مسألة وقت صلاة العشاء في فصل الصيف بأوربا

مسألة وقت صلاة العشاء في فصل الصيف بأوربا

 

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن فقه الحضور الإسلامي في الغرب، يعتمد معياراً أصولياً مهماً في عملية الترجيح بين الأقوال الفقهية عند الاختلاف؛ فعندما نكون أمام مسألة اجتهادية خلافية بين العلماء، نرجح بقوة الدليل، وبمناسبة هذا الرأي للواقع بعد دراسته واستقرائه، ورصده وتحليله، تحليلاً جيداً من مختلف النواحي الدينية، والاجتماعية والثقافية، ورعاية كل هذه الاعتبارات، وبتحقق أو رعاية أو ظهور المقاصد الكلية والجزئية في المسألة، فالرأي الذي يحقق المقاصد الكلية والجزئية، وتتجلى فيه بصورة أوضح، يترجح على الرأي الذي لا تتجلى فيه هذه المقاصد الكلية، أو تظهر بعضها ويختفي البعض الآخر.

وأيضاً نرجح برعاية مآل النتائج، أو العاقبة التي تنبني على اختيارٍ ما، من هذه الاختيارات الفقهية؛ فقد يظهر في مسألة من المسائل أحد هذه المرجحات أكثر من أي مسألة أخرى، وقد تجتمع كل هذه الاعتبارات الأربعة في مسألة واحدة

التطبيق العملي لمبدأ الترجيح: مسألة وقت صلاة العشاء في فصل الصيف

من التطبيقات على هذا المعيار في عملية الترجيح؛ مسألة وقت صلاة العشاء في فصل الصيف، حيث يتأخر وقتها جداً، مع وجود علامتها أو اضطرابها، أو غياب هذه العلامة بالكلية.

ومعلوم أن وقت صلاة العشاء يدخل عند غياب الشفق الأحمر (آخر شعاع للشمس)، هذه العلامة تغيب أو تختفي، أو لا تكون موجودة في فترة كبيرة من صيف أوروبا، تتراوح هذه الفترة بين شهر ونصف إلى شهرين ونصف، حسب البلد، وحسب خط العرض الخاص بها

فكلما ارتفع خط العرض، كلما زادت هذه المسافة، وكلما تأخر وقت العشاء أكثر، حتى يدخل وقت صلاة العشاء بعد منتصف الليل (الساعة الثانية عشرة ليلاً أو الثانية عشرة والنصف)، ويدخل وقت الفجر بعد وقت العشاء، إذا كانت علامته موجودة أيضاً بفترة وجيزة، فيدخل الساعة الثالثة أو الثانية والنصف أيضاً، حسب موقع المدينة، وموقع البلد

وبدأ المجتهدُونَ والفقهاء بحث المسألة، وعُقِدت الندوات والاجتماعات الفقهية منذ أواخر السبعينيات تقريباً سنة 1978 لدراسة هذه المسألة؛ ولعدم وجود نص قطعي فيها، اختلفت الآراء، وصار فيها 13 رأياً أو قولاً تقريبًا.

ويستطيع من يقرأ الآن هذه السطور، أن يدخل على أي برنامج يحسب مواقيت الصلاة، ويضع له أي مدينة أو أي دولة في أوروبا، خاصة إذا كانت فوق خط عرض 40 أو 45، سيجد أنه سيعطيه اختيارات تسع أو عشر اختيارات تقريبًا، يختار منها الطريقة التي يحسب عليها وقت صلاة العشاء في الصيف

آراء الفقهاء في تقدير وقت العشاء

تتراوح المسافات الزمنية بين أعلى نظام في التقدير، وبين أقل نظام في التقدير، إلى فترة زمنية تصل إلى 50 دقيقة تقريبًا؛ هذا يعني أن هناك طريقة تحسب وقت صلاة العشاء على الساعة العاشرة والنصف، وطريقة أخرى تحسب وقت صلاة العشاء على الحادية عشرة و20 دقيقة (يعني فرق 50 دقيقة بين النظام الأول وبين النظام الثاني)، وبينهما نظم أخرى

