الأقليات المسلمة…الواقع والتحديات

 الأقليات المسلمة…الواقع والتحديات 

المقدمة

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، إنك أنت علام الغيوب.

اللهم عجل برفع البلاء والوباء عنا، وعن البشرية جمعاء، إنك سميع مجيب، أما بعد:

في بداية أود أن أشير إلى نقطتين رئيسيتين:

النقطة الأولى: التحفظ على المصطلحات السائدة (الأقليات والجاليات)

 فأنا لا أميل إلى استعمال هذا مصطلح “الأقليات” في التعبير عن الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية، أو غيره من المصطلحات التي لا تعكس حقيقة هذا الواقع؛ بل تعطي بعض الانطباعات السلبية، التي تعود على أصل ما ندعو إليه، في فقه وفكر الحضور، أو الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية، بالمعاني أو القيم السلبية

مصطلح “الأقليات” ومصطلح “الجاليات” يعطي هذا المعنى؛ فالجالية تعطي معنى التأقيت، ومعنى الخروج والجلاء، وترك المكان والبقاء المؤقت فيه.

والأقلية تعطي معنى يعاكس ويضاد معنى المواطنة والانتماء إلى الوطن الأوروبي بحقوق وواجبات، وهو المعنى الذي طالما دعونا إليه.

ولا يجب أن ينظر إلى المصطلح في إطار النظر العددي، أو الخريطة الديموغرافية للمسلمين؛ فهم وإن كثروا عدداً، إلا أنهم في الواقع يبقون أقلية.

لذلك لا مانع أن نستعمل هذا المصطلح ونقول “أقلية”؛ ولكن على الرغم من كونهم أقل عدداً، إلا أنني لا أرى مناسبة هذا المصطلح، لتجسيد حقيقة وواقع الوجود الإسلامي، أو الحضور الإسلامي على الساحة الأوروبية

وهو يعكس مرحلة من مراحل الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية فكراً وفقهاً، والآن هذا الوضع تجاوزناه إلى التوطين والمواطنة، التي لا يعبر عنها هذا المصطلح الأول أو الاصطلاح الثاني.

ولذلك نحن في أدبيات المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، نستعمل دائماً مصطلح “فقه الحضور الإسلامي في الغرب” أو “الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية”

النقطة الثانية: منهجية النقد الذاتي والمبدأ القرآني

ستلاحظون أن نبرة نقدي لواقع الوجود الإسلامي الأوروبي ستكون عالية، وهذا أمر مقصود في الحقيقة، وهذا النقد للحضور الإسلامي الأوروبي لا ينفي أبداً وجود إيجابيات، ووجود مكاسب وإنجاز كبير -رغم قلة الإمكانات على أرض الواقع-، إلا أن نقد واقع المسلمين في الغرب، هو تفعيل للمبدأ القرآني الذي قال الله سبحانه وتعالى فيه: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} (آل عمران: الآية 165)

لأن هذا المبدأ القرآني يجعل المسلم، والجماعة المسلمة في أي مكان، تركز على البحث في عللها، وفي أسباب فشلها الداخلي، ولا تتذرع بالأسباب الخارجية؛ سواء الخارجية المحلية، أو الخارجية الأجنبية.

وتفعيل هذا المبدأ يجعل تأثير هذه العوامل الخارجية -سواء كانت خارجية محلية، أو خارجية من خارج الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية- يجعل أثرها في غاية المحدودية وضعف التأثير.

لكن عدم تفعيل هذا المنهج أو غيابه، يجعل المسلم أو الجماعة المسلمة تتراخى، وتتراجع وتتكاسل، وتتأخر في الفعل، وتحمل الأسباب الخارجية المسؤولية الكاملة عن الفشل

ولذلك هذا المبدأ القرآني {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} جاء في سياق التعقيب على الهزيمةن التي لحقت بالمسلمين في غزوة أحد.

ولو أن الجواب القرآني جاء عندما سأل الصحابة: أنى هذا؟ ولماذا وقعت هذه الهزيمة؟

كان يمكن أن يأتي الجواب القرآني ملاحظاً للأسباب الخارجية، ولا يكون الجواب {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}؛ لأنه كان هناك أكثر من سبب يمكن التعلل به، أو التوقف عنده، أو رد الهزيمة إليه.

لو أن الصحابة أو القرآن قال: لأن أعداد المشركين كانت أربعة أضعاف أعداد المؤمنين، لكان سبباً كافياً للحصول على الهزيمة.

فعدة وعدد وقوة المشركين كانت أكبر من عدة وعدد المسلمين، وهذا سبب آخر للهزيمة؛ لكن القرآن يرد الصحابة والمسلمين، ومن يأتي بعد الذين كانوا في هذه المعركة، إلى السبب والتفتيش في الأسباب الداخلية؛ كعصيان أوامر النبي صلى الله عليه وسلم من قبل الرماة، أو عدم الأخذ بمقترح النبي صلى الله عليه وسلم العسكري بأن تكون المعركة داخل المدينة، إلى غير ذلك من الأسباب الذاتية الداخلية، ليكون هذا مبدأ رسخاً نعود إليه في معالجة الظواهر، أو الإشكاليات أو التحديات التي نمر بها، كما هو الحال بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في الغرب اليوم

تحمل المسؤولية الذاتية في السنة

توقفت طويلاً عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي رواه ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا… وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لاَ يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لاَ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لاَ أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لاَ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ  بِأَقْطَارِهَا – أَوْ قَالَ: مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا – حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا” (صحيح مسلم)

وفي رواية أخرى عن عُامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ يَوْماً… وفيه: “سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاَثاً فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لاَ يُهْلِكَم أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يُهْلِكَم أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا” (صحيح مسلم)

“سألته ألا يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها” أي: ألا تهلك الأمة بوباء أو بطاعون أو غيره

الله سبحانه وتعالى أمره بين الكاف والنون، ولا يعييه تبارك اسمه أن يستجيب للنبي صلى الله عليه وسلم في الطلب الثالث، فلا يجعل بأسهم بينهم، فيمنعه الله سبحانه وتعالى منها! لماذا؟

السبب الذي توصلت إليه -والعلم عند الله- هو أن الله سبحانه وتعالى تكفل بالأمور، أو الأسباب، أو الأشياء التي تكون سبباً في هلاك الأمة، أو في سقوطها، أو في محو حضارتها، مما لا قدرة ولا طاقة للناس بها، وهما الأمر الأول والأمر الثاني؛ أما الأمر الثالث فمقدور عليه لهم؛ فعليهم أن يبذلوا جهدهم، وأن يتحملوا مسؤوليتهم ليمنعوه، وأن لا يحملوا هذا الأمر للقدر، أو لغير ذلك من الأسباب

والواقع أن الذي يفتش في حال الأمة وفي واقعها، يلحظ هذا الأمر جلياً وواضحاً، ويلحظ انحرافاً عنه أيضاً، فالحركات الإسلامية مثلاً، علقت الفشل أو التراجع، أو عدم النجاح في بلوغ ما وُجدت، أو تأسست لأجله على قدرة وقوة، وغلبة وشدة وصعوبة القوى الخارجية التي لا قبل لها بها، ولا تعمد إلى التفتيش في النقد الذاتي لها.

