هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
المسلمون في الغرب وعمارة الروح

مقدمة
الحمد رب العالمين، الذي أكمل لنا الدين بخير نبي أرسل، وأتم علينا النعمة بأكمل دين شُرع {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [سورة المائدة، الآية 3]
وأزكى صلوات الله وتسليماته على معلم الناس الخير، وهادي البشرية إلى الرشد، رحمة الله للعالمين، وحجته على الناس أجمعين؛ اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه، وتمسك بهديه وسنته إلى يوم الدين، وبعد:
الموضوع الذي سنتحدث عنه هو موضوع “المسلمون في الغرب وعمارة الروح”
المقصود بعمارة الروح: تعمير الروح أو القلب بالتزكية، والتطهير والتنقية، والتحلي بالصفات المحمودة، والتخلي عن الصفات المرذولة
إذا أردنا أن نصف هذا العصر، وهذا الزمن الذي نعيش فيه، فإن أبرز سمة لعصرنا بصفه عامة، وللحياة في الغرب بصفة خاصة، هي سمة أمراض الروح، فهذا العصر هو عصر أمراض الروح، وتصحر القلب، وجفاف الروح
والمشكلة أن أمراض الروح خفية جداً، والخطر الناتج عن أمراض الروح أخطر من أمراض البدن، لِمَ؟
لأن أمراض الروح خفية ليست ظاهرة، فبعض علماء السلوك المعاصرين يسمون أمراض الروح “سرطان الروح”، لماذا يسمونها سرطان الروح؟
أولًا: لخطرها، فكما أن مرض السرطان خطير -عافانا الله وإياكم منه- كذلك سرطان الروح خطير
ثانيًا: لأن السرطان مرض خفي؛ فيمكن أن ترى إنسانًا يتحرك أمامك بشكل طبيعي جداً، وهو مريض ولا يشعر؛ لذا تُجرى الاختبارات الطبية المبكرة لمتابعته واكتشافه مبكرًا؛ لأن الإنسان قد يكون مريضًا ولا يدري، كذلك نفس الشيء بالنسبة لسرطان الروح؛ يمكن أن يبدو الإنسان طبيعياً؛ فهو يصلي ويصوم ويتصدق؛ لكنه مريض روحياً، ومن الممكن أن يكون المرض بلغ معه درجة متقدمة جداً، وهو لا يدري؛ فمن الممكن أن يكون قلبه قد انتقل من مرحلة الجفاف إلى مرحلة القسوة، إلى مرحلة الموت، والعياذ بالله
لماذا نعتني بعلاج أمراض الروح في الغرب؟
العلماء الذين عاشوا في فترات زمنية مختلفة كانوا يرصدون هذه الظواهر، ويفكرون في كيفية علاجها؛ بداية من سيدنا علي بن أبي طالب لما وجد أن الناس بدأت تنشغل بالدنيا في زمانه، فأسس مدرسة روحية اسمها “مدرسة الكوفة” لكي يرد الناس، ويحيي قلوبهم.
وكذلك الحارث بن أُسَد المحاسبي ؛ فلقد طغى الأمر أكثر في زمانه ونسي الناس الآخرة، والتعلق بالله سبحانه وتعالى، فأنشأ مدرسة سماها “مدرسة التوهم”
ماذا تعني مدرسة التوهم؟ تعني أن يجمع الناس أوقاتًا معينة في الشهر أو في الأسبوع، ويجعلهم يتوهموا أنهم دخلوا في حياة الآخرة ومشاهد الآخرة؛ فتبدأ قلوبهم أن ترق، وتتغير أحوالهم
ولقد نجحت هذه المدرسة نجاحاً مبهراً؛ لكن الأئمة الذين أتوا، أو عاصروا المحاسبي قالوا: هذه الطريقة طريقة حسنة؛ ولكن لا تتبعوها؛ لأن فيها مبالغة في الأمر.
ولقد جربت هذا الأمر، في ليلة السابع والعشرين من رمضان لمدة ساعة في بعض المساجد، قمت به لمدة سنتين، وتوقفت لنفس السبب؛ فبدأت أجعل الناس تعيش في الآخرة وبدأ يحدث أثر كبير جداً؛ لكن خفت أن الأمر يخرج عن السيطرة؛ فلقد عاش بعض الناس فعلاً أنه مات، وبدأ يُحاسب ويُسأل، ودخل في نوبة بكاء، ولم نقدر على أن نسيطر عليه أو نسكته، وقال: لقد شعرت فعلاً أني مت وسُئلت، فتوقفنا.
فالحاصل أن تيار الشهوات الموجود الآن في عالم اليوم -شرقاً وغرباً- لا يمكن أبداً أن يواجه بالأفكار، لابد أن يواجه بتيار الروحانية.
قرأت أن أحد أئمة السلف كان يواجه في علاقة بالله سبحانه وتعالى مشكلتين اثننين
المشكلة الأولى: الوضوء بالماء البارد، فعنده إشكال إنه يتوضأ بهذا الماء
المشكلة الثانية: أنه يُفتن بالنساء، ولا يعرف كيف ينجو من ذلك
لكنه استطاع أن يعرف المشكلة، وبدأ يجاهد نفسه، ويبحث عن كيفية علاجها، ولجأ إلى الله سبحانه وتعالى، وطلب منه المعونة
يقول: فبعد فترة من الزمن، صرت أرى للماء بخاراً في الشتاء -كأن ربنا سبحانه وتعالى أدفأه له- وصرت لا أبالي أرجلاً لقيت أم امرأة!
فهو هنا واجه تيار الشهوات الخاص به هو شخصياً، بتيار الروحانية والتوجه.
فلماذا يتعين علينا أن نعتني بملف تعمير الروح، أو إصلاح القلب وتعميره بالإيمان، وبالزاد الروحي؟
لجملة من الأسباب، وهي كالآتي:
1/ طغيان المادية في زماننا
نحن لا نبالغ إذا قلنا أننا نواجه “تسونامي المادية” الطاغي الذي يحاصرنا في كل ذرة، وفي كل حركة من حركات حياتنا؛ حتى ونحن في المسجد، حتى ونحن في الحرم، فمن يذهب إلى الحرم الآن لأداء العمرة، يشعر أن المادية تحيطه من كل اتجاه؛ انظر إلى حركة التصوير، وافتتان الناس بالأبراج العالية، والطعام والشراب، الحركة المادية التي تحيط بالناس في رحلة الحج والعمرة من أول خطوة إلى نهايتها!
