هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
كيف يكون التفكير المقاصدي ثقافة عامة للأمة
مقدمة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، إنك أنت علام الغيوب
هذا الموضوع الذي نحن بصدد الحديث عنه، موضوع بالغ الأهمية، وتحتاج إليه الأمة الآن أكثر من أي وقت مضى، وسأحاول أن أكون مباشراً في طرحي، وأن أُكثر من الأمثلة؛ لأصل إلى المقصود؛ لأنه في تقديري أن أحد الأسباب الأساسية، التي أدت إلى الفشل أو التعثر أو التنكب في بلوغه، أو في الوصول إليه، هو مسألة الأسلوب، وغياب الإكثار من التفريع والتمثيل والتطبيق
والسؤال الذي نحن بصدد طرحه، والإجابة عليه الآن هو:
كيف السبيل إلى أن يكون التفكير المقاصدي ثقافة عامة في الأمة كلها، ولا يقتصر على الأفراد المختصين في مقاصد الشريعة؟
كيف السبيل إلى أن تكون الممارسة المقاصدية في تربية الأولاد، في الخطاب الدعوي، في إدارة وعمل المؤسسات، في الممارسة السياسية، في الرؤية الدعوية، والتفكير الدعوي؟
وحتى نبلغ هذا القصد، ونصل إليه، نحتاج أن نتحدث بشكل بسيط ومباشر، وأن نكثر من الأمثلة؛ حتى نصل إلى ما نريد.
نقد تعقيد علم المقاصد والمصطلحات المرادفة
في تقديري أن عملية المبالغة من قبل أهل الاختصاص في مقاصد الشريعة، بإشعار القارئ أو المتابع، أن مقاصد الشريعة مسألة شديدة التعقيد، وأنه لا يقوى على فهمها، أو التعامل معها إلا أهل الاختصاص؛ أحدث هذا نوعًا من الخوف من الدخول في هذا الميدان، وقصر الاستفادة منه على أهل الاختصاص
ولذلك نجد أنه يشيع في تعبيرات المقاصديين والكاتبين فيها هذه العبارة “أسرار الشريعة”، وما دامت الشريعة أسرار، ومقاصدها أسرار، فيختص بمعرفتها فئة محدودة من الناس، ولا يستطيع كل الناس أن يتعرفوا على أسرار الشريعة
وأنا لا يعجبني هذا التعبير، وكذا التعبير المعاصر المرادف له، والذي هو أكثر تعقيداً وهو “فلسفة الشريعة” أو “فلسفة الأحكام”
ولأن ليس كل الناس مختصين في الفلسفة، فهذه التعبيرات أشعرت الناس بأن هذا حائط منيع، وأسرار لا نستطيع أن نفهمها، أو لا نستطيع أن ندخلها، أو نستوعبها بدون امتلاك الأدوات، وبدون الفهم والمعرفة، وسأشير إلى أنه ليس مطلوباً من كل مسلم، أن يكون عالماً في مقاصد الشريعة، وإنما نهدف من خلال هذا الموضوع إلى إثارة أن تكون المقاصد، وأن يكون التفكير المقاصدي ثقافة عامة للأمة، ويأخذ كل شخص بحد أدنى من التفكير، أو المعرفة المقاصدية التي تجعله يحقق بها ما نريد الوصول إليه معه بالمعرفة المقاصدية
الدهلوي والشاطبي وعمومية الشريعة
عندما نرجع إلى الإمام الدهلوي صاحب كتاب “حجة الله البالغة”، وهو كتاب في مقاصد الشريعة، وفي بيان مقاصد الأحكام الجزئية، قال في هذا الكتاب: “إنما أنزل الشرع بلسان الجمهور”
أي أن الشرع جاء لكل الناس، ولم يأتِ فقط لفئة العلماء، فيختصون بمعرفة مقاصد الشريعة دون غيرهم.
الإمام الشاطبي لما تحدث في كتابه “الموافقات” قال: “الشريعة موضوعة على وصف الأمية”
أي يستطيع عامة الناس، خاصة الأميين منهم، فهم الشريعة والعمل بها
حادثة صلاة العصر في بني قريظة، ونشأة المدارس الفقهية
بدايات التفكير في وجود مدرسة مقاصدية، ووجود مدرسة نصية ظاهرية، هو واقعة صلاة العصر في بني قريظة الشهيرة، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الأَحْزَابِ “لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ” فأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِداً مِنْهُمْ [أخرجه البخاري في صحيحه]
فقد اختلف الصحابة في فهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وانقسموا إلى فريقين:
فريق التفكير المقاصدي: رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد منهم الإسراع؛ للوصول إلى بني قريظة قبل الوقت، وما قصد منهم أن يؤخروا صلاة العصر عن وقتها، فلما دخل وقت صلاة العصر، صلوا في الطريق، وظاهر فعلهم أنهم خالفوا ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو “لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة” فهم لم يصلوا في بني قريظة، إنما صلوا في الطريق
الفريق الآخر: قالوا سنلتزم بما قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم، ولن نصلي العصر إلا في بني قريظة.
من حللوا هذه الحادثة من الأصوليين قالوا: هذه بداية وجود المدرستين، المدرسة المقاصدية، والمدرسة الظاهرية النصية.
