هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
الأسرة الأوروبية المسلمة تحدياتها وآفاقها ( الجزء الأول)

مقدمة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، أما بعد
يتعين الاهتمام بهذا الموضوع على كل مسلم ومسلمة في بلاد الغرب؛ بل في أي بلد، وأن يكثر النقاش والمدارسة حوله؛ حتى يقوم بواجبه الذي أناطه الله سبحانه وتعالى وجعله في رقبته، وسأبدأ بجملة من المقدمات، قبل أن أدخل في صلب الموضوع
المقدمة الأولى: مركزية الأسرة في التصور الإسلامي
الأسرة ليست موضوعًا هامشيًا في التصور الإسلامي، إنما هي قضية من القضايا المركزية، وهي كلية من الكليات التشريعية الخمس: حفظ الدين، النفس، العقل، العرض أو النسل، ثم المال، فكلية العرض أو النسل أو النسب، يُحافظ عليها من خلال منظومة الأسرة في الإسلام.
ولو قرأنا سورة الطلاق، نجد أنها تعالج كيفية حماية الأسرة من الطلاق، من الهدم، من الانفصال، فالسورة تحدثت عن أحكام الطلاق، ثم بعد ذلك ماذا قال الله تعالى فيها؟
قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [سورة الطلاق: الآيتان 8-9]
فما العلاقة بين زوال الحضارات وهلاك الأمم، وبين الطلاق؟!!
كأن الله تبارك وتعالى يريد أن يقول لنا، إن اللبنة الأولى في بناء الأمم وقيام الحضارات هي الأسرة، وإن العدوان على الأسرة بالهدم، هو طريق وسبيل مؤدٍ إلى زوال الحضارات وهدم الأمم.
أذكر أني سمعت من الدكتور/ طه جابر العلواني “رحمه الله” قبل حوالي 20 سنة تقريبًا، أنه دُعي إلى لقاء دعت إليه الجمعية العامة للأمم المتحدة في أمريكا، وحضره 50 شخصية يمثلون الأديان في أمريكا، وكان هو ممثلاً لدين الإسلام، وكان هدف هذا اللقاء، هو الإجابة على هذا السؤال:
ما الذي يمكن أن يقدمه كل دين من الأديان الموجودة في أمريكا للحضارة الأمريكية؛ حتى تقوى، وحتى نحميها وندعمها ونرسخها؟
فلما جاء دوره ليتحدث عن الإسلام فتح قوسًا على ملف الأسرة، ولم يتحدث في شيء غير الأسرة، فانبهر الحضور، وقالوا له: يبدو أن نظام الأسرة في الإسلام، هو النظام الوحيد الصالح لاستنقاذ ما تبقى من قيم المجتمع الأمريكي من الضياع.
يعقب على هذا الكلام ويقول: هل لا زالت الأسرة المسلمة فعلاً في أمريكا نموذجًا جاذبًا للشخصية الأمريكية، أم أنها أخذت تقترب في صورتها، وفي قيمها، وفي عددها من النموذج الأمريكي؟
وهذا هو التحدي والإشكال الذي نتجه، أو نصير إليه في السياق الأوروبي، وهذا هو السؤال الذي نريد أن نجيب عليه في هذا الموضوع: أن نرصد التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة في الغرب، وأن نبحث كيف يمكننا أن نواجه هذه التحديات أو الإشكالات.
لذلك الله سبحانه وتعالى لم يسمِّ عقد الإيمان به ميثاقًا غليظًا، بينما سمى عقد الزواج أو الأسرة الميثاق الغليظ، قال الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّثَاقًا غَلِيظًا﴾ [سورة النساء: الآية 21]
تأملوا المقارنة أو المقابلة، حتى تعطينا إشارة إلى خطر هدم الأسرة، وضرورة وأهمية البناء، والاستقرار والاستمرار.
المقدمة الثانية: ضرورة التخصص والتكامل في علاج ملف الأسرة
من الخطأ الكبير أن نعالج ملف الأسرة، أو أن ننظر إليه من طرف علماء الدين وحدهم، فنتصور أن الإمام في المسجد يمكن أن يحل، أو أن يتحدث في كل ما يتعلق بملف الأسرة، وهذا خطأ كبير.
بعض الأئمة يدخلون في ملف الإصلاح الأسري، أو إصلاح خلاف زوجي، فيضر أكثر مما ينفع، نتيجة أنه غير مؤهل، أو غير مدرب، أو غير مُكوَّن في هذا الباب، أو في هذا الاتجاه.