وشيوع مسألة السحر في الأمة، هو أيضاً نزوع إلى تعليق الأمر على أسباب خارجية

الهزائم أو التحولات التي منيت بها أحداث الربيع العربي نفس الشيء؛ الانقلابات التي حدثت في تاريخ الأمة؛ ليس فقط في المنطقة العربية؛ بل في غيرها، هي تطبيق عملي للنقطة الثالثة: «وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها».

وهو ما عبر عنه المفكر الأستاذ/ مالك بن نبي “رحمه الله” عندما قال وصك هذا المصطلح وهو “القابلية للاستعمار”؛ إن المستعمر أو المحتل إذا أراد أن يحتل بلداً، لا يحتل البلد بقوته العسكرية، وبإرادته المنفردة، وإنما بتهيئة الأمم والشعوب، وبإحداث خيانات داخلية، يستطيع أن ينجح بها في تحقيق ما يريد

وهو المعنى أيضاً الذي عبر عنه الأستاذ/ المهدي المنجرة، المفكر المغربي المعروف، الذي لم يأخذ حظه للأسف من اهتمامات المسلمين، قراءة له، واهتماماً بما كتب وبما سطر، عندما رسخ هذا المعنى دون أن يرده لهذا الحديث، أو لهذا المعنى القرآني {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}.

قال: إن الصينيين القدامى عندما أرادوا أن يحموا بلدهم من الإغارة عليه أو احتلاله، بنوا سوراً عظيماً، واعتقدوا بأنه لا يوجد من يستطيع تسلق هذا السور لشدة العلو، ولكن خلال الـ 100 سنة الأولى بعد بناء السور، تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات

لم يدخل الغزاة الصين من السور، وإنما كانوا يدخلون من الأبواب بدفع رشوة للجنود الصينيين؛ لأنهم اهتموا ببناء الأسوار، وتركوا بناء الإنسان.

فسبب الغزو وسبب النجاح في الاحتلال، كان سبباً داخلياً ذاتياً، ولم يكن التعويل على السبب الخارجي

المحور الأول: واقع الوجود الإسلامي في الغرب وتحديات التدين

هذا هو المحور الأول الذي سنقف معه، وسنستعمل مصطلح “الوجود الإسلامي في الغرب” بدلاً من مصطلح “الأقليات”، والحديث عن واقع هذا الوجود في الحقيقة صعب؛ لعدم وجود المؤسسات الرصدية العلمية، التي تقوم على رصد واقع الوجود الإسلامي في الغرب، وتحليله وإعطاء نتائج دقيقة، يمكن الركون إليها، أو الاعتماد عليها، في توصيف هذا الواقع، أو في بناء أحكام دقيقة في الحديث عنه.

والنقاط التي سنشخص بها هذا الواقع الآن، هي نقاط ترجع إلى بعض الدراسات الرصدية الناقصة غير المكتملة، أو من بعض المشاهدات الواقعية، والأحاديث التي تقع وتتم في ملتقيات الأئمة، والمؤسسات الإسلامية الجامعة لأحوال المسلمين وواقعهم، فهي تعطي مؤشرات تقترب من التوصيف شبه الصحيح أو الدقيق، لواقع هذا الوجود الإسلامي في الغرب، فيما يتصل بالتدين

النقطة الأولى: التدين في واقع الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية

هناك ملاحظة في إقبال الشباب والأجيال الجديدة على التدين، وامتلاء المراكز والمؤسسات الإسلامية بالمقبلين عليها؛ لكن هذا الإقبال وهذا التدين -على الرغم من النمو والتطور الذي حدث فيه- يبقى متراجعاً، وتبقى هنالك الكثير من صور التراجع، والخلل، والإشكال والانحراف الكبير عن الدين، الذي يحتاج إلى وقفة وتحليل، ومراجعة في دور المساجد، والمؤسسات الإسلامية على الساحة الأوروبية؛ لتفادي هذا الخلل ومعالجة هذا القصور

هناك دراسة ألمانية اطلعت عليها قبل عدة سنوات، تتحدث عن أن نسبة الشباب (شباب الجيل الثاني وما بعده) الذين يترددون على المساجد مرة واحدة في الأسبوع لا تتعدى 23%، أي أن أكثر من 70% من شباب الجيل الثاني، وما بعده لا يذهبون إلى المساجد، ولو مرة في الأسبوع!

وهذا الكلام في الحقيقة له صدى في الواقع، نلاحظه في نسبة وواقع الذين يترددون على المساجد، والمؤسسات الدعوية في الغرب، وأن ثلث هؤلاء الشباب (شباب الجيل الثاني وما بعده) لا يؤمنون بوجود إله أصلاً!

وأنا أعتبر أن الرصد والتحليل يجب أن يكون في هذه المساحات (مساحات الأجيال الجديدة)، وليس مساحة الجيل الأول؛ لأن التحديات فيها أقل من التحديات في الأجيال الأخرى

هناك مكاسب حققتها المراكز والمؤسسات الدعوية، على مستوى زيادة أعداد هذه المراكز والمؤسسات، ولكن ظل دور هذه المراكز منحصراً في رسالة محدودة، لفئة وشريحة محدودة من المسلمين، لم تتعداها ولم تتجاوزها، ولم تسع هذه المراكز إلى تطوير رسالتها، وتطوير مرافقها، وأن يكون عمل هذه المراكز والمؤسسات، موازياً لحجم التحديات والأسئلة، والإشكاليات التي يتعين عليها أن تجيب عليها.

فعندنا إشكالية كبيرة جداً في نقص، وعدم وجود المؤسسات المتخصصة، كما سنأتي في جانب التحديات، وهناك ضعف كبير جداً في ملف التأليف والترجمة والنشر على الساحة الأوروبية؛ سواء في حجم الكتب التي تخرج سنوياً تأليفاً أو ترجمة، أو في نوعية واختيار، ومنهجية اختيار الكتب التي تترجم، والتي تقدم للقارئ المسلم، وأيضاً القارئ غير المسلم

النقطة الثانية: خلل ترتيب الأولويات في العمل الدعوي

هناك خلل كبير وواضح جداً في ترتيب الأولويات، إذا أردنا أن نوصف واقع الوجود الإسلامي، أو الأقليات على الساحة الأوروبية، فهناك ملفات كثيرة جداً كان يجب أن تتأخر قدمت، وأخذت أولوية الإنفاق والوقت، والعناية والاهتمام في عمل المؤسسات الدعوية ،والإسلامية على الساحة الأوروبية، وكل نقطة من هذه النقاط تحتاج إلى حديث خاص، وهذه إشارات سريعة

1/ تقديم احتياجات الجيل الأول على الأجيال الجديدة

 فهذا من الخلل في الملف الدعوي، حيث قُدمت فيه احتياجات الأجيال الأولى، والمهاجرين الأوائل، على احتياجات الأجيال الجديدة، التي تواجه تحديات أكبر وأعظم على مستوى الهوية، وعلى مستوى اللغة، وعلى مستوى التدين، وعلى مستوى فهم الدين.

الأجيال الأولى عندها قدر لا بأس به من التحصين على مستوى كل هذه النقاط (الهوية، التدين، اللغة، وغير ذلك)، ومع ذلك فإن أغلب توجهات المؤسسات الدعوية -إلا تجارب نادر جداً فيما أعلم على الساحة الأوروبية- متمركزة حول الجيل الأول، ومتجاهلة أو مؤخرة للأجيال الجديدة، التي ولدت ونشأت وعاشت على الساحة الأوروبية

2/ تضخيم ملف التعريف بالإسلام على حساب أبناء المسلمين

 هناك اعتناء وتصدير، وتقديم وتضخيم لملف التعريف بالإسلام، والمسلمين الجدد، والداخلين في الإسلام حديثاً، على حساب دعوة المسلمين، وتعريف المسلمين الأصليين، الذين ابتعدوا وانحرفوا عن الدين.