القول الأول: يقول بأن تُصلي العشاء بعد وقت المغرب بساعة

القول الثاني: يقول بأن تُصلي العشاء بعد وقت المغرب بساعة ونصف

القول الثالث: يقول بأن نحسب وقت صلاة العشاء على آخر يوم ظهرت فيه العلامة، ونثبت الوقت حتى تعود العلامة مرة أخرى

القول الرابع: يقول بأن نحسب وقت صلاة العشاء على أقرب المدن التي تظهر فيها علامة صلاة العشاء

وهناك اجتهادات أخرى غير هذه الاجتهادات، كلها تنتهي إلى تقدير وقت معين لصلاة العشاء

القول الخامس: يقول بأن نُقَدِر للبلدان التي تتجاوز خط عرض 45 بتقدير وقت صلاة العشاء عند خط عرض 45

القول السادس: يقول بأن نُقَدِر وقت صلاة العشاء بنظام التسبيع؛ أي نقسم الليل الشرعي إلى سبعة أسباع من وقت الغروب إلى وقت الشروق، وبعد السبع الأول يدخل وقت صلاة العشاء، وقبل السبع الأخير يدخل وقت الفجر

القول السابع: يقول بنفس النظام السابق؛ ولكن بالتسديس

وكل رأي من هذه الآراء له ما يسنده من الأدلة، والحيثيات، والاعتبارات الشرعية

الرأي الراجح: الجمع بين المغرب والعشاء تقديماً

الرأي الذي رجحناه بعد طول نظر، ورأينا أن هذه المعايير الأربعة، قوة الدليل، ظهور المقاصد الكلية والجزئية، مناسبة الرأي لواقع المسلمين، ورعايته للمآلات والنتائج والعواقب تنطبق عليه؛ هو الرأي الذي يقول بجمع صلاة العشاء مع المغرب جمع تقديم

فإذا كانت صلاة المغرب على الساعة التاسعة والنصف، فإننا نؤذن للمغرب، ثم نصلي المغرب، ثم نصلي العشاء جمعاً دون قصر، طيلة هذه المدة التي تمتد لشهر ونصف، أو شهرين، أو شهرين ونصف، حسب المدينة وموقعها

أدلة ترجيح هذا الرأي

لماذا رجحنا هذا الراي؟ رجحناه بالدليل أولاً؛ أن هذا الرأي دليله نصي، والاجتهادات الأخرى التي أشرنا إليها أدلتها اجتهادية

الدليل الأول: وهو دليل النصي على هذا الاجتهاد هو ما ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما

الذي قال فيه: «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر»، وفي رواية: “في غير سفر ولا مطر” ( صحيح مسلم).

وسُئل سيدنا عبد الله بن عباس عن سبب هذا الجمع، فقال: «أراد الله عز وجل ألا يحرج أحداً من أمته»؛ يعني الرسول عليه الصلاه والسلام بهذا الجمع يرفع الحرج عن الأمة.

وهناك رواية في سنن الترمذي، ترفع العلة برفع الحرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا توقفها على سيدنا عبد الله بن عباس، وهذا يعني أن تعليل الجمع برفع الحرج قوي جداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي نص عليه، وليس أحد الصحابه كسيدنا عبد الله بن عباس

إذا ما وجد الحرج، وما وجدت المشقة، يجوز للمسلم أن يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء؛ فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء؛ رغم وجود العلامة واتضاحها، وعدم وجود الحرج، وانضباط الوقت، وعدم تأخر وقت العشاء، وحياة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في مجتمع مسلم، في المدينة المنورة

