا مالكية المذهب، ولا يمكن أن أخذ بمذهب أبي حنيفة أو الشافعي، فأنا مع المذهب الذي جئت به من بلدي إلى الغرب

من يقف عند مذهب إمامه أو شيخه، لن يستطيع أن يعيش في هذا العصر، لا في الشرق ولا في الغرب.

لا يوجد لدينا دليل ولا نص، من كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا حتى عند الأئمة الذين نُقلت مذاهبهم (كالمالكية والحنفية والشافعية والحنابلة) يوجب التعصب، فالأئمة أنفسهم رفضوا تعصب الناس لمذاهبهم، ولا يوجد دليل يحتم علينا الوقوف عن مذهب من المذاهب في القضايا الفقهية، فيصح لنا ألا نتلزم برأي فقيه من فقهاء مذهب م في كل شأن من شؤون حياتنا

مثال: كشف قدم المرأة في الصلاة وخارجها

ما حكم كشف قدم المرأة (سواء الظاهر أو الباطن) في الصلاة وخارج الصلاة؟

جمهور الأئمة الثلاثة (مالك والشافعي وأحمد) قالوا: يجب على المرأة تغطية قدمها، فإن جاء الصيف ولم ترد لبس حذاء يغطي قدميها تلبس جورباً، ولو كان خفيفاً لتستر قدمها، وفي الصلاة يجب تغطية القدم عندهم.

الإمام أبو حنيفة والسيدة عائشة رضي الله عنها قالا: قدم المرأة ليس بعورة في الصلاة ولا خارج الصلاة.

ومنهم من قال: الظاهر ليس بعورة، والباطن عورة؛ لكنهم جميعا متفقين على أنه لابد أن تغطي المرأة قدمها حتى الكعب، إنما يمكن ألا تلبس الجورب

ودليل الإمام أبي حنيفة قوي من القرآن: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31]، ومواضع الزينة هي الوجه والكفان والقدم التي يُوضع فيها الخلخال قديماً، فهذا رأي فقهي معتبر

فإذا كانت هناك فتاة حديثة عهد بالالتزام، وتصلي كاشفة قدميها، أو أنها لا تصلي إلا بكشف رجليها، فيمكن أن نتخفف معها ونأخذ برأي الإمام أبي حنيفة؛ لأنه رأي قوي، وله سند.

مثال: بقاء المرأة المسلمة مع زوجها غير المسلم إذا أسلمت

إذا كانت امرأة غير مسلمة متزوجة، من غير مسلم، ثم هداها الله للإسلام، وأسلمت، وزوجها لم يسلم، ماذا نفعل؟

لا يجوز لها أن تعيش معه بدليل قوله تعالى {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10]،

 وقوله تعالى: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10]. فلا يجوز بحال.

وجمهور الفقهاء والأئمة الأربعة، على أنه يُفرق بينهما فوراً، ولا تبقى معه ثانية واحدة، فهذا شخص غير مسلم، فكما أنه لا يجوز لها كمسلمة أن تتزوج منه ابتداءً، فلا يجوز يجوز له أن تبقى معه انتهاءً

وقد ذكر الشيخ يوسف القرضاوي أنه كان يفتي بذلك لثلاثين سنة، فلا يحل لها البقاء معه، حتى يسلم فتعود إليه، وكان يدعي الإجماع على ذلك، حتى اطلع على كتاب “أحكام أهل الذمة” للإمام ابن القيم فوجد فيه تسعة أقوال في المسألة:

منها رأي لعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: أنها تبقى زوجته ما دامت في العدة، فإن أسلم خلالها فهي زوجته، وإلا فُرّق بينهما.

ورأي آخر: أنها زوجته ما دامت في المِصر (البلد)، فإن تركته وهاجرت، يفرق بينهما.

ورأي ثالث: أنها زوجته ما لم يفرق بينهما السلطان.

ولذلك أخذ المجلس الأوروبي للإفتاء برأي عمر وعلي رضي الله عنهما؛ حتى لا يُسد الباب أمام النساء اللاتي يرغبن في الدخول في الإسلام، إذا علمن أنه سيفرق بينهن وبين أزواجهن وأولادهن، ولإعطاء فرصة للزوج ليفكر في الإسلام.

فأخذ المجلس بهذا الرأي؛ لأنه ليس فيها إجماع، وإنما فيها خلاف بين الفقهاء، ولو أخذنا برأي الأئمة الأربعة سنغلق الباب أمام كثير ممن يُردن أن يعتنقن الإسلام

الضابط الخامس: مراعاة ظروف العصر وتغير الأعراف

فلابد من مراعاة ظروف العصر والبيئة، وتغير الأعراف والعادات؛ لأن العرف أحد أدلة الأحكام، وبِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ تَتَغَيَّرُ الفتوى.

كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، لما كان بالمدينة كان يقضي بشاهد ويمين، بناءً على توفر العدالة والأمانة في الناس حينها، فلما انتقل إلى الشام رفض القضاء بشاهد ويمين، واشترط الشاهدين، بناءً على قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ} [البقرة: 282] لِتَغَيُّرِ الزمان.

مثال: اتخاذ الكلب للحراسة

كان الإمام أبو محمد بن أبي زيد القيرواني، شارح رسالة الإمام مالك، يسكن في أطراف المدينة، وسقط حائط من بيته، فأصبح بيته مكشوفاً للصوص وللناس، ولقطاع الطرق؛ فاتخذ كلباً للحراسة؛ ليحرس البيت والإمام مالك يرفض مسألة أن يتخذ الكلب للحراسة، فجاء تلاميذ الإمام مالك وقالوا له: أنت من أئمة المذهب، وتتخذ كلباً، وتخالف الإمام؟!

قال لهم لو عاش مالك إلى زماننا لاتخذ أسدا ضارياً، لكي يحرسه؛ لأن الزمن تغير، وهو يسكن في أطراف المدينة، والبيت ليس له باب

مثال: مراعاة العُرف والبيئة في لباس المرأة

من الشروط التي اشترطها العلماء في ثياب المرأة، ألا يكون الثوب زينة في نفسه، فلا يكون ملفتاً للنظر، كأن يكون لوناً أحمراً فاقعاً مثلاً، فهذا الكلام صحيح؛ ولكن بحسب عرف البلد، فقد يكون هذا اللون غريباً جداً، ويلفت أنظار الرجال، ويجعلهم يلتفتون إليه؛ لأنه غير مألوف، وغير معتاد في هذا البلد

أما في البلد الآخر الذي تعيش فيه المرأة المسلمة الآن، فهذا اللون الأحمر أو المعصفر، لا يلفت أنظار الناس مثله مثل اللون الآخر، وربما يلفت النظر لون آخر غير اللون الأحمر أو اللون الأصفر

ولذلك الإخوة الأفارقة لو تلاحظون لباسهم، حتى الرجال منهم وليس فقط النساء، يلبسون ألواناً عجيبة جداً، فهل نستطيع أن نقول إن هذه الألوان، لا تتوافق مع الشروط التي وضعها الفقهاء، في ألا يكون الثوب زينة في نفسه؟ فهذا بحسب الزمن، وبحسب العرف، وبحسب البيئة

لبس البنطال وحكم الجلباب

لبس المرأة للبنطال، كان يدخل في العيب، أو الذي لا يصح، أو الذي لا يتوافق مع المرأة، بحسب الزمن، أو بحسب البيئة، أو بحسب العصر

وفي فترة من الفترات كان هكذا؛ لكن تغيرت نظرة الناس إلى هذا الأمر، بل ربما يكون أستر، بمعنى أنه قد يحمي المرأة من أنها إذا قامت ريح، ألا تنكشف إذا حركت الريح ثوبها، ولم تكن تلبس بنطالاً، أو نحوه

وطبعاً، أنا لا أقصد بهذا البنطالات الأخرى التي تُلبس وتكون ضيقة جداً، وأعتقد أن كل امرأة تعرف حدود المسموح به، والممنوع في دائرة اللباس، حتى شكل الحجاب

أنا لا أنسى أبداً إحدى الأخوات، حين قالت لي: إن كل الملابس التي تلبسها النساء اليوم، كلها محرمة، وخاطئة، ولا يباح إلا الجلباب فقط؛ لأنه هو الذي ورد في آية الأحزاب، قال الله (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ) [سورة الأحزاب آية 59]

وأما العباءات والتاييرات، وما شابه ذلك من كل الأشياء التي ظهرت هذه الأيام، فكلها حرام، وليس لها أصل في الشرع

فهذا كلام غير صحيح، فالفقهاء وضعوا شروطاً لحجاب المرأة المسلمة، إذا تحققت هذه الشروط، يكون هذا اللباس مشروعاً، وإذا فقدت هذه الشروط يكون غير مشروع، وهذا يختلف بحسب الزمان، وبحسب الظروف التي تعيش فيها المرأة

حتى شكل الثياب بالنسبة للرجال، فشكل الثياب في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، اختلف عن أزمنة الصحابة، وعن أزمنة التابعين، وعن الأزمنة الأخرى

ختامًا: هذه بعض الضوابط المهمة جدًا للمرأة المسلمة التي تعيش في الغرب، ونستكملها في الجزء الثاني إن شاء الله، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


ملحوظة مهمة: هذه المحاضرة تم تفريغها وتنسيقها للفائدة العلمية من فريق الموقع، وليست بطريقة التصنيف أو التأليف العلمي.

 

 

 

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 231