إرسل فتوى

   علاج قسوة القلب

    علاج قسوة القلب

 

مقدمة

{الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ. وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: الأيات 1-3]

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا، وإمامنا، وقدوتنا وأسوتنا، ومرشدنا ومعلمنا، محمداً رسول الله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه، وتمسك بهديه، وسنته إلى يوم الدين

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18] {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]

{وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] أما بعد.

عناية القرآن بالقلوب القاسية

اهتم القرآن الكريم اهتماماً كبيراً بالحديث عن القلوب القاسية، فرصد أسبابها، وعدد صورها ومظاهرها، وأرشدنا إلى السبيل للخلاص والخروج منها، ولا يمكن أن يهتم القرآن الكريم بقضية من القضايا، أو بأمر من الأمور، إلا إذا كان بالفعل له منزلة، وله أهمية كبيرة في حياة المسلم، وفي تنظيم صلته على نحو صحيح بخالقه جل وعلا.

يتحدث القرآن الكريم عن أن قلب المسلم قد يصل إلى درجة من القسوة، تتجاوز درجة الحجارة في قسوتها، وفي صلابتها، فيقول ربنا تبارك اسمه {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74]

ليس فقط كالحجارة، أو أشد قسوة؛ بل إن الحجارة قد تكون ألين من قلوب بعض المؤمنين في قساوتها

أثر القرآن والاعتبار بالآيات الكونية

يتحدث الله تعالى عن أثر القرآن الكريم، وتفاعل هذه الأحجار معه {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21]

لكن القلب القاسي، يقرأ القرآن ويستمع إليه، ولا يخشع ولا يتفاعل ولا يتأثر؛ بل يرسل الله سبحانه وتعالى إليه الآيات؛ ليعتبر بها ويتعظ ويتذكر، فلا يتفاعل، كتلك الآية من آيات الله التي مرت بنا، وعشنا معها قرابة العامين، وهي جائحة كورونا التي أصابت ملايين من البشر، وقتلت مئات الآلاف منهم في كل مكان، وأصيب أناس بها عافاهم الله سبحانه وتعالى، ولا زال الناس يحذرون ويخافون منها، هذه الآية من آيات الله إنما تأخذ القلب الحي إليه، تذكره به؛أما القلب القاسي فلا يعتبر بها، ولا يتعظ، ويتحرك في حياته كما هو في غفلاته وشهواته، قال الله:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42]

لعلهم يعودون إلى الله سبحانه وتعالى، ويدعونه أن يكشف عنهم الضر والبلاء، قال الله تعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43]

ما الذي منعهم من الضراعة والتضرع، والعودة إلى الله؟ كان الجواب من الله {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

قسوة القلب عقوبة الذنوب وحرمان التوفيق

يحدثنا القرآن الكريم عن أن قسوة القلوب ليست فقط نتيجة وأثراً للذنوب والمعاصي؛ بل هي عقوبة من العقوبات على هذه الذنوب والمعاصي، فالذي يكثر من الذنوب والمعاصي، ولا يتوب إلى الله سبحانه وتعالى منها، ولا يحرص على تجلية قلبه، ومحو الران الذي كساه من تراكم الذنوب، صغيرها وكبيرها، فإن الله سبحانه وتعالى يتوعد صاحب هذا القلب في القرآن الكريم، بقوله تعالى

{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الزمر: 22]

كنت أتساءل دائماً بيني وبين نفسي، لماذا أرى هذا العالِم، أوهذا الفقيه الذي آتاه الله علماً كثيراً، ومطالعة عظيمة في كتب الفقه، وكتب العلم، ولا ينقصه العلم؛ لكنه محروم من التوفيق، ويتحدث إلى الناس بكل ثقة، فيحل لهم ما حرم الله سبحانه وتعالى، فكيف لعالم أُوتي هذه الدرجة من علم، أن يدلس ويلبس على الناس دينهم؟!!

فقرأت الجواب في قول الله تبارك وتعالى {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13]

يحرف كلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن مواضعه، لا بقلة علم؛ وإنما بحرمان التوفيق، بسبب قسوة القلب، والبعد عن الله تبارك وتعالى.

ولذلك سُأل الإمام أحمد بن حنبل في أواخر حياته، مِن بعض تلاميذه، فقالوا له: عمن نأخذ العلم بعدك؟

قال لهم: خذوه من عبد الوهاب الوراق، قالوا له: ولكنه خفيف في العلم!!

فقال لهم: ولكنه رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق.

فإن كان عنده نقص في التكوين العلمي، كما تظنون أو تعتقدون، سينجبر ويكتمل هذا النقصان بصلاحه، وخشيته ورقة قلبه لله تبارك وتعالى، فمن حضر قلبه عرف ربه، ومن غاب قلبه أبطأ في طريق السير إلى الله سبحانه وتعالى

المفتاح الأول والأعظم والأكبر، في طريق سلوكنا إلى الله سبحانه وتعالى هو القلب، وأعظم كسب يحقق للإنسان الفوز في الدنيا، والنجاة والسلامة في الآخرة، أن يلقى الله سبحانه وتعالى بقلب سليم، قال الله: {يَومَ لا يَنفَعُ مالٌ وَلا بَنونَ إِلّا مَن أَتَى اللَّهَ بِقَلبٍ سَليمٍ} [الشعراء: 88-89]

تفقد القلوب في مواسم الطاعات

علينا أن ننظر في مواسم القربات والطاعات، كشهر رمضان، الذي يترقبه  دائمًا الناس، والصالحون من المؤمنين يتسابقون ويتنافسون فيه في الطاعات، وهذا شيء حسن، حيث يكثرون فيه من ختم القرآن، والانتظام في الصلوات، والمحافظة على صلاة التراويح، والإكثار من الصدقات ثابتة، وكل هذه الطاعات جميلة جداً؛ لكن ما أثر هذه العبادات على القلب؟

تلمس قلبك، وسل نفسك دائماً، واحذر أن تكون من هؤلاء الذين فضل الله سبحانه وتعالى الحجارة القاسية على قلوبهم، فالحجارة تكون أرق، وألين من قلوب بعض البشر

فالمؤشر والمقياس، هل خرجت من رمضان وعباداته بقلب تغير عما كان عليه في أول يوم من رمضان؟ هل صرت إذا قرأت القرآن، أو استمعت إليه، تتأثر وتخشع، وتدمع عينك؟ أم أن القلب على حاله كما هو؟

علاج قسوة القلب بذكر الله

كيف السبيل إلى الخروج من هذه القلوب القاسية؟

إن أعظم سبب يؤدي إلى قسوة القلب، هو الغفلة عن ذكر الله سبحانه وتعالى، صحيحُُ أن الذنوب والمعاصي تؤدي إلى قسوة القلب؛ لكن ليس هناك سبب يؤدي إلى قسوة القلب، أعظم ولا أكبر من الغفلة عن ذكر الله سبحانه وتعالى

وأعظم سبب يؤدي إلى التخلص من قسوة القلوب، ومحو الران عنها، هو الإكثار من ذكر الله تبارك وتعالى، تأمل قول الله تبارك وتعالى {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الحديد:17،16]

لماذا “اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها” بعد قوله “ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم..”؟

فكما أن الأرض إذا جفت، وحرمت من نزول الماء عليها لفترة طويلة، تقسو وتجف وتشتاق إلى نزول الماء عليها، وتمتنع عن الإثمار، فهل يمكن أن ينبت زرع في أرض جافة من الماء؟ عودة الحياة إلي هذه الأرض بنزول الماء عليها، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، كذلك القلب إذا ذكر الله سبحانه وتعالى، عادت إليه الحياة مرة أخرى.

فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ والذي لا يَذْكُرُ رَبِّهِ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ”  [رواه البخاري في صحيحه] 

جاء رجل إلى الإمام الحسن البصري، وقال له: “يا إمام أشكو إليك قسوة قلبي” لم يتحدث إليه كثيراً، بل قال له كلمة واحدة، قال: “أذبه بكثرة الذكر”

كثرة الذكر هو مذيب القسوة الفعال، لا تحتاج إلى كثير من العلاجات أو الأدوية

عندما نقرأ القرآن الكريم، ونتأمل كيف تحدث عن العبادات، نجد أن الثمرة العظمى الكبرى، والهدف الأعظم لكل العبادات وأركان الإسلام، هو ذكر الله سبحانه وتعالى

قال الله عن الصلاة {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] وثمرة الصلاة {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45]

الحج أحد أركان الإسلام، وأكثر فريضة ورد فيها الذكر، قال الله{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203] وقال سبحانه {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] وقال أيضًا {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198]

وقال عن الزكاة {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103]

هكذا يجب أن ننظر إلى كل العبادات، وأن نتعامل معها

التحذير من الغفلة في زمن الماديات

نحن في زمن الغفلة، وفي عالم الغفلة الناس يغفلون حتى عن أذكار الصلاة، ينقلبون من صلاتهم إلى هواتفهم، كثيراً ما أرى في أثناء الخطبة الناس يفتحون الهواتف، وينشغلون بما ينشغلون به، لا يصبرون على العشر دقائق، التي تكون فيها الخطبة!!

كيف يمكن أن يكون لمسلم ورد من الذكر، والصلة القلبية الروحية، حتى يمحو هذا الران، ويتخلص من هذه القسوة؟

هناك حديث الآن في ألمانيا، وفي أوروبا، وفي العالم، عن ازدياد وارتفاع حالات الانتحار، حتى في أوساط الشباب، بعد جائحة كورونا وما خلفته، حتى من لا يقدم على الانتحار أصيب بأمراض نفسية واكتئابات؛ لأن الناس محبوسة في البيوت، ومحرومة من ممارسة حياتها الطبيعية

المؤمن لا يعرف هذا الاكتئاب أبداً، ولا يعرف هذه الأمراض النفسية، إذا كان في ذكر قلبي دائم مع الله، قال الله سبحانه وتعالى {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]، قال الله {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]

الغفلة عن ذكر الله سبحانه وتعالى هي التي تجعلنا لا نستشعر النعم، وتجعلنا لا نستمتع بالحياة، رغم أن كل سبل الحياة ميسرة، ووسائل التنعم والترف موجودة؛ لكن مع ذلك يشعر المرء بالتعب والضيق، ولا يشعر بلذة لهذه الأشياء

الحل هو العودة بالقلب إلى أوراد الذكر، والعلاقة مع الله سبحانه وتعالى

تربية الأبناء في الغرب على الذكر

ويبقى التحدي الأكبر، والسؤال الأعظم هو: كيف نأخذ بيد أولادنا، الذين ولدوا وازدادوا في الغرب، ويعيشون في تلاطم وأمواج هذه الحياة المادية العادية، إلى ذكر الله تبارك وتعالى، ونحببهم فيه؟

أعظم تحدٍ أمام المسلم الذي يعيش في أوروبا هو في أولاده، وأعظم سبيل إلى هذا، هو أن تتحلى أنت قبلهم بذكر الله سبحانه وتعالى، أن يروا حالك من الذكر الظاهر والخفي، يرون أثر هذا الذكر في حياتهم، وسينتقل إليهم مباشرة، وسترى أثر هذا صلاحاً واستقامة على أولادك

إن المشوشات على القلوب في زماننا كثيرة، والأسباب الموصلة والمؤدية إلى قسوة القلوب في زماننا كثيرة؛ لهذا نحتاج إلى مصدات عاتية قوية، تواجه هذه الأمواج

أعظم هذه المصدات، أوراد الذكر لله تبارك وتعالى، والعودة إلى القرآن الكريم، بتلاوته بتدبر، وتفاعل مع آياته، قال الله {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}[الزمر: 23]، وقال سبحانه {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً} [مريم: 58]

لماذا نتلو آيات الرحمن فلا تفيض أعيننا بالدمع، كأولئك الصالحين من أهل الكتاب؟ قال الله {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83]ربما قرأنا القرآن الكريم ختمة كاملة، ولم نجد هذه الدمعة من خشية الله تبارك وتعالى، لماذا؟

لأن القلوب بعيدة، فأصابتها هذه القسوة.

شعبان بوابة الاستعداد لرمضان

الطريق معروف أيها الإخوة، ونحن على مقربة من موسم من أهم مواسم القلوب، وترقيقها ومحو الران عنها، إن لم يحْيَ القلب في رمضان، شهر الصيام، وشهر القيام، وشهر القرآن، وشهر الدعاء، وشهر الاعتكاف ، فمتى يحيى؟! ومتى يرق القلب ويلين؟!

من فوّت فرصة رمضان، فلا يلومن إلا نفسه، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله

السؤال الآن، كيف أخرج من رمضان بقلب سليم؟

كيف أنجح في المستشفى الرمضانية، في علاج وشفاء قلبي؟

الإجابة هي: شهر شعبان، أن تبدأ الاستعداد، والعمل من شهر شعبان، فمن تأخر في التهيؤ، والنظر إلى قلبه إلى قدوم شهر رمضان، فسيجد صعوبة، ومعاناة كبيرة جداً، وربما خرج من رمضان بقلبه، كما دخل الشهر به

بعض الناس يقضي عشرين يوماً من رمضان يهيئ قلبه وروحه، فلا يظفر من رمضان، إلا بعشرة أيام، وبعض الناس يظفر من رمضان بخمسة أيام، كلُُ على حسب حالة قلبه؛ ولذلك الصحابة والسلف فهموا آثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصيام في شعبان، فهماً مقاصدياً في إطاره العام؛ ماذا كانوا يفعلون؟ كانوا يسمون شهر شعبان شهر القراء، يبدأون في الختمات وفي التدبر، وفي التلاوة وفي الاصطلاح مع القرآن الكريم، وهم الذين لم يهجروه مثلنا، قبل رمضانن فيبدأون من شهر شعبان.

بعضهم كان يقوم بتوزيع زكاة ماله في شهر شعبان، حتى لا يضيع وقتاً، وليعين الفقراء والمساكين على اغتنام الشهر كاملاً، وعدم الانشغال بالقوت.

هكذا يجب أن نفعل، أن نبدأ بتعهد قلوبنا في شعبان، ثم انظر كيف سيكون الحال في رمضان.

أما أن تترك نفسك هكذا، حتى تباغت بأن شهر رمضان قد دخل، فربما يكون حظك من الشهر، هو التعب والعطش، والنصب بالقيام وبالصيام، ويبقى حال القلب على ما هو عليه

ختاما: أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرقق قلوبنا،

وأن يرزقنا القلوب الخاشعة، والأعين الدامعة من خشيته،

وأسأله علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً شاكراً،

وبدناً على البلاء صابراً، ورزقاً حلالاً واسعاً،

وشفاء من كل داء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 214