آفة تبعيض النصوص

 آفة تبعيض النصوص

 

المقدمة

الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، يا ربي لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، وهو على كل شيء قدير

وأشهد أن سيدنا وإمامنا، وقدوتنا وأسوتنا، ومرشدنا ومعلمنا، محمدا رسول الله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه، وتمسك بهديه وسنته إلى يوم الدين

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (سورة آل عمران، الآية 102)

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (سورة الحشر، الآية 18)

{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين} (سورة الأعراف، الآية 23)

{رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (سورة الممتحنة، الآية 4)

{رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} (سورة الأعراف، الآية 89)

{وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (سورة هود، الآية 88) أما بعد؛

من الآفات الكبرى التي تشيع في أوساط نفر كبير من الشباب المسلم على الساحة الأوروبية والعربية:

آفة الاجتزاء والتبعيض في فهم النصوص

معنى الاجتزاء والتبعيض:

أن يعمد الناظر في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، إلى اقتطاع جزء صغير منها، دون الوقوف على الملابسات والسياقات، التي ورد فيها هذا النص المبعض، أو المجزأ من النص الكامل بسياقاته وملابساته؛ فيفرغ الإسلام بهذا الشكل، وبهذا التوجه من محتواه الثقافي، ومن مضمونه الحضاري، وتراجع المسلمون في الشرق والغرب عن أن يشكلوا بوجودهم، أو بعيشهم في الغرب الأمة الوسط، التي تحقق مقصد ومعنى الشهادة على الناس

وقد ذم عمر بن الخطاب “رضي الله عنه” الخوارج، ووصفهم بشرار الخلق؛ لأنهم قاموا باجتزاء النصوص وتبعيضها، وتنزيل نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، الواردة في المشركين على المسلمين؛ فاستحقوا بذلك هذا الوصف تماما، كما قال الشاعر: ما قال ربك ويل للذين سكروا، ولكن قال ويل للمصلينا

فليس في القرآن الكريم ويل للذين يسكرون؛ وإنما في القرآن الكريم ويل للمصلين؛ لأننا اقتطعناها، أو جزأناها، أو بعضناها؛ لكن إذا أكملنا الآية يتضح المعنى، قال الله {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} (سورة الماعون، الآيتان 4 و5)

قيل لإبليس: هل تحفظ شيئا من القرآن؟ قال: ويل للمصلين

قيل أضف أخرى، قال: ولا تقربوا الصلاة

قيل له: أكمل الآيتين، قال: فاقرأوا ما تيسر منه

هكذا يمكن أن يؤدي الاقتطاع، والاجتزاء، والتبعيض للنصوص إلى هذه المصائب، وهذا خطر كبير

ولم يقتصر خطر الاجتزاء والتبعيض، أو السير فيه على نصوص القرآن والسنة فحسب؛ وإنما كذلك انتقل إلى أقوال ونصوص العلماء، ومن أشهر الكتب التي كتبها شيخ الإسلام “ابن تيمية” كتابه الشهير (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) وهذا الكتاب هو الذي أصل فيه، وشدد فيه، في قضية تهنئة غير المسلمين بأعيادهم؛ فضلًا عن أن هذا الكتاب كُتب في سياق زمني مخصوص

لكن في هذا الكتاب أيضا يتحدث شيخ الإسلام ابن تيمية، موجهًا خطابه إلى المسلمين الذين يقيمون في الغرب اليوم، رغم أنه لم يكن يستشرف، أو يعلم أو يدرك أن هذه الصورة التي نراها اليوم ستكون حقيقة ماثلة على هذا النحو الذي نراه الآن، قال متحدثًا عن التزام المسلم في غير دار الإسلام بالهدي الظاهر:

ولا يجب على المسلم، إن كان يقيم في غير دار الإسلام، أن يتمسك أو أن يلتزم بالهدي الظاهر؛ بل يستحب له، أو يجب عليه أن يقترب من القوم في هيئتهم وفي لباسهم، لما في ذلك من المصالح الدينية والدنيوية التي لا تخفى.

 وبالتأكيد هذا بما لا يدخل في هذه الدائرة الأحكام الشرعية، أو شؤون الاعتقاد، أو التشبه في الأمور التي لها صلة بأمور الاعتقاد عند غير المسلمين

لماذا تم اجتزاء النص الخاص بالتشدد مع غير المسلمين في تهنئتهم بأعيادهم، وتم استبعاد هذا النص الذي يعد نصًا ذهبيًا تاريخيًا في تنظيم علاقة المسلم مع غير المسلم، والقضاء على هذه الحجب والحواجز الكثيفة التي صنعها الإعلام بين المسلمين وغير المسلمين، وصنعها كذلك بعض المسلمين بأخطائهم؟!