أما المسلمون في الغرب -وهذه نقطة في غاية الأهمية وهي الجزئية الواقعية التي هي أحد مكونات الواقع في هذه المسالة- فلا يعيشون في مجتمعات مسلمة؛ فهذه المجتمعات التي يعيشون فيها لا يخضع نظام الحياة فيها لمواقيت الصلاة، أو لنظام العبادة الصيام أو الصلاة

فالعمل لا يتغير وقته حسب عبادة المسلمين؛ فكل الناس ستذهب إلى عملها في السادسة أو في السابعة صباحاً، وكل الناس ستنهي عملها الساعة الخامسة مساءً، وكل الناس ستنام وتذهب إلى نومها الساعة الثامنة (يعني قبل دخول وقت المغرب)، والأطفال سيامون للذهاب إلى مدارسهم قبل دخول وقت المغرب، هذه منظومه الحياة

لو حدث هذا الأمر في مجتمع مسلم أو في بلد مسلم، سترتب الدولة نظام الحياة؛ ليتناغم مع ظروف العبادة في هذا البلد؛ كما يحصل في المجتمعات المسلمة بالنسبة لشهر رمضان، حيث يغيرون نظام العمل بما يراعي أن الناس يصومون، وأن الصوم في فصل الصيف تكون فيه مشقه نسبية، إلى آخر ذلك

فالنبي صلى الله عليه وسلم جمع مع وجود العلامات، وانضباط الأوقات؛ تخفيفاً ورفْعاً للحرج عن الأمة، وأنا أعتبر هذا الجمع من قبيل الاعجاز التشريعي؛ وكأن النبي صلى الله عليه وسلم استشرف بنور الوحي، أو بفراسة النبوة، أن جماعات من المسلمين في أوروبا، أو في عصور تالية سيحتاجون إلى هذه الرخصة، وإلى هذا الحل، فرخص وجمع لأجل أولئك المسلمين، الذين سيأتون في هذه العصور

إذاً، فهذا دليلُُ نصي واضح.

الدليل الثاني: أن الله سبحانه وتعالى قال في الآية التي حددت مواقيت الصلاة {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: 78]

فالآية حددت ثلاثة أوقات للفرائض الخمسة، ثم جاءت السنة المتمثلة في حديث سيدنا جبريل، وفصلت هذه الأوقات، وجعلتها خمسة أوقات لهذه الفرائض الخمسة، فصار عندنا وقت لكل صلاة من الصلوات الخمس، صلى سيدنا جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس، مرة في أول الوقت، ومرة في آخر الوقت، وعلل وقال “يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين” [سنن الترمذي]

فعلمنا أن الصلوات تؤدى في خمسة أوقات، وليست في ثلاثة أوقات؛ فإذا غاب وقت صلاة من هذه الصلوات، عدنا إلى وقته الأصلي، واعتبرنا أن وقت صلاة العشاء باعتبار غياب علامته، هو نفس وقت صلاة المغرب، فنجمع بين الصلاتين جمع تقديم كما قلنا

مناقشة الإشكالات والرد عليها

يبقى سؤال مهم يطرحه من ينتقد حل الجمع، حيث يقول: نعم هذا حل صحيح، ووجيه، ودليله نصي؛ لكن إشكاله الرئيس هو أننا سنجمع لفتره طويلة؛ سنجمع لشهرين أو لشهر ونصف، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع هذه المدة الطويلة، فالنبي صلى الله عليه وسلم جمع رفعاً للحرج مرة أو مرتين؛ ولذلك الفقهاء اشترطوا لصحة هذا الجمع، الذي يقع في غير الخوف، أو المطر، أو السفر -كما في هذا الحديث الذي ذكرناه- قالوا: بشرط ألا يتخذه عادة، فلا يفعله بصورة منتظمة، أو بصورة دائمة

الرد: هذا الشرط وهذا القيد، لا ينطبق على المسلمين في أوروبا، وإن اتخذوه عادة لشهر أو لشهر ونصف؛ لأن سبب الجمع -وهو وجود الحرج والمشقة- موجود وقائم ومستمر طيلة الشهرين.