حتى الذين يقومون على أمر تنظيم الحج والعمرة لا ينتفعون بهذه الروحانية، وينقلب الأمر بالنسبة لهم إلى -لا أريد أن أبالغ وأقول- استغلال الزوار والعُمّار، ومحاولة الكسب منهم بكل الوسائل
أذكر أن سائق التاكسي طلب من الإخوة عشرة أضعاف -ونحن في موسم الحج- ما يطلبه في الوقت الطبيعي وهو في الحرم
كان كثير من أئمة السلف إذا فرغوا من الحج يتعجلون الخروج من مكة، لماذا؟!
لأنه يخاف من المعصية في مكة؛ نتيجة لوجود حالة من الغفلة والقسوة، والابتعاد عن جلال وجمال، وهيبة المكان الذي يعيش فيه الإنسان
2/ طبيعة الحياة في الغرب
قيم الحياة في الغرب، وما تفرزه وتنتجه على الذي يعيش فيها، عكس المنظومة الإسلامية تمامًا، فالمنظومة الإسلامية تأمرك أن تقاوم نفسك، أن تجاهد نفسك؛ وتقول لك: أو كلما اشتهيت اشتريت؟
أما المنظومة الغربية، فتقول لك: حصّل اللذة كما تشاء، وأطلق لنفسك العنان، وليس هناك قيد أبدًا على ما تشاء
المنظومة الإسلامية تقول لك: قمة الإسلام، ومنتهى الفهم البسيط الواضح جداً للإسلام، هو العبودية لله سبحانه وتعالى، وأبسط تعريف للعبودية أنها الاستسلام والانقياد، والشعور بالافتقار إلى الله سبحانه وتعالى.
المنظومة الغربية على العكس تماماً؛ فالمفروض أن تشعر بالاستغناء، وتُشعر بعدم التسليم
والسؤال التعليلي الدائم الملح، وإذا لم أقتنع لن أمتثل، والعكس تماماً
3/ كثرة مذيبات الروحانية
فيمكنك أن تعمل حمامًا روحيًا لقلبك ولروحك، ويعمر قلبك فعلاً، وتشعر أن النفس صفت، وأن الروح زكت، بأن تظل خلال شهر رمضان أوالعشر الأواخر منه في عزلة تامة، كم تحتاج من الوقت، ومن الاختلاط في المجتمع حتى يذوب هذا الأثر، وتعود مرة أخرى إلى ما كنت عليه؟
عندما أقرأ أن سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه يقول: كنا إذا صمنا اعتكفنا في المساجد، وقلنا نطهر صيامنا
سيدنا أبو هريرة هو من يقول أنه يريد أن يعتكف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطهر صيامه؟!، من أي شيء في المدينة يخاف على صيامه؟ّ! وإذا اختلط بالمجتمع في الخارج ما الخطر اللي سيحمله الاختلاط بالمجتمع، مقارنة بالمجتمع الذي نعيش فيه نحن اليوم؟! فمذيبات الروحانية قضية خطيرة جداً
ولننظر مثلاً إلى تحري الحلال، فكثير من الناس يعتقد أن الإمام البخاري كتب الله لصحيحه الأثر والخلود، وقيض له من يدافع، ويدفع عنه في كل عصر وزمن، فقط لأجل منهجه العلمي، ولأن عنده شروط دقيقة وقاسية في قبول الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكن ليس هذا هو السبب الوحيد؛ فهناك الجانب الروحي الذي عاش به الإمام البخاري، عندما أراد أن يكتب الصحيح، من أول الفكرة نفسها
يقولون إن البخاري “رحمه الله ورضي عنه” كان يصلي لكل ترجمة ركعتين، وقيل: كان يصليها في الروضة الشريفة، ويدعو الله سبحانه وتعالى أن يرزقه الإخلاص والصدق في التحري في كتابة حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الإمام البخاري امتنع عن أكل القمح عاماً كاملاً؛ لأنه بلغه أن قافلة محملة بالقمح مسروقة غَزَت الأسواق،
لو كانت هذه الحادثة وقعت في زماننا، لكان عندنا ألف تفسير وتحليل وفتوى تقول: ألا يوجد قمح في السوق من غير هذه القافلة؟ هل أنا من سرقتها؟ سيكون عندنا تحليلات كثيرة جداً نقدر نبرر بها الأكل من قمح السوق
أحياناً أجد صعوبة ومشقة أن أتحدث مع الناس عن الورع والزهد، وكيف أن الصحابة والسلف كانوا يضعون غلافاً وحجاباً من الحلال، أو ستراً من الحلال بينهم وبين الحدود الشرعية؛ حتى لا يقتربوا من الوقوع فيها، أو من الحرام
اليوم حتى يرتدع ويمتثل الناس، تريد أن تقول لهم هذا حرامُُ حُرمة قطعية، وإذا فعلتها ستدخل النار وبئس القرار؛ لأن هناك مسافة كبيرة جداً صارت بين الناس وبين هذه التعليمات.
4/ تجنب المذيبات الأربعة
علماء السلوك عندما نصحونا قالوا لنا: لو أردت أن تأخد طريقًا صحيحًا إلى الله سبحانه وتعالى، فأنت تحتاج إلى أربع أمور، عليك أن تقلل منها وهي: قلة الكلام، قلة الطعام، قلة المنام، قلة الأنام
*قلة الطعام: لأنك عندما تأكل كثيراً، ستنام كثيراً، وعندما تنام كثيراً، ستكون في غفلة وتترك قيام الليل، كان أحد الصالحين يقول: معاشر المريدين، لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً، فترقدوا كثيراً، فتتحسروا عند الموت كثيراً
*قلة الأنام: وهو الاختلاط بالناس، وعندما نرجع للصحابة والسلف في مسألة مخالطة الناس، سنجد طرفين، ووسط
مدرسة أثرت العزلة: فقالت باعتزال الناس، حتى يصفو القلب، وترتقى النفس إلى الله سبحانه وتعالى، وهذه المدرسة كانت موجودة منذ عهد الصحابة؛ فقام مجموعة من الصحابة بالاعتزال، واتخذوا مكانًا بعيداً عن الناس يعبدون الله سبحانه وتعالى، وكانوا سعداء ومرتاحين
فذهب إليهم سيدنا عبد الله بن مسعود، فظنوا أنه جاء لينضم إليه، لكنه ذهب إليهم ليردهم عما هم فيه، فقال لهم كلمة لطيفة جداً: “فمن يقاتل العدو إذا اعتزلتم؟”
والعدو هنا ليس العدو الذي يحاربونه بالسيوف؛ بل العدو الفكري، والعدو التشكيكي، والعدو الذي يأخذ الناس إلى الدنيا، فكل هؤلاء أعداء، وأقنعهم أن يتركوا الاعتزال، وينزلوا إلى الناس، ويقوموا بدورهم وواجبهم الدعوي بين الناس.