رؤيتي التي أنطلق فيها من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية، هي أن الأولوية الدعوية الأولى تكون للمسلمين الذين ابتعدوا عن الدين، وانحرفوا عنه، والذين ارتدوا عن الدين، والذين في التزامهم وتدينهم إشكاليات.

فإذا سلمنا بالدراسة التي أشرت إليها قبل قليل، فلا بد أن نبحث لماذا يأتي 23% من الشباب فقط إلى المساجد مرة واحدة في الأسبوع؟ وكيف نحل هذه الإشكالية؛ لتزداد عدد مرات ترددها على المسجد، وعلى المؤسسات الدعوية؟ ونبحث لماذا 70% من هؤلاء لايذهبون للمساجد؟

فالأولوية الدعوية يجب أن تنصرف إلى هذه المساحات، وليس إلى مساحة غير المسلمين؛ لأنه إذا فهم عموم المسلمين الإسلام وعاشوا به، سنحقق معنى البلاغ الآمن والهادئ، والمبين للمجتمعات التي نعيش فيها

 

 

3/ تقديم ما يخص الأموات على ما يخص الأحياء

فمن الخلل الملاحظ تصدير واعتناء كبير جداً بملف الدفن ،والجنائز والأموات، وتخصيص مقابر ومدافن خاصة بالمسلمين، على حساب ملفات أخرى أشد خطراً وأهمية؛ كملف التدين و الهوية، وملف التعليم، وملف اللغة العربية.

كل هذه الملفات تأخرت، وتصدر هذا الملف بأنماط، وصور مختلفة في الساحة الأوروبية

4/ تقديم ملف الشعائر على ملف القيم

فمن الخلل الملاحظ تصدير واعتناء بملف الشعائر والتعبديات، على حساب ملف المنظومة القيمية والأخلاقية، التي تشكل مساحة المشترك الأوسع والأكبر، بين المسلمين وبين غير المسلمين في هذه المجتمعات

5/ تقديم الخارج على الداخل

من الخلل في الأولويات تقديم الخارج على الداخل؛ فتقديم قضايا الأمة الإسلامية الخارجية، وقضايا البلدان القطرية، على قضايا الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية، بما جلبته من إشكالات كبيرة على المسلمين في الغرب، وربما آتي إلى هذه النقطة في نقطة التحديات بصورة أفضل

النقطة الثالثة: تطور الخطاب الديني ومكانة المرأة

إذا أردنا الإنصاف، فلا بد أن نقول إن الخطاب الديني في أوروبا في السنوات العشر الأخيرة، تطور تطوراً كبيراً جداً، وأصبح جاذباً بشكل مقبول ومعقولن لشرائح أو فئات كبيرة من المسلمين.

والسبب في تطور هذا الخطاب هو مؤسسات الأئمة، والدور الذي قامت به مؤسسات الأئمة على الساحة الأوروبية (سواء مؤسسات الأئمة المحلية أو الأوروبية العامة) والأنشطة التي قدمتها كان لها أبلغ الأثر في تطوير هذا الخطاب

بالإضافة إلى شيوع لغة النقد عبر المنصات؛ لأن الخطاب أصبح خطاباً مفتوحاً، وسائلاً وحاضراً، على مواقع التواصل الاجتماعي، مما يسهل ويفتح الباب لنقده ولانتقاده، وعمليات النقد والحوار حول هذا الخطاب، من شأنها أن تحدث هذا التطور.

ومن الأسباب التي أدت إلى تطوير هذا الخطاب، سهولة المعرفة الدينية (على عكس ما كان موجوداً قبل ذلك) من خلال القنوات، والمنصات المفتوحة التي سهلت المعرفة الدينية على عموم المسلمين، وسهلت عليهم كذلك بهذه المعرفة أن يحكموا على هذا الخطاب وأن يحاكموه، مما يؤدي في النهاية إلى هذا التطور؛

لكن مع كل هذا أقول إن الخطاب الديني على الساحة الأوروبية -رغم تطوره- هذا التطور لا يناسب بعد حجم التحديات، ولا يتناغم مع حجم التحديات، والتطورات والتغييرات الهائلة، التي طرأت على العالم، وطرأت كذلك على هذا الوجود الإسلامي الأوروبي

بذات الشيء أستطيع أن أقول إن ملف المرأة المسلمة في الغرب، وحضور المرأة داخل المؤسسات تطور أيضاً، بالنظر إلى الصورة التي كانت موجودة قبل ذلك؛ لكنه تطور لا يعكس حقيقة وجود المرأة في تراثنا الديني، وفي تاريخ المرأة.

ولعل بعضكم تابع السفر الضخم جداً، الذي يتجاوز 40 مجلداً للدكتور/ محمد أكرم الندوي (عضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث) الذي يرصد فيه حركية المرأة، كمحدثة في التاريخ الإسلامي (40 مجلداً لآلاف النساء المحدثات في هذا الكتاب، وفي هذا السفر الضخم!).

لنتخيل بقية المجالات كيف كان حضور المرأة فيها؟ هذا الحضور يجعلنا نرجع إلى صورة وجود المرأة في المؤسسات الأوروبية؛ لنقول إنه دون المستوى، وأنه يحتاج إلى مزيد من النظر، ومزيد من التفعيل، ومن الفاعلية ومن الحضور، وأن نتجاوز ما أسميه دائماً “ديكورية حضور المرأة في المؤسسات”.

بعض المؤسسات تحرص على إبراز المرأة، أو تمثيل المرأة بصوت أو صوتين؛ حتى تظهر المؤسسة أمام الجهات الأوروبية بأنها لا تهمش المرأة، وبأنها تحضر المرأة، لكنها في الحقيقة لا تعطي لها أي قيمة حقيقية، يجب أن تأخذها في هذه المؤسسات

النقطة الرابعة: إشكالية المرجعية والتمثيل وغياب السلطة الملزمة

هذه إشكالية كبيرة جداً تواجه المسلمين على الساحة الأوروبية، وقد انشغلت بتحليل هذه المسألة ومحاولة فهمها، ولماذا نفشل في إيجاد المرجعية الممثلة للمسلمين على أضيق الأطر؟ أي داخل المدينة الواحدة مثلاً، على مستوى الروابط المحلية للمساجد، أو على المستوى الأكبر للمسلمين داخل البلد، أو على المستوى الأكبر على المستوى الأوروبي

وأنا أعتبر أن قضية الهلال وقضية المواقيتن بالاتفاق على يوم لبدء الصيام، ويوم للأعياد الدينية، والاتفاق على نظام واحد لأداء صلاة الفجر والعشاء تحديدا، خاصة في فصل الصيف، وهذه إشكالية لم ننجح في تجاوزها إلى اليوم.