وعلماء الأصول قالوا: تكرار الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم، لا يؤثر في الحكم إن كان له سبب؛ يعني إذا كان الجمع له سبب، وهو رفع الحرج والتخفيف عن الأمة، فلا يضرنا أن يفعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة أو أكثر من مرة، لأننا سنكرره ما تكرر سببه

أما إذا لم يكن له سبب، فيجب أن نتقيد بعدد المرات (مرات الفعل) التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكرر صلاة التراويح جماعة في المسجد إلا مرتين، ثم توقف؛ لماذا توقف؟

لسبب، وهو خشية الفريضة.

عندما زال السبب برحيل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، جمع سيدنا عمر بن الخطاب الصحابه والناس على صلاة التراويح، وسار الناس يصلون صلاة التراويح جماعة في المساجد إلى يومنا هذا

فمن ينكر أو يرفض تكرير الجمع، مع وجود سببه طيلة فصل الصيف في أغلب البلدان والأقطار الأوروبية، عليه أيضاً أن ينكر تكرير صلاة التراويح جماعة في المساجد كل يوم من أيام رمضان، كل رمضان من الرمضانات؛ لأن المعنى واحد والصورة واحدة.

إذاً، الحكم الشرعي يتكرر ما تكرر سببه، وما تكررت علته

لو أن امرأة تتابع عليها الحمل والإرضاع كل رمضان من الرمضانات، فكلما جاءها رمضان إما أنها حامل، وإما أنها ترضع، هل يرخص لها الشرع في الفطر، أم يقول لها: لقد رخصنا لك في العام الفائت، فلا يرخص لك في هذا العام؟

لا يقول بهذا أحد، إذاً لا حرج في تكرير الجمع لشهرين أو لشهرين ونصف، ما دام السبب موجوداً، وهو وجود الحرج والمشقة

الواقع المعيش وأثر هذا الاجتهاد

الحرج والمشقة قائمة بأسباب كثيرة، وبمقدمات كثيرة، منها:

1/ تأخر وقت العشاء

2/ اضطراب علامة العشاء، أو غياب هذه العلامة

3/ الحرج والإشكال في صلاة العشاءن مع تأخر هذا الوقت، وصلاة الفجر مع قربه من صلاة العشاء

4/ المدارس والعمل والنظام التعليمي بالنسبة لأولاد المسلمين

5/ الجيران الذين يتأذون بدخول المسلمين لصلاه العشاء في منتصف الليل، وخروجهم منه.

وبعض الأئمة قالوا لي: نحن سنجمع بين المغرب والعشاء في هذه الفترة، ليس للسبب الذي قلت؛ ولكن لأجل الجيران الذين يحضرون لنا الشرطة؛ بسبب ارتفاع الصوت، أو الازعاج الذي نسببه لهم

إذاً، هنالك خصوصية، وهنالك مقدمات أوجدت هذا الحرج، جعلتنا نرجح الجمع بين المغرب والعشاء جماعة في المساجد، أو فرادى في البيوت مثل ما أشرنا

الترجيح بالواقع

قمنا بعمل دراسة لواقع المسلمين، وكيف يتعاملون مع صلاة العشاء في فصل الصيف، فوجدنا شريحة من المسلمين تنام عن صلاة العشاء، وتجمعها مع صلاة الفجر، بعد خروج وقتهما، ووجدنا شريحة أخرى تنام عن صلاة العشاء، وتكسل عنها، ولا تصليها في فصل الصيف، ووجدنا شريحة أخرى من المسلمين تترك صلاة العشاء، ولا تصليها إلا بعد خروج طلوع الشمس مع صلاة الصبح

وهكذا وجدت من غيرالمسلمين، ومن المسلمين الجددن من يسأل: كيف يتصور أن الإسلام دين عملي، ودين الفطرة، وأنه يتناغم مع حياة الإنسان، وأن الصلاة في الإسلام شيء مهم جداً، وأن أدائها لوقتها في مقدمة هذه الأشياء المهمة المتصلة بالصلاة، ومطلوب مني أن أؤدي صلاة العشاء في منتصف الليل، وصلاه الفجر بعدها بثلاث ساعات، ثم أذهب إلى العمل، وأقول إن الإسلام يتناغم مع الحياة؟!!