إن السنة النبوية لا تفهم إلا في إطار القرآن الكريم، ولا يمكن أبدا أن نفهم أي نص نبوي إلا بالرجوع إلى جميع النصوص الأخرى في الحادثة الواحدة؛ لننظر في الخاص والعام، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ

لا يمكن أبدا أن نفهم نصا نبويا إلا بمعرفة السياقات، والملابسات التي وردت فيه، تمامًا كما يتعين على المفسر الذي يتعامل مع آيات القرآن الكريم، أن يعرف أسباب نزول الآية محل النظر، أو محل التفسير

نماذج شائعة لسوء فهم السنة النبوية

أود أن أقف مع نماذج ثلاثة في السنة النبوية، أُسيء فهمها بصورة شائعة كبيرة، وساد الفهم المغلوط على الفهم الصحيح في هذه النماذج الثلاثة، وكل نموذج منها يحتاج إلى حديث خاص

النموذج الأول: حكم الإقامة في غير بلاد المسلمين

في حديث جرير بن عبد الله البجلي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم “..أنا بريءٌ من كلِّ مسلِمٍ يقيمُ بينَ أظْهُرِ المشرِكينَ..” ( رواه الترمذي في سننه)

وهو حديث مرسل، والمرسل هو أحد أنواع الحديث الضعيف، وقبوله والاحتجاج به محل خلاف بين المحدثين والأصوليين

لكن على فرض صحته، فقد رأيت نفرًا من الدعاة المعتدلين الوسطيين، يحرمون إقامة المسلمين اليوم في الغرب، بعد أن أخذ الوجود الإسلامي هذه الأبعاد الكبيرة، السياسية والاجتماعية والديموغرافية، وصار للمسلمين في الغرب هذه المؤسسات، وشكلوا نسبة لا تقل عن خمسة بالمائة من مجموع السكان، في معظم الأقطار الأوروبية

ومع ذلك رأينا من يفتي من العلماء المعتدلين، بحرمة الإقامة والعيش في الغرب، استنادًا إلى هذا الحديث، ومن يستمع من عموم المسلمين إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم، وإعلان براءته من كل مسلم يقيم بين أظهر الكفار، إن لم يفكر المسلم في الخروج من البلد، يتردد في عيشه وإقامته، وينبني على هذا التردد عدم النجاح، أو الفلاح في تحقيق أي مقصد من مقاصد الوجود الإسلامي في الغرب، ويبقى المسلم متأرجحًا في عيشه، وإقامته بأولاده، فلا بلغ إقامة صحيحة في أوروبا، ولا بلغ عودة سريعة مرة أخرى بأولاده إلى وطنه

هذا الحديث له سياقات وملابسات، إن وقفنا عليها علمنا أنه لا صلة له البتة بصورة العيش، والإقامة في الغرب اليوم، مع التغيرات الهائلة التي وقعت، وحدثت في العالم

فقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية إلى قبيلة خثعم، قبيلة بينها وبين المسلمين قتال أو حرب، وقد أسلم فيها مجموعة من المشركين، واعتنقوا الإسلام، فلما أسرع القتل فيهم، وأدركوا أنهم سيقتلون على يد المسلمين، اعتصموا بالسجود؛ ليخبروا المسلمين أننا من المسلمين فلا تقتلونا، فظن المسلمون أنه يمثلون عليهم بسجودهم، فأسرعوا بالقتل فيهم، فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم لهم نصف الدية؛ لأنهم لم يتركوا هذا البلد المحارب بعد إسلامهم، فكان فعلهم سببًا في إسراع القتل فيهم، ثم قال صلى الله عليه وسلم: أنا بريء من كل مسلم يفعل هذا الفعل

لا يتحدث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أبدا أن يتنزل هذا الكلام على صورة، وواقع الوجود الإسلامي في الغرب اليوم

وعندما نرجع إلى النصوص الأخرى، وإلى السنة العملية للنبي صلى الله عليه وسلم، وإلى القرآن الكريم، هل ننتهي إلى نفس النتيجة؟

فبالرجوع إلى القرآن الكريم وإلى السنة النبوية، نجد فيهما الإجابة الواضحة على هذا السؤال، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ” إذا أقمتَ الصَّلاةَ وآتيتَ الزَّكاةَ فأنتَ مهاجرٌ وإن متَّ بالحضرمةِ ” (رواه أحمد في مسنده)

فالقضية إذًا ترتبط بالتمكن من إظهار شعائر الدين، وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة المهاجرين إلى الحبشة سبع سنين كاملة مقيمين بها، بعد زوال سبب هجرتهم بقيام دولة الإسلام في المدينة المنورة، ولو كانت إقامتهم بعد زوال سبب الهجرة، وهو الاضطهاد والأذى الذي وقع لهم في مكة، إقامة محرمة لطلب النبي صلى الله عليه وسلم منهم مباشرة إلى الرجوع إلى بلدهم، وإلى موطنهم الأصلي