وأنا عضو في لجنة المواقيت، التي تقوم على إنتاج مشروع موحد، جامع للمسلمين على الساحة الأوروبية، لنا أكثر من سنتين أو ثلاث سنوات حتى الآن نعمل على هذا الملف، وألاحظ حجم الإشكال الكبير الذي نعاني منه، في جمع المسلمين وجمع المؤسسات

وقد رأيت أن بعض المؤسسات، أو بعض التجمعات تحاول أن تبحث عن خيار خارج الخيارات القائمة؛ فعندنا مثلاً نظام الدرجة 18 و17 للفجر والعشاء، وعندنا نظم حوالي 13 نظاماً آخر، فتجد مجموعة أو تجمعاً آخر يقول لك: نختار الدرجة 15، لا 12 ولا 18″، لماذا الدرجة 15؟

بغض النظر عن الحيثيات والأسانيد التي عمد إليها؛ لأنه يبحث عن هوية، يبحث عن حضور، يبحث عن وجود بين الجهات والمؤسسات المختلفة، التي أخذت اختيارات غير الاختيار الذي أخذه، ولذلك أقول إن هذه المشاكل موجودة في العالم العربي والإسلامي؛ فقضية الاختلاف حول الحسابات الفلكية، أو الرؤية البصرية، موجودة في كل دولة عربية مسلمة، فالاختلاف حول المواقيت موجود في العالم العربي والإسلامي أيضاً.

لكن لماذا لا نسمع به؟ لماذا لا يظهر؟ لماذا لم يؤد إلى افتراق المسلمين، أو تشتتهم أحياناً داخل المسجد الواحد في العالم العربي والإسلامي؟! لوجود السلطة الملزمة

هذه السلطة الملزمة غائبة في السياق الأوروبي، الأمر الذي فتح المجال واسعاً إلى أنه -أحياناً أقولها ساخراً- إن كل مسلم في أوروبا، أو أحياناً كل إمام، أو أحياناً كل مسجد، يعتبر نفسه هو الجهة الممثلة للمسلمين داخل المدينة، أو داخل البلد الذي تواجد فيه!

أين الإشكال وأين الخلل، وكيف يمكن أن نعالج هذا الإشكال؛ لأن السلطة الملزمة غائبة وغير موجودة؟

 الحمد لله أن الحكومات والانظمة الأوروبية، لا تتدخل في شؤون المسلمين، ولا تلزمهم بقرار في الشأن الديني حتى الآن، ولكن يبدو أن المسلمين ما اعتادوا أن يساسوا في مثل هذه الشؤون بالحرية، ويحتاجون دائماً إلى سلطة تكرههم على تنظيم شؤونهم، وتنظيم أمورهم، هذا اكلام أقوله بكل أسف!

فالشريحة الأكبر من المسلمين، ومن الأجيال الجديدة، أتت إلى أوروبا بمشاكل وأمراض العالم الإسلامي، ونقلتها إلى المؤسسات، وهذا أمر يحتاج إلى تحليل، ويحتاج إلى مقاربات لكيفية التعامل معه.

إذا كانت مسألة الوصول إلى مرجعية، أو جهة تمثيلية بصورتها المثالية، هو أمر مستحيل أو غير ممكن بالتجربة، فلنبحث عن مقاربات أخرى يمكن أن تأخذنا إلى حل، أو إلى توجه

النقطة الخامسة: أثر التمذهب المفرط على وحدة الصف

في هذا الاتجاه أيضاً أشير إلى مسألة التمذهب، وهي إحدى النقاط أو المداخل التي أوصف بها الواقع الأوروبي؛ لأن هذه نقطة أيضاً من نقاط الحل.

فكل مجموعة مهاجرة، جاءت من بلدها بمذهب، تريد أن تتمسك به، وتريد أن تلزم المجموعة أو الجماعة المسلمة في مركزها، أو في مسجدها، أو في قطرها بهذا المذهب

فالأتراك يتمذهبون بالمذهب الحنفي، والمغاربة يتمذهبون بالمذهب المالكي، والسوريون يتمذهبون بالمذهب الشافعي، وكذا بالحنبلي، وهكذا

هذا يؤدي في النهاية إلى مزيد من التفرق، وإلى مزيد من التحريج على المسلمين؛ لأنه قد يكون المذهب الحنفي مناسباً في باب؛ لكنه يعقد ويحرج على المسلمين في باب آخر.

ولذلك أقول باختصار: إن المذهبية لا تصلح لأي جماعة؛ إلا إذا تبنتها الدولة؛ فالحكومة التركية تتبنى المذهب الحنفي؛ لأن عندها سلطة، وعندها مراكز، وعندها جهة دينية يمكن أن يكون المذهب جامعاً للأمة في هذه الحالة.

المغرب والسودان عندهما مؤسسات دينية، وجهات وقفية، تتابع هذا الأمر، وتنظم الأمر في المساجد بالمذهب المالكي، وتعلم الناس في معاهد التعليم الشرعي بالمذهب المالكي، يمكن هذا.

أما في أوروبا فهذا مستحيل، هذا سيؤدي في النهاية إلى مزيد من التفرق، ومزيد من التشتت على المرجعيات، والجهات التي تمثل المسلمين؛ سواء على مستوى المركز الواحد، أو على مستوى المدينة، أو على المستويات الأوسع، أو الأقل

فالتمذهب لا يصلح لفقه الوجود الاسلامي في الغرب، بمعنى: أن نقول لكل مجموعة جاءت بمذهب، أو كل إمام جاء بمذهب من بلده، أن يتمسك وأن يفتي الناس بهذا المذهب

وأن تتمسك وتتلزم مؤسسة فقهية أو إفتائية بمذهب، أو تقتنع أن المذهب الحنفي هو المذهب الأنسب لأوروبا، فتحاول أن تلزم الناس بهذا المذهب

هذا هو المقصود أن التمذهب بهذا المفهوم لا يناسب الوجود الإسلامي في الغرب، لأنه لا توجد سلطة تحمل الناس على التقيد بمذهب واحد.

فالتمذهب في أوروبا سيؤدي إلى أزمتين:

الأزمة الأولى: مزيد من التحزيب والتشقيق لصف المسلمين، فسيبقى الأحناف لهم جماعة ومذهب، والشافعية لهم جماعة ومذهب، والمالكية وهكذا، ونحن لا نريد مزيد من التفريق والتشتيت للمسلمين.

الأزمة الثانية: التحريج على المسلمين؛ المسلمون الذين يعيشون في الغرب، لا يعيشون حياة كحياة المسلمين في المجتمعات المسلمة، حيث يمكن للدولة أن تطوع، أو أن ترتب الأمر حسب التحدي أو المشكلة، حتى يصلون يصومون يؤدون العبادة؛ لا، هم عندهم تحديات قانونية، وثقافية، وعرفية، وسياسية كبيرة جدا.

ما الحل؟ الحل أن نأتيهم بدين جديد، أم أن نبحث في الاختلافات، والمذاهب الفقهية عن الرأي الفقهي الذي يتناسب مع ظروف المسلمين الذين يعيشون في الغرب؟

هناك عبارة رائعة جدًا، يقولها الشيخ/ محمد الغزالي “الله يرحمه” يقول: لماذا أُلزم الأوروبيين بآراء أبي حنيفة ومالك، إذا كان في رأي الشافعي وأحمد سعة؟!