المسلم الجديد الذي طرح عليّ هذا السؤال بصيغة قريبة، عندما قلت له: وماذا إذا قلت لك حل الجمع، وأنك يمكن أن تصلي العشاء مع المغرب جمعاً الساعة التاسعة والنصف، والفجر الساعة الثالثة والنصف؟

قال: هكذا استقام الأمر! هكذا ينسجم الأمر مع عقلي، ومع تفكيري

إذاً، هذا الاجتهاد اجتهاد واقعي، يراعي ظروف المسلمين، يراعي أحوال المسلمين الجدد، يراعي أحوال غير المسلمين الذين يسألون عن الإسلام ويسألون عن الصلاة، يراعي واقع التدين في أوساط الأجيال الجديدة من أبناء المسلمينن الذين نريد أن نأخذ بأيديهم إلى العبادة وإلى الصلاة.

هذا الحل الواقعي يمكن شريحة كبيرة من المسلمين من الانتظام في أداء صلاة المغرب والعشاء، والفجر في فئة منهم، لفترة تقترب من الشهرين ونصف في فصل الصيف

وأذكر أن إماماً أخذ بحل الجمع بين المغرب والعشاء في سنة من السنوات، فكان يجمع بين الصلاتين، وبعض الناس في المسجد قالوا له: نحن لا نستريح للجمع، فالأغلبية استراحوا للحل؛ لكن بعض الناس شغبوا عليه وانتقدوا الأمر.

وفي السنة التالية، أوقف الإمام الجمع بين الصلاتين، وفي الثالثة عاد إلى الجمع مرة أخرى

سألته: ما الذي حملك على ترك الجمع في هذه السنة الفائتة، ثم العودة إليه؟

قال: وجدت أن هذا الحل الفقهي يمكن عدداً كبيراً من الناس من أداء صلاة المغرب والعشاء جماعة لشهرين ونصف (200 شخص تقريبًا يصلون في المسجد)، بينما عندما تركت الجمع وصليت العشاء في منتصف الليل، كان يصلي معي ثلاثة أو خمسة! فأي الرأيين أرجح؟

وبالمناسبة، أذكر أني رايت مسجداً في الدنمارك يغلق تماماً عن صلاة العشاء، فلا تقام فيه صلاة العشاء في فصل الصيف؛ لأن صلاة العشاء تدخل في ساعة متأخرة بعد منتصف الليل بنصف ساعة، أو بـ 50 دقيقة، ولا يذهب أحد، فأغلقوا المسجد!

فماذا يقول الفقه، وماذا يقول العقل، وماذا تقول الحكمة؟

أن آخذ بهذا الرأي، فنجمع بين الصلاتين، ولو صلى عدد محدود من المسلمين، أم أن أغلق المسجد، ونمنع صلاة العشاء فيه لهذه الفترة الطويلة من الزمن؟!

لهذا نقول: من مرجحات العمل، والأخذ بهذا الرأي، أنه رأي يناسب الواقع بعد دراسته، دراسة واقعية واجتماعية ورصدية

أذكر أن أحد المسلمين بعد أن أفتينا للمسلمين بهذا الحل، وبدأوا في الجمع في بيوتهم، وفي المساجد، وبدأت مساجد تأخذ بهذا الحل، جاء يقول لي: يوم القيامة أشكوا إلى الله الأئمة الذين شددوا، وضيقوا علينا، وأكرهونا على ألا نؤدي الصلاة إلا في منتصف الليل، مع المشقة التي تحصل لنا في أداء أعمالنا، ومهننا، ووظائفنا، والمشقة والمعاناة التي كنت أعانيها مع أولادي؛ لإيقاظهم لأداء صلاة العشاء في منتصف الليل.