مدرسة غلبت الحركة: قالوا إن الحركة هي جزء من التزكية والتطهير.
الرأي الراجح: الذي أراه -والله أعلم- هو التوسط؛ فالاعتزال ليس هو منهج الإسلام الصحيح، فالإسلام كله حركة قال الله {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [ الجمعة، الآية 10]
عندما نتأمل مثلاً عدد الصحابة الذين مات الرسول عليه الصلاه والسلام عنهم، والذين صلوا معه، وحجوا معه حجة الوداع، كانوا في أرجح الروايات اثنا عشر ألف صحابي
والذين دفنوا في البقيع، وبقوا في المدينة من الصحابة، كان عددهم لا يتجاوز عشرة آلاف؛ أين ذهب البقية؟
انتشروا في الدنيا كلها برسالة الإسلام، ودين الإسلام، ولذلك سيدنا هشام بن الحكم -أخو أبو جهل من الأبوين- كان نزيل مكة، يعيش ويقيم فيها، وهو من أهلها أصلاً، فعنده مزية أنه مواطن أصلي فهي بلده من ناحية، ومن ناحية ثانية أنها مكة بشرفها، وبفضل الصلاة في الحرم فيها، وكان هناك قتال للمسلمين في الشام، فقرر أنه يترك الإقامة في مكة، ويذهب ليقاتل هناك.
الروايات تقول: أن الناس بكوا بكاءً شديداً لخبر فراقه، وخروجه منها، فما من أحدٍ طعم -حتى الأطفال الصغار- إلا وبكى لقرار هجرته، وخروجه من مكة، فوقف ليقول لهم: “والله ما خرجت زهداً، ولا رغبة عنكم، ولا رغبة عن مكة المكرمة، وفيها بيت الله الحرام، إلا أنها النقلة إلى الله عز وجل”، فهذا هو السبب الأساسي
ولذلك يروي سيدنا عثمان بن عفان حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي كَتَمْتُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُفَرِّقَكُمْ عَنِّي (وفي رواية: ضِنًّا بِكُمْ وَقَدْ بَدَا لِي أَنْ أُبْدِيَهُ نصِيحَةً لِلَّهِ وَلَكُمْ)؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ” (رواه الترمذي في سننه)
فالمنهج الأصح هو الحركة والحركية؛ لكن هذه الحركة يجب أن تكون مربوطة، ومرهونة بأن يكون فيه فواصل للتزكية، اعتزالات يعتزلها الإنسان يخلو فيها بربه، ويخلو فيها بنفسه
لقد حضرت حفل تأبين للشيخ/ محمد الغزالي -رحمه الله- الذي توفي في التاسع من مارس 1996، وتحدث من المقربين منه، الدكتور/ عبد الحليم عويس، والدكتور/ محمد عمارة -رحمهما الله- وبدأ كل واحد منهما يخرج الذكريات الخاصة له مع الشيخ الغزالي، فقالوا: كنا نفقد الشيخ أسبوعاً كاملاً، لا نعرف أين هو؛ نسأل زوجته وهي لا تعرف أين ذهب، وكذا ابنه لا يعرف ، ولا أحد يعرف، ثم يظهر فجأة، فنقول له شغلتنا عليك، أين كنت؟!
فيقول: قصدت مسجداً لا يعرفني فيه أحد، اعتكفت، واعتزلت، أخلو بربي أزكي نفسي وأطهرها، كيف أخرج إلى الناس، وأحدثهم وأسعى إلى تزكيتهم، وأنا المحتاج إلى هذه التزكية، وإلى هذا التطهر؟!
فكل واحد منا يحتاج إلى فترات عزلة؛ ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام كان في العشر الأواخر من رمضان يدخل في فترة عزلة واعتزال
وبالتالي المفترض أنه كلما زاد وعلا منسوب المادية، يقابله فترات العزلة هذه، حتى تقدر النفس على الاستقامة
أحد الإخوة في فرنسا -أكرمه الله- ما قابلته إلا وكان صائماً، أحياناً يتابع الصيام، أو يصوم يوماً ويفطر يومًا
قلت له: لكن هذا فيه مبالغة، والصيف يومه طويل جداً!!
قال لي: يا أخي لابد أن نأخذ النفس بعبادة دائمة في هذا العالم الرهيب الذي نحن فيه، النفس ستتوحش، وستأكلنا إذا تركناها، فالله سبحانه وتعالى حبب إلي الصيام، وسهله علي، فأخذت هذه العبادة، ووطنت نفسي عليها بصورة دائمة
5/ كثرة الماجريات
هناك كتاب لطيف جداً للشيخ/ إبراهيم السكران -فرج الله عنه- كتبه في فترة مبكرة قبل أن تتطور الميديا هذا التطور الهائل، يتكلم فيه عن “الماجريات” جمع ما جرى؛ فمن ينشغل بما حصل وما جرى من الأخبار ومتابعتها، سيشتت ولن يستطيع أن ينجز، فمن أراد أن ينجز فعليه تجنب الماجريات، وجاء بأمثلة على هذا
الدكتور/ عبد الوهاب المسيري، والشيخ/ البشير الإبراهيمي، ومجموعة من المصلحين، يقولون أن السبب الأساسي الذي جعلهم ينجزون، وينجحون في إنجاز مشروعهم، أنهم تجنبوا الماجريات
عبد الوهاب المسيري كان في فترة النكسة التي أودت بهزيمة مصر عام 1976، وكانت الأحداث ساخنة جدًا، ومع ذلك لم يفتح التلفاز، ولم يشاهد الأخبار، ولا أي شيء، كان منعزل لينجز موسوعته وعمله، ويتفرغ لها
الهاتف بلاء العصر والتشتت الرقمي
نحن الآن عندنا أكبر مشتت، وهو الهاتف، فالهاتف هو بلاء هذا العصر المبين، ويجب أن تكون عندنا دورات، وبرامج، حتى نصل لحلول تمكننا من السيطرة على أنفسنا، ونرشد استعمالنا له
كتبت مقالاً، ثم امتنعت عن نشره خوفاً من الموجة التي قد تطلني من الناس في شهر رمضان؛ المقال عنوانه “الصيام الشبكي”، فكما أننا صمنا، ونجحنا في السيطرة على أنفسنا أمام الشهوتين (البطن والفرج)، فإننا نحتاج للصوم عن الهاتف
قال لي أحد الإخوة الأطباء المتخصصين في الأمراض النفسية: نحن نعالج الإدمان على الهاتف، كما نعالج الإدمان على المخدرات تماماً، والشباب الذين نعالجهم حالهم كحال من يأتي وقت جرعة المخدر بالضبط، لا يستطيع أن يتحمل أن الهاتف ليس فيه إنترنت، أو بطاريته ليست مشحونة بالطاقة
وتجد يده تتحرك تلقائياً بعد فترة معينة دون أن يشعر إلى فتح الهاتف، ودون أن يكون في احتياج أصلاً إلى فتحه
دعك من الوقت الذي سنسأل عنه؛ فلم أكن لأتخيل أن يأتي أحدُُ يوم القيامه يجد عنده سبع سنوات من عمره قد قضاها في الهاتف؛ لكن هذا صار وارد جداً
فعندما يكون معدل استهلاك الهاتف سبع ساعات في اليوم، انظر كم عددها في الشهر؟ وكم ستساوي من أيام في السنة؟ وكم سيكون إجالي عدد هذه السنوات على مدار العمر؟!