المقدمة الثالثة: غياب ملف الأسرة في الخطاب الدعوي
إن ملف الأسرة غائب في خطابنا الدعوي في المساجد، والمراكز والمؤسسات الإسلامية، وفي تقديري أنه هو الخيار الأمثل لتقديم الوجود الإسلامي في الغرب.
عندما أردنا أن نقدم أنفسنا للمجتمع الألماني، كيف قدمنا أنفسنا؟ قدمنا أنفسنا من خلال نموذج الشعائر والتعبديات، التي لا يستوعبها الشخص الغربي، أو الشخصية الأوروبية.
فإذا سألت ألمانيًا: من هو المسلم؟ ما هو تعريفك للمسلم؟ من هي المسلمة؟
سيقول لك: المسلم هو الذي لا يشرب الخمر، ولا يأكل الخنزير، وإذا كانت مسلمة فهي تلبس الحجاب
بل إنك تصطدم مع نقاط مركزية رئيسة في حياته، لا يتفهم أبدًا أنه يمكن أن يستغني عنها، أو يمكن أن يتجاوزها.
لو أننا قدمنا أنفسنا للمجتمع من خلال ملف الأسرة؛ لكان أفضل تقديم؛ لماذا؟
لأنها نقطة قوة في الإسلام، ونقطة فراغ في المجتمع الغربي، مثلما أشرت في تجربة وحديث الدكتور/ طه جابر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
نحن لا نريد حديثًا نظريًا عن الأسرة، نحن نريد أن نقدم نموذجًا عمليًا، يجسد فهمنا لنظام الأسرة في الإسلام، فهل نحن قادرون على هذا؟
الإجابة: أن هناك إشكالات كبيرة جداً تهدد نظام، أو منظومة الأسرة المسلمة في السياق الأوروبي، وتحتاج إلى وقفات، ومعالجات طويلة، وسنحاول تسليط الضوء على هذه الإشكاليات.
التحديات التي تهدد نظام الأسرة المسلمة في السياق الغربي
التحدي الأول: تبدل المرجعية وغياب النموذج
المشكلة اليوم أن الأمة المسلمة التي جعلها الله سبحانه وتعالى خير أمة أخرجت للناس، والتي جعلها الله تعالى هي الأمة الشاهدة على الناس، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [سورة البقرة: الآية 143]
هذه الأمة، ليست هي الأمة الشاهدة على الناس اليوم، ليست هي المعيار، أو النموذج الذي يرجع إليه العالم اليوم.
فالنموذج الذي يرجع إليه العالم، والذي يعتبر نفسه هو الأمة الشاهدة على الناس، هو الغرب فأمريكا هي الأمة الشاهدة على الناس اليوم.
هذا النموذج المعرفي مختلف تمامًا عن التصور، أو النموذج الإسلامي لملف الأسرة، والغرب لا يريد أن يكون خيارًا من الخيارات التي تُطرح في هذا الملف، أو في غيره من الملفات، إنما يريد أن يكون الخيار الوحيد والأوحد، وتصوراته عن الأسرة وما يتعلق بها مختلفة تمامًا عن التصور الإسلامي
فلا يكفي أبدًا أن تقول ليبقى لكل إنسان حريته، أن يفعل ما يشاء في نظرته للأسرة، وفي نظرته للرجل وللمرأة، ولمن هو رجل، ولمن هي امرأة، إنما يجب أن تؤمن بهذا النموذج، فهذا هو التحدي الأول والأكبر في تقديري.