انظروا كيف يقارن بين سعة ومرونة، ورحمة الله سبحانه وتعالى ورحمة الشريعة به، وبين التشديد، وما أدى به إلى نفور أولاده من الصلاة، ومن صلاة العشاء، ومن حرمان أولاده من الإستمتاع بنومهم، والأداء الجيد في دراستهم

تحقيق المقاصد الشرعية

هذا الرأي أيضاً يحقق، وتتجلى فيه المقاصد الكلية والجزئية للصلاة، ولمنظومة الأوقات، والعبادة في الإسلام.

فالصلاة شرعها الله سبحانه وتعالى بنظام الأوقات؛ لينظم المسلم حياته وفق هذه الأوقات، ولذلك نجد أنه أطول مسافة زمنية بين صلاتين، هي المسافة الزمنية في البلدان المعتدلة بطبيعة الحال (أطول مسافة بين صلاتين هي المسافة بين صلاة العشاء وبين صلاة الصبح، وبين صلاة الصبح وصلاة الظهر)، فتننتظم حياة المسلم مع هذه الأوقات

كيف يتحقق هذا المقصد، إذا كنا سنؤدي صلاة العشاء عند منتصف الليل، وصلاة الفجر بعد صلاة العشاء بساعتين ونصف أو بثلاث ساعات ونصف؟ كيف يمكن أن نحقق هذا المقصد؟

هناك دراسات طبية تتحدث عن الأضرار، والمخاطر الصحية التي تترتب، وتنبني على السهر كثيراً، وعدم النوم، أو أصحاب المهن والأعمال الذين يعملون فيها ليلاً، ويضطر أصحابها إلى السهر ليلاً، أنهم يصابون بأمراض نفسية، وأمراض صحية؛ لأن البدن يحتاج أن يستريح، وهو قول الله تبارك وتعالى

{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} [النبأ: 10، 11] النهار للحركة وللعمل، والليل للسكن وللنوم وللراحة.

وعندما نرجح الاجتهاد بأداء صلاة العشاء في منتصف الليل أو بعد منتصف الليل، نعكس هذه الآية ونجعل الليل للحركة وعدم النوم، ونجعل النهار للتقصير في العمل والنوم فيه، ونقدم هذه الصورة المشوشة عن العبادة في الإسلام.

التأكيد على أدب الاختلاف

والمسألة في كل هذا اجتهادية مثل ما ذكرنا؛ لو كان هناك نص قطعي وكانت المسأله حدية، كما يسعى البعض لجعلها حدية، وعلامة العشاء مضطربة، أو غائبة أو غير موجودة، لما وقع هذا الخلاف على أكثر من عشرة أقوال مثل ما ذكرنا

أَمَا وقد وقع الخلاف فيها، فرجحنا هذا الرأي؛ لأنه ييسر على المسلمين، ودليله في منتهى القوة مثل ما ذكرنا، ويحقق المقاصد الكلية والجزئية للعبادة في الإسلام، من جهة تمكين المسلم من تنظيم وقته، وتنظيم حياته

ومع كل هذا؛ دائماً نقول إن المسائل الخلافية الاجتهادية لا إنكار فيها، لا ينكر أحد على أحد فيها، ويجب أن نظهر فيها روح الائتلاف والاجتماع، والتراحم والمحبة.

والمسجد الذي يختار اختياراً فقهياً، يُحترم هذا الاختيار لإمامه، ولا يقع التشغيب عليه، أو التشكيك فيه، أو التقليل من قيمته وأهميته، خاصة إذا كان اجتهاداً صادرآً من مؤسسة فقهية جماعية كالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

ختامًا: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، والله يعلم وأنتم لا تعلمون

 

https://youtu.be/TKNLLyE30Tw

 

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 242