قال النبي “ لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ….” نحن سنسأل عن هذا الزمن، فهو رأس مالنا الأكبر
لكن في تقديري أن أخطر شيء يحدثه الهاتف على الروح، وعلى القلب هو: التشتت
لو قارنت بين حالنا مع العبادات، وبين حال الصحابه والسلف، ستجد أن الصحابة والسلف كان عندهم شيء اسمه “جمعية القلب على العبادة”؛ فمثلاً قبل رمضان يدفعون الزكاة في شعبان، وليس في رمضان، لماذا؟
حتى لا يتشتت قلبه ونفسه بدفع الزكاة، رغم أنها ركن وصدقة، لكن يخرجها قبل رمضان
الإمام مالك كان تلاميذه يجتمعون حوله يقولون: حدثنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم: لا، رمضان ليس فيه تحديث، رمضان للقرآن فقط.
ذات مرة تكلمت مع أحد المشايخ الشباب، طلبوا مني أن أرغبه في أن يقدم لهم محاضرة، فقال لي: لا، أنا في رمضان أعطيتهم موعدين لمحاضرتين، وهذا يكفي حتى لا يتشتت القلب
مع أنه سيكلم الناس في الدين وسيعظهم؛ لكنه يرى أن حتى هذا تشتيت للقلب، والمفروض أن القلب في رمضان يكون مجموعاً على الطاعة
عندما نقرأ وردنا القرآني من الهاتف، ثم تتذكر رسالة ما، أو جائتك رسالة جديدة، فتذهب لتقرأها فتنشغل بها، فكيف يمكن أن تركز، أو تتأمل، أو تتدبر؟ فعصرنا هو عصر التشتت، ولذلك القرآن الكريم يقول {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [سورة المزمل الآية 8]
ما معنى التبتل؟ التبتل هو الانقطاع
قلت لأحد الشباب الذي يعمل في شركة ألمانية لتطوير صناعة السيارات، ما الذي تعملون عليه حاليًا؟
قال لي: نريد أن ننقل الشاشة التي في جانب السيارة إلى الأمام، لكي تصبح أمام السائق مباشرة، فلا يحتاج أن ينتقل بنظره عن الطريق للنظر إليها
قلت له: لكن هذا الأمر ليس مهمًا لهذه الدرجة!!
قال لي: لا، هذا أمر مهمُُ جدًا؛ لأن الانتقال البصري الذي يحصل في هذه اللحظة البسيطة يمكن أن يترتب عليه حادثة، فنريد أن نمنع من تشتت السائق، حتى يركز نظره في اتجاه واحد
هكذا القلب؛ فالقلب يمكن أن تكون حالته مستقرة، ويقرأ ورده؛ ولكن أنت لا تحتاج لأكثر من أن تضغط الضغطة الأولى على أي شيء يشغلك في الهاتف، ثم تتوالى الضغطات بعدها على شاشة الهاتف ، حتى يخرج قلبك من الحالة التي كان فيها أثناء قراءة الورد
الشيخ إبراهيم السكران يقول: حدثت أحد المشايخ، فقلت له: هناك برنامج اسمه تويتر جيد جداً، ويمكن أن يكون لك أثر دعوي فيه
فقال له: دخلت على هذا الموقع لأشاهد ما فيه من التغريدات، والحسابات، فما شعرت بنفسي من بعد العشاء إلا وقد أذِن الفجر
وهذا رجل كبير، وشيخ، وعلى تويتر، وليس على التيك توك، ولا على الفيديوهات، ولا على القصص، وراحت عليه الليلة
فقال له: لا أريد هذا الموقع، وأغلق لي هذا الحساب، ولا أريد هذه الوسيلة.
الأسباب الداعية للعناية بعمارة الروح
1/ مركزية التزكية وتطهير الروح
إن التزكية وتطهير الروح هي قضية مركزية في القرآن والسنة، ومادة زكا في القرآن وردت تسعًا وخمسين مرة، وأطول قَسَم في القرآن الكريم هو القسم على تزكية النفس، حيث قال الله تعالى:
{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}. [سورة الشمس، الأيات 10:1]
الحروف المقطعة والقضايا الكبرى
عدد الأحرف المقطعة في فواتيح سور القرآن، تسعة وعشرون حرفًا، لو تأملنا في القرآن سنجد أن كل هذه الحروف المقطعة يأتي بعدها دائماً الحديث عن القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: {آلم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ..} [سورة البقرة: الآيات2،1]
وقوله تعالى: {حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ..} [سورة الزخرف: الآيات 2،1]
وقوله تعالى: {طَهَ * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [سورة طه: الآيات2،1]
وقوله تعالى: {ص * وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [سورة ص: الآية 1]
وهكذا كل السور التي بدأت بالحروف المقطعة؛ إلا أربع سور بدأت بالحروف المقطعة، وما جاء بعدها لم يكن حديثاً عن القرآن، وهي:
سورة القلم {ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [ القلم: الآية 1]
وسورة الروم {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [سورة الروم: الآيات3،2،1]
وسورة العنكبوت {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [سورة العنكبوت: الآيات2،1]
وسورة مريم {كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم: الآيات2،1]
لماذا هذه الأربع سور التي جاء الحديث فيها بعد الحروف المقطعة مختلفاً عن غيرها من السور، وما المغزى والرسالة من ذلك؟
كأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يتحدى العرب بهذه الحروف، ويقول لهم هذه الحروف التي تتكون منها الكلمات والجمل، إذا كانت القضية قضية حروف، فأتوني بسورة من مثله، أو بعشر سور مفتريات، فها هي الحروف أمامكم
لماذا هذه السور الأربع يأتي بعد حروفها المقطعة الحديث عن هذه القضايا الأربع، قضية العلم في سورة القلم، وقضية التزكية في سورة مريم، وقضية الابتلاء في سورة العنكبوت، وقضية الاستشراف والتوقع في سورة الروم؟
كأن هذه القضايا هي قضايا مركزية في القرآن الكريم، يتعين علينا أن نوليها أولوية قصوى، وهذه الملفات الأربعة -للأسف الشديد- نحن أهملناها، فصرنا متخلفين في العلم، ولدينا جفاف روحي بالنسبة للتزكية، ولا نفهم قانون الابتلاء، فصرنا نتسائل لماذا يأخر الله النصر عن المسلمين في غزة؟! ولماذا هذا الظلم؟ّ ولماذا يُقضي على الأطفال؟! قد تبدو هذه الأسئلة طبيعية إذا وردت من غير المسلمين؛ لكنها تأتي من المسلمين الذين يفترض أنهم يفهمون قانون الابتلاء
وحتى في الاستشراف والتوقع فنحن نفكر في حدود يومنا فقط، دون النظر للغد، فضلًا عن النظر لما بعده
قرأت تقريرًا في الجزيرة يتحدث عن مستقبل الإسلام في أوروبا، وكيف أن الخريطة الديموغرافية ستتغير خلال مئة سنة، وكم ستكون نسبة المسلمين في خلال المئة سنة في مختلف الدول، بحسابات وتقديرات
ونحن جالسين نستقبل هذا الكلام، دون معرفة ما يفعل بنا، وكيف نقرأ هذا الكلام، وكيف نحلله، وكيف نفهمه، وكيف نستعد له؟!