التحدي الثاني: تحدي إيجاد الأسرة والتوجهات الشبابية الحديثة
كيف يمكن أن نوجد هذه الأسرة التي ننشدها، والتى نتحدث عنها، والتي يمكن أن تشكل النموذج الذي نبحث عنه، والذي يمكن أن يحفظ الدين، ويحفظ الهوية على الأجيال؟
أؤكد على أن حديثنا الآن يجب أن يكون حديثًا استشرافيًا؛ ننظر فيه إلى المستقبل وإلى التوقع، فكيف سيكون حال الأسرة المسلمة في ألمانيا مثلًا بعد 10 سنوات أو 20 سنة؟
ما هو تصور الشباب والأجيال الجديدة لبناء الأسرة، وتكوينها والحرص عليها، وحمايتها؟
كم عدد أفراد الأسرة في تصورات الأجيال الجديدة من أولاد المسلمين، الذين نشأوا وولدوا، وعاشوا في الغرب؟
هذا تحدٍ في غاية الخطورة، وأنا أجلس مع الشباب وأتحاور معهم؛ هناك اتجاه شبابي الآن يرى ألا نتزوج أصلاً ولا نبني أسرة
واتجاه آخر يرى أن نتزوج؛ ولكن لا ننجب، ولديهم فلسفة في هذا الاتجاه، وهي: لماذا أُنجب أولادًا في هذا العالم المتصارع المتقاتل المتحارب؟ لماذا أُنجب أولادًا يعيشون في وسط الميكروبات والفيروسات، وأنا أتحمل المسؤولية عنهم؟
هذه النتيجة، هي نتيجة طبيعية للتوجه الذي يقوده العالم، الذي يشكل النموذج الذي يعتبر نفسه هو الشاهد على الناس؛ لأن لسان حاله لا تتزوجوا، وإن تزوجتم فلا تنجبوا، وإن أنجبتم فلا تكثروا، وإن أكثرتم فلا تربوا على القيم.
فهذه نتائج طبيعية جدًا أن يصل هذا التفكير إلى شبابنا، وهذا تحدٍ كبير.
التحدي الثالث: الاستمرار والاستقرار
عندنا أسر قائمة من الذين توافدوا، وهاجروا إلى ألمانيا في السنوات الأخيرة أو قبل ذلك؛ هل هذه الأسر مستقرة ومستمرة، أم أنه دب الخلاف، وتأثرت بقيم المجتمع؟
فنسب الانفصال والشقاق، والخلاف الزوجي في أوساط المهاجرين الجدد مخيفة جدًا ومرعبة جدًا، أكاد أجزم أنه لو لم ينتقلوا، أو يغيروا البيئة والمجتمع، ما كان ليقع هذا الشقاق، وهذا النزاع، وهذا الانفصال.
أريدكم أن تتأملوا، وأن تقفوا وقفة مع سورة المجادلة، ومع المرأة المجادِلة خولة بنت ثعلبة، وقصتها مع زوجها أوس بن الصامت.
نحن نقرأ سورة المجادلة، ونقول إنها سميت بالواقعة التي شُرع فيها الظهار وحكم الظهار، ومن ظاهر من زوجته، يمكنه أن يحل هذا الإشكال بالكفارة إلى آخره.
ولكن الحقيقة التي تبدو لي -والله أعلم- أن الله خلد ذكر هذه المرأة، وهذا الحدث، وسمى السورة باسمها؛ ليقدم لنا نموذجًا للمرأة العاقلة المتزنة، ودورها في حماية وصيانة الأسرة.
ليست القضية في تشريع الظهار فقط؛ الرجل كما تقول الروايات، وكما تحدثت الزوجة مع النبي صلى الله عليه وسلم شيخ غضوب، لا يحسن الإنفاق على زوجته، ظاهر منها، ويريد رغم ظهاره منها أن يعود لعلاقته معها، غير ملتزم دينياً، ولا يقف عند حدود الله، والمرأه عكس هذا تمامًا.
بمنطق اليوم: كل أسباب الانفصال عنه متوفرة؛ لكي تستريح من هذا التعب، ومن هذه الشخصية المزعجة الغضوبة، ومع ذلك المرأة تفعل عكس هذا تمامًا، وتأتي مشفقة وتطلب من النبي صلى الله عليه وسلم حلاً لإقامة الأسرة، ولاستمرارها رغم ما يفعل الزوج، رغم سوء خلقه وسوء عشرته.
ولما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل الوحي عليه: «ما أراكِ إلا قد حَرُمتِ عليه»، بقيت تقول: ابحث لي عن حل، وتنتظر حتى ينزل الوحي بالكفارة.
حوار المرأة العاقل المشفق على أسرتها، لا تنظر أبدًا إلى خطأ زوجها، فتقول: إن لي صبية صغارًا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، فالحل هو أن أبقى معه على علاته.
هذا هو السبب الحقيقي الذي لأجله خلد الله تعالى ذكر هذه المرأة في هذه السورة، وهو النموذج الذي نريده من المرأة المسلمة اليوم، ونريده كذلك من الزوج إذا ما كانت الصورة معكوسة.
فتحدي الاستقرار والاستمرار، كيف يمكن أن نوجد الأسرة، وكيف يمكن أن نحافظ على استقرارها واستمرارها؟
التحدي الرابع: غياب المؤثرات والقيود الاجتماعية
فغياب القيود الاجتماعية، أو المؤثرات الاجتماعية الموجودة في المجتمعات ذات الأكثرية المسلمة هو تحدٍ يواجه الأسرة المسلمة في الغرب، وإن كانت هذه القيود الاجتماعية ليست كلها صحية أو صحيحة، فكثير منها خطأ وضد تعاليم الإسلام؛ لكنها مؤثرة جدًا في قضية بناء الأسرة، أو استقرارها واستمرارها.
مثلاً: المجتمعات العربية، أو المجتمعات ذات الأكثرية المسلمة، من عاداتها الاجتماعية، الزواج وبناء الأسرة؛ فالشاب الذي لا يتزوج يبدأ المجتمع كله يحاصره ويثقل عليه، لماذا لم تتزوج؟ يجب أن تتزوج، وعندما تتزوج البنت إذا، يُقال للأختها: «العقبى لك»
فهناك ضغط إجتماعي على الشاب وعلى الفتاة لكي يتزوجا، والشخص الذي يتأخر في الزواج يبدأ المجتمع يحاصره؛ حتى تبنى الأسرة ويتزوج.
هذا مفقود تمامًا في هذا المجتمع الغربي؛ بل بالعكس شيء عادي جدًا، وطبيعي جداً ألا يتزوج المرء، ويجب أن تتقبل هذه الصورة.
فهذه المؤثرات الاجتماعية كان يمكن أن تكون حاميةً لبعض الأسر والعائلات، من التفكك والانفصال، وعندما غابت هذه المؤثرات الاجتماعية، قرر الزوج وقررت الزوجة مباشرة هدم الأسرة والانفصال، دون تردد، ودون محاولة للإصلاح والمراجعة.
التحدي الخامس: عقلية التأقيت والتأرجح وغياب التوطين
هذا التحدي أتوجّه به ليس فقط للمهاجرين الجدد الذين وفدوا على البلاد منذ خمس سنوات أو نحو ذلك، إنما حتى للذين سبقوهم قبل ذلك، فالتحديات تكثر وتتضاعف، والقلق النفسي يحدث عند الزوج والزوجة، وعند الأسرة؛ بسبب التأرجح وعدم التوطين.
فالذي هاجر إلى بلاد الغرب منذ 10 سنوات أو 20 سنة، يعيش بعقلية التأقيت أو التأرجح؛ التأقيت يعني يقول: أنا حاسم أمري، سآخذ الجنسية، وأعود مباشرة إلى بلدي، أو أعود إلى أي بلد مسلم آخر.
أو متأرجح يعني: معلق وجوده في البلد، أو هجرته على تغير الأحوال، فيقول: إن شاء الله الأمور ستتغير في بلدي، ومباشرة نرجع بالأولاد.
قليل جداً من حسم أمره وقال: أنا استوطنت هذه البلاد، حياتي هنا، وقبري هنا، وبيتي هنا، وموتي هنا، فهذا وطني الجديد، قليل جدًا من المسلمين، أو المهاجرين من فعل هذا الأمر.
أقول بشكل واضح: ما لم نستوطن هذه البلاد، ونتخذها وطنًا جديدًا، واعمل كأنك تعيش فيه أبداً
وعلى فرض تغيرت الأوضاع وعدت إلى بلدك أو إلى أي بلد آخر؛ فلن تخسر شيئًا أبداً؛ لكن إذا تأرجحت أو وقّتّ، ستخسر على كل المستويات، على المستوى الاقتصادي ستخسر، وعلى مستوى علاقتك بأولادك، وحفظ الدين والهوية عليهم ستخسر، وعلى مستوى الإنجاز الدعوي، أو الإنجاز في أي دائرة من الدوائر ستخسر.
لكن إذا استوطنت البلد، التوطين يجعلك في مواجهة مباشرة مع التحديات، فتقول: والله هناك تحدٍ أو مشكلة، إذن سأرى كيف سأتعامل معها.
