هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
التوسط في سد الذرائع
مثال تطبيقي مصافحة الرجل للمرأة في السياق الغربي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد
من القواعد التي يقوم عليها فقه الحضور الإسلامي في الغرب، التوسط في سد الذرائع وفتحها، وسد الذرائع من الأدلة الأصولية الشهيرة المعروفة
المقصود بسد الذرائع:
أن نمنع ما يجوز؛ لئلا يتوصل به إلى ما لا يجوز
أي أن الأمر في أصله مباح؛ لكنه سيفضي أو سيؤدي إلى مفسدة؛ لذلك الشرع يمنعه، رغم إباحته، منعاً ودرءاً لهذه المفسدة تماماً
مثال: عندما همَّ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن يقتل رأس النفاق عبدالله بن أُبيّ، رفض النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قائلاً: “دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ” (متفق عليه)
فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يراعي المآل، ويسد الذريعة؛ رغم وجاهة ومنطقية ما أراده سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه
ضوابط سد الذرائع
هنالك مبالغة وقعت في التوسع في سد الذرائع، وتقديرها؛ رغم خطورته، فسد الذرائع دليل وتوجه في غاية الخطورة والدقة والحساسية؛ لماذا؟
لأن سد الذرائع معناه: أن أُحرم على الناس ما أحل الله سبحانه وتعالى؛ لأن الشيء في أصله مباح، ومع ذلك نحن سنحرمه، وسنمنع الناس منه؛ لماذا؟ تقديراً لأنه سيؤدي إلى مفسدة.
ولذلك العلماء ضبطوه بضوابط كثيرة جداً، ومن أهم هذه الضوابط ما يلي:
1/ أن تكون هناك علامات، أو أن تكون هناك إشارات، أو قرائن واضحة على حصول، أو غلبة رجحان وقوع هذه المفسدة، التي نريد أن نمنعها بالحكم الشرعي المبني على دليل سد الذريعة
2/ أو أن يكون الحكم منصوصاً عليه.
المصافحة في السياق الغربي كمثال تطبيقي على التوسط في سد الذرائع
قضية مصافحة الرجال للنساء والنساء للرجال، من الأمثلة التطبيقية على توسط المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، في التعامل مع دليل سد الذريعة، وهي قضية حساسة وشائكة جداً في السياق الغربي.
هذه القضية ينظر الغرب إليها نظرة مختلفة عن الشرق وعن السياق الإسلامي؛ ففي المجتمعات العربية المحافظة ينظر إلى هذه المسألة، على أنها علامة على التدين، وعلى التعفف، وعلى التزام الرجل والتزام المرأة
بينما ينظر إليها في السياق الغربي، على أنها لون من ألوان الذوقيات، واحترام وتقدير الآخر، والامتناع عنها هو إشارة وعلامة على عدم الاحترام، أو عدم التقدير لمن مد يده للمصافحة وبدأ بها
الإشكال الذي يحدث، هو عدم استصحاب هذا السياق العرفي، وهذا السياق التاريخي، مما بُنى عليه العديد من المشاكل، بسبب هذه القضية في السياق الغربي أو على الساحه الأوروبية.
وأذكر طرفاً من هذه الوقائع:
الواقعة الأولى: حدثت مشكلة وأزمة كبيرة جداً في دولة أوروبية، بسبب طالب أو تلميذ مسلم يتعلم، مدت المعلمة يدها لمصافحته، فرفض وقال إن هذا محرم في الإسلام، رفعت الأمر إلى المسؤول الأعلى منها، والإعلام التقط الخيط، وبدأ حديث طويل عن أن المهاجرين الجدد لن يندمجوا في هذا المجتمع؛ لأنهم يحملون ثقافة مغايرة لثقافة مجتمعنا، وبدأ حديث إعلامي واسع عن هذه القضية في الإعلام السويدي والغربي
وصل الأمر إلى أنه صدر قانون في دولة الدنمارك، بأن يكون من مسوغات الحصول على الجنسية القبول بالمصافحة، ومن يرفض المصافحة يُحرم من حقه القانوني في التجنس بجنسية البلد!!