لأنه لن يترك الوجود الإسلامي ينمو بهذا النمو، ويُشَكل حتى عام 2050 20% في ألمانيا، 25% في فرنسا، فأين التوقع، وأين الاستشراف الذي نعمل عليه بالنظر في القرآن الكريم؟!.
مهمة النبوة والمقاصد الكبرى للقرآن
التزكية هي واحدة من مهام النبي صلى الله عليه وسلم {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران، الآية: 164]
والمشروع الذي قام عليه الشيخ/ طه جابر العلواني “رحمه الله” أن المقاصد الكبرى للقرآن الكريم هي أربعة مقاصد: التوحيد، والتزكية، والعمران ، والعدل (أو إقامة القسط والهداية التشريعية) فركز على موضوع التزكية
التزكية أيضاً هي هدف كل العبادات، فلو تأملنا في كل العبادات سنجدها تنتهي في النهاية إلى التزكية، من الصلاة إلى الصيام إلى الزكاة إلى الحج إلى غير ذلك
ومن الإشكالات التي أرى أننا نقع فيها كمسلمين في فهمنا للإسلام، وفي تعاملنا مع العبادات، هي أننا نركز على عبادات الجوارح، دون أن ننظر إلى أثر هذه العبادات على الروح والقلب، فنتعامل مع العبادات تعاملًا رقميًا وعدديًا، فكل ما يشغلنا في شهر رمضان كم صليت؟ كم أنفقت؟ كم يومًا اعتكفت؟ وكم ختمة للقرآن ختمت؟
كل هذا جيد، ولسنا ضده؛ بالعكس نحن نشجع عليه؛ لكن المشكلة أنه لا يفكر أحد في الإجابة على سؤال، هل ارتفع القلب بهذه العبادات أم لا؟
فالمفترض بمن يأخذ جرعات دوائية أن يظهر أثرها، فالدواء مجرب ونافع وصالح، وأخذه الناس من قبل مرات ومرات؛ ومع ذلك أنت تأخذه ولا تنتفع، إذًا هناك خلل
جاء رجل إلى الحسن البصري، وقال له عظني يا إمام، فقال له عظةً، فلم يتأثر، فقال له: إما أن بقلبك شيء، أو بقلبي شيء
فالمفترض أن نكون في سؤال دائم للنفس، هل انتفع القلب بهذه العبادات؟
قبل مواسم التزكية الكبرى مثل شهر رمضان، أسأل الناس دائماً من هو الفائز برمضان؟
فمباشرة يقولون: هو من تحرى ليلة القدر، أو من اعتكف ليلة سبع وعشرين من رمضان، أو من ختم القرآن خمس مرات
فأقول لهم: الفائز في رمضان هو من فاز بقلبه، هو من خرج وقد تغير القلب بسبب العبادة في رمضان، فصار أكثر نفوراً من المعصية، وصار أكثر إقبالاً على الطاعة
فهناك مؤشرات سنذكرها بعد قليل على أن القلب بالفعل قد بدأ ينتفع بالعبادة.
2/ قصر وسائل التزكية في الغرب عن تحقيق أهدافها
وسائل التزكية معروفة ومجربة، وفيها كتب كثيرة جداً بلغات مختلفة؛ لكن إذا أردت أن تطبق هذه الوسائل في الواقع الغربي ستجد تحديات وإشكالات كبيرة جداً، وفيما يلي نماذج لبعض وسائل التزكية وتحدياتها:
القرآن الكريم: هو سيلة التزكية الأولى، ووسيلة الثبات الأولى على الدين؛ لكن هناك حجب تحجبنا عن الانتفاع بالقرآن الكريم، وأن يُحدث هذا الأثر في التزكية
وأهم حجاب يحجبنا عن الانتفاع بالقرآن الكريم وهداياته، وخاصة عند الجيل الجديد، هو حجاب اللغة العربية، فهم لا يعرفونها
الإمام الشاطبي له كلمة لطيفة جداً، وهو يتكلم عن المجتهد والمفتي؛ وليس عن عموم الناس؛ لكن هذه الكلمة يمكن إسقاطها على العلاقة مع القرآن، وكيف أن من يعرف اللغة العربية، يستطيع أن يفهم ويتجاوب مع آيات الله سبحانه وتعالى أكثر من غيره
فيقول: المبتدئ في العربية مبتدئ في الإسلام، والمتوسط في العربية متوسط في الإسلام، والمنتهي في العربية منتهي في الإسلام
لذلك لما أراد كبار المستشرقين أن يفهموا الإسلام، أو أن يطعنوا ويشككوا فيه، تعلموا اللغة العربية وأتقنوها
صلاة الجمعة: هناك تحدٍ كبير جداً في الانتظام في صلاة الجمعة للمسلم الذي يعيش في الغرب، فلا يُتخيل أن مسلمًا لا يصلي الجمعة شهرًا كاملًا، أو لا يصلي صلاة الجماعة في المسجد لمدة أسبوع كامل، فلا عنده صلاة جمعة ولا صلاة جماعة، فكيف ستكون نتيجة ذلك على قلبه؟!