بل قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسماء بنت عميس، وكانت ممن هاجر إلى الحبشة في سفينة، مع جعفر بن أبي طالب: “..ولكن أنتم أهل السفينة هجرتان” (متفق عليه)

يعني ضاعف الأجر لهم على إقامتهم، وعلى عيشهم في غير دار الإسلام؛ لأن التحديات التي يواجهونها بعيشهم وإقامتهم، والحفاظ على هويتهم ودينهم، أضعاف التحديات التي يواجهها المسلم، الذي يحيا وسط المسلمين

وفي المجتمع الإسلامي قال الله عز وجل في القرآن الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (سورة النساء، الآية 97)

الآية هنا تتوعد، وتوجب على كل من يتعرض للاضطهاد والأذى في دينه وأهله، وعرضه وماله، في أي بلدٍ أن يبحث عن بلدٍ آخر، أو عن بيئة أخرى، إن لم يتمكن من العيش، والقيام بدوره ورسالته في هذا البلد الأصلي له، فيهاجر فيها، فإذا ضُيق عليه في بلد الهجرة الآخر، غير هذا البلد كذلك، إلى بلدٍ آخر

وهذا هو معنى الهجرة، أو المعنى الذي استنبطه كثير من المفسرين من هذه الآية، البينة الواضحة، التي تعتبر العبرة في الإقامة فيها، بالتمكن من إظهار شعائر الدين في أي بلد

فقد تكون الإقامة في البلد الإسلامي، في حق بعض المسلمين، في صورة من الصور محرمة، وتكون في حق بعض المسلمين في أوروبا واجبة، كما ذكر بعض العلماء، والعكس بالعكس

هذا هو النموذج الأول، الذي رأينا أن النتيجة التي انتهينا إليها اختلفت تمامًا، عن النتيجة السطحية الظاهرة، التي تبادرت لأذهاننا، عندما سمعنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: “أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين”، بعدما نظرنا في سياقات وملابسات النص، ونظرنا في النصوص الأخرى، وفهمنا السنة في إطار القرآن الكريم

النموذج الثاني: حكم ابتداء غير المسلمين بالسلام

هذا النموذج نتناول فيها حديثًا شهيرًا، يتذرع به بعض الشباب في قطع، وتوتير علاقتهم بغير المسلمين على الساحة الأوروبية، أو حتى العربية

وهو الحديث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : “لا تبدءوا اليهودَ ولا النَّصارى بالسَّلامِ، فإذا لقيتُم أحدَهُم في طريقٍ فاضطروه إلى أضيَقِهِ” ( رواه مسلم في صحيحه)

وقد وجدت بعض الشباب المسلم على الساحة الأوروبية، يفهم هذا الحديث فهما معجميًا سطحيًا ظاهريًا، فيرفض أن يبدأ اليهود أو النصارى بالسلام، حتى وإن كانوا جيرانًا له، أو يعملون معه في العمل؛ بل يتعمد في التضييق عليهم عندما يضع سيارته، ظنًا منه أنه بذلك يحقق هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ويتأسى به في قوله الذي ذكرناه!!

وعندما نرجع إلى نصوص القرآن الكريم، والسياقات، والملابسات التي ورد فيها هذا النص، والسنة العملية لنبينا صلى الله عليه وسلم، ننتهي كذلك إلى نتيجة مغايرة تمامًا، للنتيجة السطحية الظاهرية التي تبادرت لأذهاننا، عندما سمعنا النص لأول مرة

والحديث فيه كلام كبير للمحدثين؛ لأن سهيلًا تفرد به، وقد اختلف المحدثون في تضعيفه، أو تقوية مروياته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأُعِلَّ الحديث بعدة عللٍ؛ لكن على فرض صحته، فإنه ورد في سياق خاص معلوم، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله في شأن المحاربين له، غداة الإغارة أو الحرب مع بني قريظة

فالسياق سياق حرب بين المسلمين وبين غير المسلمين، وهذا هو الحد الأدنى الطبيعي الذي يمكن أن يوجه به القائد عموم المسلمين، في علاقتهم مع المحاربين للمسلمين، وإلا فأمامنا عدة نصوص أخرى يقول الله عز وجل فيها {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ..} (سورة الزخرف، الآية 89)

وقوله {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} (سورة القصص، الآية 55)

وقوله {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} (سورة النساء، الآية 86)

وقوله على لسان سيدنا إبرهيم عليه السلام {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} (سورة مريم، الآية 47)

والأحاديث العامة الكثيرة، التي وردت بإفشاء السلام، لا تفرق بين مسلم وغير مسلم، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الشهير المعروف: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ” ( رواه الترمذي في سننه)

وحديث “أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْع أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ -أو إفسام القسم-، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، ونهانا…” (متفق عليه) فمن السبع التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم إفشاء السلام

والحديث في كل نموذج من هذه النماذج يحتاج إلى وقت طويل، ولكن بعد النظر السريع العاجل فيها، انتهينا إلى نتيجة مغايرة، وهي مشروعية؛ بل ندب واستحباب أن يبدأ المسلم غير المسلم بالسلام، والمسلمون في الغرب اليوم أحوج ما يكونون إلى تنفيذ، وتحقيق هذا التوجيه؛ لكسر حدة الغضب والخوف من غير المسلمين تجاه المسلمين، بفعل الأحداث الكثيرة جدًا، والصغائر التي يضخمها الإعلام في أذهان المجتمع الأوروبي

النموذج الثالث: فهم نص “جئتكم بالذبح”

هذا النموذج خطير جدًا، تذرع به نفرُُ من المسلمين في الإقدام على إزهاق الأنفس والأرواح، بطريقة شنيعة بشعة، وتصويرها ونقلها للناس في وسائل الإعلام المختلفة، فرأينا الأشخاص يُذبحون ذبحًا كالنعاج، وعندما يعترض أحد على هذه الصورة، يُقال له: أننا نفعل مثلما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قال في الحديث الصحيح: “يا معشر قريش، والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح” (رواه الإمام أحمد في مسنده)

ويطير المستشرقون، وخصوم الإسلام فرحًا بهذا النص، ويقولون: ألم نقل لكم أن الإسلام دين الإرهاب، ودين القتل والذبح، وهذا نص صحيح عن نبيكم صلى الله عليه وسلم

وهذا أيضا فهم مغلوط، رغم صحة النص لابد أن ندرك، وأن نقف على السياق والملابسات، التي ورد فيها هذا النص

ورد هذا النص عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية، التي ازداد فيها الاضطهاد، والأذى للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن معه، وبينما النبي صلى الله عليه وسلم في الحجر يطوف، أن سبّه وتعرض له عدد من المشركين، على رأسهم أبو جهل، وعقبة بن أبي معيط؛ فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم في المرة الأولى، فعادوا في المرة الثانية، وفي المرة الثالثة قام عقبة بن أبي معيط بخنق النبي صلى الله عليه وسلم، خنقًا شديدًا حتى دافع عنه سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، قائلًا: أتقتلون رجلا أن يقول ربي، فعندئذ قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: “يا معشر قريش والذي نفس بيده لقد جئتكم بالذبح”

قال لهم هذه الكلمة على معناها المجازي، قاصدًا بها التهديد، لا التنفيذ والوعيد، لا التنفيذ وإمضاء ما هدد به النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل أنه لما أمكنه الله عز وجل منهم، ودخل مكة فاتحًا، لم يفعل بهم هذا الأمر، ولم يثبت أبدًا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح، أو أمر بالذبح

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم وجه حتى في أثناء الحروب والقتال، إلى ألا تقتلوا شيخًا كبيرًا، أو راهبًا في صومعته، أو امرأة أو طفلًا، أو شيخًا عجوزًا

وما غضب النبي صلى الله عليه وسلم مثلما غضب، عندما رأى امرأة مقتولة، قائلا: ما كانت هذه لتقاتل

ولما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا، قال لأولئك الذين فعلوا معه ما فعلوا، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء؛ لأنه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم

إذًا معرفة السياق، وفهم اللغة، ينتهي إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هددهم تهديدًا، وهذا جاري حتى في لغتنا العربية اليوم، ومعروف لعامة الناس ولخاصتهم

يصف الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم، ورسالته في العديد من آيات القرآن الكريم، بقوله {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (سورة الأنبياء، الآية 107)، وبقوله {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} (سورة القلم، الآية 4)، وبقوله {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر}ِ (سورة آل عمران، الآية 159)

أيعقل أن يخاطب الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الآيات، ثم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ليذبح، ويأتي من يلصق هذه التهمة خطأً، وزورًا وبهتانا، بنبينا وبديننا؟!!

ما أقبح أن يتم ارتكاب هذه الشناعات، وتلك الفضائح والفظائع باسم الإسلام، والاسلام منها بريء

 

ختامًا:هذا الموضوع يحتاج إلى حديث آخر، لعلنا نعود إليه إن شاء الله

أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم حسن الفهم، والتطبيق والعمل، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه، وتمسك بهديه وسنته إلى يوم الدين

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 240