الواقعة الثانية: وهناك قضية شهيرة مثارة في ألمانيا، فقد تقدم طبيب مسلم لطلب الحصول على الجنسية، واستوفى كل الإجراءات، وفي يوم تسلم شهادة التجنس بجنسية البلد، رفض أن يصافح الموظفة التي قدمت له هذه الشهادة، وما كان منها إلا أنها امتنعت عن تسليمه الشهادة، ورفع دعوة قضائية، والمحكمة أيدت منع حقه في التجنس
وقالت في حيثيات حكمها، إن هذا الشخص رغم استيفائه للشروط، ورغم كونه طبيبا يعيش في ألمانيا منذ 20 سنة تقريبًا، إلا أن ما أقدم عليه يعني أنه لم يدرك، أو لم يتعلم ثقافة المجتمع، وفعله يعكس أنه غير قادر على الاندماج، والتعايش والتعاطي مع ثقافة المجتمع، الذي ينظر إلى هذه المسألة على قدم المساواة بين الرجال والنساء.
ولاحظوا السياقن فهذا الحكم صدر في وقت جائحة كورونا، والتوجه إلى الامتناع عن المصافحة بشكل عام بين الرجال والنساء، وبين الرجال والرجال، ومع ذلك نظرت المحكمة إلى الأمر بهذه النظرة
الواقعة الثالثة: عندما قام أحد الممثلين للمسلمين في دولة من الدول، وأراد أن يتسلم جائزة عن الاندماج، وكانت ممثلة البلاد هي التي تُسلم له هذه الجائزة؛ فرفض مصافحتها، وثار الإعلام، واعتبر هذا دليلاً ومؤشراً على رفض المسلمين، أو عدم تعايشهم واندماجهم في هذا المجتمع
هذا هو سياق ونظرة المجتمع الغربي للتعامل مع قضية المصافحة.
إذا وجهنا قضية المصافحة إلى أننا نرفضها كمسلمين بسبب سد الذريعة إلى المحرم، يعني أن الشرع ينهانا عن مصافحة النساء، ينهى الرجال عن مصافحة النساء؛ لأنها تؤدي إلى تحريك الغرائز، وإثارة الرجال عند المصافحة، هذا الكلام سيكون شيئاً مضحكاً بالنسبة للغربيين؛ لأنهم لا يتفهمون هذا الأمر، بل هذه المصافحة تأخذهم إلى الوراء، إلى عصور ما قبل تحرير المرأة
الواقعة الرابعة: حدثني أحد الشباب المسلم في دولة أوروبية، أنه ذهب مع زوجته لتضع مولودها في المستشفى، وكانت طبيبة أوروبية هي التي ستقوم بعملية الولادة، فصافحت زوجته ورحبت بها، ومدت يدها لمصافحة الزوج فامتنع معتذرًا، فغضبت الطبيبة غضبًا شديدًا، وقالت عبارة يجب التوقف عندها قالت:
هل تظنني حمارة، أو نجاسة ستتأذى منها، عندما تمس يدك يدي؟!
هكذا هي لم تفهم الأمر في إطاره الديني، مثلما أراد أن يقدمه، أو أراد أن يوجهه هذا الأخ، وتعامل بمنتهى اللطف معها.
هذا السياق يجب أن يُفهم عندما نتعامل مع هذه القضية؛ لماذا؟
لأن تحريم المصافحة يرتكز بصورة أساسية على دليل سد الذرائع، وهو منع ما يجوز، فالمصافحة في حد ذاتها جائزة؛ لكنها ستوصل إلى ما لا يجوز، وهي أنها خطوة أولى في إثارة الغرائز، وإقامة العلاقات المحرمة، هذا هو الباب أو المدخل الذي يجب أن يُنظر إلى المسألة من خلاله، وليس إلى أي باب آخر
أدلة تحريم المصافحة ومناقشتها
صحيحُُ أن جمهور الفقهاء المتقدمين والمتأخرين قالوا بتحريم المصافحة؛ لكن ما هو الدليل الذي استندوا إليه في تحريم المصافحة؟
لم يستندوا على دليل نصي بالمناسبة؛ فالاستدلال بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “لأنْ يُطْعَنَ في رَأْسِ أحَدِكُمْ بمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ، خَيْرٌ له مِنْ أنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ له” (رواه الإمام الطبراني في معجميه الكبير والصغير) هو استدلال حديث، لم يستدل أحد من المتقدمين على تحريمهم للمصافحة بهذا الحديث؛ لأنه لا دليل فيه على تحريم المصافحة، على فرض أن الحديث صحيح، رغم اختلاف المحدثين في تصحيحه أو تضعيفه
ورغم أن بعض الفقهاء كالحنفية وبعض المالكية، يرون أن التحريم لا يصح، ولا يقبل شرعاً إلا من الأدلة القطعية الثابتة الواضحة في القرآن الكريم، أو في السنة النبوية، وليس من الأدلة التي يقع التشكيك في صحة نسبتها، أو رفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