دعكم مما أسميه التعامل الميكانيكي مع الأحكام، فيُقال إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: “مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا تَهَاوُنًا بِهَا، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ” [أخرجه أبو داود في سننه]، فالنبي قال تهاونًا، وأنا معذور بالعمل، فلم أتركها تهاوناً؛ لكن كيف هي النتيجة على القلب؟!!
لا أريد أن أبالغ وأقول إن بعض المسلمين الذين يصلون الجمعة لا ينتفعون بهذه الصلاة، فلا يظهر أثر حضور الجمعة تزكية وتطهيراً للقلب وللعقل، فالتحدي الكبير أمام كل الأئمة الذين يخطبون للناس في زماننا، وأمام كل إمامٍ يعيش في الغرب، أن يوفقه الله ويعينه على أن يرقق قلوب الناس، وأن يأخذ بأيديهم إلى الله سبحانه وتعالى
فصلاة الجمعة حدث كبير جداً؛ لكن لا يستثمره بعض الأئمة أو الدعاة استثماراً حقيقياً، ولا يحرص المسلمون عليه الحرص المنشود والمطلوب
الدعاء: هوأحد أعظم وأظهر وسائل التزكية، فعندما أتحاور مع شباب الجيل الثاني وهما بعده، أقول لهم عندما تدعو ربنا سبحانه وتعالى هل تشعرون بالافتقار إلى الله؟، يقولون لي: لا، أبدًا.
لأن قضية الاستغناء ظاهرة جداً عنده، فالأسباب مكتملة جداً في الغرب
أحد الشباب سألني: هل يجوز لي أن أنا أشتري سيارة بالقرض من البنك التقليدي؟
لماذا تريد أن تشتري سيارة؟ يمكنك أن تشتري سيارة مستعملة، دون أن تلجأ إلى القرض من البنك!
فيقول: أريدها سيارة جديدة، حتى تكون آمنة من الأعطال والحوادث، وتكون سيارة حديثة
ثم قال: أريد أن أعمل تأمينًا، فهل يصح أن يكون تأمينًا كاملًا على هذه السيارة؟
قلت له: لماذا تريد أن تعمل تأمينًا؟ قال لي: لأجل لو تعطلت
قلت له: لقد اشتريتها جديدة، حتى لا تتعطل، فلماذا إذًا تشتريها جديدة، ثم تعمل تأمينًا لها؟!
ثم لدينا الآن تأمينًا على التأمين، بحيث لو أن شركة التأمين الأولى أفلست، يبقى لديك تأمين آخر!
فالأسباب مكتملة تماماً، والدعاء يحتاج إلى درجات عالية من المجاهدة، حتى تشعر بالافتقار مع اكتمال الأسباب، كما لو غابت الأسباب
قال الله {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [العنكبوت: الآية 65] فعندما تهيج الأمواج وتضطرب، وتدرك أنك هالك لا محالة، تشعر بالافتقار إلى الله سبحانه وتعالى
فالمفترض أن الافتقار والتذلل يكون حاضر معاك؛ حتى لو الأسباب كاملة، وحتى لو كنت في وقت الرخاء
كيف يمكن أن نصل إلى هذا المستوى، أو إلى هذه الدرجة مع أولادنا في السياق الأوروبي؟
فهذه كلها مجموعة من الأسباب التي توجب على المسلم، الذي قدّر الله سبحانه وتعالى له أن يعيش في عالم اليوم، وأن يعيش في الغرب بشكل خاص، ضرورة أن يعتني بعمارة الروح.
وسائل عمارة الروح
السؤال الطبيعي والمنطقي هو، ما هو شيء الذي يمكننا أن نعمر به أرواحنا، ونزكي به أنفسنا، ونطهر به قلوبنا؟ هناك عدة وسائل هي السبيل لذلك، وفيما يلي أهمها:
الوسيلة الأولى: أكل الحلال
لما تأملت في كل كتب التزكية، وأقوال أهل السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، وجدتهم يضعون الوسيلة الأولى من وسائل التزكية، وتطهير القلب، وتعمير الروح، هي أكل الحلال، وهذه الوسيلة أغلبنا يغفل عنها، وتشكل تحدياً كبيراً للمسلم الذي قرر أن يعيش في الغرب
جاء رجلُُ للإمام أحمد، وقال له” بما تلين القلوب يا إمام ؟
فقال له: أمهلني فترة، فلما رجع له، قال له: بأكل الحلال
سيدنا إبراهيم بن أدهم يقول: أطب مطعمك، ولا عليك أن تصوم النهار، وتقوم الليل
وغيره يقول: لأن أرد درهماً من شبهة، أحب إلي من أن أتصدق بألف درهم، وألف، وألف حتى أوصلها إلى سبعمائة ألف درهم
الإمام أبو حامد الغزالي يقول: العبادات كلها مدارها على أكل الحلال، والعبادات كلها ضائعة مع أكل الحرام
فهذه قضية صعبة جداً في الغرب، ابتداءً من حِل العمل نفسه بأن يكون حلالًا مباحًا، إلى قضاء الساعات الكاملة في العمل، إلى غير ذلك من الإجراءات المعروفة
فدرجة التحري الكاملة الواضحة للحلال، هل هي حاضرة؟
ولذلك أفرح جداً عندما أُسأل من المسلمين عن الأكل الحلال، وتحري الحلال في العمل فيه، أفرح جداً لأن هذا معناه أن التدين بخير، وأن دين الناس وقلوبهم بخير
فكيف يمكن أن ينشغل الإنسان بهذا الموضوع، وأن يراجع نفسه بصورة دائمة؟
لأن قضية أكل الحلال تمثل أعلى درجات المراقبة لله سبحانه وتعالى
من الطرائف اللي حكاها لي أحد الأئمة الأتراك، أن مسناً تركيًا قرر أن يذهب إلى الحج، وهو يعيش في النمسا، فكان يركب المواصلات دون أن يشتري تذكرة، ففي ألمانيا وفي أغلب البلدان الأوروبية أحيانًا يمكن ركوب المواصلات ذهابً وإيابًا دون دفع شيء نتيجة حدوث خلل في النظام وسقوط الكنترول، وظل هذا المسن فترة طويلة يركب دون دفع للأجرة، فلما أراد أن يذهب إلى حج، وعرف أن من تمام توبته أن يتطهر من أكل مال شركة المواصلات التي كان يركب فيها دون أن يدفع، ذهب إلى مدير شركة المواصلات، وقال له أنا مسلم، وركبت سنوات طويلة عندكم دون أن أدفع، وأنا ذاهب إلى الحج، وأريد أن أتوب إلى الله، وتكون حجتي مقبولة، فانظر كم يجب علي أن أدفع، حتى أدفعه
مدير شركة المواصلات ظن أن الرجل يمزح، فقال له: أنت جاد، وفعلًا ستدفع؟!