إذا كان رأي الشافعي وأحمد يوسع على الأوروبي، ورأي أبو حنيفة يضيق، فلماذا ألزم الأوروبيين بهذا الرأي، وكلهم يأخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأستطيع أن أضرب لكم أمثلة كثيرة على هذا الاتجاه

مثال: إذا أخذنا برأي جمهور الفقهاء غير المالكية في نجاسة الكلب، سنضيق على كل المسلمين الذين يعيشون في الغرب

بينما الرأي الأقوى دليلًا وسندًا من رأي الجمهور، والأيسر والأنسب لواقع المسلمين الذين يعيشون في الغرب، هو رأي المالكية، حيث قالوا بأن الكلب كله طاهر، حتى لعاب الكلب طاهر.

مثال: فقهاء الحنفية لا يجوزون الجمع بين الصلاتين، إلا في عرفة ومزدلفة؛ هذا الرأي وهذا الاتجاه الفقهي يحرج على المسلمين صيفا وشتاء، فلا يستطيعون اللجوء إلى هذه الرخصة، أو إلى هذا الحل سواء في الصيف أو الشتاء، إذا التزم بالتمذهب بالمذهب الحنفي.

ومن يقول: إن اللامذهبيه طريق إلى اللادينية، فهو كلام صحيح؛ لكن أنا لا أدعو إلى اللامذهبية في تعلم الفقه، أو فهم الدين، أو في تكوين المجتهد، أو في بناء الفقه؛ أنا أدعو في الفتوى، أو في عمل المؤسسات، أو في اختيار الأئمة داخل المؤسسات، أو داخل المساجد والمراكز، إلى عدم التمذهب.

أما لزوم أن يتمذهب المفتي أو الفقيه، فهذا ضروري جدا، لا يمكن أن يتكون مجتهد أو فقيه دون تمذهب، دون أن يتقن الفقه على مذهب بعينه، ويعرف أصوله وفروعه؛ هذه مسألة معروفة، ومفهومة في عالم الأصول والاجتهاد

المحور الثاني: تحديات الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية

يواجه الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية تحديات كثيرة، تتجاوز الخمسة عشر تحديًا، ولا يمكن من خلال هذه السطور تغطيتها جميعًا؛ لكننا سنشير إليها إشارات سريعة

التحدي الأول: التحدي السياسي

التحدي السياسي الذي تتعدد معطياته، ونتائجه في النهاية هي الحالة التي بلغها، ووصل إليها الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية اليوم، أن مشاركة المسلمين ووعيهم السياسي على الساحة الأوروبية هو وعي ضعيف، ومشاركة ضعيفة، وفعل سياسي ضعيف

وعندما أتحدث عن المشاركة السياسية، لا أقصد بها مجرد التصويت الانتخابي في الانتخابات المحلية، أو البرلمانية، أو غير ذلك؛ وإنما الوعي السياسي العام الفعل السياسي بشكل عام، وإدراك الحركة السياسية العالمية، ومآلتها على الوجود أو الواقع الأوروبي

وهذا الوعي والإدراك السياسي تأثر بمعطيات كثيرة، تأثر بفتاوى مستوردة اعتبرت أن المشاركة السياسية، والفعل السياسي يتقاطع بشكل مباشر مع مبادئ إسلامية، كمبدأ الولاء والبراء، وكرعاية المصالح

أو التشويش على مبادئ إسلامية مستقرة؛ لأنه لا يوجد أمامنا حزب سياسي، أو مرشح سياسي لا يتعارض في برنامجه، أو في توجهه مع أحد المبادئ الإسلامية المرفوضة في الإسلام، أو التي يقرها الإسلام

وفقه الموازنات في هذا الباب غائب جداً، أو مغيب، مما ينتج عنه هذا الضعف، وهذا الخلل، وهذا الإشكال الذي يجعلنا نعجز عن قراءة المشهد الفرنسي مثلاً، أو المشهد في النمسا، أو في غيره من البلدان شديدة هذا الحراك، أو الإشكال

ومن تحديات السياسة، صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة، وحصولها على مكاسب، وعلى نسب لم تكن لتحلم بها، وأنا أرى بحسب تقديري الضعيف، أنه ليس الإشكال في صعود اليمين المتطرف سياسياً؛ وإنما المشكلة أن الوجود الإسلامي في الغرب، صار كرة يتقاذفها الساسة، في خطاب اليمين، وفي خطاب اليسار

فمثلًا: اليسار في النموذج الفرنسي الآنن يبحث عن استقطاب الأصوات والتوجهات التي هربت منه، إلى خطاب اليمين المتطرف، بالضغط بملف الوجود الإسلامي، الأمر الذي أدى إلى تسميم الأجواء السياسية، والضحية الذي يدفع الثمن في النهاية هم المسلمون، الذين يعيشون في الغرب

بل حتى توظيف بعض القضايا السياسية من الساسة خارج أوروبا، مثل: قضية الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، التي حدثت في أوقات مختلفة، فق تم توظيفها من بعض الحكومات، ومن بعض الأنظمة، ومن بعض المؤسسات العلمائية الخارجية؛ لتحقيق مكاسب شعبية، للتتناغم مع تطلعات الشعوب الإسلامية من بعض الدول والحكومات، أو الهيئات العلمائية الرسمية الكبيرة

وبالطبع كل مسؤول أو رئيس، أو عالم من حقه أن يختار الخيار الذي يناسبه؛ لكن في النهاية هذه التوجهات تؤثر سلباً، والذي يدفع الفاتورة في النهاية هم المسلمون، الذين يعيشون في الغرب

قضايا الأقليات الدينية في أوروبا تتفاعل، شئنا أم أبينا مع الواقع الخارجي، وتفاعل الواقع الخارجي الخطأ معها يؤدي إلى الإضرار بها داخلياً

وصلتني إعلانات عن مناشط، وندوات أو مؤتمرات علمائية، ينظمها علماء لا يعيشون في الغرب، عنوان أحدها مثلاً “الحديث عن المؤامرة على المسلمين في الغرب” أو “مناهضة الإسلام في الغرب”، ولا يوجد متحدث واحد بين المتحدثين، من الذين يعيشون في أوروبا!!

والخطاب كله كان متفاعلًا مع ميثاق مسلمي فرنسا الأخير، وكان الخطاب داعيٍا إلى تحريم التوقيع على هذا الميثاق، ودعوة المسلمين في فرنسا إلى الهجرة، وإلى الرحيل، وإلى ترك هذه البلاد، وإلى غير ذلك من هذه الخطابات المنعزلة تماماً عن الواقع، والتي في النهاية ستشوش على الوجود الإسلامي في فرنسا، وفي أوروبا؛ هذا بغض النظر عن ما هو الموقف من هذا الميثاق

نحن في المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ندرس هذا الميثاق الآن، فهذا الميثاق له أبعاد كثيرة، له أبعاد سياسية في المقام الأول، وله أبعاد تاريخية، وله أبعاد واقعية، وله أبعاد مالية تنبني على هذا الاتجاه، وكل الانتقادات الرافضة له جاءت من العالم العربي

أنا ضد الرفض المطلق، والتحريم والتشدد مع الميثاق، وضد أيضا التأييد المطلق، والتسويغ المطلق، والثناء المطلق على الميثاق، واعتباره خالي من أي ملحظ، أو أي مؤاخذة، فهذا كلام غير دقيقن وغير صحيح.

ولي شخصيا ملاحظات على هذا الميثاق؛ ولكن أي ملاحظة على الميثاق يجب أن تؤخذ في إطار السياق الواقعي، والتاريخي، والمالي، والسياسي الذي يحدث، ويمر به.

