إرسل فتوى

من دروس الهجرة: اختيار الصاحب

من دروس الهجرة: اختيار الصاحب

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 12 يونيو 2026م

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،

فأيام قلائل تفصلنا عن عام هجري جديد فيدخل شهر المحرم وتبدأ سنة هجرية جديدة جعلها الله سنة الفرج على أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأول ما نُذّكر به ونحن نستعد لاستقبال عام هجري جديد هو سرعة مضي الزمن، وتَصرّم الأيام، وانقضاء العمر الذي هو رأس مالنا الأكبر، وضرورة اغتنامه واستثماره ومحاسبة النفس على ما مضى من أعمارنا؛ فإن ما مضى من العمر لا يعود أبدا، ولابد أن نؤكد على أن الهجرة فرصة للتأكيد على أمر هوية الأمة وانتماء المسلمين في الغرب إلى أمتهم وتاريخهم الحقيقي وهو التاريخ الهجري.

وإذا كنا قد تكلمنا في الجمعة الماضية عن دور الصحبة السيئة في ضياع الدين في الغرب فإننا اليوم نتكلم عن درس من أهم دروس الهجرة، وهو اختيار الصاحب الذي يُسهم في حفظ وحماية الدين والهوية في الغرب، فما هو معيار اختيار الصاحب الذي يأخذ بيد صاحبه إلى النجاة في الدنيا والفوز في الآخرة، إنَّ الهجرة التي نحيا في ظلال ذكراها ونتأمل في دروسها تجيب على هذا السؤال بحكمة بالغة، وكثيراً ما سألتُ نفسي لماذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه صاحباً في الهجرة والذي خلَّد الله ذكره في كتابه إلى قيام الساعة: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا}[التوبة:40]، لماذا لم يقع اختيار النبي صلى الله عليه وسلم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثلا ، أو عمه حمزة رضي الله عنه وهما أصحاب شوكة وقوة ومنعة وأقدر على الحماية والرعاية من غيرهما؟ أو يختار عليا رضي الله عنه ذلك الفتى الشجاع السابق للإسلام الذي برهن على شجاعته بموقفه الشهير في الهجرة؟

والجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اختار أبا بكر رضي الله عنه لأنه وضع معياراً استبطنه وهو: الشخصية الأنسب للمهمة الموكولة إليه؛ لهذا اختار خالد بن الوليد لقيادة الحروب لمهارته العسكرية، واختار حذيفة بن اليمان لكتمان السر لقدرته الفائقة على الصمت والتحمل، وأبا عبيدة بين الجراح ليكون أمين الأمة لصفاته التي تفرد بها من زهد وإخلاص وتضحية وتقديم لمصالح الأمة فوق مصالحة الشخصية، وأبو بكر رضي الله عنه كان أنسب شخصية ليكون نعم الصاحب في الهجرة، وإذا أجبنا على سؤال مناسبته لتلك المهمة الجليلة أجبنا على سؤال ما هو معيار اختيار الصاحب في الغرب؟

وهذه أهم الأسباب التي جعلت أبا بكر أنسب رفيق للنبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة:

1- الشوقُ واللهف للصحبة:

أراد أبو بكر أن يكون من السابقين للهجرة واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا” فوقع في نفس أبي بكر أن يفوز بالصحبة ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته قائلا:” يا أبا بكر إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة”، فقال أبو بكر: الصحبةَ يا رسول الله؟ قال: (الصحبة)، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.

2- البذل والتضحية من أبي بكر وآل بيته:

لم يفرح أبو بكر رضي الله عنه بشرف الصحبة فحسب، ولكنه بذل من ماله لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم وتأمينه في هجرته فابتاع راحلتين فاحتبسهما في داره يعلفهما إعدادا للهجرة، وقد شارك آل بيت أبي بكر في إتمام الهجرة والصحبة، تقول أسماء بنت أبي بكر: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله ومعه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف فانطلق بها معه، ولم يترك لأهل بيته شيئا، ثم إن الذين قاموا على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه في الرحلة هم آل بيت أبي بكر عبد الله، وأسماء، وعامر مولاه، قال ابن إسحاق: “فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر، وكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم يسمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأن رسول الله وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر، وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى في رعيان(الرعاة) أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا عبد الله بن أبي بكر غدا من عندهما إلى مكة، اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي عليه، حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصاما، ثم علقتها به”.

3- إيثاره وتقديم سلامته وأمانه على نفسه:

كان أبو بكر رضي الله عنه يؤثر النبي صلى الله عليه وسلم ويقدمه على نفسه ويؤمنه قبل أن يؤمن نفسه فتذكر الروايات أن رسول الله وأبا بكر دخلا الغار ليلا  فدخل أبو بكر قبل رسول الله، فلمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، ثم إنه أعطاه الدابة الأفضل والأقوى قائلا: اركب فداك أبي وأمي، فقال رسول الله: إني لا أركب بعيراً ليس لي، قال: فهي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قال: لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟، قال: كذا وكذا، قال: قد أخذتها به، قال: هي لك يا رسول الله، فركبا وانطلقا.

والنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا درسا في التعفف عن مال الصاحب وعدم استغلال حبه وبذله، ثم إن أبا بكر كان يظلله من حر الشمس بردائه ويتحمل الحرارة عنه، فتأمل كيف أن صحبة أبي بكر رضي الله عنه لم تكن تفاخراً أو حبا صوريا، أو ليُذكر بها بين الناس كما يفعل بعض الناس مع المشاهير اليوم، وإنما كانت حماية للرسالة وحباً صادقا لصاحبها، وتضحية بالنفس والمال لسلامته وأمنه وأمانه.  

4- معيار اختيار الصاحب في الغرب:

إنَّ أعظم درس نتعلمه من رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في ذكرى هجرته الشريفة هو كيف نختار الصاحب المناسب لنا ولحالنا في الغرب وكيف نعلم أولادنا ونربيهم منذ الصغر على معيار اختيار الصاحب، وإذا كان معيار المناسبة للمهمة المطلوبة للصحبة هو المعيار النبوي لاختيار أبي بكر للصحبة في الهجرة، فإن الصاحب المناسب لأولادنا في الغرب هو من يكون عوناً وسنداً لهم ليُحفظ دينهم ويثبتوا عليه، ويتجنبوا الفواحش والمنكرات، ويدمنوا التعلق بالمساجد والصالحين، أولادنا بحاجة إلى صاحب يكون عونا لهم على الوقاية والحذر من الشبهات والشهوات، والصاحب المناسب لهذه المهمة لابد أن يكون مسلماً؛ قال صلى الله عليه وسلم:”لا تُصاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا ، ولا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ” أبو داوود والترمذي وأحمد عن أبي سعيد الخدري بسند صحيح.

ولا مانع من مصادقة غير المسلم إذا كان حسن الأخلاق محمود السيرة لا يضر المسلم بصداقته في دينه أو دنياه، وأن يكون من عائلة مستقيمة تلتزم بأخلاق الإسلام كما كانت عائلة أبي بكر سنداً له في صحبته، وأن يكون حريصا على الصحبة لا يبتغي منها منفعة أو مصلحة شخصية، يبذل لصاحبه من وقته وماله كما بذل الصديق رضي الله عنه، وأن لا يكون مشوش الفكر غلوا وتشددا، أو انفلاتا وتسيبا، وأن يكون سليم النفس لا يعرف الحقد أو الغل أو الحسد، والمطلوب هو التسديد والمقاربة والموازنة بين الواقعية والمثالية.

 

اللهم ارزقنا هجرة من المعصية إلى الطاعة، ومن الفرقة إلى الجماعة، ومن الذل إلى العز، ومن الهزيمة إلى النصر، وثبت أولادنا على دينك وارزقهم الصحبة الصالحة التي تعينهم على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وفرج الكرب عن أهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين وكل المستضعفين، والحمد لله رب العالمين.
لتحميل الخطبة هنا
من دروس الهجرة اختيار الصاحب

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 210