قال له: نعم سأدفع، المدة تقديراً ما بين عشر سنوات إلى خمس عشرة سنة
فقال له المدير: سنحسب التكلفة ونخبرك
فاجتمعوا في الشركة، وقالوا هذا الرجل عملة نادرة في الصدق، سنعد له مكافأة بأن نعطيه بطاقة مجانية يسافر، ويتنقل بها بين المدن مجاناً
وطلبوا منه التوقيع على الأوراق، ولأنه كان رجلًا أُميًا، فقد قام بالتوقيع ظانًا بأنه يوقع على دفع المبلغ المطلوب منه، وذهب إلى المسجد سعيد بأن ذمته قد برأت، وحكى للناس ما حدث معه في الشركة
فأحد الحاضرين سمع ما حدث وفهم بأنه قد نال بطاقة مجانية مكافأة على صدقه، فأراد أن يفعل مثل ما فعل هذا المسن، فذهب لمدير الشركة، وقال له: أنا منذ أربعين سنة أركب دون أن أدفع
فقال له المدير:هل ستدفع لنا مقابل هذه المدة؟ قال: نعم، بالتأكيد
وسار في نفس الإجراءات التي سمعها من المسن بالضبط، وطلبوا منه أن يوقع لهم على الأوراق؛ لكن كانت المفاجأة أنهم جعلوه يدفع فعلًا المبلغ المطلوب عن الأربعين سنة الماضية
فَنَجَى الأول بصدقه، وغرم الثاني بكذبه واحتياله
فالشاهد هنا أن هذا الرجل المسن بفطرته أدرك أن الحجة لن تُقبل، والصفحة لن تُبيض إلا بعد ما يتخلص من ذنوب الخلق، ويطهر نفسه، ولم يقل هذه شركة كبيرة وغنية، وهم كفار غير مسلمين، كما يقول بعض الناس ليتأول لنفسه الخطأ
الوسيلة الثانية: العزلة
من الضروري أن يكون للمسلم بعض الأوقات التي يعتزل فيها الناس، ويشتغل فيها على تزكية نفسه، وتطهير روحه
الوسيلة الثالثة: معرفة النفس والقلب
ربما هذه الوسيلة يجب أن تُقدم على غيرها، فتعرف نفسك كما تعرف بدنك، فلو أن إنسانًا مريضًا مرضاً بدنياً، كالسكري مثلًا، فإنه يعرف نفسه، ويفهم حالته، ويعلم ماذا يناسبه من الطعام ليأكله، ومتى يأكل، ومتى يأخذ الأدوية، ويتكيف مع حالته الصحية
فلابد أن تعرف نفسك، وتسألها، هل قلبي معتل ومريض، أم صحيح؟ قاسٍ وميتٍ، أم حيٍ؟
وهناك مؤشرات على سلامة القلب أو اعتلاله، ومن أهم هذه المؤشرات الدمعة من خشية الله تبارك وتعالى، هذه الدمعة لا تخرج حقيقةً من العين، فعلماء السلوك يقولون العين عينُ ماءٍ تصب في خليج القلب، فإذا جادت العين بالدمع من خشية الله، فمعناه أن القلب سليم
وإذا بخلت العين بالبكاء من خشية الله، فمعناه أن المشكلة في القلب لا في العين
ولقد تأملت حديثين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يربط فيهما بين البكاء من خشية الله، وبين الدماء في سبيل الله
الحديث الأول: “لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةِ دَمْعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَطْرَةِ دَمٍ تُهَرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَأَمَّا الْأَثَرَانِ: فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ” [أخرجه الترمذي في سننه]
الحديث الثاني: “عيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ” [أخرجه الترمذي في سننه]
ما العلاقة بين القطرة الأولى، والقطرة الثانية؟ كيف يتساوى الذي يقف في محرابه يبكي، ويبلل سجادته بالدموع، مع المجاهد في سبيل الله الذي يبذل روحه ونفسه رخيصة في سبيل الله؟!
الحقيقة أن الدمعة الأولى مقدمة للدمعة الثانية، فالجامع المشترك بين الإثنين هو مجاهدة النفس حتى تصفو وتزكو، فإذا صفت وزكت سَهُل عليها أن تجاهد، وأن تقدم نفسها في سبيل الله تبارك وتعالى
ولذلك كان كثير من الصحابة ومن أئمة السلف، يقدرون قيمة الدمع من خشية الله
فسيدنا عبد الله بن عمر يقول: لئن أدمع دمعة من خشية الله، أحب إلي من أن أتصدق بألف درهم
والإمام القشيري يسمي الباكي من خشية الله عتيق الله بشعرة؛ قيل: يؤتى بالرجل يوم القيامة، فلا ترى الملائكة في صحيفته ما يستحق أن يكون به من أهل الجنة، فيُقال لهم: اذهبوا به إلى النار، فتذهب به الملائكة إلى النار، فتستأذن شعرة من جفن عينه، تقول: أي رب لقد بكى يوماً من خشيتك، فيقول: انطلقوا به إلى الجنة
قال: فيُسمى عتيق الله بشعرة؛ لأنه عُتق من النار بشعرة.