من يجهل هذه السياقات، ولا يقف عليها، سيتطرف في التعامل مع الميثاق، قبولا أو رفضا، فالغلو والتطرف مرفوض في الحالتين، ويجب علينا كمسلمين في أوروبا أن نعود إلى المؤسسات، وأن نثبت أمر المؤسسات، وأن نطالب من المؤسسات الشفافية معنا، فهناك مؤسسات وقعت على هذا الميثاق، فلنتحاور معها، ونطرح عليها أسئلتنا.

كنت أتمنى من العلماء الذين دعوا المسلمين إلى الهجرة، وإلى الخروج من أوروبا، وإلى تحريم التوقيع على هذا الميثاق، أن يتحاوروا مع هذه المؤسسات قبل أن يصدروا هذه البيانات، وأن يسألوها عن دوافع هذا التوقيع، وعن مبرراته، وحيثياته، وبعد أن يقفوا على كل هذا، لهم أن ينتقدوا، وأن يرفضوا بعد ذلك.

والحمد لله عندنا مساحات من الحرية في أوروبا، تسمح لنا بهذا النقاش وبهذا الحوار، وأنا أدعو هذه المؤسسات إلى الشفافية مع المسلمين، وإلى التحاور، وإلى المكاشفة، وإلى التناصح، بل هذه الشفافية، وهذا الحوار كان يجب أن يسبق عملية التوقيع التي تمت على هذا الميثاق.

التحدي الثاني: التحدي الاقتصادي

التحدي الاقتصادي هو تحدي كبير جداً أمام المؤسسات، وأمام المسلمين في الغرب، فلا يخفى أن التمويلات الخارجية انقطعت عن المسلمين في الغرب، وأنا أعتبر هذا شيء إيجابي جداً؛ بل تأخر، وكان على المسلمين في الغرب أن يبادروا بمنعه، قبل أن يحدث هذا التوجه من الحكومات الأوروبية الحالية؛ لأن مسالبه وإشكالاته كثيرة جداً

هذا تحدي من التحديات، وضاعف من هذا التحدي جائحة كورونا، وما يمر به الوجود الإسلامي في أوروبا، فقد اضطرت بعض المؤسسات إلى التوقف والإغلاق تماماً، وبعض المؤسسات قامت بتسريح، وإيقاف الموظفين والعاملين فيها؛ لأنها لا تملك أن تسدد لهم الرواتب

والمؤسسات المستمرة، مستمرة بأقل من الحد الأدنى، حتى تستطيع أن تستمر، وأن تتواجد، وتقول نحن هنا

فهذا تحدي كبير جداً، لابد من مبادرات عاجلة؛ لاستنقاذ هذه المؤسسات، وإيجاد علاجات لهذه المشكلة، وهذه الأزمة

وهناك علاجات كثيرة جداً، يمكن أن نتجه إليها؛ لكنها تحتاج إلى نقاشات، كالتوجه إلى إحياء المؤسسة الوقفية، وكتنظيم ومأسسة ملف الزكاة، ولابد من بحث ودراسة مسألة التمويل، أو إغناء هذه المؤسسات بالتمويل من البنوك التقليدية، إذا عُدم التمويل من البنوك الإسلامية، أو مؤسسات التمويل الإسلامي الخالية من الربا، ونحتاج في هذا دراسات واقعية

نحن بلجنة الفتوى بألمانيا، قمنا بعمل دراسات في هذا الاتجاه، ونظمنا ندوتين، ورفعنا نتائج هذه الندوات إلى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، لدراسة هذه النتائج، والعمل على الاستفادة من هذه الدراسة للواقع، والدراسة أيضاً لواقع التمويل بالقروض من البنوك التقليدية

هذه مسارات ثلاثة لحل، أو إعادة النظر في هذا الإشكال، وعدم الاعتماد أو الاقتصار على جيوب المسلمين وتبرعاتهم، لتمويل ودعم وحل المشكلة المزمنة، لمسألة التمويل المالي للمؤسسات الإسلامية

التحدي الثالث: التحدي الجيلي

هذا التحدي اسميه “الوصل الجيلي”، فهناك مسافة كبيرة جداً، بين الجيل الأول وبين الأجيال الجديدة، التي ولدت وازدادت في الغرب، من الجيل الثاني إلى الجيل الثالث، وربما إلى الجيل الرابع اليوم، وهي مسافة طبيعية جداً، مع التغيرات الهائلة التي حصلت في السنوات الأخيرة، والتي طرات على العالم بأسره

هذه المسافة تزداد اتساعاً بين الأجيال، في الخطاب، وفي طريقة التفكير، وفي طريقة العمل، وإدارة المؤسسات

فالأجيال الجديدة غير حاضرة، وإن حضرت فهي مهمشة بشكل واضح، ولا بد النقاش والحوار في هذا الموضوع

وهناك دراسات قامت بها مؤسسات أو أحزاب، لردم هذه الفجوات التي تحدث بين الأجيال؛ لأنها فجوات طبيعي جداً أن تحدث، وأن تقع من جيل إلى جيل، ومن فترة إلى فترة، وهذا يأخذنا إلى التحدي التالي، فهو وثيق الارتباط بهذا التحدي

التحدي الرابع: تشبيب المؤسسات وأوربتها

نحتاج إلى تشبيب المؤسسات وأوربتها، وإلى كيفية الموازنة بين استدعاء الشباب للحضور في هذه المؤسسات، والاستفادة مما لديه، مما لا يملكه الجيل الأسن والأكبر منه، دون إقصاء الجيل الأول، بحيث لا نُعدم الاستفادة من خبراته، ومن تجربته، ومما عنده من رسوخ الهوية، واللغة والدين، وما لديه من قيم ومعاني

فالموازنة بينهما ممكنة، وعلينا أن ننظر في التجارب التي نجحت في هذا الباب، كيف نجحت؟ وكيف يمكن أن تعمم هذه التجارب الناجحة على مؤسسات أخرى، وعلى قطاعات ومراكز أخرى، على الساحة الأوروبية

وأما أوربتها، فأوربتها خطاباً، وعملاً، وأسلوباً في الإدارة، وفي عمل

وأعتقد أن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، كمؤسسة من هذه المؤسسات، بدأ يأخذ خطوة عملية في هذا الاتجاه، ويشتغل على مشروع مهم جداً الآن، وهو مشروع الدائرة البحثية، الذي يحاول فيه أن يستفيد من توظيف الأجيال الجديدة، التي وُلدت وازدادت في الغرب، ولديها تحصيل شرعي، يمكن أن يبني عليه المجلس، باستكمال مسيرة التكوين، والتحصيل لهؤلاء الشباب والفتيات، حتى يفيد منهم، وحتى يكلفهم بمهام علمية، من شأنها أن تطور عمل المجلس، وأن تأخذ بيده إلى مستقبلٍ، يراعي أمر التواصل الجيلي، والتشبيب، والأوربة لهذه المؤسسة

التحدي الخامس: تحدي التآمر الخارجي

تحدي التآمر الخارجي، هو تحدي لا يخفى على الجميع، والتآمر الخارجي أتذكر به الموقف الذي قامت به قريش، عندما أرسلت عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، إلى النجاشي حتى يعودا بالمجموعة المهاجرة من الصحابة إلى الحبشة مرة أخرى إلى قريش؛ لتفتك بهم

رغم أنهم هاجروا، وتركوا لهم البلد؛ فلم يتركوهم والمكان والبيئة الجديدة التي اختاروها؛ بل سعوا وراءهم

وهناك خطابات لبعض القادة العرب والمسلمين، تجاوزت في حدتها وفي تحريضها على الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية، أشد الخطابات اليمينية العنصرية المتطرفة!!