لنفترض أنك أخذت بيتًا في بلد المهجر، وقلت هذا وطني، وتعلمت اللغة، وعملت تجارة، ورتبت أمورك في البلد، ثم تغيرت الأحوال وسافرت؛ لم تخسر؛ لكن لو عملت العكس، وعشت بعقلية التأقيت ستخسر ولا شك
فمثلًا: كثير من الذين جاءوا إلى ألمانيا من 20 أو 30 سنة، لم يمتلك بيتًا في ألمانيا، تقول له: بقيت فترة، وعندك دخل جيد، فلماذا لم تمتلك بيتًا؟!
يقول لك: أنا عندي قصر في المغرب مثلاً، أو في تونس
كم تعيش فيه؟ يقول: في الإجازة والعطلة، أسبوعًا في السنة أو أسبوعين
وبعض الناس يقول لك: نقضي الأسبوع في تنظيف البيت، وأين يعيش؟ يعيش في بيت مستأجر صغير في حي غير مناسب!
هذا ليس من الفقه، وليس من الأولويات في شيء، لماذا حدث هذا الكلام؟ حدث لأنني أعيش هنا بعقلية التأقيت أو التأرجح، ولا أعيش بعقلية التوطين.
وعلى مستوى الأولاد: ما المشكلة أن أعيش مع أولادي، وأنا حاسم أنني سأعود؟
أنت حسمت؛ لكن هم لم يحسموا، وليس في يدك أن يحسموا؛ بعد السنة الأولى من وجود الأولاد في البلد، كل سنة تمضي، وكل يوم يمضي بعد ذلك، ينتمي الأولاد فكرًا وثقافة، ولغة وهوية للبلد؛ لكنك أنت تنزل، وتنعزل عنهم، وتنفصل فكرياً ولغوياً وثقافياً.
تعيش أنت في عالم، وأولادك يعيشون في عالم، أنت لك طريقة تفكير، وهم لهم طريقة تفكير في كل شيء، وبالتالي: كيف يمكن أن تتصور أن تكون قادرًا على حفظ الدين والهوية واللغة، على أولادك، وكل واحد عائش في عالم؟
عندي حالات كثيرة جدًا، وإشكاليات لا حصر لها؛ فالأولاد لا يحبون الحوار مع أبيهم وأمهم أصلاً، فيقول أحدهم: لن يفهمني، فلن أكمل الحديث معه، الحوار ممل ليس فقط بسبب اللغة، وإنما بسبب منهجية وطريق التفكير.
مواجهة تحديات الأسرة والتوطين
إن الخطوة الأولى لمواجهة التحديات التي تتعلق بالأسرة، وتلك التي تتعلق بغير الأسرة، هي: التوطين
الآن هناك موجات نتيجة غياب فكرة التوطين في أوساط أجيال جديدة، تريد أن تهاجر من أوروبا، وترفض قضية التوطين، وعندما أجلس مع الشباب وأتحاور معهم أقول لهم: إلى أين ستذهبون؟ ما المكان الذي ستنزلون فيه؟
تجدهم يرتبون الدول هكذا: كندا، ثم قطر، فالإمارات، ثم تركيا؛ هذه هي خياراتهم
والشيء العجيب أنني عندما سافرت إلى كندا، وجدت أهل كندا يريدون المجيء إلى أوروبا، وأهل تركيا يريدون الخروج إلى أوروبا؛ لأن الوضع السياسي هناك متأرجح، وما إلى ذلك
ما معنى هذا الكلام؟ وما دلالته؟
دلالته أن قضية التوطين غائبة عن كل المهاجرين، الذين انتقلوا أو هاجروا من أوطانهم الأصلية، نتيجة الظروف أو الضغوط إلى بلدان أخرى.
فمن يريد أن يهاجر إلى تركيا باعتبارها بلدًا مسلمًا، فلماذا لم يعتبرها المقيم هناك خيارًا آمنًا على دين أولاده، وهويتهم ولغتهم؟!
فالتوطين يجعلك في مواجهة مباشرة مع التحديات؛ سواء كانت تتعلق بالأسرة، أو الهوية، أو اللغة، أو الدين، أو أي شيء آخر، فضع التحدي وانظر كيف يمكن أن تواجهه، أو تتعامل معه
التحدي فرصة
التحدي يمكن أن يكون فرصة في حد ذاته، بل هو بالفعل فرصة في حد ذاته، فكلما استشعرت الخطر على أولادك أو أسرتك، جعلك ذلك أكثر حذرًا وتمسكًا
عندما زرت ألبانيا، وسألتهم عن التقييم والمقارنة بين الوضعية الحالية، والوضعية السابقة أيام وجود الشيوعية في البلد، قالوا: كنا أكثر استمساكًا بالدين
لماذا كانوا أكثر استمساكًا؟ لأن التحدي كان واضحًا، والعدو كان واضحًا جدًا، فكان طبيعيًا جدًا أن نتمسك بالدين
حكى لي أحدهم، وكان مزارعًا -ليس رجلًا مثقفًا أو شيخًا- كان إذا مرت دورية الشرطة من أمام البيت، ورأوا في شهر رمضان ضوءًا في وقت السحور، يدخلون البيت ويعتقلون كل الموجودين به ويؤذونهم، ولو اكتشفوا أن شخصًا صائمًا فهذه كارثة، فالأمر تحدٍّ في غاية القسوة
يحكي لي هذا المزارع أنه أصيب في قدمه إصابة شديدة جدًا، وذهب إلى المستشفى، وأرادت الممرضة أن تعطيه حقنة -وهو يداعبني باستظراف ويقول: لم يكن هناك شيوخ ميسرون مثلكم اليوم، يقولون الحقنة لا تفطر، فكان يعتقد أن الحقنة تفطر.
قالت له الممرضة: ستأخذ الحقنة الآن، وكان ذلك في نهار رمضان وهو صائم
قال: فقفزت من النافذة، وهربت من المستشفى؛ حتى لا آخذ الحقنة، وأفطر في نهار رمضان
رغم أنه أجرى عملية خياطة، وجراحة صعبة، لماذا؟! لأنه يريد أن يتمسك بدينه
التحدي يبعث على التمسك بالهوية
الحزب الحاكم في تركيا، وإن لم يكن حزبًا إسلاميًا؛ لكن له خلفية إسلامية، ويحاول أن يعطي المسلمين مساحات من الحريات، لممارسة الدين والسماح بالحجاب، وغير ذلك، فلما تحدثت مع بعض الأئمة في تركيا قالوا: إن الإنجازات والمكاسب التي تحققت على مستوى التقدم في الالتزام الديني في تركيا قليلة جدًا جدًا، وربما إذا فقدنا هذا بالعودة إلى النظام الذي كان موجودًا لكان أحسن لنا.
كيف يكون أحسن؟ لأن التحدي يجعلنا نفزع إلى الاستمساك بالدين والحفاظ على الهوية، أما غياب التحدي فيجعلنا في نوع من الاطمئنان والراحة، فتضيع الأمور
وهذا الأمر برهن لي عليه بشكل عملي أستاذ جامعي، زميل لي هاجر من مصر إلى أمريكا، لما دخل أولاده مرحلة المراهقة بدأ يخاف عليهم، كما يخاف أي أحد على أولاده، فقال: أنا سأترك أمريكا وأعود إلى بلد عربي مسلم؛ لأحافظ فيه على أولادي
فبحث عن أفضل خيار فوجد قطر أفضل خيار، وبعد سنتين من انتقاله إلى قطر سألته، فقال لي: أنا ساعود إلى أمريكا ولن أبقى هنا
قلت له: لماذا؟ قال: أنا أستطيع أن أحافظ على أولادي في أمريكا أفضل من قطر
قلت: كيف ذلك؟! لابد أن تفسر لي.
قال لي ببساطة شديدة: وجودنا في بلد مسلم ومدارس إسلامية، ومساجد وأذان جعلنا نطمئن ونرتاح، ونقول كل شيء تمام، ولسنا بحاجة إلى أي جهد أو حذر.
فوجدت الأمور تفلت مني، فالمجتمع مترف جدا، وكل وسائل الترفيه موجودة في أيدي الأولاد مع الإعلام، فعودتي إلى الحذر وظهور التحدي، أفضل من أن أبقى في هذا التحدي الخفي المستمر
عرض للتحديات المعاصرة للأسرة
وهذه بعض التحديات الأخرى، كعناوين سريعة
1/ القلق النفسي والازدواجية
القلق النفسي الناتج عن الازدواجية في التربية ومنظومة القيم، فتطلب من ولدك أن يصوم في رمضان وتشجعه وتحفزه، فيذهب إلى المدرسة لتقول له المعلمة: يجب أن تفطر حتى تحافظ على صحتك، وتستطيع أن تمارس الرياضة، والأمر ينسحب على أشياء كثيرة جدًا.
عندما كنت في المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في باريس، وجدت بعض الطالبات غير محجبات؛ ليس هناك إشكال من حيث المبدأ، في أن تذهب طالبة غير محجبة، أو غير مسلمة لدراسة اللغة العربية أو العلوم الإسلامية، لكنني سألت: لماذا فتيات مسلمات يدرسن دراسات إسلامية يأتين بدون حجاب؟! فقيل لي: المشكلة عندنا في فرنسا أن كثيرًا من المسلمات يعشن نوعًا من الصراع الداخلي والازدواجية، تلبس الحجاب قبل أن تدخل المدرسة، ثم تخلعه إذا دخلت، فتشعر بنوع من الأذى النفسي والتناقض، فتقول: أخلعه بالكلية وأعيش حياتي بهذا الشكل.
المنطق خاطئ، لكن انظروا إلى المقدمات التي أدت إليه
2/ تحدي الإعلام وعالم الأفكار
تحدي الإعلام وعالم الأفكار الجديد الذي نعيش فيه اليوم، حوّل اليقيني إلى لايقيني، فاليقينيات في عالم اليوم صارت مشككًا فيها، ويستطيع أي شخص أن يطرح أي فكرة، مهما بدت شاذة ويجد لها أنصارًا ومؤيدين.
ونحن نتابع ملف الإلحاد والتشكيك، وسريانه وانتشاره في أوساط شبابنا، على نحو لم نكن نتخيل حدوثه حتى في الدول العربية
3/ الظواهر الاجتماعية والمؤثرات الغربية
ظواهر التخبيب، تخبيب المرأة على زوجها بسبب التواصل، وانفتاح العلاقات، وعدم ضبطها، وعدم رسوخ القيم في نفوس الرجال والنساء.
وهناك ظواهر أخرى تسللت في الغرب، وفي أوساط المسلمين، والمجتمعات المسلمة في الغرب في غفلة من المسلمين، كظاهرة العزوبية في أوساط الشباب، العنوسة في أوساط البنات، الارتفاع المخيف لنسب الطلاق، والزواج غير الموثق بإشكالاته، وتحدياته المعقدة الكثيرة جدًا، فمئات الآلاف من حالات الزواج غير الموثق، نقضي فيها الأيام والشهور لحل مشكلة واحدة
4/ الانهزام الحضاري والفردية
الانهزام والشعور بالدونية الحضارية، والتأثر بالقيم الغربية التي تكون في كثير من الأحيان عكس القيم الإسلامية، ومناقضة لمنظومة الأسرة
مثل: الفردية، فالشخصية الغربية تميل إلى الفردية، واللذة والاستمتاع الآني، وعدم الاستسلام، بينما المنظومة الإسلامية تقوم على العبودية والخضوع، والانقياد لله تبارك وتعالى، وعلى مقاومة رغبات النفس وشهواتها، وعدم التلذذ إلا في الدائرة المباحة التي أحلها الله
5/ التيار النسوي والندّية
هناك شيوع للتيار النسوي في أوساط شبابنا، وخاصة الأجيال الجديدة، لا شك أن المرأة تعرضت للظلم؛ ظلمت من تيار الغلو والتشدد، وظلمت من تيار الانحلال والتسيب، وظلمت من الأعراف والعادات والتقاليد.
وأمام الظلم الحاصل، وُجد تيار يريد إنصاف المرأة، ومنع الظلم عنها، وتمكينها وإعطاءها حقوقها؛ لتعمل وما إلى ذلك
وهو محق من حيث المبدأ في أن هناك ظلمًا واقعًا؛ لكن ما الذي حدث؟
وقع في إشكالية كبيرة، وهي: محاولة إيجاد المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، فأوجد أمراضًا وإشكالات نقلها للمرأة، مثل: الندّية، والصراع، واستعلاء البنت على الشاب
وكل هذا ضد الفطرة ورغبات الشباب، فبدأ الشباب يزهدون في الارتباط والزواج بأي فتاة تأثرت بهذا التوجه
مفاتيح حل التحديات
سأكتفي بالإشارة إلى نقطتين في إيجاز سريع، لعلّهما تكونان مفتاحًا أساسيًا لحل كل التحديات
النقطة الأولى: ضرورة إحياء وإستعادة البعد الأخروي
حضور الآخرة في شخصيتنا، وفي تربيتنا لأولادنا من الأجيال الجديدة، مشكلة الغرب اليوم أن اليوم الحاضر، حاضر فيه بقوة، واليوم الآخر غائب تمامًا.
وهذا الكلام تحدث عنه المفكر الفرنسي المعروف/ روجيه جارودي في محاضرة قدمها بجامعة القاهرة عام 1983م حيث قال: الحضارة الغربية تموت لأنها تفتقر إلى الغايات
ومعنى تفتقر إلى الغايات، أي بعد الآخرة والنظر إلى ما عند الله.
ما الذي جعل خولة تصبر على زوجها، وتذهب تحاجج النبي صلى الله عليه وسلم؟
أنها تنظر إلى الآخرة، فبناء الأسرة يقوم في الأساس على الاحتساب، والنظر إلى الأجر والثواب، الذي أعده الله سبحانه وتعالى للمسلم، ولذلك يقول الشيخ/ محمد الغزالي رحمه الله: بناء الأسرة دين، والحفاظ عليها جهاد، وبذل الجهد لاستمرارها من شعائر الله
تخيلوا هذا الكلام الذي ينبع نورًا، من القرآن الكريم والسنة النبوية، عندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
[متفق عليه]«…وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ»
هذا هو الاحتساب؛ لأن القضية لو كانت قضية لذة واستمتاع فردي وآنِيٍّ، لقلتُ: أنا أعيش بدون زواج مستمتعًا بحياتي، أو أتزوج ولا أنجب، أو أنجب طفلاً واحدًا وكفى، فلماذا أنجب خمسة أو ستة يسببون الصداع لي ولزوجتي؟
لكن نظرك للأجر، وحضور الآخرة، هو الذي يجعلك تبذل وتضحي، وتصبر وتحتسب
النقطة الثانية: استعادة القيم الإسلامية والأسرة الممتدة
ضرورة استعادة القيم الإسلامية، وأن يعيش المسلمون في الغرب بالمعاني والقيم، وليس بالأشياء المادية؛ مثل: قيمة الاحتساب، والصبر، والتعاون، والتشارك، والتنازل، كل هذه القيم للأسف تطبّع الإنسان بمرور الوقت، بطباع الحضارة المادية فتضيع
تأملوا هذه الكلمة، عندما جاء رجل إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال له: أريد أن أطلق زوجتي، قال له: لمَ تريد أن تطلقها؟ قال: لا أحبها، فقال له عمر: وهل بنيت البيوت إلا على الحب؟ فأين الرعاية وأين التذمم؟
أين الرعاية وأين التذمم؟ يعني: أين المعروف والأُخُوّة، والمعاني الطيبة، والطيوب التي قضيتها؟ أين صبر هذه الزوجة عليك؟ فليس بالحب وحده تحيا أو تقوم الأسرة.
نريد أن نحيي هذه المعاني، ونعود إلى الأسرة المستقرة المستمرة الكبيرة.
قابلت أستاذًا طبيبًا من أشهر الجراحين الأطباء في مصر، وكانت زوجته طبيبة أيضًا، ولهما تسعة أولاد! فقلت له مذهولاً: تسعة أولاد؟! كيف تربيهم وتتعامل معهم، وزوجتك تعمل وأنت مشغول؟
فقال لي كلمة لطيفة جدًا: احتمال وجود الولد الصالح الذي يدعو لي في التسعة، أقوى من احتمال وجوده في الثلاثة أو الأربعة أو الاثنين، والله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي، وهو الذي يربي
عندما يسمع الناس أنه أنجب تسعة وسبعة يضكحون؛ لأن الذهن ما عاد عنده استعداد لقبول أسرة، فيها ستة أو سبعة ويقولون: ثلاثة أو أربعة كفاية
هذه الأسرة الكبيرة، هي الأسرة التي ينشدها الإسلام، ويبحث عنها: الأسرة المستقرة المستمرة الكبيرة، التي تحضر فيها القيم، هذا هو الذي نبحث عنه، والذي به يمكن أن نواجه كل التحديات التي أشرت إليها على كثرتها.
ختامًا: أكتفي بهذا القدر، وقد أشرت إلى بعض الجزئيات التي تحتاج كل واحدة منها إلى حديث خاص؛ ولكن تجنبًا للإطالة نكتفي بهذا القدر، والحمد لله رب العالمين
ملحوظة مهمة: هذه المحاضرة تم تفريغها وتنسيقها للفائدة العلمية من فريق الموقع، وليست بطريقة التصنيف أو التأليف العلمي.