وقفة تأملية مع الأصناف الواردة في حديث السبعة
لو تأملتم حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، وكثير من الناس لا ينتبه إلى أن الترتيب في الحديث مقصود، وله مفهوم، وأن كل صنف يؤسس ويمهد للصنف الذي يأتي بعده، وأن الترتيب تصاعدي، والصنف الأخير هو نتيجة للأصناف الستة التي سبقته
أول صنف في السبعة الذين يظلهم الله في ظله، هو الإمام العادل؛ لأن الإمام العادل هو الركيزة الأساسية التي ستُبنى عليها الأصناف الأخرى؛ ولذلك ينمو التدين ويستقر، حيث يوجد العدل، ويوجد الإمام العادل، فمتى وُجِد الظلم والاستبداد، ضَعُف التدين، فالمستبد أو الظالم لابد أن يحارب التدين ويعاديه، وهذا الأمر هو ما نشاهده في المنطقة العربية كلها
فكان الصنف الثاني: شاب نشأ في طاعة الله، ولأنه نشأ في طاعة الله، فلابد من المسجد
فكان الصنف الثالث: رجل قلبه معلق بالمساجد، وفي المسجد سيتعرف على أهل الصلاح
فكان الصنف الرابع: ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه
الصنف الخامس: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه
الصنف السادس: ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله
أيهما أشق على النفس ويحتاج إلى مجاهدة أكثر، الصدقة السرية، أم مجاهدة النفس أمام المرأة ذات المنصب والجمال؟
حاجة النفس إلى المجاهدة والمقاومة أمام شهوة المرأة ذات المنصب والجمال، أقل من حاجتها إلى مجاهدة في الصدقة السرية؛ لأن مجاهدة النفس أمام المرأة ذات المنصب والجمال مجاهدة من وجه واحد، ومجاهدتها أمام صدقة السر مجاهدة من وجهين، من وجهٍ أنها صدقة سرية والنفس تريد أن تعلنها أمام الناس، ومن وجهٍ أنها مقاومة للنفس في حب المال، قال الله {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر، الآية:20]
الصنف السابع: رجل ذكر الله تعالى خالياً ففاضت عيناها، لا تظن أنك عندما تذكر الله سبحانه وتعالى خالياً، فمباشرةً ستفيض عينك بالدموع؛ لا فهذا موضوع يحتاج إلى مقدمات، وجهد وعمل؛ حتى ينجلي القلب، وتصل إلى هذا المستوى
لذا لابد أن تعرف حالة قلبك، هل أصابته فقط القسوة؟، أم أصابته فقط الأمراض الطبيعية كالجفاف، فيحتاج فقط لصلاة ركعتين حتى ينتعش؟
أم وصل إلى مرحلة الران -والعياذ بالله- فهناك طبقة سميكة تغطي القلب، نتيجة لكثرة النكات السوداء التي تتتابع عليه؟
علماء السلوك يشبهون القلب بالمرآة، فلكي تظهر صورتك صافية فيها، لابد أن تكون المرآة نظيفة، ويمكن أن يكون عليها شيءُُ من تراب، فلا تحتاج إلا إلى مسحة بمنديل، وينتهى الأمر
لكن لو تكاثرت النكات، فيمكن أن تتكون طبقة إسمنتية، تحتاج إلى مطرقة تُضرب به حتى تنكسر، ثم تُمسح
ولابد أيضاً من معرفة العبادة التي يتفاعل قلبك معها بشكل أفضل، كحال الأخ الذي أشرنا إليه مع كثرة الصيام، فلابد أن تكةن لك عبادة مميزة، تنشغل بها
عندما تنظر إلى الصحابة تجد أن كل واحد منهم كان معروفًا بعبادة معينة، فمثلًا سيدنا عباد بن بشر منذ أن أسلم وقد انشرح صدره لقرأة القرآن في صلاة الليل، فكانت هي وسيلته التي يطير به إلى الله سبحانه وتعالى
ومنهم من يقرأ القرآن في غير الصلاة، ومنهم من يصوم، ومنهم من يتصدق، ومنهم من يصوم صيفاً تحديداً لأجل ما فيه من شدة المجاهدة، ومنهم من يقضي الحاجات
الوسيلة الرابعة: المجاهدة
أحد الأخوة قال لي: أنا أجد صعوبة في نوافل العبادات، فنفسي دائماً تقول لي: لا تقوم لصلاة قيام الليل، يكفي صفحة من القرأن، فليس شرطًا ان تقرأ الجزء كاملًا، فماذا أفعل؟
قلت له: هذا شيء طبيعي، والجواب لدى أحد أئمة السلوك يقول: سُقت نفسي إلى الله وهي تبكي، فما زلت أسوقها وأسوقها وأسوقها، حتى انساقت إلى الله وهي تضحك
انظروا لقوله “سُقت نفسي” فهي كانت لا تريد العبادة أصلاً، فهذا يعني أنك ستواجه صعوبة في البداية، ثم يرتفع مستواك شيئًا فشيئًا، حتى تصل إلى القمة
أحد الصحابة يقول: لقد حُبب إلي فعل الخير، حتى ظننت أني لا أؤجر عليه
فنفسه لم تعد تقاومه أصلاً، فإذا أراد أن ينفق خمسة، نفسه تقول له: اجعلهم عشرة، إن أراد أن يصلي ركعتين، نفسه تقول له: ادعلهم أربعة أو ستة، فلم يعد هناك مجاهدة لها أصلاً
كان الصحابة إذا جاءهم جامعوا الزكاة، كانوا يقولون له: خذ، وما أخذت منا أحب إلينا مما تركت لنا
فالنفس تجود بالمال وهي متسامحة وفرحة، غير متعلقة بالمال وهي تدفعه
الوسيلة الخامسة: الأوراد
لابد أن تكون لنا أوراد منتظمة، فكلمة “الورد” مأخوذة من المكان الذي تَرِد عليه الإبل، وتبحث عنه وهي عطشى، فكأن النفس يجب أن تعطش للزاد الروحي، فكما أنه لا يمكن أن يمر عليك يوم دون أن تشرب الماء، فلا يمكن أن يمر عليك يوم دون أن ترد على الزاد الروحي، كأن البدن إذا لم يأخذ حظه من هذه الأوراد، سيبقى شكل وصورة بدون معنى
حتى النصوص تقول إن الأوراد تؤثر على الروح، وعلى البدن معًا، يقول ربنا سبحانه وتعالى {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ…} [هود، الآية 52] يزدكم قوة بدنية إلى قوتكم
السيدة فاطمة لما جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم، وطلبت منه أن يعينها بخادم؛ لأن أيديها بدأت تأثر من الرحى، قال لها “أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ؟ إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا، أَوْ أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ؛ فَذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ” [متفق عليه]
وحتى تنجح في الانتظام في الأوراد، والانتفاع بها، تحتاج إلى شيئين:
الأول: تثبيت وقت لها
فكما أنك تثبت وقت الصباح لشرب القهوة، حتى أن البعض لو لم يشربها في الصباح يشتكي صداعًا برأسه، فثبت وقتًا للورد بعد الفجر، تقرأ القرآن، وتقرأ الأذكار، وتذكر الله بالذكر المطلق الحر، إلى آخر الأوراد
الثاني: قضاء ما يفوت
إذا فاتك شيء من أورادك، فلابد أن تقضيه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي صلاة الليل إذا فاتته، فيقضيها بين الفجر وبين الظهر
ختامًا: أسال الله سبحانه وتعالى أن ينفعني وإياكم بما تعلمنا، وأن يجعلنا أصحاب أحوال، وأن يطهر قلوبنا، وأن يزكي أنفسنا، وأن يتقبل منا، إنه سميع مجيب، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.