فعندما يقول زعيم عربي: ابحثوا عن العنف والتطرف في المساجد، ويمكننا أن نفيدكم بخبراتنا، وتجاربنا، ولا بد أن تقوموا بمراقبة المساجد!!

وعندما تتحدث شخصية دينية مرموقة، ترأس هيئة إفتائية علمائية عالمية، في دولة عربية مسلمة، عن أننا قمنا برصد التدعش في أوساط الأجيال الجديدة، فوجدنا أن نصف الشباب المسلم في أوروبا يميل إلى الفكر الداعشي!!

وهذا إشكال طبعاً؛ لأن بعض الأنظمة العربية تعتقد أنه الوجود الإسلامي، إذا قوي ورسخ، يمكن أن يعود أو أن يضر بمصالحها أو بسياساتها؛ لهذا يدعم هذا التوجه

وهذا أيضاً توجه يحتاج إلى شيء من المقاربة، ولعل من هذه المقاربات ضرورة إعادة النظر في كيفية التعامل مع قضايا الأمة الخارجية، التي لها تماس وتواصل مع قضايا الأقليات، التي تعيش في الغرب

فهذه مسألة تحتاج إلى قدر من الحساسية، وقدر من فقه الموازنات الذي ندعو إلى ضرورة الاهتمام به الآن، كيف نوازن بين الانتماء إلى الأمة، والتفاعل مع قضاياها؟ لكن هذا الانتماء وهذا التفاعل، لا يكون على حساب مستقبل، وواقع، وحال الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية

هذه الموازنة ممكنة، أعتقد أننا فشلنا بامتياز في تحقيقها، وهذا تقييمي الشخصي، وقد أكون على خطأ، فهناك محطات وتجارب تقييمي الشخصي لها، أن بها انحراف عن الخط

فإذا قيمنا ما حدث من تعامل المسلمين في الغرب، مع أحداث الرسوم التي وقعت في الدنمارك، والأحداث التي قُتل فيها المعلم الفرنسي “صمويل باتيه” في فرنسا، واندلعت بعدها مرة أخرى أحداث الرسوم المسيئة، والدعوة إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية

فهذه الأحداث لم يحسن المسلمون في الغرب إدارتها؛ بل تفاعلوا بالعاطفة مع العالم الإسلامي، كما لو أنهم كانوا يعيشوا في العالم الإسلامي؛ نحن مع الانتماء للأمة، والتفاعل مع قضاياها، ومع الغيرة على المقام الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لكن لابد أن يكون هذا بالأدوات والأطر القانونية، ومع الخلفيات الحضارية والثقافية للمجتمعات التي نعيش فيها، وهذا لن يتناسب بالضرورة مع الخيارات التي اختارتها الهيئات العلمائية الشعبية، أو الرسمية في العالم العربي والإسلامي

التحدي السادس: تحدي الأسرة

تحدي الأسرة وملفها، أعتقد أنه من الملفات الخطيرة جداً، التي أيضاً لم تأخذ حظها من الاهتمام، وترتيب الأولويات

فنقاط الخلل في ملف الأسرة عديدة، والإشكال فيه كبير وضخم جداً، ويحتاج إلى حديث أيضاً مستقل، على أي مستوى من المستويات

إذا تحدثنا عن نسب الطلاق، أو تحدثنا عن شكل وصورة الأسرة، أو تحدثنا عن قيم الأسرة المسلمة الحالية في الأجيال الجديدة، أو في جيل المهاجرين الجدد

فمشاكل الأسرة في واقع المهاجرين الجدد، تتجاوز في تقديري، من خلال الرصد الشخصي الذي أقوم به، من خلال ما يعرض علي من مشاكل، تتجاوز في تقديري مشاكل وتحديات الأسرة عند الأجيال الجديدة، على كثرتها

وتعدد مساحات العمل، والإشكالات والتحديات، تجعلنا نقف عاجزين، أو مشتتين بين هذا الملف، وهذا الموضوع، وهذا المشروع، فتسقط منا هذه الملفات

الأسرة تكاد تكون هي المحضن الأول، والحارس الأمين الأول، على ملف الهوية والدين واللغة، ولا يمكن أبداً أن تغني عن الأسرة، المراكز والمؤسسات الدعوية والإسلامية، مهما بذلت من جهود

فإذا ضعفت الأسرة، وتراجعت وانهدمت، فلا شك أن كل هذه الملفات، والمخاطر، والاشكالات فيها، ستكون أكثر خطراً، وأكثر تضاعفاً

التحدي السابع: غياب الرؤية

هناك غياب للرؤية، أو قلة في المفكرين استراتيجياً للمسلمين، الذين يعيشون في الغرب، الذين يرصدون الواقع بدقة، ويقرؤون التاريخ ويحللونه، ولديهم وعي بالسنن، ووعي بدراسة طبائع الشعوب والأمم

الذين من شأنهم أن يصوغوا الرؤية، و يحددوا الأولويات، ويقولون إن الخيار الأمثل للمسلمين في هذه المرحلة، أن يتجهوا إلى هذا الاتجاه

ويمكنهم أن يرسموا علاقتهم مع العالم الإسلامي، حكومات، ومؤسسات، وهيئات علمائية

ويقولون: كيف يمكن أن نوازن في هذه العلاقة، وأن نضبطها ضبطاً لا يقطع الصلة، ولا يضر الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية؛ حتى لا نعود بعد في فترات الرخاء، وفي فترات الشدة، وفي فترات العسر، فنقول: ليتنا انتبهنا إلى هذا الإشكال، وقد أخطأنا في هذه النقطة، وفي التوسع في هذا الباب، وفي العلاقة مع هذه المؤسسات، ومع هؤلاء الدعاة والعلماء، رغم وسطيتهم ورغم اعتدالهم، وكان الأولى بنا أن نقول كذا وكذا

ولذلك المفكر، أو الحكيم، أو صاحب الحكمة، أو صاحب الرؤية، ليس التي ينتبه إلى الفتنة حين تقع، فكل الناس يدركون الفتنة عندما تقع، والمصيبة عندما تحصل، والأزمة عندما تحدث؛ لأنها أصبحت مكشوفة معروفة لكل الناس؛ لكن الحكيم بحق، الفقيه بحق، المفكر بحق، هو الذي يدرك الأمر، ويلمحه ويستشرفه، قبل أن يقع

عندنا نقص كبير جداً في هذا الباب، ولا بد أن نسعى إلى ملئه بطريقة علمية، وهذا ممكن جداً

وأنا أتابع بعض الشباب الذين درسوا، وعاشوا في الغرب، لديهم دراسات، وعندهم اطلاع؛ صحيح أن عندهم نقص في جوانب أخرى؛ لكن يمكن أن تُستدرك، ويمكن أن نستفيد منهم جداً في هذه الرؤية

ولا بد من الاستفادة من تجارب الأقليات الدينية الأخرى، التي عاشت في الغرب، ودراستها والاستفادة من المكاسب التي نجحوا في إنجازها، وكيف واجهوا هذه التحديات، التي لا شك أنهم مروا بها

التحدي الثامن: تحدي المهاجرين الجدد

نتابع جميعاً أنه في خلال السنوات الأخيرة، وفد إلى أوروبا ملايين المهاجرين، ألمانيا وحدها فيها أكثر من مليون مهاجر، وصلوا في السنوات الأخيرة

وصلوا أيضاً بتحديات وبإشكالات، وأعادوا الكثير من الأسئله والنقاط، التي كنا نظن أننا قد فرغنا منها، وأنها استقرت بالنسبة للمسلمين، وأصبح عندهم تحدي الإندماج في المجتمعات والمؤسسات الإسلامية، وتحدي الاندماج في المجتمع

ومرة أخرى مع كثرة الملفات، وتشعبها على المراكز والمؤسسات والأئمة، لم تقم هذه المؤسسات والمراكز بدورها تجاه أولئك المهاجرين، مما ضاعف أيضاً من التحديات بالنسبة لهم

ويصدق عليهم كل ما قلناه، في عموم الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية؛ لكن الأمر عندهم أشد تحرجاً وإشكالاً، وفي المقدمة من هذه الملفات، ملف الأسرة مثل ما قلنا، وهو أمر يحتاج إلى مراجعة، ويحتاج إلى دراسة، ويحتاج إلى تحليل أيضاً

التحدي التاسع: تحدي التأرجح

رغم طول الإقامة، هناك تأرجح في الإقامة، وفي البقاء في الغرب، هل نبقى أم نهاجر؟، وكلما ظهرت أو طفت على السطح في السياق الغربي تحديات، أو إشكالات جديدة، فكر المسلمون في البحث عن وطن آخر، أو الانتقال إلى مكان آخر، أو الانتقال إلى بيئة أخرى.

لماذا نطرح هذا الطرح؟ {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} (النساء، الآية 97) بدلًا من أن نطرح طرح {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} (سورة يوسف: الآية 33)؟

فسيدنا يوسف تعامل مع الإغراءات، والتحديات والفتن، التي مر بها في إطار المواجهة، وفي إطار العمل، وفي إطار الفعل.

إذا كان المسلمون اليوم في فرنسا، وفي ألمانيا، وفي أي بلد أوروبي يواجهون تحديات، أو يواجهون إشكالات، فلا يجب أبداً أن يكون التعامل معها بمنطق الهجرة الهروب.

إذا كنا نواجه تحدياً كبيراً في الخوف على الدين، أو الخوف على التدين، ونسمع دائماً من العلماء الذين لا يقيمون في أوروبا حل الهجرة وترك البلد؛ يجب علينا أن نطرح البديل الأفضل، وهو حل المواجهة، وما الذي يمكن أن نقوم به لحل إشكالية الدين، وحل إشكالية التدين والهوية؟

أليست هناك تجارب نجحت على الساحة الأوروبية؟ نعم، هناك تجارب نجحت في القمة، بل أقول إن هذه التجارب نجحت بأفضل مما نجح فيه غيرها، من الذين يقيمون في مجتمعات مسلمة.

وهناك من سقط، ومن ضاع دينه، وضاعت هويته؛ لكن السؤال يبقى: كيف نجح من نجح، وكيف سقط من سقط؟ وما الذي يمكن أن نقدمه لعلاج هذه الإشكالات، وللخروج من هذا؟

 

الإقامة المتأرجحة ومظاهرها

أعتقد أن أحد الأشياء المهمة التي يتعين علينا أن نواجهها بمصداقية، وبمكاشفة وبمصارحة، هي قضية الترجح، والإقامة المتارجحة، فهناك من يقيم في البلد من 40 سنة أو 50 سنة، ومع ذلك هو متأرجح في الإقامة، فإذا جاءته فرصة آمنة خارج المجتمع الذي يعيش فيه انتقل إليها، أو إذا جاءته تحديات، حتى لو كان قادراً على مواجهتها، فضل الهروب والانتقال؛ هذا لأن قضية التوطين التي نتحدث عنها لم تحسم بالنسبة له.

ولدينا العديد من مظاهر على هذا الأمر، وأشير إلى ظاهرة من الظواهر الواضحة جداً على الساحة الأوروبية، وهي ظاهرة الدفن خارج أوروبا، والدفن خارج أوروبا مخالف للهدي النبوي، فالأصل أن يُدفن الإنسان حيث مات، وأن يُعجل بدفنه.

والنبي صلى الله عليه وسلم بشر الذي يموت بعيدا عن وطنه، وقال هذا في سياق صحابي مات بالمدينة، رغم أن الموت فيها له فضل على الموت في أي مكان آخر: “من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع لمن مات بها” [ رواه الترمذي في سننه]

قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق هذا الصحابي الذي مات: “يا ليته مات بغير مولده، فقال رجل: ولم يا رسول الله؟ قال: إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة”

[ رواه الإمام أحمد في مسنده]، فالدفن خارج البلد حرمان من الفضل، وخروج عن الأصل

لكن هذه تعكس قضية التأرجح، وأنها ليست قضية محسومة، على عكس الصورة الظاهرة بالنسبة لنا.

 ينسحب هذا على البعد الاقتصادي والاستثماري، وينسحب هذا على البعد التربوي

أنا أركز في خطابي على خطر الإقامة المتارجحة؛ لأنه ينتج عنها حالة من الانفصال، أو الفصل بين الجيل الأول وبين الأجيال الجديدة، سواء في المؤسسات، أو داخل الأسرة الواحدة، فنجد أن الأب أو الأسرة التي تقيم إقامة متأرجحة، تعيش في عالم آخر في بلدها، ثقافةً، وتاريخاً، ومتابعة للأخبار، وشوقاً إلى العودة الدائمة إلى هذا الوطن، وبمرور الوقت ينفصلُ الأولاد تماماً عن الأسرة وعن العائلة، فيعيشون بثقافة وبهوية وبدين، وبمفاهيم تختلف تمام الاختلاف عن الأسرة، وعن العائلة، بل قد تنتهي في نهاية الأمر إلى الانضمام إلى جمعيات، وإلى مؤسسات تواجه ما يقوم الأب أو تقوم الأسرة على ترسيخه، وعلى بنائه وعلى إيجاده.

التحدي العاشر والأخير: حماية المكتسبات الوجودية في أوروبا

أعتقد أن المرحلة التي يمر بها الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية، تحتاج إلى التوقف عند هذه النقطة، ليس كيف يمكن أن نكسب أرضا جديدة؟، أو كيف نحقق مكاسب جديدة؟، إنما كيف يمكن أن نحافظ على المكتسبات التي كسبها الوجود الإسلامي على الساحة الأوروبية؟، سواء على مستوى مساحة وحركة التدين، أوعلى القوانين التي لا تحجم، ولا تقيد من حريات التدين، وحريات الحركة بالنسبة للمسلمين في أوروبا

وكيف نحمي المؤسسات القائمة والموجودة، من الإشكالات القانونية التي يمكن أن تتعرض لها، وكيف السبيل إلى مقاربة نحمي بها هذه المكتسبات؟

ختامًا: إن تشخيص الواقع، ورصد التحديات واقتراح الحلول، بالنسبة للوجود الإسلامي في الغرب، هو مشوار طويل، ويتطلب عملًا دؤوبًا، ومحاضرات ولقاءات مكثفة

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين

 

 

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 235