هذا الحديث لو افترضنا أنه صحيح فلا يدل على تحريم المصافحة؛ لأن المس واللمس إذا ورد في القرآن الكريم، أو في السنة النبوية، فلا يدل على لمس البشرة أو المصافحة؛ إنما يفيد ويدل على الجماع أو مقدمات الجماع؛ قال تعالى: {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} (سورة مريم: الآية 20) يعني لم يجامعني بشر، أو قال تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (سورة النساء: الآية 43) يعني جامعتم النساء، {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} (سورة البقرة: الآية 237) ليس من قبل أن تصافحوهن؛ لأنها زوجة هذا الذي تتحدث الآية عنه، إذًا الحديث لا دلالة فيه على التحريم
يبقى شيء آخر استدل به من قالوا بتحريم المصافحة، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يصافح، فهل مجرد ترك النبي صلى الله عليه وسلم للمصافحة يدل على التحريم؟ لا؛ لماذا لا يدل على التحريم؟
لأن الترك النبوي عند علماء الأصول، الراجح فيه أنه لا يدل إلا على مشروعية الترك؛ يعني جواز الترك، لكنه لا يدل على تحريم فعل ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل أن الصحابة فعلوا أشياء تركها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد يترك النبي صلى الله عليه وسلم الأشياء لغير التحريم، لأنها مكروهة، أو لأنها خلاف الأولى، لأنه لا يحبها لطبيعته البشرية؛
مثال ذلك: توضأ النبي صلى الله عليه وسلم، وقدمت له السيدة ميمونة منديلاً ينشف به أعضاءه، فرده وترك التنشيف، هل يعني هذا أن تنشيف الأعضاء بعد الوضوء حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تركه؟
لا؛ لأنه قد يكون تركه لحرارة الجو، وقد يكون تركه لأنه لا يستهلك مالاً، أو ماءً كثيراً في الوضوء، أو لأن المنديل الذي قدم له غير نظيف، لغير ذلك من المعاني.
ولو كان الترك النبوي يدل على التحريم؛ لكان الفعل النبوي يدل على الوجوب؛ لأن الفعل مثل الترك، وما نتحدث عنه هو الترك المجرد والفعل المجرد، الذي لم يرتبط بنهي صريح عن الفعل.
آراء العلماء في حكم المصافحة
هذه المسألة خلافية، وليست مسألة اتفاقية أو إجماعية، وهذه بعض من أقوال العلماء فيها
العلامة الشيخ/ يوسف القرضاوي يرى أن المصافحة مباحة بشرطين أو بضابطين؛ لماذا؟
لأن الترك النبوي عنده يرجح فيه أنه لا يدل على الحرمة أو التحريم، وأيضاً يثبت أن المصافحة وقعت من النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أم عطية رضي الله عنها قالت: “بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَرَأَ عَلَيْنَا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: 12]، وَنَهَانَا عَنْ النِّيَاحَةِ، فَقَبَضَتْ امْرَأَةٌ يَدَهَا فَقَالَتْ: أَسْعَدَتْنِي فُلَانَةُ، أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا، فَمَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا، فَانْطَلَقَتْ وَرَجَعَتْ فَبَايَعَهَا” (متفق عليه) مما يشير إلى احتمالية وقوع المصافحة
وأيضاً حديث أنس بن مالك: “إِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ” (صحيح البخاري)
فثبت عنده وقوع المصافحة من النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الترك لا يفيد التحريم، وبالتالي لا ينتهي إلى تحريم المصافحة
بينما رأى علماء آخرون أن المصافحة مكروهة، وليست محرمة؛ لماذا؟
لم يثبت عندهم وقوع المصافحة من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يصححوا هذه الأحاديث، أو لم يفهموا منها أن المصافحة وقعت، ورأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم صافح الرجال، وترك مصافحة النساء، ولو كانت مصافحة النساء مباحة، ما تركها النبي صلى الله عليه وسلم، ولفعل مع النساء مثل ما فعل مع الرجال، أما وأنه لم يفعل، فلم يصافح النساء كما صافح الرجال، فهذا يدل على أن المصافحة غير مباحة
وقالوا: لا نستطيع أن نقول أنها محرمة؛ لأن التحريم يحتاج إلى دليل مستقل غير ترك النبي صلى الله عليه وسلم للمصافحة، وهذا الدليل غير موجود، إذاً لا نستطيع أن نقول بناء على مجرد ترك النبي صلى الله عليه وسلم لمصافحة النساء أن المصافحة محرمة.