طبعاً هناك حديث طويل، على أنه الراجح هو المدرسة التي نظرت إلى المقاصد؛ لأنها جمعت بين قول النبي صلى الله عليه وسلم، وقصده فامتثلت حق الامتثال، والمدرسة الأخرى مأجورة على اجتهادها؛ لكنها لم تحقق المقصود من التوجيه النبوي بالإسراع، حتى نصل إلى بني قريظة، قبل وقت صلاة العصر
ويعجبني جداً توجيه “ابن المنير” لفعل الصحابة حيث يقول: إن الفريقين عملا بالمقاصد، ونحن لسنا أمام جماعتين من الصحابة، فريق مقاصدي وفريق ظاهري نصي، فهذا لا يليق بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، مع ثقوب أفهامهم، فالفريقان عملا بالمقاصد، والخلاف بينهما ليس في الظاهرية والمقاصدية، بل الخلاف بينهم في كيف نصل إلى قصد النبي صلى الله عليه وسلم في عملية الإسراع، فالمانع الذي منعهم من صلاة صلاة العصر في الطريق، ليس اعتقادهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بعدم الصلاة إلا في بني قريظة؛ إنما لأنهم رأوا أنهم إن وقفوا للصلاة في الطريق أضروا بمقصد الإسراع، فتأخروا عن الوصول إلى بني قريظة، وخالفوا مقصد النبي صلى الله عليه وسلم بطلب الإسراع ، وليس ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا كلام في غاية الأهمية، فمعناه أنه الصحابة لم يكن فيهم ظاهري، وأن الفكر المقاصدي كان شائعاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الصحابة، ولا يصح أن تتخذ هذه الواقعة ذريعة لتسويغ القول بأن يكون عندنا مدرسة ظاهرية، وأخرى مقاصدية، ولا حرج في هذا!!
لكن هذا الكلام وهذا التوجيه، يعني أن مدرسة المقاصد كانت هي المدرسة السائدة في تفكير الصحابة الكرام، وهو ما نبغي ونروم الوصول إليه.
استشراف الإمام الدهلوي للمستقبل
الإمام الدهلوي لما وضع كتابه الذي أشرت إليه، وضعه في فترة مبكرة جداً، وكان السبب الذي دفعه إلى وضع هذا الكتاب، أنه لاحظ أن العالم الإسلامي مقبل على تطور جديد، وأنه سوف يستقبل عصراً يقوم بناؤه على العقل، وما يكتسبه من علم، وأنه سوف يواجه ثورة فكرية عارمة، وأنه لا بد من إيضاح الفكرة الإسلامية، وجلائها وبيان أسرار الدين
كان يتحدث عن هذا الكلام، ويستشرف المستقبل القادم، ولا أظنه كان يتوقع التغيير والثورة الفكرية العارمة التي نحياها الآن، التي طالت التشكيك في أغلب الثوابت اليوم
ويريد أن يقول أن الحل في مواجهة هذه المتغيرات، وهذه الثورة الفكرية العامة، هو أن نعود إلى المقاصد، وبيان الحكم وبيان فلسفة التشريع، إذا تسامحنا في العبارة التي أنكرتها
الانحراف عن مقاصد العلوم الشرعية
أشرت في بداية حديثي إلى أن الأمة لم تكن بحاجة إلى علم المقاصد مثلما هي بحاجة إليه اليوم، بشرط أن نحن ندخل إلى علم المقاصد بأصوله وضوابطه، ونفرق بين المستويات
الإشكال الموجود الآن، أن عندنا ظاهرية في التعامل مع مختلف مع العلوم، فلا نتعامل مع العلوم المختلفة تعاملاً مقاصدياً، فنحدد القصد من دراسة كل علم، ونقف مع هذا المقصود، ونتمحور حوله.
تعالوا مثلاً إلى العلوم الشرعية، أغلب العلوم الشرعية الموجودة الآن، هناك انحراف كبير جداً وقع عن قصدها، وما وضعت له، والسبب يرجع إلى عدم شيوع التفكير المقاصدي في المجتمع
1/علم التجويد
علم التجويد مثلاً، الهدف والقصد منه، هو أن نقرأ القرآن الكريم قراءة صحيحة، وأن نرتله كما أمرنا الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [سورة المزمل، آية: 4]
فعلم التجويد هو كما قالوا في تعريفه: إعطاء كل حرف حقه، ومستحقه
يعني: لا أخلط بين الحروف، حتى تخرج الكلمة صحيحة، وحتى أقرأ القرآن كما أقرأه سيدنا جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم
الآن وقع انحراف عن القصد من هذا العلم في التعامل مع القرآن الكريم، فصار القصد الأساسي هو التجويد والحروف، وتعلم كيفية القراءة، وابتعدنا عن هدايات القرآن الكريم، والتدبر في القرآن الكريم، وفهم القرآن الكريم؛ بسبب مسألة التمركز حول التجويد، والتوسع فيه
طبعاً هذا ليس تقليلاً من قدر علم التجويد، فهو علم مهم، ولا بد من وجود علماء وأهل اختصاص فيه، ولا بد من بقائهم في الأمة، وهذا موجود بحمد الله
فحصل عندنا تطرف بين مدرستين، مدرسة تتشدد جداً في هذا الموضوع، حتى أنها لا تكاد تخرج القارئ من الاستعاذة في خلال شهر، أو إتقان الفاتحة في خلال شهر أو شهرين!!
ومدرسة أخرى حصل عندها ردة فعل عكسية، حتى سمعت أحد مشاهير العلماء في المملكة العربية السعودية يقول: أما التجويد ففي النفس منه شيء!! يعني يرفض القراءة بالتجويد بالكلية!!
وقرأت أيضاً للشيخ/ محمد الغزالي نقدًا لهذا الأمر بشدة، فيقول: كل الأمم تقرأ لتتعلم، ونحن نتعلم لنقرأ، فنتعلم التجويد لنقرأ القرآن
طبعاً نحن لسنا ضد أن نتعلم التجويد لنقرأ القرآن؛ لكن الإشكال هو أن نبقى في دائرة التعلم، لا نخرج منها، ولا ننتقل منها إلى بلوغ الوصول إلى هدايات القرآن الكريم
2/علم مصطلح الحديث
علم مصطلح الحديث مثلًا، ما القصد الذي وضع لأجله؟ هو ضبط علم الحديث، ومعرفة الضعيف من الصحيح من الحسن
طلبة العلم الشرعي والمختصون في علم مصطلح الحديث، يتقنونه ويعرفون حدوده، ويحفظون متونه ومنظوماته؛ ولكن أين القصد الذي لأجله وضع هذا العلم؟
سألت يومًا أحد الحاصلين على الدكتوراه في الحديث، في مسألة مشهورة جداً وهي فضل قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة، هل ثبتت أحاديث صحيحة تثبت فضلاً لقراءة سورة الكهف في يوم الجمعة؟
أم أن الأحاديث الصحيحة تثبت الفضل لقراءتها في أي وقت، دون تخصيص بيوم الجمعة تحديداً؟
فقال لي: لا بد أن أدرس الأمر، والمسألة تحتاج إلى نظر، أمهلني بعض الوقت!!
مع أنه الحديث مشهور ومتداول، وهو من أهل الاختصاص، والمجيدين المتقنين فيه؛ لكنه تمحور وتمركز في أدوات ووسائل، الأصل أن توصله إلى المقصود من العلم؛ لكنه تمركز حولها وترك القصد منه، وبالتالي عندما طُلب منه في مسألة من المسائل، أن يقف مع المقصود منه لم يفلح
3/علم أصول الفقه والاجماع
أعتبر علم أصول الفقه من مفاخر الحضارة الإسلامية، والغرب استفاد من علم أصول الفقه أكثر مما استفاد المسلمون، هناك كاتب كان لبنانياً ثم تأمرك اسمه “فيليب حتي” له كتاب اسمه “صناع الحضارة من العرب” ذكر أن سيدنا عمر بن الخطاب، هو أول صناع الحضارة من العرب، وأن الإمام الشافعي هو الثاني
لماذا جعل الإمام الشافعي من صناع الحضارة من العرب؟ قال لأنه واضع علم أصول الفقه
فهل الذين يدرسون علم أصول الفقه اليوم، يتمركزون حول القصد الذي وضع لأجله هذا العلم؟ وهو وعلم المقاصد الشرعية من العلوم المعيارية، بمعنى أنه يمكن الاستفادة منه في غير ما وضع له
فعلم أصول الفقه وضع لضبط مسار الاجتهاد، لمعرفة مراد الله تعالى؛ ليكشف الفقيه أو المجتهد به عن مراد الله تعالى، في المسألة القديمة أو الجديدة أو النازلة الجديدة، التي ليس عليها نص في كتاب الله، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
لكن بهذه الأدوات الاجتهادية المعيارية، يستطيع أن يحكمها في كثير من الأمور والقضايا، وقد وجدت أن الأوروبيين استفادوا من علم أصول الفقه، في تقنين القوانين والمسائل
وهناك أبواب ومباحث في غاية الأهمية داخل علم أصول الفقه؛ نتيجة الانحراف عن قصدها وعما وضعت له، تم تشويهها وصارت الشبهات المثارة حولها أكثر قناعة من الدليل نفسه
مثال على ذلك الإجماع كدليل أصولي من الأدلة المتفق عليها، وظيفته وقصده غير واضح للدارسين، أو لمن يكتب أو يدرس علم أصول الفقه، فالإجماع أكثر دليل تحتاج إليه الأمة الآن، لماذا؟!
لأن الإجماع يشكل دائرة الثوابت التي لا تقبل الاجتهاد، ولا تقبل الاختلاف، ولا تقبل التبدل والتغير بتبدل الأزمنة والعصور، فإذا عرفنا المسائل التي وقع الإجماع فيها، فما عداها يكون قابل للاجتهاد، ويشكل المساحة المرنة
للإجماع عشر وظائف، فهل هذه الوظائف واضحة بالنسبة لمن يدرس، أو يتحدث عن الإجماع؟!
ولذلك بعض الناس ينكر على الأصوليين، أن بعضهم قدم الإجماع على الكتاب والسنة، يقول: كيف تقولون بأن لشخص أن يقدم جهداً بشرياً، واجتهاد علماء، على الكتاب وعلى السنة؟!
لأنه غير مستوعب وظيفة هذا الدليل، الذي كما قلت هو من أهم الأدلة التي وقع تشويهها، وقد قرأت لبعض الناس الذين كتبوا في الإجماع ينقضونه، ويطالبون برده كدليل من الأدلة المتفق عليها، يقول: هذا دليل غير واضح، القرآن دليل واضح ومعروف وموجود أمامي، السنة دليل واضح؛ إنما الإجماع، ما هو الإجماع؟! يختلفون في تعريفه، ويختلفون في أقسامه، ويختلفون في حجيته، ويختلفون في مستنده، فإذا كان الإجماع الذي تدعون إلى تقديمه على الكتاب والسنة، هو محل خلاف !!
مثل هذا الكلام أحدث نوع من التشكيك، والإشكال في التعامل مع هذا الدليل
4/علم النحو
علم النحو ما هي وظيفته؟ ما هو القصد منه؟
القصد منه هو: ضبط وتقويم اللسان، ولذلك ما كانت هناك حاجة لوضعه عندما كان اللسان مستقيماً، اليوم عندنا أهل اختصاص في اللغة، وعندنا كتب وطرائق كثيرة جداً في تعليم النحو، ومع ذلك فساد اللسان غير مسبوق!!
والحقيقة أنا منبهر عندما أنظر إلى اهتمام الأمم الأخرى بلغاتهم، وبتطوير كيفية تعليمها، وبتطوير كيفية اختبار الناس فيها، وبتطوير كيفية تذليل وتسهيل قواعدها
اليوم تم التمركز حول فلسفة العلوم، وتم الانحراف عن قصدها، وأدل دليل على هذا مسألة المتون، والألفيات الموضوعة في العلوم المختلفة، مثل: علم النحو، يحفظ الألفية لكن لسانه معوج، وعنده كثير اللحن في كلامه
5/علم العقيدة
علم العقيدة القصد منه هو: تثبيت العقيدة، وأن يزداد الإنسان إيماناً، وأن يمتلك القدرة على محاجة من يشكك، وأن يمتلك القدرة على الحوار مع شخص ملحد
فهل تدريس علم العقيدة اليوم يحقق هذا القصد؟ وقد أدرك هذا الإشكال مبكراً الشيخ/ محمد الغزالي ووجَد أن الكتابات الموجودة في علم العقيدة، متأثرة بعلم الكلام، ومتأثرة بعلم الفلسفة، وحاول أن يبسط هذا الموضوع في كتابه “عقيدة المسلم” وجاء من بعده الشيخ/ نديم الجسر في كتابه “قصة الإيمان”
ولكن مع ذلك، لم تنجح الكتابات في تحصين الشباب من موجات الإلحاد، والخروج من الدين اليوم
وقطعاً هناك خلل موجود في الكتب، والعلوم الموجودة، وعلينا أن نسأل أنفسنا، إما أننا لم نحسن استيعابها بشكل صحيح، أو أن هذه العلوم هي نفسها عاجزة عن الوفاء بما وضعت له، أو يكون الأمرين الاثنين معًا وهذا يختلف من علم، عن علم، مثل ما قلنا
6/علم المقاصد
علم المقاصد نفسه وقع انحراف عن قصده، وعما وضع له، ولذلك بدأ الكاتبون فيه، والمنظرون له في مقدمتهم شيخنا الدكتور/ أحمد الريسوني بدأ يكتب كتاب “مقاصد المقاصد” حتى يضبط البوصلة، فيقول لماذا ندرس المقاصد، ما الهدف منها؟
غياب البعد المقاصدي في الواقع العملي والتربوي والدعوي
تحفيظ القرآن للأولاد في الغرب
إذا انتقلنا من مقاصد العلوم إلى أمور أخرى في حياتنا، نجد أن تعاملنا معها ليس تعاملاً مقاصدياً، كتحفيظ الأولاد القرآن، خاصة في الغرب، وخاصة في السياق الأوروبي، وطريقة التحفيظ التي تنتهي بالحافظ من الصغر، إلى علاقة الهجر، وعدم الفهم، وبالتالي الأزمة التي نعاني منها في الأمة اليوم، وهي أزمة التدبر والفهم
وأذكر أني سمعت للشيخ/ محمد الغزالي رحمه الله، أنه كان يقول: ظللت وأنا كبير، كلما قرأت قول الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾
[الإسراء، الأية :13] أتخيل وكأن طائراً أو حمامة ستأتي، وهي معلقة في رقبة الإنسان يوم القيامة
تخيل هذا الأمر؛ لأن هذا هو المعنى الذي ركز في رأسه، وهو يقرأ الآية منذ الصغر، ما وجهه أحد إلى المعنى، أو إلى أن يجمع بين الحفظ وبين محاولة الفهم، وهذا ممكن عند الصغار، وعند المراحل العمرية، وعندنا تجارب في الغرب، بحكم عدم شيوع اللغة العربية بشكل كبير بين أولاد المسلمين في أوروبا، يمكن الحديث عنها أيضاً
الخطاب الدعوي ومقاصد الثورات
هل خطابنا اليوم هو خطاب مقاصدي؟ فالخطيب أو المحاضر قبل أن يدخل إلى خطبته، أو إلى محاضرته، هو يعلم ما هو الهدف الذي يريد أن يحققه، من خلال هذه الخطبة، أو من خلال هذه المحاضرة، وما الذي يريد أن يوصله إلى الناس، وإذا كان القصد من الطرح الذي يطرحه في خلال المحاضرة، أو الخطبة غير واضح في ذهنه، فكيف سيصل إلى أذهان، أو إلى عقول المخاطبين من الناس؟!!
وكذا الشأن العام، فالشعوب التي ثارت على الأنظمة، وعلى الحكومات، رفعت مقاصد كبيرة جداً، وهي “الشعب يريد إسقاط النظام” هذا مقصد كبير جداً لهذا التحرك، وهو مقصد عظيم وجيد، ورفض للاستبداد؛ لكن هل هو مراد لرافعيه، ومعلوم الحدود والأبعاد؟
فماذا بعد أن يسقط النظام، وتحقق هذا المقصد؟ وهل هذا المقصد حُدد بطريقة صحيحة، أم بطريقة ارتجالية وعشوائية؟ وهل الذين حددوا هذا المقصد قادرون عليه، أم عاجزون عنه؟ وهل تعلموا من عدم بلوغ هذا المقصد، بعد أن وصلنا إلى المرحلة التي وصلنا إليها؟
مقاصد الوجود الإسلامي في الغرب وأولوياته
ما هي مقاصد الوجود الإسلامي في الغرب؟ وهل حددت تحديداً صحيحاً؟
بعض الناس يعتقد أن الوجود الإسلامي في الغرب، هدفه التعريف بالإسلام، ودعوة الأوروبيين إلى الإسلام، وبالتالي كلما كسبنا أو حققنا كسباً في هذا الباب، فنحن في الطريق الصحيح
بل بعض الناس يؤثم من يقيم في الغرب، وليس له دور دعوي، واشتغل على إدخال الناس في الإسلام
أقول إن هذا المقصد، هو مقصد ثانوي، ويجب أن يتم حين يتم بصورة غير مباشرة، ليس من خلال آليات واستراتيجيات ومؤسسات، تقوم على مسألة إدخال الناس في الإسلام، ورفع شعار “أسلمة أوروبا” الذي يوظفه ويستخدمه اليمين المتطرف بقوة أمام المسلمين في الغرب الآن، وإنما المقصد الأكبر والأعظم الذي يجب أن نتمركز حوله في الغرب، هو كيف نحفظ الدين والهوية على المسلمين، وعلى الوجود الإسلامي في الغرب
وسينبني على وضوح هذا المقصد، وترتيبه وكونه في الصدارة وفي الأولوية، العديد من الإجراءات، والعديد من الترجيحات والاختيارات، وستتمحور وتتمركز منظومة التفكير والاجتهاد كلها، حول بلوغ هذا المقصد والبقاء عنده
إشكالية الاقتصار على المصحف المترجم للتعريف بالإسلام
إذا انتقلنا من هذا إلى المقصد، إلى المصحف المترجم مثلاً، واعتباره إلى اليوم أهم وسيلة للتعريف بالإسلام، فأي شخص الآن يريد أن يتعرف على الإسلام، أقدم له نسخة من القرآن المترجم، فهل القرآن المترجم يقدم الإسلام بشكل كامل وصحيح، لغير المسلم؟
إذا طرحنا هذا السؤال على المسلم العربي، فإذا افترضنا أن مسلماً عربياً لا يعرف الإسلام، وأعطيناه نسخة من المصحف، وطلبنا منه أن يقرأها مع تفسير خفيف، هل يستطيع أن يستوعب الإسلام، ويفهمه؟
أنا أقول لا، لإشكالية مبدئية مع القرآن كمرحلة أولى يتعرف منها القارئ الذي يريد أن يبحث، أو يريد أن يسأل عن الإسلام
ولما في الترجمة من إشكالات معروفة، سواء في الترجمة بشكل عام، أو في ترجمة القران بشكل خاص، بالإضافة إلى أن القرآن المترجم، يمثل إشكاليات بالنسبة للقارئ الذي يقرأ القرآن، فسيقرأ قول الله تعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [سورة النساء، الآية 11] ولن يقرأ لها فلسفة، أو أبعاداً فلسفية، وتتصادم مع الثقافة التي نشأ وتربى عليها
وسيقرأ قول الله تعالى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [سورة البقرة، الآية 282]
وسيقرأ قول الله تعالى ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [سورة النساء، الآية 3]
وسيقرأ قول الله تعالى ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ [سورة المائدة، الآية 38]
وسيقرأ قول الله تعالى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلَدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ [سورة النور، الآية 2]
وسيقرأ قول الله تعالى ﴿…وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾ [سورة النساء، من الآية 34]
كل هذا سيقرأه دون شرح للفلسفة، وكيفية الإيقاع؛ لأنه ترجمة للمعاني فقط، ولذلك قلت لو أننا ترجمنا بعض الكتب التي تتحدث، أو تلخص المقاصد العامة للقرآن الكريم، لكان أنفع وأجدى في تقديم الإسلام، أو تقديم القرآن لغير المسلم، أو للمسلم الجديد
على سبيل المثال مثلاً كتاب “المحاور الخمسة للقرآن الكريم” الذي كتبه الشيخ/ محمد الغزالي “رحمه الله” هذا كتاب يقدم القرآن، وروح القرآن، ورسالة القرآن، بشكل أفضل من أن أقدمه من خلال القرآن المترجم، ويأتي بعد ذلك القرآن كنسخة مترجمة، في مرحلة لاحقة، ويجب أن ترفق وأن تصاحب بأشياء أخرى، ليست محل الكلام الآن
انفصال العبادات عن مقاصدها الأخلاقية
مما نتج عن غياب المقاصد كثقافة عامة في المجتمعات المسلمة، أن الناس صاروا يؤدون العبادات بمعزل عن مقاصدها، وصرنا نجد هذا الانفصال أو هذا العزل، بين العبادة وبين الأخلاق والسلوك
فنجد أن المسلمين يصومون، يحجون، يصلون “حتى لو كانت هناك نسبتهم 40% 50%” لكننا لا نجد شيوع الأمانة، أو الثقة، أو الوفاء بالعهد، أو الصدق، أو الأخلاق التي تغرسها، وتنميها وتوجدها هذه العبادات في نفس المسلم؛ ولذلك أنا أحج كل سنة مع مجموعة من المسلمين، منهم المسلمين الجدد، ومنهم شباب الأجيال الجديدة، وأحرص دائماً على تحليل الأسئلة التي تأتي من المسلم الجديد، الذي جاء إلى الحج، أو المسلم الذي ولد في بيئة، وفي ثقافة مختلفة، فعاش وتشبع وتشرب بالثقافة الغربية الأوروبية، وتجد أن هذه الأسئلة تدور دائماً حول محاولة البحث عن العلة، والبحث عن الحكمة
لماذا نفعل كذا، لماذا نؤدي هذا الأمر، على هذا النحو؛ ولذلك تقديم الحج في هذه الصورة الجافة، التي تتمركز حول الانقياد والتعبد، دون سؤال عن القصد، أدت إلى الإشكالية التي وقعت مع الأمريكي “جيفري لانج” أستاذ الرياضيات، الذي اعتنق الإسلام بعد أن عاش في المسيحية فترة، ثم تركها وألحد، ثم ترك الإلحاد واعتنق الإسلام، وله كتابات رائعة جداً في غاية العمق
فقد ذهب إلى الحج، وقال أديت كل المناسك بمنتهى الفتور، وعدم الخشوع، وعدم التأثر، وكنت حزين على نفسي، أني لم أجد قلبي، ولم أحيا في أي مرحلة من مراحل الحج
وهو في مطار جدة عائد بعد أن أنهى كل شيء، قابله عامل بنجلاديشي من العمال الذين يعملون في المطار، والذي لفت نظره أنه أوروبي عائد من الحج، فسأله: أنت أمريكي؟ من أين جئت؟ متى أسلمت؟
قال: هذا السؤال سُألته عشرات المرات، فأجبته بملل، قال: فإذا به أخذ جانباً، وأخذ يبكي
فذهبت إليه، وقلت له: ما يبكيك؟ قال له: لولا نداء أبينا إبراهيم عليه السلام، كما قال الله تعالى
﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فجٍّ عَمِيقٍ﴾ [سورة الحج، الآية 27]
ما كان لي، وأنا البنجلاديشي أن ألتقي بك هنا وأنت الأمريكي، إلا بسبب هذا النداء الذي جمعنا، رغم أن هذا الاجتماع، وهذا المعنى لم يحدث معه في عرفة مثلاً، أو في الطواف، أو في منى؛ إنما حدث معه بعد انتهاء الرحلة في مطار جدة
قال: الآن أدركت أنه يتعين علي أن أعود مرة أخرى إلى الحج بهذه المعاني، هذا هو الذي كنت أبحث عنه، وهذا هو الذي فقدته
غياب مقاصد فريضة الزكاة
كنت أدرس أحكام الزكاة لمجموعة من طلبة العلم، الذين ولدوا في ألمانيا، وقلت لهم: لنكن عمليين، دعونا نقوم بعملية رصدية، عن من لا يؤدي الزكاة من المسلمين في ألمانيا، وما هي الأسباب التي تدفع الأغنياء القادرين على عدم أداء الزكاة؟، وهي ركن من أركان الإسلام، وهي أكثر ركن غائب في واقع المسلمين
فبدأوا في إعداد هذه الدراسات الجزئية، وباستقراء غير مكتمل، وجدنا أن عدم معرفة مقاصد الزكاة، وتصور أولئك الأغنياء عن الزكاة محصور في دائرة محدودة، هو أحد الأسباب المباشرة التي دفعتهم إلى عدم أداء الزكاة
وعندما بُين الأمر لهم، سارعوا إلى أدائها، فكانوا يعتقدون أن الزكاة هي إسعاف ودعم من الأغنياء للفقراء، فيقولون: لا يوجد فقراء بهذا العدد في ألمانيا، ونحن ندفع تبرعات، وصدقات نرسلها إلى البلدان الفقيرة كل سنة، فإذا كان هذا هو مراد الزكاة، التي هي ركن من أركان الإسلام، فقد حققناه
والأمر ليس كذلك أبداً، فالزكاة منظومة متكاملة، لها جملة هائلة من المقاصد، ولذلك ما الذي يضيرنا ونحن نتحدث عن التفكير المقاصدي، أن نقدم للناس على سبيل المثال كلام الطاهر بن عاشور، وهو كلام في غاية العمق والدقة، وليس صعباً أيضاً
حيث يتحدث عن خمسة مقاصد للشريعة في الأموال، فكل العقود والمعاملات المالية التي يجريها الناس محكومة بمقاصد خمسة، يجب أن تتحقق فيها
مقصد الرواج أو التداول يعني: عدم قصر تداول المال على فئة محدودة من الناس.1
مقصد الوضوح بالتوثيق، أي: توثيق العقود، وعقود المالية.2
مقصد الحفظ بالصيانة والتنمية.3
مقصد الثبات بإقرار أصحاب هذه الأموال على ما ورثوه، أو ما امتلكوه.4
مقصد العدل بعدم الظلم في الكسب، أو التوزيع.5
أنت كمستفتٍ، أو كواحد من عامة الناس، سألت الشيخ أو المفتي في معاملة مالية معينة، كسيارة تريد شرائها عن طريق بنك ربوي، أو عن طريق شركة تمويل إسلامي، أو عن طريق البتكوين مثلًا
ووجدت أن هناك اختلاف بين الفقهاء وبين العلماء، فريق يجوز، وفريق يمنع، وفريق يقيد، فأنت الآن في حيرة
فإذا كان عندك الثقافة المقاصدية التي تحدثنا عنها، ستبدأ في التفكير، إلى أي مدى تضر هذه المعاملة أو هذه الصورة المالية الجديدة كالبتكوين مثلًا، بمقصد الرواج والتداول؟
وهل ستؤدي إلى أن يصبح تداول المال بين الناس أكثر؟، أم ستكرس عملية الأغنياء، وحصر المال في يد فئة محدودة من الناس، والفئة الأخرى تعيش فقيرة؟
هل مقصد الوضوح بالتوثيق، بحيث لا يوجد غرر، ولا يوجد غموض، فعندنا علمُُ بمن وراء هذه العملية، وإذا كانت هناك خسارة نعرف كيف وقعت، وإذا هناك ربح نعرف كيف وقع، ومن أين جاء؟
موضوع التسويق الشبكي المشهور والمتداول والذي تكثر الأسئلة حوله، هل مقصد التداول والوضوح موجود فيه، أم غير موجود؟
مقصد الحفظ، وصيانة هذا المال، فلوضعت 10000 يورو الآن في البيتكوين، أو في التسويق الشبكي، أو في غيرها من المعاملات الأخر، هل هذا المقصد موجود، أم يتم الإخلال به؟
مقصد الثبات، ومقصد العدل، هل تحقق، أم لم يتحقق؟
فأستطيع أن أرجح إذا كان عندي شيوع لثقافة المقاصد في الأمة
إشكالية تحول الوسيلة إلى مقصد
هناك إشكالية نتجت عن عدم شيوع المقاصد، كنمط عام للتفكير في الأمة، وهو تحول الوسيلة إلى مقصد، وقبول الناس لهذا الأمر، وفيما يلي نموذجين لذلك
النموذج الأول: رؤية الهلال بالعين المجردة
الرؤية البصرية هي وسيلة لمقصده، وهو معرفة أن الشهر قد دخل، وهي وسيلة تناسب عصور سابقة، ولا تناسب عصرنا، فبالتالي الوسيلة الأنسب لمعرفة ولبلوغ المقصد هو: معرفة أن الشهر قد دخل، أو انتهى حتى لا أصوم يوماً من شعبان على أنه من رمضان، أو أفطر يوماً من رمضان على أنه من شوال
هذه الوسيلة البصرية، لم تعد قادرة على تحقيق هذا المقصدن وقد شاركت بشكل مباشر في عمليات رصد، بالعين المجردة وبالآت الرصد بالتلسكوبات، في شهر كان الجو في غاية الصفاء، وفي نقطة مكانية مناسبة للرصد، وعمر الهلال كان مناسب جداً للرؤية، ومع ذلك رأيناه بالوسائل بصعوبة شديدة بعد فترة طويلة من التحري والبحث، بينما كان في عام سابق تم ادعاء رؤية الهلال، مع استحالة رؤيته في عدد من البلدان العربية المسلمة، بالمخالفة للعلم؛ نتيجة أن الوسيلة اللي هي الرؤية البصريةن تحولت إلى مقصد، وتم اعتقاد أنها تعبدية، وبالتالي إذا صمنا دون رؤية بصرية فصومنا لا يصح
النموذج الثاني: سفر المرأة بغير محرم
هذه القضية أيضًا، تحولت الوسيلة فيها إلى مقصد، وكان وجود المحرم هو المسألة التعبدية، وهو المقصد؛ وليس هو وسيلة لتحقيق الأمن للمرأة والصيانة لها، وبالتالي يمكن أن تسافر المرأة مع المحرم، ولا يتحقق الأمن لها؛ إذًا نحن حققنا الشكل الظاهري للأمر النبوي، الذي رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال “لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ” [متفق عليه]
فهل عندما ستسافر ومعها المحرم؛ ولكن الأمن لم يتحقق لها، سنبيح لها السفر، ونحن نعلم أننا نعرض أمنها وحياتها للخطر، هي ومن يسافر معها؟!
عوائق تحويل المقاصد إلى ثقافة عامة
لماذا فشل المقاصديون في جعل المقاصد ثقافة عامة؟
هذا سؤال مهم، فنحن لدينا كتابات كثيرة جدًّا في المقاصد، ومراكز كثيرة جدًّا في المقاصد، ومختصون في المقاصد، فليس عندنا نقص في هذا الباب؛ لكن لماذا لم تنجح كل هذه الكتابات، وكل هؤلاء المختصين في أن يحولوا المقاصد إلى ثقافة عامة للأمة؟ أو حتى في أوساط الشباب على الأقل، الراغبين في التثقف والمعرفة؟ فلم ينجحوا في تحقيق ذلك لأسباب
السبب الأول: اللغة والأسلوب
لأن المقاصد تُقدم بلغة وبأسلوب معقدٍ وصعبً، حتى أني أشعر أحيانًا أن بعض الناس يتعمدون ويتقصدون هذا الأمر؛ لأنه شائع في بعض الأدبيات أو التخصصات، أنه كلما كان أسلوب الكاتب معقدًا وصعبًا، فهذا يدل على عمقه، وعلى براعته!!
والحقيقة أن الذي يقدر أو يستوعب فكرته، يستطيع أن يوصلها لطفل صغير، أو لرجل أُميّ بسيط، فإذا كنت مستوعبًا لمقاصد الصيام أو لمقاصد الحج، أستطيع أن أوصل هذه الفكرة إلى أي طبقة، أو أي شريحة من الناس، مهما بلغت ثقافتها، أو بلغت معرفتها
فاللغة والأسلوب التي كتبت بها المقاصد، لا تناسب إلا فئة معينة من أهل الاختصاص، وذلك لأن أغلب الكاتبين الذين كتبوا في هذا الباب، تأثروا بالإمام الشاطبي، والإمام الشاطبي أصولي تأثر باللغة الأصولية
السبب الثاني: غلبة التنظير على التطبيق
حيث بقي الكاتبون في علم المقاصد في الإطار تنظيري، ولم ينطلقوا إلى التطبيق، بدليل أن المقاصد غير حاضرة فيما وضعت له أصلاً
فالمقاصد موجودة وحاضرة لضبط الاجتهاد، ولفهم الأحكام، ولمعرفة مقاصدها، فإذا كان علم المقاصد عاجزًا عن الوفاء بما وضع له، فكيف بما لم يوضع له، وهو أن يكون ثقافة عامة للأمة؟
حديثي هذا عن بعض الفتاوى والاجتهادات الفردية، التي صدرت عن بعض المشتغلين بالمقاصد، فقد جوز بعضهم صلاة الجمعة في البيوت، وجوز بعضهم الصلاة خلف البث المباشر
فبغض النظر عن النقاش في الأدلة، هل الفتوى بالصلاة خلف البث المباشر، أو صلاة الجمعة في البيوت، هي فتاوى واجتهادات مقاصدية، تحقق القصد من صلاة الجمعة، وهو الاجتماع والتلاقي، والوحدة والتفقد، والسؤال، وغير ذلك من المقاصد، التي تُعد منطلقًا لإيجاد الاجتماع الكبير؟
فالاجتماع الصغير، هو الاجتماع في صلاة الجماعة، ثم الاجتماع الكبير في صلاة الجمعة، ثم الاجتماع الأكبر في صلاة العيد، ثم الاجتماع الأكبر منه في عرفة، هذه الشعيرة التي لها هذه الصفة، ولها هذه الهيئة، هل تتحقق بصلاة خلف البث، أو صلاة الجمعة في البيوت؟
بالطبع لا، وبصرف النظر عن الأدلة، نستطيع أن نقول إنها فتاوى انحرفت عن المنهج، أو التوجه المقاصدي كما نقول
سبل إحياء التفكير المقاصدي وثمراته
كيف السبيل لإحياء التفكير المقاصدي في الأمة، وجعله ثقافة عامة لكل الناس؟
أولًا: لابد من تغيير الكتابة وطريقة عمل المقاصديين اليوم
ثانيًا: الكتابة بمستويات في المقاصد
فما المانع أن كل كتاب يكتب في المقاصد تكون منه ثلاثة مستويات، أو ثلاث نسخ، نسخة لعموم الناس، ونسخة للمتوسطين منهم، ونسخة للمتخصصين منهم؛ فلا بد أن يحمل جمهور عموم الناس أهل العلم على التطور، فعموم الناس هم من نقصدهم بهذا الكلام؛ لكي نحدث وعيًا عامًّا عند الناس، هذا الوعي يأخذ بيد المختصين في المقاصد، أن يطوروا أنفسهم للتمركز وللبقاء مع مقاصد العلم، ويكون عندنا دائمًا السؤال بلماذا، ولا نعيب على السؤال بلماذا؛ بل هو ضروري عند أي قضية تعرض علينا
بعض المتقدمين عارض مسألة التعليل ومسألة التقصيد، ورفضها بشدة؛ لأنهم رأوا أن التعليل والتقصيد في الأزمنة الماضية كان يضر بمسألة التعبد والامتثال، وأنه يمكن أن يؤدي إلى أن الناس تتحرر من الأحكام الشرعية باسم المقاصد، فيقول إن الله سبحانه وتعالى فرض علينا الصيام تحقيقًا لمقصد التقوى، وأنا سأحقق التقوى بالإنفاق، أو بصلاة الليل، ولن أصوم أو سأصوم في وقت آخر غير شهر رمضان، فخافوا على مسألة التعبد
اليوم حراسة وحماية التعبد والامتثال، لن يتم إلا بالمقاصد بضوابطها.
ثالثًا: ضرورة تقديم النماذج العملية
فما دمنا مفتقدين لوجود النماذج العملية في هذا الباب، سنبقى في نفس الدائرة، دائرة التنظير والكتابة، ومخاطبة أنفسنا، ومخاطبة أهل الاختصاص، وعدم الانتقال من أهل الاختصاص إلى عموم الناس، وإلى الأمة كلها.
الفائدة من شيوع التفكير المقاصدي
ما هي الفائدة التي ستعود على الأمة، أو على عموم الناس من شيوع التفكير المقاصدي؟
أولًا: شيوع وتعميق وترسيخ مسألة الأولويات بشكل عملي
فالناس ستتدرب على ترتيب الأولويات، وترتيب الأولويات لن يتم بشكل منضبط وصحيح، إلا إذا حددنا المقاصد، ورتبناها أيضًا ترتيبًا صحيحًا.
ثانيًا: الاهتمام بالاستشراف المستقبلي
لأن هناك علاقة قوية جدًّا، بين المآل وبين الاستشراف، وبين المقاصد، فالمقصد الذي أنظر إليه بعيدًا هناك أريد أن أبلغه، وأن أصل إليه، هذا يعني أنه بدأ يحفز العقل على الاستشراف، وعلى النظر المستقبلي، وهو المسألة الغائبة في الأمة
ثالثًا: قياس الإنجاز
فوضوح المقصد، ووضوح الهدف، سيسهل علي قياس الإنجاز، هل أنا وصلت؟ وكم خطوة حققت في الوصول إلى الهدف الذي أريد أن أصل إليه؟
بعض الحركات، وبعض الجماعات الإسلامية رفعت شعارات كبيرة جدًّا، استعادة الخلافة، أو أستاذية العالم، فإذا كان هذا قصدًا صحيحًا، كم خطوة قطعتها حتى تصل إلى تحقيق هذا القصد؟ وكيف يمكن أن نقيس هذا الإنجاز؟
فعندما يشتغل الإنسان بدون قصد، وبدون رؤية واضحة، سيبذل جهدًا كبيرًا، ويحقق نجاحات هنا، وإخفاقات هناك؛ لكن الإخفاقات قد تعلو على النجاحات، ولا يصل إلى شيء.
رابعًا: تحديد مواطن الخلل في الأمة وعلاجها
وصلى الله سيدنا محمد، وعلى آله وصحبهن وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين