هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
فقه التعايش تأصيلًا وتنزيلًا
مقدمة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه، وتمسك بهديه وسنته إلى يوم الدين، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم
{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة الأعراف: الآية 23]
{وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [سورة هود: من الآية 88] وبعد:
فقه العيش المشترك وسياقه التاريخي
هذا الموضوع الذي نحن بصدد الحديث عنه، موضوعُُ غني جدًّا، وواسع، ويحتاج إلى أحاديث مطولة ومفصلة، وقد خصص المجلس الأوروبي للإفتاء له إحدى دوراته التي عُقدت في مدينة إسطنبول في تركيا، واختاره عنوانًا لهذه الدورة، التي عقدت مباشرة بعد أحداث “شارلي إيبدو” الشهيرة، وكان عنوان الدورة “فقه العيش المشترك“
وبعد ما مرت الأحداث وهدأت الأمور، وأعلن المجلس عن أن دورته ستكون مخصصة لفقه العيش المشترك، قوبل ذلك بانتقادات كثيرة جدًّا؛ لمجرد طرح هذا العنوان في هذا التوقيت، فأي حديث عن العيش المشترك وهذه الدماء، وهذا القتل يقع للمسلمين في كل أنحاء العالم، وسط صمت وتأييد، أو مشاركة أوروبا في هذه المذابح للمسلمين في كل مكان؟ هل هذا مناسب والأمر كما يجري، وكما نرى ونسمع؟
نقول: إن حديثنا عن العيش المشترك في الغرب، لا يعني غض الطرف عما يحدث للمسلمين في أقطار، أو في بلدان أخرى.
تحديات الوجود الإسلامي في الغرب
حقيقةً نحن بحاجة ماسة إلى التأصيل لهذا الموضوع، وإلى الحديث الدائم والمتكرر فيه، بأنماط وصور مختلفة، وتطبيقات وتنزيلات أيضًا مختلفة، وإن أحد الأشياء المركزية المهمة التي أضرت بالوجود الإسلامي في الغرب، هو الاستغراق الدائم، والانغماس المتواصل والمستمر مع الأحداث، والمواقف والقضايا العربية، بتفاصيلها ودقائقها طيلة الوقت، وهذا الاهتمام والتمركز حول هذه القضايا، صرف المسلمين في الغرب عن الاهتمام، والتركيز والتفاعل مع قضاياهم، ومع المسائل التي تتصل بوجودهم، من عدم وجودهم، وهذا الذي جعلنا حتى الآن، بعد هذا التاريخ الطويل من التواجد على الساحة الأوروبية، وبعد هذا العدد الكبير للوجود الإسلامي في الغرب، جعلنا دائمًا في موقف، وفي موضع المتهم.
الذي يسعى إلى دفع التهمة عنه، كلما وقعت كارثة أو جريمة، حيث تتجه أصابع الاتهام مباشرة بعد وقوعها إلى المسلمين، حتى وإن لم تجرِ تحقيقات، حتى وإن لم تثبت هذه التحقيقات أن مرتكب هذه الجريمة، أو هذا الفعل هم من المسلمين؛ لذلك من المهم جدًّا أن نركز على القضايا التي تتصل بالوجود الإسلامي في الغرب، وعلى الفقه الذي يؤسس لتأطير، وتوجيه الوجود الإسلامي في الغرب، مع عدم إغفال القضايا التي تقع للمسلمين على الساحة العربية والإسلامية.
هذا الموضوع كما قلت موضوع عريض وواسع، وقد قُدم للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته التي عقدت لأجله، أكثر من عشرين بحثًا بخصوصه.
لذلك سأركز على جانب واحد، من جوانب الحديث في هذا الموضوع الآن بشكل سريع، وسأجتهد في ضرب الكثير من الأمثلة حتى تتضح الصورة، ولعل الموضوع ينضج ويكتمل بأحاديث أخرى مفصلة، فيما بعد إن شاء الله
المبادئ الأصولية الحاكمة لفقه التعايش
ما هي المبادئ أو القواعد الأصولية الحاكمة لفقه العيش المشترك؟
هناك قواعد ومبادئ أصولية كثيرة جدًّا، وهناك اتجاه فقهي معاصر، يؤسس ويوجه لضرورة أن ننشئ فقهًا، أو أن ننشئ أصول فقه للوجود الإسلامي في الغرب، أو للأقليات المسلمة التي تعيش في الغرب، وقد كتب في التنظير لهذه المدرسة أو لهذا المعنى، بعض المعاصرين كالدكتور/عبد المجيد النجار، والدكتور/ طه جابر العلواني، وغيرهم من الفقهاء والعلماء المعاصرين
وسأركز على أربع قواعد ومبادئ أصولية حاكمة على فقه العيش المشترك:
القاعدة الأولى: شهادة الأصول
شهادة الأصول هو مبحث أصولي، لم يكتب فيه مَن كتب في الأصول بصورة مستقلة، سوى الدكتور/ محمود عبد الرحمن، أستاذ أصول الفقه في كلية الشريعة جامعة الأزهر، كتب كتابًا حديثًا معاصرًا عنوانه “الاجتهاد بشهادة الأصول وأثره في الأحكام الشرعية”
المقصود بشهادة الأصول باختصار شديد، هو شكل من أشكال الاجتهاد، لا يعتمد على النص الجزئي، الذي يدل على حكم بعينه في مسألة من المسائل؛ ولكنه يعتمد كليات الشريعة المتحصلة من نصوص كثيرة، ومن تصرفات صاحب الشريعة، وملاحظاته في شرع الأحكام.
استعمل الفقهاء شهادة الأصول بغزارة، صراحة أو ضمنًا في كتبهم، وفي مؤلفاتهم، وفي تصانيفهم، والحقيقة أن التركيز والاهتمام والاعتماد على شهادة الأصول في التأصيل، والتنظيم لفقه الوجود الإسلامي في الغرب مهم جدًّا، لماذا؟
لأن الوقائع والحوادث التي تحدث للمسلمين اليوم، وللمسلمين الذين يعيشون في الغرب بصورة خاصة، لا تتناهى، ففي كل المجالات عندنا كل يوم حوادث جديدة، والنصوص متناهية ومنتهية، ولا بد لكل حادثة جديدة من حكم شرعي، يتوافق مع أصول الشرع، وينطلق من هذه النصوص، ولو طلبنا نصًّا جزئيًّا لكل واقعة جديدة، قطعًا سنعجز عن أن نجد نصًّا جديدًا لكل واقعة جديدة، فما الحل؟
الحل هو أن نعتمد على شهادة الأصول، أو أن نعود إلى هذه الأصول الكلية.
لماذا هذا المبدأ الأصولي يعد من المبادئ، والقواعد الأصولية المهمة جدًّا، للتعامل مع القضايا الجديدة في الغرب؟
لأن مدرسة الغلو والتشدد تطلب لكل حادثة جديدة، أو لكل قضية من القضايا نصًّا جزئيًّا، خاصًّا صريحًا ومباشرًا في المسألة محل النظر؛ حتى نقتنع بمشروعية أي فعل، حتى لو كان عبادة.
فمثلًا: عندما تتجه بعض المساجد في ليلة رأس السنة، إلى إحيائها بالاعتكاف والعبادة وصلاة الليل؛ لصرف الشباب وشريحة كبيرة من المسلمين، عما يحدث في هذه الليلة، من يسر وسهولة للفواحش والموبقات إلى آخره، هناك مَن ينكر على مثل هذا النشاط، ويراه بدعة ويجب أن تُحارب، ويجب أن ننكر على مَن يقوم بها، فيطلبون نصًّا جزئيًّا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أحيا ليلة رأس السنة بقيام، أو اجتهاد أو عبادة
ولأنه لا يوجد عندك نص على ذلك، إذًا هي بدعة، وكل بدعة ضلالة، يجب أن تُحارب، ويجب أن تُترك.
لهذا العودة إلى شهادة الأصول مهم جدًّا؛ لأن الأصول قد تفيد أحكامًا لا تفيدها النصوص الجزئية المنفردة؛ لأن النص الجزئي يمكن أن يطرأ عليه التأويل، ويمكن أن يطرأ عليه النسخ، ويمكن أن تطرأ عليه احتمالات كثيرة جدًّا، هذه الاحتمالات لا يمكن أن تَرِد على شهادة الأصول.
وقد رتب علماء الأصول، واستنبطوا وأسسوا على مبدأ الاجتهاد بشهادة الأصول الكثير من القواعد
مثلاً قالوا: الأحاديث النبوية التي صح سندها، وخالف متنها الأصول، تُرد حتى وإن صح السند، والعكس بالعكس؛ إذا كان في سند الحديث ضعف؛ لكن متنه وافق الأصول، يتساهل في قبوله، وهذا له تطبيقات كثيرة
أيضًا: أسس العلماء على شهادة الأصول، اعتبار موافقة الحكم أو الشيء للفطرة، أساسًا مؤثرًا في الأحكام الشرعية، ولا يحتاج الشارع معه إلى دليل، أو إلى نص؛ حتى نقول إن هذا الشيء محرم وممنوع، أو إن هذا الشيء واجب
فمثلاً: الزواج يرتبط بمقصد كلي ضروري، وهو حفظ النسل، ومع ذلك الشارع لم يوجبه، لماذا لم يوجب الشارع الزواج بنص حاسم وفاصل؟
لأن الفطرة توجبه، وتسعى إليه، وتنفذه في واقع الأمر، وكذلك تطبيقات كثيرة جدًّا
تطبيقات شهادة الأصول في الواقع الغربي
عندما ننتقل إلى تطبيقات هذا المبدأ الأصولي على واقع الوجود الإسلامي في الغرب، فإن من فروع هذا الأصل، أو هذا المبدأ، مايلي:
الفرع الأول: مواساة غير المسلمين في الكوارث والأحداث التي تجري، وتقديم الدعم والمساعدة للاجئين، والتبرع بالدم
هذه الأمثلة التي ذكرتها، عند النظر للأصول من القرآن والسنة، نجد أنها لا تفرق فيها بين المسلمين وبين غير المسلمين، وبالتالي من خلال هذه الأصول نستطيع أن ننتهي إلى أن على المسلمين في الغرب ألا يفرقوا في هذه الصور ومثيلاتها، بين المسلمين وبين غير المسلمين، في الدعم والمواساة في الكوارث، وفي الفيضانات، وفي أي كارثة طبيعية حلت بالمسلمين، أو بغير المسلمين في الغرب.
فيجب على المسلمين أن يسابقوا، وأن يسارعوا إلى دعمهم تمامًا، كما يسابقون ويسارعون إلى إغاثة المسلمين، عندما تحدث لهم كارثة في أي مكان في العالم.
الفرع الثاني: التبرع بالأعضاء
هذه مسألة خلافية بين العلماء، فجماهير العلماء المعاصرين وأغلب المجامع الفقهية، انتهت إلى جواز التبرع بالأعضاء بشروط، وتفاصيل معينة
مَن يترجح عنده جواز التبرع بالأعضاء، لا يجوز له أن يفرق إذا ما كان سيستفيد من الأعضاء التي سيتبرع بها في حياته، أو بعد موته مسلم أو غير مسلم؛ لأن غير المسلم لا يُفرق، فلماذا تفرق أنت؟
فأنت في حالة الأخذ، لا تسأل إذا كان العضو الذي تأخذه من مسلم، أو من غير مسلم؟
بعض المسلمين يفلسف هذه المسألة، فيقول: ولكني لو تبرعت لغير مسلم، سيأخذ قلبي، أو العضو الذي اتبرع به، ويقترف به المحرمات، فيشرب به الخمر أو يزني!!
أقول له: لماذا لا تطرح على نفسك هذا السؤال، عندما تأخذ أنت منه؟
سيقول: عندما سآخذ العضو منه، سيصبح طاهرًا، وسأصلي به، وسأطيع الله به، فستختلف الصورة ويختلف الأمر بطبيعة الحال!
هذه الصور كلها مرفوضة، ورفضنا لها يأتي مباشرة من النصوص، فالنصوص الكلية العامة لم تفرق أبدًا بين مسلم، وبين غير مسلم، في هذه الصور التي ذكرتها، قال الله {مِن أجل ذلك كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَانَمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَانَمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [سورة المائدة: من الآية 32]، وقال الله {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [سورة الإنسان: الآية 8]“مسكينًا” مُطلقة، “ويتيمًا” مُطلقة، “وأسيرًا” مُطلقة، والأسير لا يكون إلا غير مسلم.
هل يمكن للمسلمين في الغرب أن يفرقوا؟ هل وارد أن يتجه المسلمون الذين يعيشون في الغرب في معاملاتهم، وفي إحسانهم إلى اللاجئين، أو إلى غير المسلمين، أن يفرقوا بين مسلم وبين غير مسلم؟
الواقع أن هناك صورًا لهذه التفرقة، أذكر لكم نموذجين فقط من هذه التفرقة، يتصلان بالاجئين
نماذج من الواقع وتحديات التعامل الإنساني
النموذج الأول: زرت واحدًا من أكبر مراكز استقبال اللاجئين في ألمانيا، وطلبنا مقابلة المسؤول، والتعرف على احتياجات هذا المركز، ودور المؤسسات الإسلامية مع اللاجئين الوافدين والقادمين إلى ألمانيا، فأبدوا تحفظًا وتململاً، وعدم رغبة في لقائنا، وجاء أحد الموظفين وقال: التمسوا لنا العذر، فقد وقعت حادثة بالأمس، هي التي أدت إلى ما ترونه الآن، فما الذي حدث؟!
قال: جاء شخص ألماني مسلم، ومعه كميات كبيرة جدًّا من الطعام، يريد أن يساعد بها اللاجئين في هذا المركز؛ لكن قال لنا: لي شرط، قالنا له: ما شرطك؟
قال: لا يأخذ هذه الأطعمة إلا اللاجئون المسلمون فقط!!
فغضبنا جدًّا، وقلنا له: إذًا اذهب أنت، وما جئت به من طعام؛ لن نقدمه لا للمسلمين، ولا لغير المسلمين.
يؤسفني أن أقول إن الكنائس في مدينة برلين، سبقت المساجد في فتح أبوابها للاجئين المسلمين، وغير المسلمين، صحيح أن المساجد قامت بدور، ولا زالت تقوم به إلى الآن، خاصة في مدينة برلين، وفي مدن أخرى؛ لكنها في القيام بهذا الواجب، أو بهذا الدور تأخرت وسبقها غيرها.
النموذج الثاني: وكنت شاهدًا عليه أيضًا بصورة مباشرة، وهو يتصل بالأطفال القصر من أولاد اللاجئين، الذين قدموا في موجات الهجرة الجديدة إلى ألمانيا، حيث انتشرت أخبار بين المسلمين، أن هناك أعدادًا كبيرة من الأولاد القصر السوريين المسلمين، الذين قدموا إلى ألمانيا، ويحتاجون إلى كفالة، ويحتاجون إلى رعاية من المسلمين، والأخبار التي وصلت إلى المسلمين، فهموا منها أن هؤلاء أطفال رضع، أو صغار السن جدًّا، وكلهم من المسلمين.
حيث قامت إحدى المؤسسات في مدينة فرانكفورت، بعمل إعلانٍ عن القيام بلقاء خاص بالأطفال القصر من أولاد اللاجئين، ودعت الناس جميعًا إلى الحضور، والاستفسار؛ حتى يمكنهم المساعدة، والدعم في هذا الموضوع.
الإعلان وصل إلى أعداد كبيرة جدًّا من المسلمين، تفاعلوا معه على أن هذا اللقاء خاص بأولاد اللاجئين المسلمين، الذين قدموا إلى هذه البلاد، أو الذين قدموا بدون أبويهم
امتلأت القاعة في الدقائق الأولى، قبل انطلاق موعد المحاضرة التعريفية بموضوع اللجوء، ووقف الناس في الشوارع بأعداد كبيرة جدًّا، ولاحظت علامات الذهول على المسؤولين في هذه المؤسسة؛ لأنهم ما رأوا مثل هذا المشهد من قبل، وكان 90% من الحضور من المسلمين، فقد شاهدت أعدادًا كبير من النساء المتحجبات!!
ما السبب في هذا التفاعل الكبير وغير المسبوق من المسلمين؟ السبب أنهم استشعروا أن هؤلاء القصر أولاد المسلمين، وبدأت مندوبة المؤسسة في عرض المعلومات التي لديها، فقالت معلومتين:
الأولى: أنهم ليس لديهم أطفالًا صغارًا، فكل الأطفال الموجودين عندهم أعمارهم ما بين 14 سنة إلى 17 سنة.
الثانية: أن الأعداد الموجودة أغلبها من إريتريا، ومن أفغانستان، ومن الصومال، ثم يأتي الأولاد السوريون في المرتبة الرابعة والأخيرة، فهم الأقل عددًا.
فمباشرة بعد أول فاصل للاستراحة، خلت القاعة من أغلبية المسلمين، ولم يتبقَّ إلا عدد قليل جدًّا في الصفوف الأولى من القاعة، أين ذهب الناس؟! أين ذهب المسلمون الذين حضروا للسؤال والمعرفة، والمساهمة والمشاركة؟!
انصرفوا بمجرد أن علموا أن المقصود بهذا اللقاء، هم الأولاد القصر من غير المسلمين فقط، فانتهى تفكيرهم واهتماهم بالموضوع!!
في تقديري هذه كارثة كبيرة في الحقيقة، والضرر الذي عاد من هذه الصورة التي ذكرتها، أكبر من النفع والفائدة التي عادت.
ولذلك نحن في المجلس الأوروبي للإفتاء أصدرنا توصية واضحة، أنه يجب أن نقوم برعاية وكفالة هؤلاء الأطفال، دون تفرقة بينهم على أساس الدين، أوالجنس، أوالسن، أوالعرق، أو اللون أو أي شيء آخر، وأن ننطلق من منطلقات إنسانية خالصة؛ ولهذا أبعاد وأسباب كثيرة جدًّا.
الفرع الثالث: مسألة قتل مَن يسب النبي صلى الله عليه وسلم
هذه المسألة من الفروع التي يمكن أن نطبقها، أو أن نخرجها على موضوع شهادة الأصول
فعندما وقعت أحداث “شارلي إيبدو” أنكر عدد كبير جدًّا من الشباب، على الأئمة وعلى المؤسسات الإسلامية، أنها ترفض ما حدث من قتل الصحفيين في شارلي إيبدو، بحجة أنهم سبوا نبينا صلى الله عليه وسلم وسخروا منه، وأقل ما يجب على المسلمين أن يسكتوا عما حدث، لا أن يدينوا ويخرجوا في التظاهرات رفاضة لقتل هؤلاء الصحفيين،وانتشرت مطبوعات في فرنسا، وفي ألمانيا، وفي أماكن مختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبين عدد كبير جدًّا من الشباب، خلاصة ما فيها أن مَن يسب النبي صلى الله عليه وسلم عقوبته القتل، مسلماً كان أم كافراً، وأن ابن تيمية في كتابه “الصارم المسلول على شاتم الرسول” ادعى الإجماع على قتل مَن يسب النبي صلى الله عليه وسلم، مسلمًا كان أم كافرًا، واستدل بنصوص كثيرة جدًّا، منها ما هو صحيح، ومنها ما هو ضعيف، أو موضوع.
باختصار شديد، ودون تفصيلٍ في الرد على هذا الكلام، فإن كل ما استدلوا به إما مطعون في سنده، أو مطعون في متنه، بمعنى أن متنه لا ينطبق على الواقعة محل الكلام، التي هي أحداث شارلي إيبدو وغيرها؛ لأن الذين ثبت في روايات صحيحة أنهم قُتلوا لأنهم تعرضوا للنبي صلى الله عليه وسلم بالسب، ما عوقبوا بالقتل على مجرد سبهم للنبي صلى الله عليه وسلم؛ إنما لأنهم ضموا جرائم أخرى إلى جريمة سب النبي صلى الله عليه وسلم، فالعقوبة ليست على مجرد تعرضهم للنبي صلى الله عليه وسلم بالهجاء شعرًا؛ وإنما قصاصًا، أو قودًا، أو حدًّا في جريمة أخرى، لاعلاقة لها بمسألة سب النبي صلى الله عليه وسلم.
وعندما نطلب شهادة الأصول، فإن الأصول في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية، لا تنتهي أبدًا إلى عقوبة مَن يسب النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل:
قال الله تبارك وتعالى {وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [سورة المزمل: الآية 10]
وقال الله {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا} [سورة الأحزاب: الآية 48]
وقال الله {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يستهزئون} [سورة الأنعام: الآية 10، وسورة الأنبياء: الآية 41]
وقال الله {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [سورة الفرقان: الآية 31]
وقال الله {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [سورة الأنعام: الآية 112]
وقال الله {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [سورة الحجر: الآية 95]
وقال الله {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [سورة الأنبياء: الآية 107]
فكيف يمكن أن يتماشى ويتناغم، إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لقتل مَن سبه، أو طلبه أو تصريحه أو إذنه بذلك، مع قول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}؟!
ولقد جمعت مجموعة من النصوص الصحيحة، في صحيح الإمام البخاري ومسلم، ذُكر فيها بصورة مباشرة أن بعض المشركين سبوا النبي صلى الله عليه وسلم، وما تعرض لهم لا بالأذى، ولا بالقتل
لماذا سكتنا عن هذه الأحاديث الصحيحة، وذهبنا نبحث عن الأحاديث الضعيفة، أو الموضوعة، أو التي للعلماء فيها أقوال كثيرة جدًّا؛ حتى نصل بها إلى تثبيت وتقرير، أن مَن يسب النبي صلى الله عليه وسلم يُقتل؟!
القاعدة الثانية: مبدأ تحقيق المناط
تحقيق المناط عند علماء الأصول موضوع أيضًا شائك وطويل، والشيخ “عبد الله بن بيه” له مشروع فكري كبير جدًّا الآن، اسمه تحقيق المناط، هو يعتبر أن كل مشاكل، وأزمات المسلمين الفكرية الموجودة الآن، مردها إلى موضوع تحقيق المناط، وأنه إذا تم استيعابه بشكل جيد، يمكن أن نفكك الكثير من المشكلات، والقضايا الفكرية والاجتماعية للمسلمين اليوم
تحقيق المناط ببساطة شديدة جدًّا، وبعيدًا عن كلام علماء الأصول المركب في موضوع تحقيق المناط، هو:
(فقه تنزيل النصوص والأحكام على الواقع)
فعندنا نص، وهناك حكم مقرر موجود؛ لكن تطبيق هذا الحكم على الواقع، يلزم منه فهم هذا الواقع بدقة شديدة جدًّا، هذا الواقع نفسه شديد التعقيد، فالواقع يدخل فيه معرفة الزمان، يدخل فيه معرفة المكان، يدخل فيه معرفة الأشخاص، يدخل فيه معرفة متغيرات كثيرة جدًّا.
ومشروع الدكتور/ طارق رمضان الذي يطرحه الآن، والذي بثه في كتب كثيرة جدًّا، يقوم بصورة مباشرة على فكرة الواقع، وآخر طرحه هو: ضرورة أن يكون عندنا علماء مختصون بمعرفة وفقه النصوص، وعلماء مختصون بفقه ومعرفة الواقع، ولا بد أنه يحصل التقاء بين الفريقين؛ حتى ننتج حكمًا فقهيًّا صحيحًا، ننزله تنزيلاً صحيحًا، ومنضبطًا ودقيقًا على الواقع، هذا باختصار فكرة هذا المبدأ
هذا المبدأ له تطبيقات كثيرة جدًّا، ومن ذلك لو أردنا أن نعود إلى المثال السابق، وهو قتل مَن يسب النبي صلى الله عليه وسلم، فعندما نرجع إلى أقوال الفقهاء، وما قرروه في هذه المسألة، نلحظ كلامًا في منتهى الدقة
باختصار شديد قالوا: إن الكافر الذمي الذي يدخل دار الإسلام بأمان أو بعهد، لو تعرض للنبي صلى الله عليه وسلم بالسب أو الأذى، فعقوبته تكون القتل.
فمثلًا لو سائح، أو موظف، أو عامل ذمي غير مسلم، يقيم إقامة مؤقتة محددة في بلد إسلامي، فالدولة المسلمة تقيم عهدًا أو اتفاقًا، يتمثل في التأشيرة التي يدخل بها هذه البلاد، منصوص في بنود هذا العقد أو هذه التأشيرة، ألا يتعرض للنبي صلى الله عليه وسلم بالسب أو الأذى، فإن تعرض له، فالعقوبة تكون القتل.
وهناك تفاصيل في هذا الباب، فبعض الفقهاء يقول: يُرحل، ويخرج من البلد دون قتله.
وبعضهم قال: يُراجع في هذا الأمر.
وهذه الجريمة في نظر الفقهاء تمثل جريمة الخيانة العظمى؛ لأنها ستتسبب في زعزعة الاستقرار، والسلام الاجتماعي في البلد، بهذا التصرف، وهذا الفهم.
فالصورة التي يتكلم عنها الفقهاء، عند إرادة تنزيلها وسحبها على الواقع الأوروبي، نقع في إشكال كبير جدًّا؛ لأن الفقهاء يتحدثون عن نقطة، وعن قضية، وعن موضوع يختلف تمامًا، عن الموضوع الذي تريد أن تطبقه على الأوروبيين، أو على غير المسلمين في الغرب.
إذًا هناك فرق كبير جدًّا بين ذمي، أو غير مسلم دخل دار الإسلام بأمان، وبعهد من بنود هذا العهد، ألا يتعرض للنبي صلى الله عليه وسلم بالسب أو الأذى، وبين وقوع هذا منهم في بلادهم.
فالفقهاء الذين تحدثوا عن هذا الأمر قالوا: فإذا لم ينص على ذلك في شرط أمانه، وبقائه، ودخوله، فلا عقوبة عليه، أي أنه لا بد أن يكون من بنود العقد، ألا يتعرض هذا الكافر في دار الإسلام، للنبي صلى الله عليه وسلم بالسب أو الأذى، هذا عند مَن يقول من الفقهاء بهذا الأمر
فعندما تأتي أنت لتطبق هذا الكلام، على شخص كافر غير مسلم، يؤمن بحرية التعبير، ويحكمه القانون، والميثاق الاجتماعي للدولة، في البلد التي يعيش فيها، فيفعل هذا الأمر على أنه من حرية التعبير
بدليل أن هذه المجلة نشرت صورًا كثيرة جدًّا، سخرت فيها من كل الناس، فليس عندها موقف خاص بالمسلمين، أو موقف خاص من نبينا صلى الله عليه وسلم.
ولا أريد أن يُفهم من كلامي هذا أني أبرر هذا الكلام، أو أني لا أنكره، أو لا أرفضه، أنا أريد أن أنتهي إلى تقرير حكم شرعي واضح في هذه المسألة، وقع اللبس والخلط والتخليط فيه بالنظر المباشر في أقوال الفقهاء، وادعاء وجود إجماعات، وتم تجاهل الأصول الكلية، وتم تجاهل أيضًا أن الواقع الذي تحدث عنه الفقهاء لتطبيق هذا الحكم عليه، يختلف تمامًا عن الواقع الأوروبي، لهذا الأوروبي غير المسلم الذي يعيش في بلده، ويتحاكم إلى قوانينه
فيأتي المسلم الذي دخل هذه البلاد بأمان، ويريد أن يطبق عليه العقوبة، التي قررها الفقهاء على الكافر إذا دخل دار الإسلام بأمان!
إذًا تحقيق المناط بدراسة الواقع بدقة؛ حتى يتم تنزيل الحكم الشرعي عليه بصورة دقيقة، هو أمر ضروري جدًا، ولا يتأتى إلا لمن يعيش في الغرب، ويُخبر هذا الواقع بصورة لصيقة ومباشرة
من تطبيقات تحقيق المناط: مسألة الإقامة والوجود الإسلامي في الغرب
هل يُظَن أن هذه القضية تحتاج إلى نقاش، أو تحتاج إلى شرح، أو تحتاج إلى تأصيل شرعي الآن؟
المسلمون في ألمانيا عددهم تجاوز خمسة ملايين، ومؤسساتهم الآن بالآلاف، وقيمتها تتجاوز المليارات، فهل بعد هذا يمكن أن نتحدث عن هل الإقامة في الغرب مشروعة أو غير مشروعة؟
عندنا علماء مشهورين جداً، ومعروفين بالاعتدال والوسطية، يزورون الغرب، ولا يقيمون فيه، قرّروا في مقاطع فيديوهات، وفي مؤلفات، أن الإقامة في الغرب محرمة، وغير مشروعة، واستندوا إلى حديث جرير بن عبد الله البجلي، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل، وقال: “أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ”، قالوا: يا رسول الله لِـمَ؟ قال: “لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا” [أخرجه الترمذي في سننه]
هذا حديث مرسل، وعلى فرض أنه حديث صحيح، فمدرك الحكم هنا يتأسس على نقطة واحدة وهي، التمكن من العيش بالدين، وإظهار شعائره، فإذا تمكن من العيش بالدين، وإظهار شعائره في أي مكان، فإقامته مشروعة وصحيحة، وإذا لم يتمكن من العيش بالدين، وإظهار شعائره في بلد إسلامي، يتعين عليك أن يبحث عن مكان آخر، قال الله تعالى ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [سورة النساء، الآية: 97]
هذا هو ما فهمه أغلب المفسرين من هذه الآية؛ ولذلك حديث الرسول عليه الصلاة والسلام مباشر وصريح:“إذا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ، وَآتَيْتَ الزَّكَاةَ، فَأَنْتَ مُهَاجِرٌ، وإن متَّ بالحَضْرَمَة” [أخرجه أحمد في مسنده]
فبمعرفة واقع الوجود الإسلامي في الغرب، وما يتمتع به المسلمون في الغرب من حرية، حتى وإن وقع تضييق في بعض الصور، أو في بعض المراحل، أو في بعض التوقيتات، هل يمكن بعد ذلك أن يصح أن نقول إن الإقامة في الغرب غير مشروعة، أو أنها لا تجوز، أو أن على المسلمين أن يرحلوا، كما قال بعض هؤلاء الدعاة المشاهير؟!
من تطبيقات تحقيق المناط: مسألة تهنئة غير المسلمين بأعيادهم
هذه المسألة من المسائل التي تصلح أن تكون فرعاً يتنزل على مبدأ تحقيق المناط.
هناك خلط كبير جداً يحدث في مسألة تهنئة غير المسلمين بأعيادهم؛ الخلط يحدث بين صورة وشكل، وقيمة ومعنى هذه الأعياد في الغرب، وقيمة وصورة، وشكل هذه الأعياد عند غير المسلمين في الشرق، أو في العالم العربي والإسلامي.
فالعلماء الذين يفتون بتحريم التهنئة، أو المشاركة في الاحتفالات بهذه الأعياد، بأي صورة من الصور في العالم العربي والإسلامي، يسحبون هذا الحكم وينزلونه على الواقع الأوروبي، المختلف تماماً بتمام.
ولذلك الشيخ/ فيصل المولوي “رحمه الله” في فتوى شهيرة له، اعتبر أن هذه الأعياد هي أعياد اجتماعية، وليست أعياداً دينية؛ ولذلك انتهى إلى أن التهنئة بها مشروعة وجائزة، سواء كانت من الأفراد، أو كانت من الهيئات والمؤسسات، بشرط ألا تحتوي هذه التهنئة على شيء محرم في الإسلام، كأن ترسل بطاقة عليها صليب مثلاً، وهو شيء مرفوض من حيث المبدأ في الإسلام.
إذاً ما يحدث من احتفال، أو من تقدير، أو من اتصال صورة الاحتفال بأمر العقيدة والاعتقاد في العالم العربي والإسلامي، لا ينسحب بالضرورة على واقع الوجود الإسلامي في الغرب
كذلك ما ينبني على عدم المشاركة “بضوابطها الشرعية” في التهنئة من مفاسد من قِبل المؤسسات، والأفراد، والجيران من المسلمين لغير المسلمين، وما يترتب على التهنئة من مصالح، غير متصور أو متحقق في العالم العربي والإسلامي.
فبعض الدول العربية والإسلامية، احتفال المسلمين بهذه الأعياد، أكبر من احتفالهم بأعيادهم الإسلامية، وما ينفقونه من أموال في هذه الأعياد كذلك، وما يقع في بعض البلاد العربية والإسلامية في هذه الأعياد من موبقات ومن فواحش كذلك
فلا يمكن أبداً أن أسحب هذا الحكم، وهذا التحريم، وهذا التشدد في هذه القضية، على الوجود الإسلامي في الغرب، بهذه التعقيدات، وبهذا الاختلاف الجوهري الكبير بينه، وبين الأمر في العالم العربي والإسلامي.
القاعدة الثالثة: دلالة الترك النبوي على الحكم الشرعي
هذه القاعدة أيضاً مهمة جداً، وفيها تفاصيل كثيرة، فهل كل ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم، يتعين علينا أن نتركه؟ فالرسول عليه الصلاة والسلام ترك أشياء كثيرة جداً
مدرسة الغلو والتشدد ترى أن كل ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم يتعين علينا أن نتركه، وأننا إذا فعلنا ما تركه النبي صلى الله عليه فقد أتينا ببدعة منكرة، إلى حد أنهم يتشددون في مجرد وضع خطوط لتنظيم صفوف المصلين في المساجد، فيقول إن هذه بدعة.
لماذا بدعة؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تركها، ولم يفعلها.
نقول له: هل حدث في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقتضي وجود، أو عمل هذه الخطوط لتسوية الصفوف؟
يقول: لا شأن لنا بهذا الأمر، هل فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر؟ أبداً، فلقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم وضع الخطوط لتنظيم الصفوف.
رأيت بعض من يرفض وينكر بشده ترجمة الخطبة إلى اللغة الألمانية، أو إلى أي لغة أخرى في أوروبا، لماذا؟
لأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها، أو أذن لأحد بها، أو أقر أحداً عليها، أو من جاء من بعده من الصحابة، وما تركه النبي صلى الله عليه وسلم يتعين علينا أن نتركه
فدلالة ترك النبي مسألة طويلة عند علماء الأصول، الراجح فيها: أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على شيء، أو يدل فقط على الإباحة والمشروعية؛ لأنه لو كان ترك النبي صلى الله عليه وسلم يدل على تحريم الفعل ووجوب الترك، لكان فعل النبي صلى الله عليه وسلم دالاً على وجوب الفعل، فيتعين علينا أن نفعل كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل أحد بهذا؛ لأن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام منها ما هو تشريعي، ومنها ما هو غير تشريعي، منها ما هو مسنون ومنها ما هو واجب، والمسنون نفسه على درجات.
إذاً ليس كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم واجب الفعل، وليس كل ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم واجب الترك.
لماذا أدخلنا هذه القضية في موضوع العيش المشترك؟
لأن كثيراً من المسائل والقضايا، والمستجدات الفقهية للمسلمين الذين يعيشون في الغرب، تركها النبي صلى الله عليه وسلم.
هل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سار في جنازة كافر، أو قام بتغسيله وتكفينه، أو قام بتعزيته؟
لم يثبت هذا.
هل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع الزكاة لغير المسلم؟ لم يثبت هذا.
كل هذه الفروع نحتك بها يومياً في الساحة الأوروبية؛ ولذلك من القضايا التي طرحت في المجلس الأوروبي للإفتاء، حكم دفع الزكاة لغير المسلم ولا نتحدث عن سهم المؤلفة قلوبهم؛ بل عن غير المسلم إذا كان فقيرًا أو مسكينًا
جمهور الفقهاء يقول: إن الزكاة لا يجوز للمسلم أن يدفعها لغير المسلم، وادعى بعض العلماء كابن حزم الإجماع على أن الكافر لا يجوز له أن يأخذ من الزكاة.
الشيخ/ الجديع “حفظه الله” قدم بحثاً مطولاً، انتهى فيه إلى ترجيح أن الكافر يجوز له أن يأخذ من الزكاة، وهو نفس ما رجحه شيخنا الشيخ/ القرضاوي في كتابه “فقه الزكاة“، فقد ناقش المسألة مناقشة طويلة، ونقض الإجماع المُدعى في المسألة؛ فقد ثبت أن سيدنا عمر بن الخطاب أعطى الكفار من الزكاة، من غير سهم المؤلفة قلوبهم، وثبت أن عدد من أئمة التابعين دفعوا الزكاة لغير المسلمين من فقرائهم كذلك؛ لكن الشيخ/ القرضاوي قال: على أن تكون الأولوية للمسلمين من إعطاء الزكاة، وهو ما تبعه فيه شيخنا الشيخ/ الجديع أيضاً في بحثه
فانتهى إلى جواز أن ندفع الزكاة لغير المسلمين، إن انطبق عليهم هذا الوصف؛ لكن بشرط أن تكون الأولوية للمسلمين.
وقد اعترضت على هذا الكلام شخصياً، وقلت له: هل هناك دليل على تقديم المسلمين، على غير المسلمين في دفع الزكاة؟ قال لي: لا يوجد دليل منصوص على هذا الأمر.
قلت له: إذاً النصوص عامة، إما أن نقرر أنه يجوز دفع الزكاة للفقير غير المسلم، كما يجوز للفقير المسلم، وإما أن نقرر أنه لا يجوز، ونلتزم برأي جمهور الفقهاء؛ حتى لا نقع في إشكال الإخلال بمقصد المساواة، ومقصد العدل الذي قررته الأصول الكلية العامة، التي تحدثنا عنها وأشرنا إلى بعضها قبل قليل.
ونتيجة لذلك فإن المجلس الأوروبي للإفتاء قال: إذا كان الأمر كذلك، نؤخر اتخاذ قرار في هذه المسألة؛ لمزيد من البحوث والدراسات، والنقاشات في هذا الموضوع؛ حتى ننتهي إلى قرار واضح في هذه المسألة.
من يتذرع أويتمسك بأن الكافر لا يأخذ من الزكاة، حتى وإن كان فقيراً، يقول: النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت أنه دفع الزكاة، فترك دفع الزكاة لغير المسلم، ونحن يلزمنا أن نترك ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم
وكذلك الأمر في تعزية غير المسلمين، وفي المشاركة في جنائزهم، وفي غير ذلك من الفروع التي تتصل بعلاقة أو بحياة المسلم مع غير المسلمين.
كل هذه المسائل والفروع تركها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم من تركه تشريع الترك، أو تحريم الفعل كما ذكرنا قبل قليل.
القاعدة الرابعة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
هذا مبدأ أصولي مهم جداً، صحيح أنه لا يصح الاستقلال، أو الاستدلال بهذه القاعدة وحدها، على حكم شرعي معين؛ لكنها قاعدة أصولية مقررة، وعليها أدلة كثيرة جداً، وفروع كثيرة جداً.
فمثلًا: جمهور الفقهاء قرر وجوب الفطر للمجاهد المسافر؛ مع أن الفطر للصائم المسافر مباح لا واجب! لكن لماذا قالوا أنه واجب؟ قالوا: لأنه لا يتم الواجب الذي هو الجهاد والانتصار على العدو إلا به، إذاً يتعين على المسافر المجاهد الصائم أن يفطر؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ولذلك نحن لا نتردد في القول بأن مشاركة المسلمين السياسية على الساحة الأوروبية واجبة، وليست من المندوبات، وليست من المباحات، لماذا؟
لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فكثير من مصالح المسلمين، وحماية وجودهم، وحماية دينهم ومعتقدهم، وحريتهم، مرتبطة بالمشاركة السياسية، وبالوجود السياسي للمسلمين على الساحة السياسية الأوروبية
وكذلك المشاركة في التظاهرات، والاحتجاجات، وإصدار البيانات المنددة والرافضة، لكل الأعمال الإرهابية التي يقتل فيها بُرآء على الساحة الأوروبية، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فحماية المسلمين، وحماية المؤسسات الإسلامية، وحماية صورة الإسلام في الغرب مرتبطة بهذه الأشياء التي ذكرت، إذاً فعلها والمشاركة فيها، كذلك تكون واجبة، ولا نتردد في أن نقول هذا الأمر.
التكييف الفقهي للوجود الإسلامي في الغرب
نحن مواطنون أوروبيون مسلمون، ننتمي إلى هذا الوطن، ومن مقتضيات هذه المواطنة أن لنا حقوق وعلينا واجبات، وعندما نرجع إلى ما حدث من ردات فعل للمسلمين، عقب تفجيرات باريس، سنجد أن هناك اختلاف كبير جداً، بين ما حدث من المسلمين من تفاعل، وتعاطي مع تفجيرات باريس، وبين ما حدث من المسلمين على الساحة الأوروبية والعربية، مع أحداث شارلي إبدو.
الغالبية العظمى من المسلمين، ومن الدعاة ومن العلماء على الساحة الأوروبية، رفضوا أحداث شارلي إبدو، وخرجوا في تظاهرات، وبعض الأئمة نظموا مسيرات، كوقفة برلين الشهيرة، التي نظمها المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، والتي كان لها أثر كبير جداً في أذهان الأوروبيين والألمان، وساهمت هذه التصرفات، والبيانات، والمسيرات والاحتجاجات الرافضة من المسلمين، بصورة مباشرة في وأد، أو تهدئة، أو إسكات حركة “بجيدا”، التي قال محللون عندما وقعت أحداث شارلي إبدو، إن هذه الأحداث ستكون الوقود الذي سيشعل حركة “بجيدا”.
وكان هناك شبه إجماع من المسلمين على رفض وإنكار هذا الأمر؛ إلا من أصوات قليلة من بعض الشباب المتشدد، أو الذي يغترف النصوص مباشرة من الإنترنت، مثل ما أشرت قبل قليل
هذا لم يحدث مع الحدث الأخير، فوجدت تعاطفاً كبيراً من بعض المسلمين بدرجات متفاوتة مع ما حدث، ومنهم من برر هذا الأمر؛ مثلما انتشر على مجموعات الواتساب، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، من سرد لأعداد القتلى من المسلمين الجزائريين، على يد الفرنسيين أيام الاستعمار، وما قُتل كذلك في سوريا، وفي العراق وفي غيرها قديماً وحديثاً، وبناء على هذه الأرقام وهذه الإحصائيات لا يقال لنا ارفضوا، واشجبوا ونددوا، واخرجوا في تظاهرات رافضة لما حدث لهم، فنحن لسنا مضطرين لهذا الأمر، فاذكروا تاريخ هؤلاء القوم، واعتبر البعض أن هذه الأشياء ما هي إلا مبررات واضحة، نقول معها بصورة غير مباشرة هؤلاء يستحقون ما حدث لهم، ذوقوا مرارة ما فعلتم بالمسلمين في هذه البلاد.
وعندما خطبت الجمعة في واحد من المساجد الكبيرة في مدينة فرانكفورت، رافضاً لهذه الأحداث، ومؤصلاً لهذا بصورة شرعية، وقلت: إن القضية ليس فيها محاباة لا للأوروبيين ولا لغيرهم، نحن نتحدث الآن عن صورة الإسلام العالمية التي تهتز، والتي يثبت معها أن الإسلام دين الإرهاب، ودين القتل والتطرف
وقلت: أحدثكم بكلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن عنده اعتراض على هذا الكلام، فليحدثني أيضاً بكلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومع ذلك وجدت امتعاضاً وتململاً من بعض الناس، كأنه غير قابل لهذا الخطاب، ويعتبره انبطاح أمام الغرب، وإعطاء للدونية، وأنه خطاب انهزامي، لا يصح منا.
وعلمت أن بعض الأولاد المسلمين في المدارس، عندما طلبت منهم المعلمة أو المعلم في الفصل، أن يقفوا دقيقة حداد على من قتل من المدنيين، في هجمات باريس، رفض هؤلاء الأولاد المسلمين أن يقفوا، ولما سألته المعلمة قالوا لها: لماذا لم تقفوا على الآلاف الذين يقتلون في سوريا كل يوم، حتى نقف لكم؟ هذه بتلك.
فعندما يحدث هذا الأمر من المسلمين في الغرب، فهذا لوجود إشكالين كبيرين جداً
الإشكال الأول: إشكال في مفهوم المواطنة الذي نتحدث عنه؛ لأن هذا لا يعني أبداً أنك مواطن أوروبي، مواطن مسلم ينتمي إلى هذا الوطن، وتخاف عليه.
الإشكال الثاني: أن المسلمين في الغرب ليس دورهم فقط رفض ما يحدث من أعمال، أو من هجمات إرهابية تضر بسلامة، وأمن المدنيين الأبرياء في أي بلد أوروبي، أو في أي مكان في العالم؛ بل أن مسؤوليتهم تمتد لحماية هذه البلاد، والذود عنها أيضاً.
فإن قيل: أننا بذلك قد ذهبنا بعيداً، بقولنا أن علينا أن ندافع ونقف مع هؤلاء الناس، من أين أتينا بهذا الكلام؟
نقول: إن الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة، عاشوا كمهاجرين مؤقتين في البلد؛ رغم أن أسباب البقاء والاستقرار والدوام، كانت متحققة في حقهم، أكثر من أسباب الاستقرار والدوام والاستمرار للوجود الإسلامي في الغرب اليوم، فالوجود الإسلامي في الغرب اليوم، أوجد الجيل الثاني والثالث، وربما الجيل الرابع للمسلمين في الغرب اليوم، ومع ذلك، ماذا فعل المسلمون الذين بقوا في الحبشة بعد زوال سبب الهجرة؟
لما قامت ثورة ضد النجاشي بقيادة ابن أخيه، لم يقل المسلمون هذا شأن داخلي، لا علاقة لنا به، نحن مجرد أجانب، وجودنا مؤقت، ولا علاقة لنا بالبلد، ولسنا مواطنين في البلد؛ لكي نتدخل في هذا الشأن، وهذه معركة لسنا طرفًا فيها
لم يحدث هذا من الصحابة، فالسيدة أم سلمة التي روت هذه الحادثة تقول: والله ما حزنا حزناً قط منذ هاجرنا، كحزننا لخروج هذا الرجل على النجاشي، ينازعه في ملكه.
هل كان حزنهم، وتأثرهم في أنفسهم، ولم يفعلوا أي شيء؟ لا؛ بل ذهبوا إلى النجاشي، وعرضوا عليه أن يقاتلوا معه
سيقاتلون مع حاكم كافر غير مسلم، حماية ودفاعاً عن نظامه، وسلطانه، وحكمه غير الإسلامي؛ لكنه عادل فلما رفض النجاشي، ماذا فعلوا؟
لم يقولوا فعلنا ما علينا، وعرضنا عليه وهو رفض؛ بل أرسلوا الزبير بن العوام، ونفخوا له قربة ليسبح عليها، حتى وصل إلى النجاشي؛ لينقل إليهم الأخبار وما يحدث، حتى أظهر الله النجاشي على من خرج ينازعه في ملكه
تقول أم سلمة: “فما فرحنا فرحاً قط من هاجرنا، كفرحنا لإظهار النجاشي على من خرج ينازعه في ملكه”، وفي رواية الإمام أحمد في مسنده، والرواية صحيحة تقول: “فقمنا بالليل نصلي، وندعو الله تعالى للنجاشي، أن يظهره الله على من خرج ينازعه في ملكه”.
عندما أدعو في خطبة الجمعة أقول: اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، سخاء رخاء وسائر الأوطان، فأجد المسلمين الذين يُؤَمِنُون على دعائي، يُؤَمِنُون بحماس شديد طول الوقت، وأول ما يسمعون دعائي بالأمن لهذا البلد الأوروبي، أجد تأمينهم فاترًا، تشعر أن لديهم مشكلة في تأمينهم على هذا الدعاء
وبعض الناس جاء يقول لي: كيف تقول اللهم اجعل هذا البلد آمناً؟ قلت له: إن لم ترده آمانًا، فماذا تريده؟! عندما يكون آمناً مطمئناً سخاء رخاء، واقتصاده جيد، أنت أول من سيستفيد من هذا الأمر.
التكييف الشرعي لأحداث باريس ومثيلتها
عندما نتحدث عن موضوع أحداث باريس، أو غيرها ونحرمه، هذا لا يعني أننا نؤيد القتل في أي مكان آخر، أو في أي بلد آخر، فهذا أُنكر ورُفض، وأُدين منا بوسائل وطرق مختلفة، في أوقات مختلفة؛ بل وكانت هناك إجراءات عملية، وليس فقط إنكار، أو إدانة نظرية، لرفع الظلم والأذى عن المضارين، والمتأذين في العالم.
فعندنا أحاديث واضحة جداً تحسم حكم القيام بمثل هذه الأحداث، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن الحمق الخزاعي: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى دَمِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ، فَأَنَا مِنَ الْقَاتِلِ بَرِيءٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا» [أخرجه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني، وحسن إسناده شعيب الأرنؤوط]
فعندما نكيف وضعية المسلمين في الغرب، فالمسلمون في الغرب بينهم وبين الدولة عهد أو اتفاق، وهذا العهد يجب أن يصان، ويجب أن تنفذ بنوده، ولا يصح الإخلال بها؛ حتى وإن كان فيها ظلم على المسلمين، لماذا؟ لأن الأصول الكلية تقرر أن الوفاء بالعهد واجب على المسلم
قال الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة، الآية: 1]
قال الله ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: 34]
والنبي صلى الله عليه وسلم أوفى بعهده مع الكفار؛ رغم ما في الوفاء بالعهد معهم من ظلم يقع على المسلمين، كما حدث في صلح الحديبية، وقصة أبو جندل المعروفة، ومع أن الوثيقة كانت ما زالت تكتب، والرجل صاح في النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الصحابة: أتتركونني أفتن في ديني، وأعود إلى هؤلاء الناس؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم له: “إن الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، فإنا قد صالحنا القوم وعاهدناهم، وإنا لا نغدر” رغم أن الصحيفة لم يكن قد فرغ من كتابتها بعد، ومع ذلك أوفى النبي صلى الله عليه وسلم بعهده.
سيدنا حذيفة بن اليمان، ما الذي منعه من المشاركة في القتال في غزوة بدر، مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ العهد الذي وقع بينه وبين المشركين، عندما خرج من مكة مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال المشركون له ولأبيه: خرجتم تريدون محمداً، قال لهم: بل خرجنا نريد المدينة
قالوا له: ألا تقاتلوا مع محمد؟، قال لهم: لا، نقصد المدينة
فأخذوا عليهم الميثاق والعهد ألا يقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فحرموا أنفسهم من شرف الجهاد، والاستشهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا؟
وفاء بعهدهم الذي عاهدوا المشركين عليه.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» [أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الألباني]
حتى لو وقع الغدر، أو الخيانة، أو القتل من غير المسلمين، فلا يصح أبداً أن يقع المسلمون في ذات الأمر.
ختامًا: كل جزئية من هذه الجزئيات التي طرحناها، حقيقةً تحتاج إلى حديث مستقل، ومفصل أكثر من هذا؛ لكن نكتفي بهذا القدر، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
ملحوظة مهمة: هذه المحاضرة تم تفريغها وتنسيقها للفائدة العلمية من فريق الموقع، وليست بطريقة التصنيف أو التأليف العلمي.