وفعل المصافحة مع الرجال وتركها عند النساء يدل على الكراهة، والكراهة تزول لأدنى حاجة؛ فأقل حاجة تزيل الكراهة وترفعها، وحاجات المسلمين إلى المصافحة كثيرة
مثل: ما قلناه باعتبار ثقافة المجتمع، وبعض المهن، وبعض الوظائف تفرض بروتوكولها أو طبيعة عملها على الموظف أن يقوم بالمصافحة؛ فالأطباء مثلاً في ألمانيان وفي كثير من البلدان الأوروبية لابد أن يخرج يستقبل المريض، ويصافحه سواء كان رجلاً أو كان امرأة، كيف يمكن أن نقدم هذا الأمر، أو نفسره أو نشرحه لكل مريض؟
وأنا أعرف عدداً من المسلمين اضطر لترك وظيفته؛ بل أكثر من وظيفة بسبب مسألة المصافحة، واعتقاده أن المصافحة محرمة، وأنها لا تجوز؟
إذاً القول بأن المصافحة لا تجوز لمجرد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح، هو قول غير دقيق، أو غير صحيح
جمهور الفقهاء يحرم المصافحة، ودليلهم على تحريم المصافحة هو سد الذرائع وليس الترك النبوي أو حديث “لأن يطعن في رأس أحدكم بمخياط من حديد”، وإنما سد الذرائع هو أن نمنع المصافحة، وإن كانت مباحة في أصلها؛ لأنها توصل إلى مفسدة محرمة ممنوعة، وهي أنها خطوة إلى المحرم، وهذه المفسدة غير موجودة في السياق الغربي
ولذلك الشيخ/ القرضاوي حتى يتخلص من إشكالية سد الذرائع، ويضبط الفتوى قال: المصافحة تجوز بضابطين أو بشرطين
الشرط الأول: وجود الحاجة، فهو لا يدعو المسلمين والمسلمات إلى المصافحة، ولذلك قال: المسلم لا يبدأ بالمصافحة، والمسلمة لا تبدأ بالمصافحة؛ ولكن إذا صُوفح وبُدئ بها، أو كانت هناك حاجة للمصافحة
الشرط الثاني: أمن الفتنة؛ يعني أن يأمن الإنسان الرجل والمرأة عند المصافحة من تحرك غريزته، أو إثارته، وهذا لا يحصل في السياق الغربي مثل ما أشرنا
الموقف العملي للمسلمين في الغرب من المصافحة
ما هي الفتوى إذاً بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في الغرب؟
المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث قال: إن على المسلمين في الغرب، وعلى المفتين، وعلى الأئمة أن يراعوا أعراف المجتمعات التي يعيشون فيها
فإذا كنا أمام مسألة المصافحة، وهي مسألة خلافية، والجمهور يقولون بتحريمها بإطلاق، وهناك من يقول بإباحتها بضابطين يتحققان في السياق الغربي، وهناك من يقول بالكراهة، والكراهة تزول لأدنى حاجة؛ إذًا تباح وفق هذا الرأي أيضاً في السياق الغربي
وعليه، فالترجيح يكون بالرأي الموافق للعُرف الغربي، والعُرف الغربي مع المصافحة؛ لأنها من قبيل احترام الآخر، واحترام ثقافته وتحيته، وعدم المصافحة يعني إشعار هذا الآخر بالمهانة
وعلى هذا الأساس، وما دامت المسألة خلافية، كان قرار ورأي مجلس الإفتاء الأوروربي، أن الذي يتناسب مع السياق الغربي، هو إباحة المصافحة ما وجدت الحاجة إليها، وكانت المصافحة تجلب مصلحة أو تدرأ مفسدة؛ مراعاة للأعراف.
إن المجلس برأيه وقراره هذا، يتوسط في التعامل مع مسألة سد الذرائع، ولا يسعى إلى تمييع الدين، مثلما يُشغب بعض الناس عليه، أو يتهم المجلس بأنه يميع الدين والأحكام
وكنا نتمنى أن يكون الجدل والنقاش، ويكون تضخيم الأمر في قضية تستحق، في قضية قطعية كبيرة بالنسبة للمسلمين، وأن يهتم الإعلام وتهتم القوانين، وندخل في معارك قضائية، لقضية تستحق هذا الاهتمامن وهذا الاعتناء الكبير؛ ولكن الإشكال هو أنه القضية خلافية، فضخمنا الأمر في أعين الأوروبيين لأجل قضية خلافية، الذي يناسب السياق الغربي فيها، هو قرار المجلس الأوروبي
وهذا القرار لم يأتي إلا بعد دراسة طويلة للمسألة من الناحية الفقهية، ومن الناحية الأصولية، ومن الناحية الاجتماعية والثقافية، والواقعية والتاريخية للواقع والسياق الغربي.
سيقول مسلم: أنا غير مقتنع بهذا الكلام، أنا لن أصافح
لك هذا، فالفتوى بطبيعتها أنها غير ملزمة، فلا يستطيع المفتي أن يلزم أحداً بفتوى.
قضيتنا الأساسية هي أن نقول: لا تضخموا الأمر، لا تبذلوا جهداً لنقل أو تحويل مسألة خلافية، الخلاف فيها معتبر، إلى مسألة إجماعية اتفاقية، ينكر كل من لا يأخذ برأيه، أو لا يتفق مع رأيه على الآخر.
فالذي لا يصافح يعتبر نفسه ملتزمًا ومتدينًا، وينكر على من يصافح، أو يفعل هذا تقليدًا لرأي المجلس، أو لمن يفتي بهذا الرأي
ومن أعجب ما رأيت، هو اعتبار هذه المسألة معياراً أصيلا على التدين؛ فالمسلم أو المسلمة الذي لا يصافح هو مسلم ملتزم بدينه؛ حتى وإن كان لا يصلي، وهذا شيء عجيب جداً!!
فإذا كان لا يصافح ولا يصلي فهو ملتزم؛ إنما لو كان يصافح ويصلي وملتزم بكل أحكام الدين، فلا نعتبر هذا ملتزم بالدين، وهذا قمة التناقض والخلل في فهم الأحكام والدين!!
فليعذر بعضنا بعضاً في هذه المسائل الخلافية، فمن يصافح في السياق الغربي، هو يقلد رأياً فقهياً معتبراً.
وعموم المسلمين الذين يعيشون في الغرب، خاصة المهاجرين الجدد، الذين وفدوا حديثاً منذ ثلاث سنوات أو أربع سنوات إلى أوروبا، أعادوا طرح الأسئلة التي كنا نظن أننا قد فرغنا منها، وأنها أصبحت واضحة بالنسبة للمسلمين، فأعادوا إلينا هذه الأسئلة مرة أخرى؛ لأنهم يتخذون المرجعية الفقهية خارج السياق الأوروبي والغربي، فيستفتون في قضايا حياتهم اليومية علماء لا يعيشون في الغرب، ولم يطلعوا على التحديات التي تواجه المسلمين، ولا على القوانين والثقافات التي يعيشون فيها
نحن لا نعطي الدنية في ديننا بهذا الرأي، أو بهذا التوجه، أو بهذه الفتوى مثلما ذكرت، وأن تُصُوِرَ هذا الأمر في حق فقيه أو عالم؛ فلا يمكن أبداً أن يتصور في حق مؤسسة، أو هيئة، أو مجلس فقهي علمائي، به أكثر من 20 فقيهاً أو عالماً اليوم
فاجتماع ومناقشة ودراسة العلماء للمسألة على هذا النحو؛ يعني أنهم رجحوا بناءً على أصول، وعلى أدلة معتبرة
سد الذريعة وفتحها في المصافحة
الذريعة كما تُسد، تفتح؛ ولذلك نقول: سد الذرائع وفتح الذرائع، فيمكن أن تسد الذريعة في بلد وفي بيئة، ويمكن أن تُفتح في بلد وفي بيئة، إذا قدر الفقيه أو المفتي أن المصافحة في بيئة منغلقة محافظة، لا يرى الرجل فيها المرأة، يمكن أن تؤدي إلى الفتنة، ويمكن أن تفتح باب الفساد، فيمكنه أن يقول بتحريم المصافحة، أو بمنعها أو بالتشدد فيها؛ لأنها لا توقع الحرج عند الناس، والقول بتحريم المصافحة في هذه المجتمعات لا يحدث إشكالًا، فهو متوافق أصلاً مع ثقافة المجتمعات، ومع طبيعتها
بخلاف البيئة أو السياق الغربي، الذي ينظر إلى المسألة على أنها تحدث إشكالات، وتعكس عدم تقبل المسلمين للاندماج في هذه البيئات، أو في هذه المجتمعات.
ختامًا: أسأل الله تبارك وتعالى أن يفقهني وإياكم في أمور ديننا، وأن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك أولوا الألباب، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم