إرسل فتوى

دور أصول الفقه في تعزيز الوجود الحضاري للمسلمين في الغرب

         دور أصول الفقه في تعزيز الوجود الحضاري للمسلمين في الغرب

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

هذا الموضوع في تقديري أنه من أهم الملفات التي يجب أن ننشغل بها في هذه المرحلة، وفي تقديري أيضاً أن هذا الموضوع هو أهم إشكالية من إشكاليات الفقه التراثي، وتنزيل الفقه في زماننا وعصرنا اليوم، وأنا منشغل به وأحاول دائماً أن أضيف إليه، وأن أكمله وأن أتممه، لعل بعضكم استمع مني إلى كلام موجز فيه، والآن ربما نفصل شيئاً ما، وهو موضوع الكليات التشريعية

العقل الفقهي وصفة الذَرية

إذا سألنا عن أكبر وأهم إشكالية، أو أهم نقد يوجه للتراث الفقهي، فهو فكما قال الأستاذ مالك بن نبي: إن العقل الفقهي متهم بصفة الذَرية، ما معنى صفة الذَرية؟!

يعني أنه يميل إلى تجزئة الإشكالات، ذرة ذرة، يحب دائماً أن يفتت القضايا الكبيرة إلى قضايا صغيرة، ويتعامل مع هذه القضايا الجزئية الصغيرة كل جزئية بمفردها؛ ولذلك وأنتم تعيشون في الغرب إذا نظرتم في المدرسة النصية الظاهرية، ستجدون أنها تتمركز حول مجموعة من القضايا الجزئية الفرعية المجزأة، مثل: اللحية، إطالة الثوب، النقاب وتغطية الوجه،.. إلى آخره

ليس عندنا إشكال مبدئي مع هذه القضايا، الإشكال في أمرين:

الأمر الأول: أننا غرقنا في هذه الجزئيات

الأمر الثاني: أننا عندما أردنا أن نعالج هذه الجزئيات، عالجناها بشكل تجزيئي أيضاً، لم نعالجها في الإطار الكلي، فسقطنا في هذا الإشكال، وتعمق الإشكال أكثر وأكثر

الانشغال بالجزئيات في الواقع المعاصر

لو تسألنا عن أهم المسائل التي شغلت العقل المسلم الفقهي الأوروبي بشكل عام في السياق الغربي، وأخذت وقتنا؟

سنجد مثلاً: مسألة المصافحة تأخذ مساحة كبيرة جداً من الكلام والانشغال، ومسألة تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، فعلى رأس كل سنة ميلادية تبدأ هذه المعركة، وأيضًا مسألة الاحتفال بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، ومسألة زكاة الفطر هل تخرج مالاً ونقداً أم حبوباً؟

ونبقى ندور في نفس الدائرة، وحتى عندما نعالج هذه المسائل، هل نعالجها فعلاً بشكل علمي صحيح في الإطار الكلي، وليس في الإطار الجزئي؟

لا، بل نبقى محصورين في دائرة ضيقة صغيرة جداً، مثل ما قلت من قبل، فالتمركز في موضوع المصافحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك المصافحة، هو انشغال بالجزء عن الكل، وهو البيعة نفسها، وهو حضور المرأة للبيعة، وهو مساواة المرأة للرجل في مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم، هذه هي الإشكالية التي أشار إليها مالك بن نبي.

أذكر أن أحدهم ألف كتاباً سماه “الصراحة في جلسة الاستراحة”، يقصد بجلسة الاستراحة عندما يقوم المصلي من السجود إلى القيام، هذه الجلسة الخفيفة، كتب فيها كتاباً!!

فكتب آخر ردًا عليه، بكتاب سماه “الإطاحة بالصراحة”!!

فلم يسكت الأول، فكتب كتاباً جديداً سماه “الصياحة على الإطاحة”، فأصبح عندنا ثلاثة كتب، وأنا لا أدري هل هناك كتاب رابع، أم توقف الأمر عند الثلاثة كتب فقط، في هذه الجزئية الصغيرة جدًا!!

أمثلة من واقع الغرق في تفاصيل الفروع

عندما أراد أحد الإخوة أن يعرفني بالشيخ أبي إسحاق الحويني، العالم المحدث المعروف، أراد أن يلفت نظري إليه في فترة مبكرة جداً في تسعينات القرن الماضي، فقال لي: هل تعرف الشيخ فلاناً؟

قلت له: لا، ليس تجاهلاً، فلم أسمع به، فلم تكن الشبكات والإنترنت موجودة مثل الآن

قال لي: إنه الشيخ فلان، مؤلف كتاب “نهي الصحبة”

قلت له: ما كتاب “نهي الصحبة”؟!

قال: “نهي الصحبة عن النزول على الركبة”، يعني: في الصلاة عندما تهوي من القيام إلى السجود، تنزل على اليدين أم على الركبتين؟ قضية خلافية

وأيضاً: رأيت في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ثلاثة كتب كل كتاب منها في جزأين، بعنوان “أخطاء المصلين”، بعضهم أوصلها إلى ثلاثمائة خطأ، وبعضهم أوصلها إلى مائتين وخمسين خطأ، والأئمة في المساجد أقاموا سلسلة دروس مسجدية لشرحها!!

هذا من أجل الصلاة التي هي ركعتان، تحتاج إلى أربع دقائق، فيها ثلاثمائة خطأ؟!!

سيدنا عبد الله بن مسعود وقف أمام الصحابة، وقال لهم: “أصلي لكم صلاة رسول الله” وكبر وصلى!!

حديث المسيء صلاته وتبسيط التشريع

النبي صلى الله عليه وسلم، في حديث المسيء صلاته عندما رأى رجلاً يصلي خطأ، أخذ يراجعه، لعله ينتبه إلى الخطأ؛ لكنه لم ينتبه، فعلمه الصلاة في خمسة أسطر، وانتهى الأمر

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامَ، ثم قَالَ له “ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ”

فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ “ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ” ثَلَاثًا فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي، قَالَ “إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا” [ متفق عليه]

كيف يمكن أن أتخيل أن فريضة تتكرر في اليوم خمس مرات، يمكن أن تشتمل على ثلاثمائة حركة خاطئة؟! فكم فيها من الحركات الصحيحة؟!

سيأتي من يقول أتسخر من الدين؟ هذا دين، والدين لُباب كله!!

وأقول له: نعم؛ لكن الإشكال مثل ما قلت، هو الغرق في الجزئيات، ومعالجة الجزئيات بطريقة التَجَزُيء، وعدم الانتقال من الجزء إلى الكل.

ابن عاشور وتأخر الفقه بسبب التفريع

ابن عاشور يقول أن طريقة التفريع كانت أقدم وأسهل، وأحب الناس التهمم بالتأليف، فاقتصر عليها الأكثرون ومالوا إلى التقديرات، وتكرير الفروع، وكان ذلك أقدم فساد أوجب تأخر الفقه

ابن عاشور يتكلم في كتاب “أليس الصبح بقريب” عن مشكلة التعليم في العالم الإسلامي، وكيف يمكن أن نتجاوز هذه المشكلة، فيقول إن أخطر مشكلة أضرت بالفقه هي: التهمم بالفروع والجزئيات، وتكريرها والاستمرار فيها، وهذا أخطر شيء أوجب تأخر وفساد الفقه.

علم القواعد الفقهية والنظريات الفقهية ومقاصدها

وُضع علم قواعد الفقه من المتقدمين لمعالجة هذه الإشكالية؛ لأنهم أدركوا أن الغرق في الفروع يمكن أن يؤدي إلى التناقض فيما بينها، فأرادوا أن تنضبط الفروع في ذهن الفقيه أو المجتهد، فوضعوا القواعد الفقهية

فالوظيفة الأكبر لعلم القواعد الفقهية هي: ضبط الأمور، أما الإلحاق والتخريج فهو من وظائف القواعد؛ لكنها ليست الوظيفة الأهم، فالوظيفة الأهم هي: تنسيق الفروع في ذهن الفقيه أو المجتهد؛ لأنه بدون القواعد ستتناقض الفروع وتضطرب، ويمكن أن تقول حكماً في هذا الفرع، يتناقض مع الحكم الذي قلته في الفرع الآخر.

فالهدف الأكبر من القواعد الفقهية هو: الانتقال من الجزء إلى الكل، الانتقال من الفروع إلى الأصول الجامعة الكلية؛ ولذا عندما تقرأ في القواعد الكلية الخمسة الكبرى، “المشقة تجلب التيسير” و”الضرر يزال” و”العادة مُحكمة” و”الأمور بمقاصدها” و ” اليقين لا يزول بالشك”، يقولون: هذه القواعد الخمسة هي القواعد التي قام عليها الفقه

فهل حلت المشكلة بعلم القواعد الفقهية؟ لا، فجاء المعاصرون بداية من الشيخ/ مصطفى الزرقا، وقالوا: نريد أن نضع علماً جديداً نعالج به إشكالية الغرق في الفروع، فما هو هذا العلم؟

هو: علم النظريات الفقهية، وهو من العلوم الجديدة

الشيخ/ محمد أبو زهرة، والشيخ/ يوسف القرضاوي، والدكتور/ محمد يوسف موسى، قالوا:لسنا في حاجة لهذا العلم، فعلم القواعد الفقهية يُغنينا عنه.

وردت عليهم المدرسة الأخرى التي تبناها الشيخ مصطفى الزرقا، وقالوا: لا، علم القواعد الفقهية لا يغنينا عن علم النظريات الفقهية، وكُتبت نظريات فقهية كثيرة جداً، نظريات فقهية، وأصولية، وعقدية

والحقيقة أن نسبة 30% أو 40% من هذه النظريات التي كتبت كنظريات، هي فعلاً محكمة وجيدة، والباقي كله عبارة عن موضوعات فقهية، أخذت عناوين النظريات الفقهية

مثال تطبيقي: التضخم والانكماش المالي

أريد أن أقرب لكم الصورة، قبل أن ندخل في تفصيل الموضوع، بمثال تطبيقي عملي، ليتضح  المقصود بالتضخم والانكماش

لو أنك تعيش مثلًا في تركيا، فقيمة المائة ليرة منذ سنتين مقارنةً بقيمتها اليوم، قد هبطت بنسبة ثلاثين بالمائة على الأقل، فمثلا لو كان الدولار بثمانية ليرات قبل أربع سنوات، فقد قفز من ثمانية إلى ثلاثين ليرة

وكذلك في سوريا أكثر، فقبل الأحداث التي وقعت في سوريا، لو أن شخصاً اقترض من شخص عشرة آلاف دولار، وأراد أن يسددها له اليوم بالليرة السورية، فالعشرة آلاف دولار قبل الأحداث، قيمتها اليوم مائة دولار أو أقل، هذا اسمه التضخم

أما الانكماش فهو عكس التضخم، حيث يحدث ارتفاع في قيمة العملات، بحيث تصبح قيمتها أكبر من القيمة المعتادة.

موقف الفقه الموروث والمجامع الفقهية من تغير قيمة العملة

بناء على ما سبق، فمن اقترض عشرة آلاف دولار، هل يردها مائة دولار؟

رأي جمهور الفقهاء (المالكية، والشافعية، والحنابلة، وأبو حنيفة، وليس الأحناف كلهم) قالوا:

يرد له الدين بنفس القيمة يوم القرض

الإمام أبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن تيمية وابن القيم قالوا: يعوضه بالنقص الذي طرأ على المال

فننظر في قيمة المبلغ اليوم بشيء ثابت مثل: الذهب أو الدولار، فالعشرة آلاف دولار لو كانوا يشترون سيارة وقت الاقتراض، فيشتري له سيارة اليوم

لكن الجمهور قال: أن هذه الزيادة على المال ربا، فلا يجوز له أن يدفعها

مجمع الفقه الدولي لما ناقش هذه المسألة أفتى برأي الجمهور وقال: يرد الدين بقيمته يوم القرض، فيرد العشرة آلاف دولار، مائة دولار بقيمتهم اليوم

قصة فلاح الشيخ القرضاوي وتعديل فتوى المجمع

الشيخ القرضاوي “رحمه الله” أقنع المجمع أن يعدل رأيه في هذه المسألة، كيف ذلك؟

قال لهم: كان أحد الفلاحين في قريتنا عنده بقرة هي رأس ماله، فينميها ويثمرها، فتلد له، ويحلب منها اللبن، فماتت، فحزن عليها حزنًا كبير جداً، أحد الأغنياء قال له: خذ هذا المبلغ، واشتر لك به بقرة، وعندما يرزقك الله عليك، ترد لي هذا المبلغ

ولكن هذا المبلغ لم يتوفر عنده إلا بعد سنوات طويلة، بسبب التضخم، فقال له: خذ هذا هو المبلغ الذي دفعته لي على، بناء على الجمهور

فقال له صاحب المال: هذا المبلغ اليوم لا يشتري دجاجة، فهل هذا جزائي؟!

فقط ما أطلبه منك هو أن تشتري لي بقرة، مثل البقرة التي اشتريتها لك، لا أريد منك أكثر من هذا

فقال له المقترض: أنا أخذت منك مائة، فتأخذ منى مائة.

فعدل المجمع عن رأيه، وقال: يجب أن يراعى تغير القيمة الشرائية للنقود بسبب التضخم، إذا كان كثيراً فاحشاً

يعني: إذا تجاوز الثلث، فيرد القرض بشيء ثابت، وبقيمة ثابتة

محاكمة الجزئيات بالكليات التشريعية

ما هو الرأي الذي نرجحه الآن؟ العقل الفقهي المعاصر اليوم سيقع أسيراً لرأي الجمهور، كما حصل مع مجمع الفقه الدولي، وسيقول: لا أترك رأي الجمهور، كما قال يوما أحد الأئمة: أنا أستريح عندما أكون مع الجمهور

فما الإشكالية إذا أخذنا برأي الجمهور في هذه المسألة؟ وما علاقتها بالفروع والجزئيات؟ وما علاقتها بما نتكلم عنه من الغرق في الجزئيات ؟ وإذا أردنا أن نعالج المسألة بالانتقال من الجزء إلى الكل، كيف يمكن ذلك؟ وهل هذا التضخم الذي أثر في رد الدين، يمكن أن يؤثر أيضاً في القروض من البنوك اليوم؟

فأنت إذا اقترضت من البنك اليوم مائة ألف يورو، وأردت أن تسدده له بعد عشرين سنة بزيادة، سيكون المبلغ مائة وعشرين ألفاً، وبعد عشرين سنة القيمة الحقيقية للمبلغ ستكون سبعين ألفاً، إذًا أنا لم أدفع زيادة في هذه الحالة، فأنا أخذت مائة سددت سبعينًا، فالزيادة ليست ربوية، وإنما معادلة للتضخم

فهل يمكن بناء على هذا الكلام أن نقول إن الاقتراض من البنك مباح؟

وهناك سؤال آخر: ما الذي غيب هذه المعاني الكلية عن الأئمة الأربعة؟

هل نظن أننا اليوم أكثر إدراكاً للدين، وللمقاصد وللمعاني، وللكليات من الأئمة الأربعة؟ بالطبع لا

إذًا فلماذا قال الأئمة الأربعة بهذا الأمر؟ كيف أدفع عشرة آلاف قرضًا لشخص، وآخذها منه مائة؟!

وينبغي ان ننتبه إلى أن الأمر ليس فقط في أن صاحب الدين أخذ مائة فقط؛ بل إنه يجب عليه أن يدفع الزكاة في هذا المال، فمن الفقهاء من قالوا: أنه يدفع كل سنة

ومن الفقهاء من قالوا: أنه يزكي المال عند قبضه مرة واحدة، ولعل هذا أوسط الآراء وأعدلها، فلا نجمع عليه ظلماً آخر، بأن حرمناه من تثمير ماله في هذه السنوات العشر، فلو أنه استثمر هذا المبلغ الذي أقرضه لربح منه، ولبقى بعيداً عن هذه الخسارة، فنحن ضاعفنا عليه الخسارات

ولذلك إذا أردنا أن ننتقل من الجزء إلى الكل في هذه المسألة، لن نتردد أن نقول: إن الفتوى يجب أن تكون بالمخالفة لرأي جمهور الفقهاء لماذا؟

لأن عندنا كليتان تشريعيتان تهدمان رأي الجمهور:

الكلية الأولى: كلية العدل

فأي عدل عندما أجمع أربعة أنواع من المظالم على المقرض؟

فالمقرض الذي أراد أن يحسن إلى هذا الرجل، ويحرم نفسه من تثمير المال، فيدفع له العشرة آلاف، ثم الأئمة الأربعة يقولون له ادفع فقط مائة؟!

الكلية الثانية: كلية التشجيع على الإحسان

هل نظن أن يقرض أحدُُ أحداً بعد أن ينتشر هذا الكلام في المجتمع؟

وسيكون القول برأي جمهور الفقهاء خسارة له، ولو رغبناه في ثواب وأجر الإقراض، وأنه صدقة له، سيقول لنا: آخذ الثواب والأجر من باب آخر لا أريد هذا الباب، الذي ضيع علي أموالي، وسيختفي الإحسان والتعامل بالحسنى بين الناس

التحيين الفقهي وتكييف الزيادة والفرق عن الربا

لماذا غاب هذا الأمر عن جمهور الفقهاء؟

هناك نقطة في غاية الأهمية وهي: نقطة التحيين الفقهي، يعني: حتى نفهم القول الفقهي، أو دوافع القول الفقهي، أو العقلية التي يفكر بها الفقيه، لا بد أن نعود إلى زمنه

فالفقهاء لم يتخيلوا أن يؤثر التضخم في قيمة المال هذا التأثير، لم يتخيلوا هذه الصورة التي نحن فيها الآن، في هذا الزمن القصير جداً

أما التكييف، فإنهم كيفوا الزيادة على أنها ربا، فهل هذا التكييف صحيح؟

لا ليس صحيحًا، فالتكييف الصحيح لهذه الزيادة أنها ضمان، أو تعويض عن النقص الطارئ على قيمة الأموال

فقد طرأ نقص على الأموال التى أقرضها صاحب المال لغيره، حيث أقرضه عشرة، فلم يسددها له عشرة؛ بل سددها ناقصة عن قيمتها؛ ولذا عندما يرد له القرض بزيادة، فحقيقة لم يُرد القرض بزيادة؛ بل هي نفس القيمة، لا أكثر

هل يمكن أن نسحب هذا الكلام من التضخم على القروض الربوية؟

هناك من الفقهاء من قال بهذا؛ لكن هذا كلام خطأ؛ لأن الفرق الجوهري بين أثر التضخم في رد الدين، وبين أثر التضخم في القرض والإقراض من البنك

لأن صاحب المال عندما أقرض المقترض لم يشترط عند العقد أن يرد له بزيادة، وهذه الزيادة التي قلنا بها عند رد القرض، قلنا أنها ليست زيادة؛ بل هي ذات المال وذات القيمة

أما البنك فالزيادة على القرض هي زيادة مشروطة، وأبسط تعريف للربا أنه: الزيادة المشروطة على الدين، فأنت تضع مبلغاً مالياً عند البنك، وتشترط عليه أن يدفع لك زيادة على هذا المال، والبنك إذا أقرضك يقرضك، ويشترط عليك أن تدفع زيادة مالية على القرض الذي أخذته، وهذا هو ربا الديون

فالاشتراط هذا هو الذي جعل هذا الفرق الكبير، بين تأثير التضخم في رد الدين، وبين عدم تأثير التضخم في القروض الربوية

حاكمية الكليات على الجزئيات

السؤال المهم هنا بعد هذه الجولة في هذا الفرع هو: ماذا لو لم يكن عندنا قول لأبي يوسف ومحمد وابن تيمية، وكانوا اتفقوا جميعاً على أن الدَين يرد بمثله دون رعاية للتضخم؟ ماذا كنا سنفعل نحن اليوم؟

لم يكن لنا أن نجتهد، فنحن لم نجتهد مع وجود رأي ابن تيمية وابن القيم وأبي يوسف ومحمد، وظللنا أسرى لرأي جمهور الأئمة!

ولذلك فكرة أن يكون القول بدليله لا بقائله، وأن كلام العلماء يحتج له ولا يحتج به، وأن العقل الفقهي يجب أن يكون في حالة تفكير دائمة، وأن يحاكم الجزئيات بصورة دائمة إلى الكليات، ويرد الفروع إلى الأصول، ويرد الجزء إلى الكل بصورة دائمة؛ لذلك الكليات يجب أن تكون هي الحاكمة على الجزئيات، وأن تكون هي المؤثرة في الجزئيات؛ وليس العكس، مثل ما يحدث في أغلب الأحايين، بكل أسف!

وبالتالي لا نكرس ظلم صاحب المال تحت دعوى أن هذا هو رأي جمهور الفقهاء ونحن ملتزمون برأيهم، ويكون المدخل الأساسي للاجتهاد والنظر للترجيح هنا هو قضية الكليات التشريعية، مثل ما أشرت

مفهوم الكليات التشريعية وأدوات الاجتهاد المنضبط

المقصود بالكليات التشريعية هي: قواعد الشريعة وما فُهِم منها.

إذا أردنا أن نجتهد اليوم، ما هي الأدوات التي نستعملها لتحقيق اجتهاد منضبط، ودقيق وصحيح؟

سنذهب إلى الأدلة المتفق عليها، فإن لم نجد في القرآن، ولم نجد في السنة، ولم نجد في الإجماع، ذهبنا إلى القياس، والقياس دائرته محدودة، وليست كل المسائل ستكون صالحة للقياس.

فإذا تركنا القياس وذهبنا إلى الأدلة المختلف فيها: الاستحسان، الاستصحاب، شرع من قبلنا، .. إلى آخره، فإن لم نجد فيها، فإن الكليات التشريعية فيها دائرة أوسع من كل هذه الدوائر الضيقة، من الأدلة المتفق عليها أو المختلف فيها.

توصيف الكلية الشرعية

هل نضع الكليات التشريعية مع المتفق عليه، أم مع المختلف فيه من الأدلة؟

حقيقة الأمر أنها أعلى من كل هذا، والكليات التشريعية رتب ودرجات؛ لأن لدينا كليات تشريعية لكل باب من الأبواب الفقهية، ولدينا كليات تشريعية عامة حاكمة على الدين كله، مثل: كلية العدل، وكلية الحرية؛ فالعدل والحرية كليات عالية.

عندما تحدث بعض العلماء المعاصرين عن إفراد كليتي العدل والحرية، أو إضافتهما إلى الكليات الخمسة، التي هي: حفظ الدين، النفس، العقل، العرض، المال

قالوا: لا نضيفهما إلى هذه الكليات الخمس، فهما من الكليات العالية، ويجب أن يتقدما هذه الكليات الخمسة التي ذكرناها؛ لأنها مؤثرة فيها

وهناك من رفض، وقال إنها موجودة، أو داخلة ضمن هذه الكليات.

القواعد الكلية المجرّدة وروح الشريعة

لأن الذهاب إلى القياس الأصولي -كما قلنا- لن يسعفنا، فسنذهب إلى القواعد الكلية أو الكليات التشريعية، والقواعد الكلية المجرّدة، والأصول العامة أو الخاصة، المستفادة بالاستقراء من مجموع نصوص الشريعة، أو من روح الشريعة، والتي تفيد أحكاماً لا تفيدها النصوص منفردة

فعند استقراء النصوص الجزئية في القرآن الكريم وفي السنة، أعطانا استقراؤها كلية اسمها كلية العدل

وعند استقراء النصوص الجزئية في الشريعة، والنظر في روح الشريعة وفي الفطرة، وجدنا أن روح الشريعة، وأن الفطرة، وأن استقراء النصوص الجزئية، ينتهي إلى أن الدين لا يمكن أبداً أن يرد القرض بعُشره، أو بأقل من عُشره

ولذلك الرجل صاحب المال الذي قال للفلاح الذي اقترض منه، وأراد أن يرد له القرض بنفس العدد الذي أخذه منه، بعد مرور سنوات أثرت بسبب التضخم في قيمة القرض الذي في وقته اشترى به بقرة، قال له معترضًا على : “أعطني بقرة “، فهذا هو تعبير الفطرة ومعناها، ومعنى روح الدين، فروح الدين تأبى أن توقع ظلماً على المحسن الذي أراد الإحسان.

فالكليات التشريعية أو الأصول الكلية لا تعتمد النص الجزئي الدال على خصوص حكم في المسألة، وإنما يعتمد كليات الشريعة المتحصلة من نصوص كثيرة، ومن تصرفات صاحب الشريعة، وملاحظاته في شرع الأحكام.

الفطرة السليمة وحفظ الكليات الخمس من جهتي الوجود والعدم

الفطرة السليمة هي أحد المباحث الأصولية الواسعة جداً، فإن ما جُبِل الإنسان على حبه، والميل إليه بالفطرة، لا يفرضه الشرع اكتفاءً بداعي الفطرة

فالزواج ليس واجباً عند الجمهور، وإن حافظ على أمر ضروري، وهو النسل أو العرض.

وإذا تأملنا في الكليات الخمسة التي منها حفظ النسل أو العرض، وجدنا أن كل كلية يحافظ عليها من جهة الوجود بشيء، ومن جهة العدم بشيء؛ فحفظ الدين بالجهاد من جهة الوجود، وبحد الردة -عند من يقول به- من جهة العدم، وحفظ النفس بالقصاص من جهة العدم، وبإيجاب الأكل وحفظ النفس والتداوي من جهة الوجود، فحفظ النسل أو العرض يُحافظ عليه من جهة الوجود بماذا؟ ومن جهة العدم بماذا؟

من جهة الوجود بالزواج، ومن جهة العدم بتحريم الزنا وإيجاب العقوبة عليه، وكان من المفترض أن تحريم الزنا وإيجاب الحد عليه، يقابله وجوب الزواج، فلماذا لم يوجب الله الزواج رغم أنه حافظ لكلية من الكليات الخمسة، وهي حفظ النسل؟!

لأن ما جُبِل الإنسان على حبه، والميل إليه بالفطرة كالزواج، لا يفرضه الشرع اكتفاءً بداعي الفطرة، فوجود الفطرة قام مقام الإلزام، والإيجاب الشرعي للزواج

فلو أن الإنسان شُغل بشئ في حياته، ومات ولم يتزوج ما عليه شيء، فالزواج ليس واجباً؛ ولذلك العلماء فرقوا بين ترك الآحاد أو الأفراد للزواج، وبين ترك المجموع للزواج، فلو أن أهل قرية عزموا على ترك الزواج، يأثَمون جميعاً، أو يعاقَبون جميعاً

فمن مفردات الإمام أبو حنيفة أنه يقول: “إذا اجتمع أهل بلد على ترك الختان، أو ترك الأذان قوتلوا عليه”.

وكلامه هذا من التبحر في كليات الشريعة، فإن من سيقول: إن الأذان سُنة، فيمكننا أن نقيم الصلاة بدون أذان، ولا يوجد مشكلة، وكذلك الختان، فهو من سنن الفطرة، كما الرسول عليه الصلاة والسلام

نقول له: هناك فرق بين ترك الأفراد وبين ترك المجتمع؛ والشرع لم يوجب الزواج اكتفاءً بداعي الفطرة، فقد ركّب ربنا شهوة في الرجل والمرأة، والشهوة ستدفع كلًا منهم إلى أن يقاتل حتى يتزوج؛ ولذلك شيوع الفواحش، والفتن والمنكرات، والمشاهد القبيحة، وهذه الأشياء، أحد أهم نتائجهاأنها تميت الغريزة والميل.

فالآن الشباب في الغرب لماذا يزهد في الزواج؟ إما لأنه يصرف الغريزة تصريفاً محرماً، أو أن الغريزة ماتت أصلاً، فيلجئون إلى المنشطات الجنسية الصناعية الدوائية، لماذا يلجأ الشباب إليها؟!

لأن الغريزة ماتت بإدمان المشاهدة المحرمة، فيريد أن يحركها تحريكاً صناعياً، فكلما ماتت الغرائز كلما تراجعت الرغبة في الزواج.

ولذلك النقطة المهمة التي يجب أن نستوعبها، هل الإفضاء الجنسي هو المقصد الأعلى من مقاصد الزواج، أم التناسل والتكاثر هو المقصد الأعلى من مقاصد الزواج؟

المقصد الأعلى للزواج هو “التناسل والتكاثر”، والمقصد الأول وهو “الإفضاء الجنسي” خادم للمقصد الثاني وهو “التناسل والتكاثر”، فقد ركبه الله في كل من الرجل والمرأة ليكون دافعاً للزواج، فلو نزع ربنا الشهوة من الرجل ومن المرأة هل كان سيتزوج أحد؟

لن يتزوج أحد؛ لكن الله تعالى أودع هذه الغريزة حتى يحصل الزواج، فيستمر الاستخلاف وتعمير الأرض.

الاستقذار الفطري

“كل ما تستقذره النفوس لا يحرمه الشرع، اكتفاءً بباعث الفطرة في ذلك، فالشرع لم يحرم كثيراً من المستخبثات، فلم يحرم أكل العذرة”

ومن هنا ذهب الشافعية إلى أن ما تستخبثه العرب في الزمن الأول حرام بالفطرة؛ لكن تفريع الشافعية وما ذهبوا إليه فيه إشكالان:

الإشكال الأول: أن قضية الاستقذار قضية نسبية، فمن الممكن أن يستقذر إنسان شيئاً، وغيره يحبه. فمثلًا: الفسيخ أكلة معروفة عند المصريين، وهو سمك يخزن في الملح لفترة طويلة جداً حتى ينتن، وتخرج رائحته، دعاني أحدهم لأكله، وأخذ يرغبني فيه، ويقول فيه شعرًا، وأنا ما أكلته في حياتي أبدًا، فذهبت إلى بيته، فأول ما دخلت قلت له بتلقائية: “هناك رائحة فأر ميت، يبدو أنه مات منذ فترة بعيدة جداً”

قال لي: “هذا هو الفسيخ”، قلت له: “إذن أنا معتذر، لا أستطيع أبداً”

فقال لي: “لا بد أن تجربه، خذ قطعة واحدة فقط”، وأخذتها منه، وبقيت ليلتها أتناول الأدوية؛ لأن بطني كانت تؤلمني جدًا

قال لي: “هذه أول مرة؛ لكن بعد ذلك ستعتاد عليه “، قلت له: “هذه أول وآخر مرة، ولن أعود إليه مرة أخرى”.

فأنا استقذرته وهم يأكلون، ويستمتعون به، ويرونه لذيذ جدًا! ونحن في مجتمع واحد، وفي بيئة واحدة.

قضية أكل الحشرات وموقف المالكية

عندما طُرِحت قضية أكل الحشرات في الغرب، طُرِحت بصور مختلفة، كأن تطحن اليرقات وتوضع في الدقيق، وفي الخبز وفي الحلوى، أو أن تُقلى هذه الحشرات كما هي، ثم تؤكل.

طُرِح علينا هذا الموضوع في المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، لكي نصدر فتوى في هذا الأمر، فما الرأي والاتجاه الفقهي فيه؟

رأي الجمهور: التحريم بناءً على الاستقذار.

أخذت أبحث في المسألة؛ لأن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث كلفني بكتابة مشروع فتوى في هذا الموضوع، فوجدت أن قرابة المليار مسلم حول العالم يأكلون أشياء يستقذرها المليار الآخر!!

فلكل دولة لدى شعبها أشياء تؤكل، يستقذرها شعب بلد آخر؛ فمثلًا: الحلزون عند المغاربة، يسلقونه ويأكلونه، وأنا عندما أراه على الأرض لا أستطيع مجرد رؤيته!!

المالكية قالوا: لا تحريم، فهم توسعوا جداً، ولم يعدّوا الاستقذار مؤثراً في الطعام والشراب، حتى أنهم جوزوا أكل الفئران، وجعلوا معيار التحريم عندهم هو عدم الضرر، فإذا انتفى الضرر جاز الأكل منها، ولعل هذا الرأي هو الأولى بالترجيح رعاية لظروف كل الناس الموجودة.

وعندما أقول: أرجح جواز الأكل بناءً على قول المالكية، فأنا ما ألزمت الذين يستقذرونه، فليس كل مباح مستقذر واجب الأكل، فأنت تختار أن تأكل ما تشاء.

فقضية الفطرة كما قلت تحتاج إلى مراجعات، فليس الكلام فيها على إطلاقه؛ لكنها مؤثرة في قضية الكليات، لذا قالوا: “لكن إذا ترتب على الاتساق مع الفطرة تفويت مصلحة أعلى، أو تحقق مفسدة كبيرة تدخل الشرع بالمنع”.

ومن هنا منع الشرع الفرار من الزحف، وجعله من الكبائر؛ لأن فطرة الإنسان تدفعه إلى الحفاظ على نفسه فيفر، فالشرع حرّم عليه هذا الأمر، وجعله من الكبائر؛ لما يترتب عليه من مفسدة تلحق المسلمين، كما جعل القتل في سبيل الله شهادة، وأعلى من منزلة الشهداء.

وقد أولى الشاطبي هذا الأمر عناية في مسائل متعددة، في مواضع مختلفة من كتابه

ومن التأصيل الشرعي لهذا قول سيدنا جبريل لنبينا الكريم ليلة الإسراء: “اخترت الفطرة”، كما في حديث سيدنا أنس الطويل [صحيح مسلم]

التفرقة بين محرمات الوسائل ومحرمات المقاصد

من القواعد المهمة جدًا، قاعدة تقول: “أن محرمات الوسائل تبيحها المصلحة الراجحة”

مثل: الجلوس على مائدة عليها خمر، أو بيع الخمر، أو حمل الخمر، أو نقل الخمر، وكل ما يتعلق بالخمر غير الشرب، هو من محرمات الوسائل، وليس من محرمات المقاصد

وأنا أميل إلى أن محرمات الوسائل أقل رتبة في الخطر، وفي الحرمة، وفي الوعيد من محرمات المقاصد، خلافاً لمن لم يفرق بين الوسائل والمقاصد.

وبناء على هذه القاعدة، فمن تزوج من كتابية، وعائلة زوجته الكتابية في مناسبة ما يضعون الخمر على الطاولة، وهو إن امتنع عن الحضور أو طالبهم بعدم وضع الخمر، سيقطع علاقته بهم، ولن تكون هناك فرصة لتقوية العلاقات الاجتماعية التي تترتب عليها أمور دعوية، يمكن أن تنتج إسلامهم في المستقبل، فجاز ذلك لمصلحة دعوية راجحة.

لكن انتبهوا جيداً فهذا الكلام لا يُفهم على إطلاقه، فلا بد هنا أن نوازن بين أمرين:

الأمر الأول: عدم كسر هيبة المحرم في نفس المسلم.

فلا يقال: “عندنا فتوى بجواز حمل الخمر، وفتوى بجواز الجلوس على مائدة عليها الخمر، وفتوى بجواز نقل الخمر، وفتوى بجواز..”، وبالتالي أصبحت موجوداً مع الخمر، غير أنك لا أشربه!!

هذا معناه أن نفسك ستكون ضعيفة جداً في وقت ما يمكن أن تضعف وتشرب، ولأجله حرّم الله تعالى هذه الصور كلها، كمحرمات وسائل.

الأمر الثاني: التيسير على الناس ورعاية حاجاتهم وظروفهم

فنوازن بين عدم كسر هيبة المحرم في نفس المسلم، وبين التيسير على الناس ورعاية حاجاتهم وظروفهم؛ لأننا اليوم لو حرّمنا الاتصال بالخمر بكل هذه الصور، التي هي داخلة في باب الوسائل في الغرب، يمكن 30-40% من مجموع المسلمين لن يجدوا عملاً، ماذا يفعلون؟ فلا بد من رعاية هذه الحاجات لكن بقدر، كما قلت.

بعض العلماء أضاف في هذا الإطار، تطهير المال بجزء من الصدقة ندباً لا إيجاباً، حتى يكون المسلم بصورة دائمة مهموماً بقضية إطابة المأكل، وعدم التوسع في هذه الأشياء الممنوعة، أو التي فيها شبهة، والله أعلم.

موضوع الخمر في الغرب يحتاج إلى نظرة كلية في إطار المسائل الفرعية الكثيرة، فأنت اليوم تجلس في الطائرة، ويكون على يمينك الخمر، وعلى يسارك الخمر، وتجلس في الحافلة ويكون بها خمر.

أذكر أننا في المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، قال أحد الأعضاء: ” أرى أن معنى {فَاجْتَنِبُوهُ}، في قول الله تعالى {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}

[سورة المائدة، الآية رقم 90]، أن أجتنب المكان الذي فيه الخمر، فلا أجلس في مكان فيه خمر”.

الشيخ راشد الغنوشي  كان موجوداً قال له: “إن الخمر عند رأسك في غرفة الفندق الذي أنت فيه”، قال له: “كيف؟ّ”

قال له: “اذهب وافتح الثلاجة، وسترى أن الخمر عند رأسك، أنت محاصر بالخمر في كل مكان”. فتكون عندنا هذه الموازنة مثل ما قلت، والله أعلم.

تقييد المباح للمصلحة، ونماذج من كتابات المعاصرين

المباح يمكن تقييده رعاية للمصلحة، سيبقى المباح مباحًا وليس محرماً؛ ولكننا سنقيده بالمنع أو بالتحريم؛ رعاية للمصلحة ودرءاً للمفسدة.

الدكتور/ أحمد بسام الساعي يعيش في بريطانيا، وهو أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة أكسفورد، له كتب قيمة جداً أنصح بقراءتها، خاصة كتابين؛ كتاب “إدارة الصلاة”، وكتاب “المعجزة”، وقد سألته عن أهم كتاب في حياته يعتز به فقال لي “المعجزة” تحدث فيه عن القران.

له كتاب لم يطبع بعد، أعطاني نسخة منه أطلع عليها قبل نشره، وأعتبره من أفضل الكتب التي كتبت عن المرأة، الكتاب عنوانه “المرأة الحائرة بين السماء والأرض“، كتاب رائع جداً، يقدم فيه رؤية الإسلام الوسطية المتزنة في موضوع المرأة.

تحدث فيه عن ختان البنات، وقال إن ختان البنات مشروع، وأتى بحديث النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة تَخْتِن بالمدينة: «أَشِمِّي وَلَا تَنْهَكِي، فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ، وَأَحَبُّ إِلَى الْبَعْلِ» [أخرجه أبو داود في سننه]

ورجّح أنه صحيح، واعتمد تصحيح الشيخ الألباني للحديث، وقال إن الختان جائز، وأخذ يدافع عنه.

قلت له: “الكتاب كله سيُهدم وسيضيع بسبب هذه النقطة، ولن يقف القارئ أو المتابع عند شيء إلا عند هذه النقطة، لذلك أنا أرجوك أن تتغاضى عن هذه النقطة”.

قال لي: “أنا فكرت كثيراً في هذه النقطة، ولكن قلت كيف أكتم حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا بد أن ندافع عن السنة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث”.

قلت له: الحديث نعم صححه الشيخ الألباني بتعدد الطرق؛ لكن الشيخ القرضاوي وغيره ضعّفه

ثم إن الأمر في الحديث للإرشاد وليس للإيجاب، بمعنى أن أدق توصيف شرعي لختان البنات في الإسلام أنه مباح مشروع، لا سنة ولا مكرمة، والمباح هذا يجوز أن يقيد، أو أن يمنع رعاية للمصلحة، وهناك أدلة كثيرة على ذلك، وهذا مبحث أصولي معروف

فقه زواج الأقارب ومقاصد تحريم الرضاع

يمكن ببساطة شديدة أن يكون الموقف الذي يتم تبنيه كخطاب دعوي، أو كرأي فقهي بالنسبة لزواج الأقارب في الغرب أنه مباح؛ ولكن يقيد رعاية للمصلحة.

الشيخ القرضاوي لماذا قيده وانتهى إلى تحريمه؟

لأنه وجد المفاسد التي تترتب عليه في مناطق في جنوب إفريقيا، وفي الصومال وفي غيرها، يكاد يستأصلون الرحم للمرأة، ويقومون بعمل عمليات عنيفة، وأمور سيئة جداً، فقال: “لا، هذا الأمر خطير”، نعم هو مباح؛ ولكن نمنعه للمفسدة.

فهذا المدخل الأوفق للتعامل مع زواج الأقارب؛ وليس الاستقذار، أو تحريم المباح، فنحن نثبت الحكم الأصلي وهو الإباحة؛ ولكن نقيد المباح بالمنع درءاً للمفسدة.

والإسلام يفضل الزواج، ويرغب فيه ويحبذه، كلما قوي الميل من الرجل إلى المرأة، ومن المرأة إلى الرجل، هذا الميل بالتأكيد سيقل مع وجود الاحتكاك، أو التواصل، أو العيش في بيت واحد، أو في مجتمع قريب، أو وجود رضاع بين الأسرتين

ولقد حرّم الله تعالى الزواج بين من اجتمعوا على ثدي واحد في الرضاعة، لحكمة وهي: توسيع دائرة العلاقات الاجتماعية، فكأنه لما حصل رضاع بين أسرتين، واجتمع الأولاد على ثدي واحد، معناه أن الأسر متقاربة جداً، ومترابطة اجتماعياً جداً، فلا تحتاج لتواصل وتقوية الرابطة بالزواج، ونريد أن ننفتح على أسرة أو عائلة أخرى، فنترك هذا الذي تم الترابط بينهم إلى خيار آخر من الخيارات.

الاحتجاج بالكليات الشرعية وموقف الفقهاء منه

هل هذا الخيار الذي طرحناه الآن، برد الجزئيات إلى الكليات، متفق عليه؟

لا، هناك من رفضه؛ ففقهاء الشافعية أظهر الأئمة الذين رفضوا الاحتجاج بالكليات، وقالوا عندنا إشكالان:

الإشكال الأول: هذه الأصول خارجة عن الأدلة المعروفة؛ فالأدلة المعروفة المتفق عليها إما كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس، وإما أدلة مختلف فيها: استصحاب، استحسان، مصالح مرسلة، شرع من قبلنا… إلى آخره، فما هذه الأصول والكليات؟!!

الإشكال الثاني: مَن الذي يحدد هذه الأصول الكلية؟ أليس العلماء هم من سيقررون هذه الأصول؟ هذا سيجعل الشرع ألعوبة بيد الناس، هذا يعتمد وجهًا، وهذا يعتمد وجهًا آخر، وهذا الأمر سيترتب عليه إبطال أُبهة الشريعة، والذهاب برونقها، وانسكاب مائها!!

أجاب المؤيدون لرد الجزئيات إلى الكليات على ذلك، ومنهم الشافعية أنفسهم، فقالوا:

هذا الكلام يمكن أن يكون صحيحًا إذا قلنا بالاستدلال بالكليات دون اشتراط شروط،، ثم إن كل الأدلة يمكن أن تفضي إلى إشكالات، إذا لم تكن لها ضوابط ولها نظام؛ فالإجماع له نظام، والقياس إذا لم يكن بضوابط وبنظام، فيمكن أن يفضي إلى هدم الشريعة

قواعد التعامل مع الكليات التشريعية

لدينا مجموعة من القواعد المهمة جدًّا في التعامل مع هذه الكليات التشريعية، وهي كما يلي:

القاعدة الأولى: الكليات تقضي على كل جزئي تحتها

بمعنى إذا تقررت كلية ككلية العدل، وتعارض الجزئي معها، فالمفروض أنها تقضي عليه، وتبقى الهيمنة والسيطرة لهذه الكليات

القاعدة الثانية: الكليات هي أصول الشريعة

فكل ما تحت هذه الكليات هو مستمد منها، شأن الجزئيات مع كلياتها، فالكلي من حيث هو كلي غير معلوم لنا قبل العلم بالجزئيات، فإن الكليات تكونت في الأساس من الجزئيات، فلا تظن أني عندما آخذك إلى الكليات أني أدعوك إلى ترك الجزئيات، أو هدمها، أو التقليل من شأنها، ومن قيمتها في الشريعة.

فإذا ثبت بالاستقراء كلية تشريعية أو أصل كلي، ثم أتى النص الجزئي يخالفها بوجه من وجوه المخالفة، فلا بد من الجمع في النظر بينهما

لنفترض مثلاً أن عندنا نصًّا جزئيًّا صحيحًا: « لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ » [ صحيح مسلم]، هذا نص جزئي صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، نعم هو ورد في سياق، وفي ملابسات حربية خاصة، لا تنطبق أبدًا على التعميم على كل غير المسلمين؛ لكن هذا النص الجزئي يتعارض مع الكلية التشريعية التي أثبتها القرآن الكريم في قوله تعالى {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة، الآية: رقم 8]

ما الحل إذن؟ الحل أن أوفق بين هذا الأصل الكلي وبين النص الجزئي، لا أرده ولا أهدمه؛ ولكن أوفق بينهما؛ لكن إذا عجزنا عن التوفيق بينهما ماذا نفعل؟ سأرد الجزء لأحافظ على الكل

وهذا ما فعله الإمام أبو حنيفة في حديث الشاة المصراة، فعن النبي أنه قال “لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ” [ متفق عليه]

فحديث الشاة المصراة نص جزئي، تعارض مع الأصل الكلي، وهو القيمي والمثلي، فقال أبو حنيفة: لا يمكن أبدًا أن أقدم الجزء على الكل، فالحديث صحيح؛ لكني لن أعمل بمقتضاه.

لذلك كان المذهب الحنفي أكثر المذاهب الفقهية، وكان أكثر الأئمة الأربعة الذين راعوا كليات الشريعة هو الإمام أبو حنيفة رحمه الله، هذا ليس تحيزًا للمذهب الحنفي؛ لكن الإمام أبو حنيفة عندما نتتبع أغلب الفروع، وخاصة المسائل الخلافية التي خالف فيها الجمهور، نجد أنه لم يغرق في الجزء، ولم يجعل الجزء هو الحاكم على الكل.

الموازنة بين الجزء والكل: نموذج زكاة الفطر

رأي الإمام أبو حنيفة في جواز دفع زكاة الفطر قيمة، وازن فيه بين الجزء وبين الكل، فالمقصد الجزئي من  حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما “فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ..” [متفق عليه]

فعنده أن الجمود على هذه الأصناف سيؤدي إلى هدم النصوص بالكلية، والمجيء على عكسها.

وأيضًا: قضية خلود الشريعة، وصلاحيتها لكل زمان ومكان

قلت للإخوة الذين يعارضون إخراج زكاة الفطر مالاً، إن ألمانيا بها 5 ملايين مسلم، لنفترض أنهم جميعًا سيخرجون الزكاة، 5 ملايين × 3 كيلو، فالناتج هو 15 مليونًا كيلو من الحبوب، نحتاج أن نجمع هذه 15 مليون كيلو من أين؟ ونخزنهم أين؟ ونوزعهم كيف؟ وكيف ننقلهم إلى الأماكن التي توزع فيها؟ هذا معناه أننا سنحتاج إلى عدد كبير من الموظفين والعمال والأموال، حتى نحقق هذه الشعيرة، التي هدفها الأساسي شيء سريع يسعف الفقير، ويسعده في يوم العيد.

النتيجة عند استحالة التنزيل والتطبيق هي: أنه ستتهم الشريعة بأنها غير صالحة للزمن أصلاً؛ لذلك نحمد الله على وجود رأي أبي حنيفة في هذه المسألة.

وبالتالي: إذا ثبت بالاستقراء كلية تشريعية، ثم جاء النص يعارضها، فلا بد من البحث عن طريقة للتوفيق بين الأصل الكلي والنص الجزئي، فإن لم نستطع التوفيق بينهما، فنهدم النص الجزئي، ولا نهدم الأصل الكلي؛ لكن لابد أن يكون هذا الأصل الكلي الذي توصلنا إليه، قد توصلنا إليه بطريقة صحيحة منضبطة.

نصوص الإمام الشاطبي في الاعتداد بالكليات والجزئيات معًا

وهذا نص كلام الإمام الشاطبي في هذه المسألة؛ لكي لا يقال أننا نأتي بكلام لم يقل به أحد

يقول الإمام الشاطبي: «فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية، ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة، فلا بد من الجمع في النظر بينهما؛ لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد، إذ كلية هذا معلومة ضرورة بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة، فلا يمكن والحالة هذه أن تخرم القواعد بالغاء ما اعتبره الشارع، وإذا ثبت هذا لم يمكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي».

ويكمل قائلًا: «محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها، فمن أخذ بنص مثلاً في جزئي معرضًا عن كليه فقد أخطأ، وكما أن من أخذ بالجزئي معرضًا عن كليه فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكلي معرضًا عن جزئيه، وبيان ذلك أن تلقي العلم بالكلي إنما هو من عرض الجزئيات»

فينبه إلى أنه لايمكنك أن تتخيل أن دعوتنا للإعلاء من قيمة الكليات يعني هدم الجزئيات أبدًا، فالكل لا يمكن أن يستغني عن الجزء؛ لأن الكلي إنما تكون من مجموع الجزئيات، فمن أعرض عن الكلي إعلاءً لقيمة الجزئي، فقد هدم الجزئي قبل أن يهدم الكلي، لماذا؟ لأن الكلي في الأساس مركب من هذه الجزئيات.

ثم يقول: «والإ فالكلي من حيث هو كلي غير معلوم لنا قبل العلم بالجزئيات، ولأنه ليس بموجود في الخارج، وإنما هو مُضمن في الجزئيات حسبما تقرر في المعقولات، فإذًا الوقوف مع الكلي مع الإعراض عن الجزئي، وقوف مع شيء لم يتقرر العلم به بعدُ دون العلم بالجزئي، والجزئي هو مظهر العلم به”

فمعناه أنه لا يمكننا معرفة الكلي إلا من خلال الجزئي.

ويقول: «وأيضًا فإن الجزئي لم يوضع جزئيًّا إلا لكون الكلي فيه على التمام وبه قوامه، فالإعراض عن الجزئي من حيث هو جزئي، إعراض عن الكلي نفسه في الحقيقة، وذلك تناقض، ولأن الإعراض عن الجزئي جملة يؤدي إلى الشك في الكلي، من جهة أن الإعراض عنه إنما يكون عند مخالفته للكلي أو توهم المخالفة له، وإذا خالف الكلي الجزئي مع أن إنما نأخذه من الجزئي، دل على أن ذلك الكلي لم يتحقق العلم به لإمكان أن يتضمن ذلك الجزئي جزءًا من الكلي لم يأخذه المعتبر جزءًا منه، وإذا أمكن هذا لم يكن بد من الرجوع إلى الجزئي في معرفة الكلي، ودل ذلك على أن الكلي لا يعتبر بإطلاقه دون اعتبار الجزئي، وهذا كله يؤكد لك أن المطلوب المحافظة على قصد الشارع؛ لأن الكلي إنما ترجع حقيقته إلى ذلك، والجزئي كذلك أيضًا فلا بد من اعتبارهما معًا في كل مسألة»

إذًا الكليات حاكمة على النصوص الجزئية، وهي من باب أولى حاكمة على الاجتهادات الفقهية، فإذا وجدنا أي اجتهاد فقهي يعارض أصلًا كليا، نقوم برد هذا الاجتهاد، كما قلنا في التضخم، فقد رددنا رأي جمهور الفقهاء بالأصل الكلي، وكذلك أي اجتهاد فقهي حديث أو قديم، يجب أن تتم محاكمته إلى الكليات.

وظائف الكليات التشريعية

كيف يمكن أن نستفيد من الكليات التشريعية ؟

أولاً: بيان المعاني الواردة في النصوص

عندنا حديث لرسول الله عليه الصلاة والسلام، يقول لَوْ أَنَّ امْرَأً اِطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ» [متفق عليه] كيف نفهم هذا الحديث؟

اختلف العلماء في هذا الحديث؛ الإمام أبو حنيفة والإمام مالك قالا: يضمن الدية عن العين التي فقأها؛ لأنه يتلصص عليه، أو على بيته، للنص العام الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم : « فِي العَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ » [رواه الإمام النسائي في سننه]

الإمام الشافعي، والإمام أحمد قالا: لا ضمان عليه؛ لأنه التزم بنص حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الذي قال فيه: لَوْ أَنَّ امْرَأً اِطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ» [متفق عليه] فالرسول هو الذي قال ما كان عليك من جناح.

لماذا قال أبو حنيفة ومالك بأنه يضمن دية العين؟!

قالا ذلك بالنظر للكليات، فالكليات هي الحاكمة على هذا النص الجزئي، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال « فِي العَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ » [رواه الإمام النسائي في سننه]، هذا نص عام، ولا يجوز تخصيص هذا النص العام بهذا النص الجزئي؛ لأن هذا النص العام شكّل أصلاً كليًّا تشريعيًّا

وقالا: إن مجرد النظر لا يبيح الجناية عليه، ودللوا علي ذلك فقالوا: لو دخل بيته، ونال من امرأته ما دون الفرج لا يبيح له خلع عينه، فهل تخلع عينه لمجرد أنه نظر؟!

وبالنسبة للحديث الجزئي، قالا: هذا الحديث محمول على الوعيد والزجر الشديد.

ثانياً: الترجيح بين الأدلة والنصوص

ومن وظائف الكليات التشريعية الترجيح بين الأدلة، أو بين النصوص، أو بين الأخبار؛ فالأخبار إذا تعارضت نقدم الموافق للأصول على المخالف لها

عندنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم “تَوَضَّؤُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّار” [صحيح مسلم]

تعارض مع حديث عمرو بن أمية الضمري، وعن ابن عباس رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم “أكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ” [متفق عليه]

الجمهور أخذوا بترك الوضوء مما مست النار؛ لأنه يتوافق مع الكليات؛ لأن الكليات تقول: إن الوضوء يكون في الأنجاس الخارجة، وأنه يمكن لمس ومس ما هو أنجس مما مست النار، وهو الذَكَر، ولا ينقض الوضوء، إذًا النص الذي يترجح هو ترك الوضوء مما مست النار.

مثال آخر للترجيح بالكليات

في أحكام المستحاضة، عندنا نصان في المستحاضة:  النص الأول « تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ » [رواه البخاري في صحيحه]، و النص الثاني « تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ » [رواه أبو داود في سننه]

فأي النصين يوافق الأصول؟

الموافق للأصول هو: أن تتوضأ لوقت كل صلاة؛ وليس لكل صلاة، وذلك لكليتين:

الكلية الأولى: أن الأصول في الطهارات تقدر بالوقت ولا تقدر بالفعل

فمثلاً: المسح على الخفين مقدر بالمسحة، أم مقدر بيوم وليلة، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر؟

مقدر بالوقت.

الكلية الثانية: التيسير

فالرسول عليه الصلاة والسلام، شرع للمستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلاة، تيسيرًا عليها؛ لأنه إذا ألزمناها أن تتوضأ لكل صلاة، تكون فيها مشقة شديدة جدًّا عليها، فنكون بذلك قد خالفنا الأصل الذي شرع لأجله الحكم الخاص بالمستحاضة.

وبالتالي المستحاضة تُستثنى من الحكم الأصلي العام وهو: نقض الوضوء بالدم الخارج منها، كصاحب السلس، والعذر المتكرر، فلا ينتقض الوضوء حتى لو خرج الدم منها، فتتوضأ لوقت كل صلاة، حتى لو خرج الدم وهي تصلي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم “وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الحَصِيرِ قَطْرًا” [رواه أحمد في مسنده]

ثالثًا: العمل بالحديث الضعيف الموافق للكليات

العلماء قالوا: إن الحديث الضعيف إذا وافق الأصول، أو وافق الكليات يعمل به، أما الحديث الصحيح أو قوي السند، إذا خالف الكليات يتشدد في رفضه

مثلاً: حديث سيدنا معاذ: “بِمَا تَقْضِي؟ قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ …إلى آخره” [رواه أبو داود في سننه]

هذا الحديث ضعيف، واتفق علماء الحديث على أنه ضعيف، ومع ذلك لم يخلُ كتاب من كتب الأصول من الاحتجاج به، وهو العمدة في ترتيب الأدلة، فلماذا احتجوا به رغم ضعفه؟!

لأنه موافق للأصول، فتساهلوا في السند بسبب الموافقة للأصول.

منهج الكليات عند الشيخ محمد الغزالي ومناقشته

للشيخ محمد الغزالي كتاب اسمه “خلق المسلم“، أكثر كتاب استشهد الشيخ فيه بالنصوص النبوية والأحاديث؛ لكن فيه أحاديث كثيرة جدًّا ضعيفة، فلماذا يستشهد بالأحاديث الضعيفة؟!

هو عنده منهج، وأصل كلي يعتمد على موافقة الحديث لكليات الشريعة والدين، فإن توافق الحديث مع هذا الأصل الكلي، فلا إشكال عنده أن يستشهد بهذا الحديث، ولو كان ضعيفًا

لكن الشيخ الغزالي في كتاب “السنة النبوية بين أهل الفقه والحديث” طبق مبدأ الكليات التشريعية التي نتكلم عليها الآن، وهو متشبع بروح كليات الدين، فجاء لبعض النصوص في البخاري ومسلم، وقال إنها متعارضة مع الكليات ومخالفة لها، ورد هذه الأحاديث الصحيحة!!

مشكلة الشيخ الغزالي في هذا الكتاب في شيئين ” وإن كان مثلي لا يصلح له أن يُلاحظ على سيدنا الشيخ الغزالي رحمه الله؛ ولكن كلامنا في إطار المدارسة العلمية”

الإشكال الأول: التسرع في رد الخبر مع إمكان التوفيق

الإشكال الثاني: الهجوم بحدة في نقد الحديث؛ ولذلك أُلِّف 13 كتابًا في الرد على الشيخ، وأنه خاصم السنة، منها كتاب للشيخ سلمان العودة -فرج الله عنه- اسمه “حوار هادئ مع محمد الغزالي” حول هذا الكتاب

مثلًا: لما جاء الشيخ الغزالي لحديث فقْء سيدنا موسى لعين ملك الموت، عندما جاء ليقبض روحه، اعترض عليه وقال: استقبال الموت ولقاء الله هذا رحمة، وشيء ينتظره الإنسان، فكيف لنبي يقوم بفقء عين ملك الموت؟!

وأيضًا: لما جاء لحديث: «إنَّ المُيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» [متفق عليه]

قال: هذا حديث حتى لو في البخاري يُرد؛ لأنه متعارض مع خمس آيات في القرآن الكريم تقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾

هذا الحديث في الحقيقة يمكن الجمع بينه، وبين النصوص الأخرى، وهذا فعلته السيدة عائشة، فقد قالت عن سيدنا عمر: والله ما كذب عمر، ولعله نسي أو أخطأ، وعمر بن الخطاب هو أحد رواة حديث «إنَّ المُيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» [متفق عليه]

فقالت: ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ المُيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، وإنما قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» [متفق عليه]

وهناك فارق كبير جدًّا بين الحديث الأول، وبين الحديث الثاني؛ وبذلك يحل الإشكال بين حديث عمر، وبين آيات القرآن التي احتج بها الشيخ “رحمه الله”

رابعًا: الترجيح بين أقوال الفقهاء عند التعارض

جمهور الفقهاء يقولون: المسلم لا يقتل بالكافر، هذا قول فقهي بناءً على نصوص جزئية، حيث قال النبي “لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ” [رواه البخاري في صحيحه]

أبو حنيفة قال: يقتل المسلم بالكافر؛ لأن النص عام: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [ المائدة، آية: 45] فلا فرق بين نفس المسلم، وبين نفس الكافر.

لو أننا طرحنا هذا القول في السياق العام الآن، أو في السياق الأوروبي، وقلنا: إن المسلم لا يقتل بالكافر، فلو أن مسلمًا قتل كافرًا لا يقتل به، يعاقب بالحبس لكن لا يقتل به؛ لقامت القيامة

هل نقول بهذا القول فقط لكي نرضي الأوروبيين، ونجمل وجه الإسلام في الغرب؟

لا؛ بل لأن هذا هو ما توافق مع الأصول الكلية، كما قال أبو حنيفة

 

نموذج دية المرأة: هل دية المرأة مثل دية الرجل، أم تختلف؟

الجمهور: دية المرأة على النصف من دية الرجل

الأحناف: دية المرأة مثل دية الرجل

فإذا قلنا اليوم بأن دية المرأة على النصف من دية الرجل، ما الذي يحصل؟ سيتهم الإسلام باتهامات لا أساس لها

هل نحن نريد أن نبدل الدين من أجل التيار الحداثي والليبرالي؟ لا، نحن نعود إلى الكليات، فالكليات لم تفرق أبدًا بين دم الرجل، ودم المرأة.

من الأشياء العجيبة جدًّا التي قرأتها أن الشيخ مصطفى الزرقا -وهو فقيه معتبر- ينتصر لقول الجمهور، ويقول إن الرجل يحارب والمرأة لا تحارب، والرجل يقوم بمهام لا تقوم بها المرأة، فلذلك ديته أكبر من دية المرأة؛ ولذلك الشرع جعل نصف الدية لهذه الأسباب، ويشرح طويلاً فلسفة تنصيف دية المرأة.

والشيخ القرضاوي له بحث رائع جدًّا أدعوكم لقرائته، يرد فيه على جمهور الفقهاء، الذين قالوا بأن دية المرأة على النصف من دية الرجل

 

الفتاوى المعاصرة ومحاكمتها إلى كليات الشريعة

المجلس الأوروبي للإفتاء، قال في قضية الميراث: عندما يموت مسلم فإنه يرث من أبيه غير المسلم، وليس عكس

واستدل على ذلك برأي سيدنا بلال وسيدنا عمر، وهو ترجيح ابن تيمية وابن القيم

حيث قالوا في حديث: « لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» [ رواه أبو داود والترمذي في سننهما]

فقالوا: هذا الحديث خاص بالكافر الحربي، إنما الكافر الذي هو مسالم يرثه المسلم، لكنه لا يرث المسلم

واستدلوا: بأن الصحابة استفادوا من أموال آبائهم الكفار، وقياسًاعلى الزواج من الكتابيات؛ فالشرع جوّز للمسلم أن يتزوج من الكتابية، ولم يجوّز للمسلمة أن تتزوج من الكتابي

وهذا ليس استدلال المجلس؛ بل استدلال ابن تيمية وابن القيم، ومَن قالّ من فقهاء الصحابة بهذا القول

رأيي في هذا الموضوع: المجلس حل مشكلة لبعض الناس بهذه الفتوى؛ لكنه وقع في مشكلة أخرى، وهي أن الفتوى تعارضت مع كلية العدل؛ فالعدل يقول: إما أنه يأخذ ويعطي، فطالما أن المسلم سيرث من أبيه الكافر، فأبوه الكافر يرث منه

وهذه الفتوى أحدثت إشكالية أخرى، وهي تكريس فكرة أن الوجود الإسلامي هو وجود آخذ لا معطٍ؛ نريد فقط أن نستفيد من الدولة الغربية في الجنسية، وفي المساعدات، وفي الأموال،…إلى آخره، نأخذ فقط؛ لكن لا نريد أن ندفع الضرائب، ولا نريد أن نعطي ميراثًا للكافر

ثم إن المسألة لها حل ومخرج لاستفادة المسلم من مال أبيه غير المسلم، وهو مخرج القانوني حيث يستفيد من مال أبيه الكافر بشكل قانوني، وليس بطريق الميراث الشرعي، أو بطريق الوصية القانونية، وليست الوصية الشرعية، ونخرج من هذه الإشكالية

قضية الزواج بنية الطلاق

الزواج بنية الطلاق: هو زواج شرعي وقانوني، ومعلن ومُشهر، ومستوفي كل الشروط؛ ولكن الزوج أضمر في نيته أن يطلق الزوجة بعد يوم، أوشهر، أوسنة، أو أي فترة مؤقتة، فهو يُضمر في نيته التأقيت، أو الزوجة تُضمر في نيتها التأقيت

ولا بد أن ننتبه لهذا الزواج؛ فإنه قد انبنت عليه كل صور الأنكحة الحديثة، كزواج المسفار ويعني: زواج فترة السفر، وزواج المصياف ويعنى: زواج فترة الصيف، وزواج اسمه المشتاء ويعني: زواج فترة الشتاء، وهذا منتشر جدًّا عند الخليجيين، فما حكم هذا الزواج ؟

جمهور الفقهاء المتقدمين والمتأخرين: هذا العقد جائز وصحيح

مستند الجمهور في هذه القضية قوي جدًّا، فقالوا: “لا فرق بين إضمار نية الطلاق عند الزواج، وبين عدم إضماره”

فلو افترضنا أن رجلًا تزوج امرأة بنية الطلاق بعد أسبوع، هل هو ملزم أن يطلقها بعد أسبوع؟

لا، يمكن أن يحبها، يمكن أن ينجب منها، يمكن يتعلق بها

ولو تزوج رجلُُ بغير نية الطلاق، ثم بدا له أن يطلق بعد أسبوع، أو بعد يوم، هل هناك ما يمنعه؟

فقالوا: لا فرق بين الأول وبين الثاني.

تناقشت شخصيًا مع الشيخ القرضاوي، قلت له: “هذا القول يجب أن تتراجع عنه”

قال لي: “لماذا؟ هذا رأي جمهور الفقهاء”

قلت له: “على الرغم من أنه رأي جمهور الفقهاء”

قال لي: “كيف أتراجع عنه وهو رأي جمهور الفقهاء؟ ثم أنت تعيش في أوروبا، فالمفترض أن تؤيدني في هذا”

قلت له: “لأني أعيش في أوروبا، لا أؤيدك في هذا”

قال لي: “كيف؟ ما هي وجهة نظرك؟”

قلت له: “نحن بهذا نؤسس لنفس الفكرة الغربية في الزواج وبناء الأسر، أن الزواج هو علاقة مؤقتة بين ذكر وأنثى بنية المتعة، أتزوج اليوم امرأة وأطلقها غدًا، وآخذ واحدة ثانية وثالثة..”

وقلت للشيخ: “يجب أن تقرأ ماذا قال الشيعة عنك بسبب هذه الفتوى”، قالوا: “الحمد لله نحن واضحون، نتزوج مدة كذا بمبلغ كذا، أنتم تفعلون نفس الشيء؛ وتتحدثون عن أننا نقول بالتُقية ونقول بالسرية، أنتم تفعلون هذا الأمر وتقننونه”

فناقشت الشيخ وشبه اقتنع، ومن يقرأ كتابه “أخلاق الإسلام” سيجد أن اللغة التي عرض بها هذا النوع من الزواج، لغة تراجع، فذكر أنه يبدو أن المجامع رأت مفاسد هذا الزواج، وهي في طريقها إلى أن تحرمه وتمنعه، وأتى بفتوى المجلس الأوروبي للإفتاء، وبدأ يخفف من حدة تأييده لقول الجمهور

الإمام الأوزاعي: منع الزواج بنية الطلاق، قال: لشبهه بالمتعة

الإمام مالك قال: “العقد صحيح؛ لكنه ليس من مكارم الأخلاق”

فهو يعترف أنه ضد مكارم الأخلاق، ومكارم الأخلاق هي من كليات الشريعة، فالصدق من الكليات، وعدم التدليس من الكليات

المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث أصدر فتوى بتحريم هذا النوع من الزواج

إذا شاع هذا الزواج فيما بين الناس سينتهي شيء عندنا اسمه الأسرة، وسينزرع الشك في قلوب الناس وفي نفوسها

فمثلًا: ترتب على الزواج بنية الطلاق، كلًا من زواج المشتاء والمصياف، ترتبت عليهما كوارث أضرت بصورة الإسلام في الغرب، وبصورة الإسلام في ماليزيا وفي إندونيسيا

حدثني الإخوة في هذه البلاد أن الخليجي يأتي يتزوج امرأة بنية الطلاق، يبقى معها أسبوعًا ثم ينصرف، هذا زواج متعة مقنن؛ بل ويحصل الحمل، ولا تستطيع التعرف عليه، أو الوصول إليه!!

ففي الحقيقة مع هذه المفاسد لا يمكن لا يمكن لفقيه، ولا يسمى الفقيه فقيهًا إذا رأى المفسدة تتبختر أمامه وتختال، ومع ذلك يقول أن الجمهور يقولون بأنه جائز!!

نحن قلنا بتقييد المباح، وهو الزواج من الأقارب؛ لأنه يترتب عليه مفسدة اجتماعية في بيئة معينة، قيدنا المباح هنا، رعاية للمفسدة، أليس هذا الزواج أولى بذلك، مع ما يظهر من مفاسده؟!!

جمهور الفقهاء كما قلت دليلهم النظري قوي جدًّا؛ لأنهم لم يفرقوا بين الزواج بنية الطلاق، والزواج بغير نية الطلاق؛ لكن الفرق الأساسي بين قبول هذا الاجتهاد في زمانهم، وبين إصرارنا على رفضه اليوم، هو حركة التدين التي حصلت في زماننا مقارنة بزمانهم، الفارق الأساس بين زماننا، وزمانهم في أمرين:

الأول: قلة المروءة، الثاني: تراجع التدين

فالإمام مالك كان يكفيه في زمانه أن يقول: أنه ليس من مكارم الأخلاق، فترتدع الناس عنه وتتوقف، إنما اليوم تقول للناس العقد صحيح؛ لكنه ليس من مكارم الأخلاق، سيقولون لك: ” دعك من الأخلاق، طالما العقد صحيح فلا شيء فيه”

أحد الذين يفعلون هذا الأمر، ويكررونه في كل بلد ينزل فيه، يتزوج ليلة ويترك المرأة ويرحل، شرحت له فساد هذا الزواج وضرره، قال لي: “من حرمه من الأئمة؟”

قلت له: “الأوزاعي”، قال لي: “من الأوزاعي هذا؟! هل يفهم الأوزاعي مثل الجمهور؟ أنا لا أحب إلا الجمهور”

يقول هذا؛ لأن عنده مصلحة وهوى في الأمر؛ لذلك لو عاش الإمام مالك إلى زماننا، هل كان يمكن أن يفتي بجواز مثل هذا الزواج، الذي ترتبت عليه كوارث اجتماعية؟!

آلاف البنات اللاتي تزوجن من أثرياء، ولا يعرفن الوصول إليهم حتى يُنسب إليهم الأطفال الذين تسببوا في إنجابهم ورحلوا، ثم نقول قال الجمهور، ونحن مع الجمهور!!

فالنظرة الكلية، والنظرة إلى واقع التدين، والنظرة إلى واقع المروءة، تقول يجب التوقف عن إباحة هذا الزواج، هذه أكبر سوءة يمكن أن ننسبها إلى الإسلام

وهذا لا علاقة له بزواج الأوراق، ولا بالصور الأخرى كزواج المسيار، فهذا الزواج مختلف عنهم

فرددنا  قول الجمهوربالكليات، وبروح الشريعة، وبالفطرة، فهل شرع الله الزواج ليكون هكذا؟!

فالزواج لم يشرع لمجرد تقنيين الشهوة؛ وإلا ما كان هناك فرق بين هذه النظرة، وبين ما يفعله الأوروبي الذي يكون كل يوم مع امرأة، كل ما هنالك أنك قمت بالعقد فقط!!

ثم ماذا لو علمت المرأة التي تزوجها، وعقد عليها، وأسلمت له نفسها، واستحل فرجها بكلمة الله، أنه عندما تزوجها كان ينوي أن يطلقها بعد ليلة، ماذا تفعل؟! ثم ننسب هذا في النهاية للدين، ونقول أنه لا يفعل شيئًا حرامًا، وأنه قول الجمهور!!

جاءني أحد رجال الأعمال الذين يفعلون ذلك، يقول لي: هل هذا الزواج حرام، هذا زواج على كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟!!

فقلت له: هل تقبل أن يفعل هذا شخص مع ابنتك؟ يأتي إلى ابنتك، ويتقدم لها، وأنت لا تستطيع أن تعرف نيته؛ ولكنه بعد أن يطلقها في اليوم التالي، يقول لك: أنا كنت قد نويت أن أطلقها في اليوم التالي، هل تقبل هذا؟ قال لا طبعاً، لا أقبل، فقلت له: الآن فهمت؟!

فما ظهر لنا، ونتج عن هذا الزواج في الواقع الذي نحن فيه، أننا وجدنا أن زمن الإمام مالك لم ينتشر فيه أبدًا الذين تزوجوا بنية الطلاق، ووجدنا في زماننا من يوظف هذه الفتوى لتقنين نكاح المتعة، محتجًا بفتوي جمهور الفقهاء، فنقول: إن هذا الزواج بالنظر إلى زماننا، وبالنظر إلى مفاسده، هو زواج محرم شرعًا ولا يجوز، وكل من يريد أن يتزوج بنية الطلاق، لابد أن يعلم أنه يفعل شيئًا محرمًا، ولا ينسب فعله إلى رأي جمهور الأئمة، وأنه إن فعل ذلك فهو آثم

خامسًا: بيان الأحكام غير المنصوصة

ذكرنا أن هناك قاعدة تقول: الحديث إذا صح متنه، وكان موافقًا للأصول، فإنه يتساهل في سنده، والعكس صحيح، إذا صح متنه وخالف الأصول

مثلًا: حديث “هو الطهور ماؤه الحل ميتته” [رواه أبو داود والترمذي في سننهما]، حديث معروف جدًّا، وضعيف السند؛ لكن قبله العلماء وعملوا به؛ لأنه يتوافق مع عشرات الآيات في القران الكريم

مثل قوله تعالى {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [سورة الفرقان، الآية 48]

وقوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [سورة النحل، آية:14] وغيرها من الآيات

ومثلًا: حديث: “ولد الزنا شر الثلاثة” [رواه أبو داود والترمذي في سننهما]

هذا الحديث يتعارض مع الكليات، قال الله {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [سورة الإسراء، الآية 15]، فلماذا يكون ولد الزنا شر الثلاثة؟!! فنرد هذا الخبر، بالأصول الكلية

مثلًا: لحم البقر داء في حديث “عَلَيْكُمْ بِأَلْبَانِ الْبَقَرِ فَإِنَّهَا تَرِمُّ مِنْ كُلِّ الشَّجَرِ، وَأَسْمَانِهَا فَإِنَّهَا شِفَاءٌ، وَإِيَّاكُمْ وَلُحُومَهَا فَإِنَّ لُحُومَهَا دَاءٌ” [أخرجه الحاكم في المستدرك]

الشيخ الألباني صحح هذا الحديث، تتبع سلسلة السند فقال: “الحديث صحيح”، وسألت أحد أساتذة الحديث الكبار في زماننا قلت له: “تخيل أن فلانًا صحح هذا الحديث!”

قال لي: “نعم”، ثم أراد أن يقوي قوله فقال لي: “ألم تسمع إلى جنون البقر؟ هذا يؤكد على أن لحم بقر داء”!

هذا الخبر الذي صحح سنده، ألا يتعارض مع الكليات؟! نعم يتعارض مع الكليات المنصوص عليها

قال الله {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ} [سورة الأنعام، الآية 144]

قال الله {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} [سورة الحج، الآية 36] والبدن داخل فيها البقر

فالأصول الكلية التي أتت من النصوص الجزئية في القرآن الكريم، تقول لحم البقر يؤكل ولا إشكال فيه، وآتي أنا وأريد أن أجعل هذا النص الجزئي يعلو على الأصل الكلي، وأُحرم على الناس أكل ما أحل الله تبارك وتعالى، لمجرد صحة السند!!

وأنبه على ألا نتعجل في رد الحديث، فلابد من بذل جهد كبير جدًّا حتى نوفق بين النص الجزئي والكليات ما استطعنا لذلك سبيلاً، فإذا عجزنا عن ذلك بكل الوسائل، فلا نجعل النص الجزئي حاكمًا على الأصل الكلي

أيضًا حديث: مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ ” [رواه أبو داود والترمذي في سننهما]

سيدنا عبد الله بن عباس رده، وقال: “أيلزمنا الوضوء من حمل عيدان يابسة؟” فالجنازة خشب نحمله، فلماذا نتوضأ منه؟!

حديث المصراة ومخالفته للأصول عند الحنفية

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ”

[ متفق عليه]

الإمام أبو حنيفة قال: إن الحديث خالف الأصول الكلية، وأوجب غُرم اللبن مع إمكان رده

فقد أوجب غُرم قيمته مع وجود مثله، وجعل القيمة تمرًا، وهي إنما تكون ذهبًا أو فضة، وجعلها مقدرة لا تزيد بزيادة اللبن ولا تنقص بنقصانه، فقال: “صاعًا من تمر”

“ويلزم من العمل بظاهر الحديث الجمع بين الثمن والمثمن في بعض الصور، وهو إذا كانت قيمة الشاة صاعًا من تمر، فإنها ترجع إليه مع الصاع الذي هو مقدار ثمنها”

يعني: لو اشتريت منك شاة، ثمن الشاة بمقدار الصاع من تمر، بقيت عندي ثلاثة أيام، ثم رددتها لك مرة أخرى، فمقتضى العمل بالحديث أنك ترجع لي صاعًا من تمر، الذي هو قيمة الشاة أصلاً، وبذلك اجتمع الثمن والمثمن في الذمة في خلال ثلاثة أيام، وهذا يتناقض مع الأصول الكلية.

“اللبن إذا كان موجودًا عند العقد، فقد ذهب جزء من المعقود عليه، وهذا يمنع الرد”

يعني: اللبن هذا جزء من الشاة، فإذا كان اللبن موجودًا عند العقد، فإنه عند ردها ستكون ناقصة اللبن، فيكون المعقود عليه ناقص، وهذا يمنع الرد

“وإن كان اللبن حادثًا بعد الشراء، فقد حدث على ملك المشتري، فلا يضمنه”

هذا أيضًا مما يؤكد على أن الحديث خالف الأصول

الكليات التشريعية الحاكمة لعلاقة المسلمين بغيرهم

هذا نموذج من النماذج التي قمت فيها بالتطبيق على بحث من البحوث التي قدمتها للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين فيها فروع جزئية كثيرة جدًّا، كتهنئة غير المسلمين بأعيادهم، والسلام على غير المسلمين، والجلوس في اجتماعات مع غير المسلمين، وحضور مجالس العزاء مع غير المسلمين، والمشاركة في جنازات غير المسلمين، وحضور حفلات أعياد الميلاد الخاصة بغير المسلمين، إلى غير ذلك من المسائل الفرعية الكثيرة جدًّا

هذه مسائل جزئية، بعضها فيها نصوص، وبعضها فيها اجتهادات لفقهاء سابقين، وبعضها ليس فيها هذه الاجتهادات

والذي انتهيت إليه في هذا القرار المبني على هذا البحث، أني جمعت مجموعة من الكليات التشريعية، الحاكمة على باب العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين، أتيت بها من استقراء النصوص الجزئية، وكانت النتيجة: أن هذه الكليات التي سأذكرها الآن، تصبح هي المعيار الذي أحاكم به أي اجتهاد، في أي مسألة فرعية، أو في أي نص جزئي، يتعلق بالعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين

الكلية الأولى: كلية البر والعدل

من أين أتيت بها؟ من قول الله تعالى {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [سورة الممتحنة، الآية 8]، وهذا خطاب عام، محكم غير منسوخ، ينطبق على أصناف الملل والأديان جميعها، وهو أمر بحسن المعاملة والإكرام، وبذل المال لهم، وفاء وصلة وقربى، إلى آخره

الكلية الثانية: التعاون على البر والتقوى

وهي كلية أيضًا منصوص عليها في القرآن الكريم قال الله {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [سورة المائدة، الآية 2]

الكلية الثالثة: الفطرة الإنسانية

الفطرة الإنسانية تأبى أن يكون عندي جار يحسن إلي، ويتودد إلي، يبدأ بهديتي وبتهنئتي في أعيادي، ثم عندما تأتي مناسبة عنده أقول له: “عذرًا الإسلام يحرم علي هذه الأشياء”، والنص عندي قول الله {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [سورة الروم، الآية 30])

الكلية الرابعة: كلية الإحسان

قال الله {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [سورة البقرة، الآية 195]، وهذا خطاب عام، لا يكتفي بمجرد الصلة، وإنما يدعو إلى تقديمها في أعلى درجات الرقي والجمال

الكلية الخامسة: كلية البلاغ المبين

فالمسلمون يبلغون رسالة الإسلام من خلال السلوك والتعامل مع غير المسلمين، والسلوك والتعامل مع غير المسلمين يقتضي أحيانًا وجود إشكاليات في هذه المسائل الجزئية التي ذكرتها، هذا البلاغ المبين لا يتم ببيان الإسلام قولاً؛ إنما يتم بتجسيد الإسلام سلوكًا وخلقًا وفعلاً

فمجموع هذه الكليات يجب أن يكون حاكمًا على أي قضية من قضايا التعامل مع غير المسلمين،

فلو طبقنا هذه الكلية على موضوع تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، سيترجح جواز التهنئة بضوابطها الشرعية

ولا يقال أننا عندما نهنئه بعيده أن هذا إقرار منا لمعتقده؛ لأنه عندما يهنئنا بعيدنا لا نعتبره مسلمًا بهذا الأمر، ولمن سيقول غير ذلك، نسأله سؤالين:

السؤال الأول: إذا كنت ستعتبر مجرد الكلمة والتهئنة إقرار على المعتقد، ؛ وبالتالي إخلال بالعقيدة، فماذا عن الزواج الذي أبيح بنص القرآن؟ حيث سأتزوج امرأة غير مسلمة وتبقى هي على دينها، ألست سأحب زوجتي؟ وأحب أمها، وأولادي سيكون لهم أخوال، ودائرة اجتماعية كاملة

ولو ذهبنا إلى أقوال الفقهاء، سنجد المالكية مثلًا: يقولون يتعين على الزوج إن كانت زوجته الكتابية عمياء، أن يأخذها إلى الكنيسة، فهل أخذها إلى الكنيسة إقرار، أم كيف سنكيفه؟!

السؤال الثاني: الأكل من ذبائحهم المباح أيضًا بنص القرآن، الأكل من الذبائح هذا شعار للدين، تأمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه عنه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ» [رواه البخاري]، عطف أكل الذبائح على الصلاة، واستقبال القبلة، هذه قضية شعيرة، ومع ذلك قال لك كل من ذبائحهم، هل يعد هذا إقرارًا؟

إذا اعتبرت الكلمة إقرارًا، فحرم الزواج والأكل من ذبائحهم المباحان بنص القرآن، من باب أولى.

 

نماذج تطبيقية لتقريب فكرة الكليات التشريعية في السياق الأوروبي

هناك ثلاث قضايا في السياق الأوروبي، أطبق بها دائماً تقريب فكرة الكليات التشريعية

القضية الأولى: حد الردة

أولاً قضية الردة تتعلق بأمرين:

الأمر الأول: صورة الإسلام في الشرق، وفي الغرب

الأمر الثاني: أمر الدماء

فرج فودة مفكر علماني معروف في مصر، بعض الشباب سمع له أشرطة ومحاضرات، فقالوا: إن هذا الكلام يخرج الإنسان من الإسلام، فذهب أحدهم إلى أحد المشايخ، وسأله عن كلام فرج فودة، وقال له: إن الذي يقول هذا الكلام كافر أم مسلم؟

قال له: كافر طبعاً، قال له: فما عقوبة هذا المرتد في الإسلام؟ قال له: القتل

قال له: فإن الدولة لا تنفذ الحد، فما رأيك أن أنفذه أنا، وآخذ ثواباً فيه، وأدخل الجنة؟

فقال له، حسنًا، توكلنا على الله، فذهب ومعه مجموعة من الشباب، وقتلوا هذا الرجل

المحكمة طلبت شهادة الشيخ محمد الغزالي والدكتور محمود مزروعة، وهو دكتور أستاذ العقيدة والفلسفة في جامعة الأزهر، فقالوا: إن عقوبة المرتد القتل، فسُئلوا مَن الذي ينفذ هذه العقوبة؟

قالوا: الذي ينفذ هذه العقوبة هي الدولة، قالوا: أفرأيت إن قام أفراد بدور الدولة، وهم الذين نفذوا هذا الحد؟

الشيخ الغزالي قال: هؤلاء مفتئتون على السلطة، قال له القاضي: وما عقوبة من يفتئت على السلطة؟ قال له: لا أعلم له عقوبة في الإسلام

واستنقذ الشباب من حبل المشنقة بهذه الكلمة، وطار التيار الإسلامي وقتها فرحاً بهذه الفتوى، وقالوا: هذا نصرللإسلام؛ ولكن الحقيقة هي أنها كانت كارثة من الكوارث؛ لأنك تقنن قتل الأفراد في المجتمع بمجرد الشبهة، فمن الممكن جداً أن يختلف أي أحد، مع أي شيخ، ويقول: إنه قال كذا وكذا، وأنا الذي سأؤول، وأحكم

هناك شباب في ألمانيا قالوا عليَّ أني مرتد، ولما سألتهم لِمَ؟

قالوا: لأني أقول بجواز الأخذ بالحسابات الفلكية في إثبات الشهور!!

فبسبب الحسابات الفلكية يكفرونني، بمسألة فرعية!!

ثم إننا نشوه صورة الإسلام بتقرير أن هذا حد، الدكتور محمد عمارة “رحمه الله” أخبرني مشافهةً أنه قال للشيخ الغزالي أنه زار فرنسا ورجع، وقال له: يا شيخنا إن الفرنسيين قد أحرجوني، قالوا لي: إن روجيه جيرودي المفكر الكبير الذي ترك المسيحية، واعتنق الإسلام، وأخذ يكتب ليناصر الإسلام، ويدعو إليه، لم يقل له أحد ماذا تفعل؟؛ لأن لدينا حرية اعتقاد؛ وفي الوقت نفسه كان هناك شاب ارتد عن الإسلام في أفغانستان، وكانت حركة طالبان هي التي تحكم، فأقاموا عليه حد الردة وقتلوه، وبدأ العالم يتكلم عن هذه الإشكالية، بأنكم تقتلون من يخرج من الإسلام؛ بينما نحن لدينا حرية اعتقاد، فكيف تتكلمون عن حرية الاعتقاد، وتقولون لا إكراه في الدين؟!

فكيف نفهم قوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}  [سورة البقرة: الآية 256] مع حد الردة؟! فهذه هي القضية الأولى، وهي قضية في غاية الخطورة، وتعارض الكليات مع الجزئيات فيها ظاهر جداً

القضية الثانية: عقوبة من يسب النبي صلى الله عليه وسلم

توجد نصوص في كتب الفقه تقول: إن من يسب النبي صلى الله عليه وسلم عقوبته القتل، مسلماً كان أو كافراً، وفي “كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول” لابن تيمية في الصفحة التاسعة منه، في أول الكتاب قال: (أجمعوا على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين، كافر يقتل، وكذلك إن كان كافراً)

ومعروفُُ موضوع الرسوم المسيئة والسيئة في أوروبا، متكرر جداً؛ ولما حدثت أحداث شارلي إبدو، وقُتل الصحفيون والرسامون، جاء بعض الشباب المسلم في فرنسا بكتاب مطبوع في نحو تسع صفحات، يقرر أن من يسب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل إن كان كافراً، وأتوا بمجموعة نصوص وأدلة من كتاب “الصارم المسلول” وكلام ابن تيمية، وجاءني أحد الشباب يذكر لي حديث الأعمى، وهو حديث ضعيف، ونصّه “أنَّ رجلًا أعمى كانت له أمُّ ولدٍ تشتمُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وتقعُ فيهِ فيَنهاها فلا تَنتَهي ويزجُرُها فلا تزدجِرُ قالَ فلمَّا كانَ ذاتَ ليلةٍ جعلَت تقعُ فيهِ وتَشتمُهُ فأخذَ المِغْولَ فوضعَهُ في بطنِها واتَّكأ علَيهِ فقتلَها فوقعَ بينَ رِجلَيها طفلٌ فلطخَت ما هناكَ بدمٍ فلمَّا أصبَحَ ذُكِرَ ذلكَ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فجمَعَ النَّاسَ فقالَ أنشدُ اللَّهَ رجلًا فعَلَ ما فعَلَ لي عليهِ حقٌّ إلَّا قامَ فقامَ الأعمى يتخطَّى النَّاسَ وَهوَ يتزلزلُ حتَّى قعدَ بينَ يدَيِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ أنا صاحبُها كانت تشتمُكَ وتقعُ فيكَ فأنهاها فلا تنتَهي وأزجرُها فلا تزدجِرُ وَلي منها ابنانِ مثلُ اللُّؤلؤتَينِ وَكانت بي رفيقةً فلمَّا كانَ البارحةَ جعلَت تشتمُكَ وتقعُ فيكَ فأخذتُ المِغْولَ فوضعتُهُ في بطنِها واتَّكأتُ عليهِ حتَّى قتلتُها فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ألا اشهَدوا أنَّ دمَها هدرٌ” [رواه أبو داود في سننه]»

فقال لي: إن هذا رجل أعمى يغضب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنا لا أغضب؟!

وهذه القضية تتعارض مع الكليات، وهذه القضية في غاية الخطورة؛ لأنه يترتب عليها كوارث؛ حتى لو لم يقم الشباب المسلم بالاعتداء، أو بقتل من يسب النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولكن على الأقل لو فعلها غيرهم، سيقال: لماذا تنكر المراكز والمؤسسات الإسلامية، على الفاعل ما فعل، وتقول إننا ندين ونستنكر، بينما الرجل طبق ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وما أمر به، وما دعا إليه؟

لذا فهذه القضية الثانية في غاية الخطورة

القضية الثالثة: قضية ضرب الزوجات

هذه القضية ليست أقل خطراً من القضيتين السابقتين، وكيف نفهم قوله تعالى

{وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [سورة النساء: الآية 34]

وهل تتعارض مع الكليات، أم لا تتعارض مع الكليات؟ وكيف نؤولها؟

هناك من قال: إن الضرب هو الضرب، وهناك من قال: الضرب بالسواك، وهذا تأويل مضحك؛ لأنه لا يستقيم مع معنى النشوز؛ إذ أن بعض العلماء قالوا: إن النشوز هو أن تستدعي المرأة رجلاً أجنبياً إلى فراش الزوجية، فهل يمكن أن يأتي الرجل فيجد رجلاً أجنبياً في فراش الزوجية، فيؤدبها بالسواك؟! هذا تأويل مضحك

فماذا نفعل أمام هذه الآية، وهذه الإشكالية؟

أذكر أن مجموعة من النساء في جمعية ألمانية، جئن إليَّ، وقلن لي: إن لدينا ثلاث أو أربع قضايا إذا لم تجبنا عليها، أو تحلها لنا، فليس لدينا استعداد لاعتناق الإسلام، ولا نتخيل أنه دين صالح لهذا العالم أبداً، ولما سألتهن ما هي هذه القضايا؟ قلن: أول قضية هي “واضربوهن”، وثاني قضية هي الميراث، وثالث قضية هي تعدد الزوجات

فكيف يمكن أن نفهم هذه المسألة الثالثة، وما علاقة الجزء بالكل فيها؟

لقد عرضت هذه المسائل إيجازاً، ولم أستفض في الحديث عنها، وسأشرحها قريبًا_إن شاء الله_ لأنها تحتاج إلى تفصيل

ملفات وقضايا فقهية معاصرة لتطوير الاجتهاد

هذا هو الموضوع الأول: الكليات التشريعية، وهناك موضوع ثانٍ، وهو: الإجماع، فالإجماع دليل مهم جداً، ودليل مظلوم للأسف، وكذلك موضوع تحقيق المناطات، وكيفية تحقيق المناط في مسألة من المسائل، وأيضاً موضوع فتح الذرائع؛ وليس سد الذرائع، وفقه التوقع، وفقه الموازنات، ثم فقه البدائل

هذه الموضوعات والقضايا في تقديري، لو أننا اعتنينا بها، واشتغلنا عليها، فهي جديرة أن تغير من طريقة، وآلية تفكيرنا، وأن تطور من طريقة تعاملنا مع الاجتهادات، ومع التراث، ومع النصوص، وأن تجعلنا قادرين على تقديم الإسلام بصورة أفضل؛ ليتحقق بنا البلاغ المبين

طواف المرأة الحائض، نموذج لتطور الاجتهاد

طواف المرأة الحائض، سواء أكان طواف الإفاضة، أو طواف الركن في العمرة، إذا كانت المجموعة ستسافر وتغادر، فإذا أخذنا برأي الجمهور: يجب عليها أن تبقى، وتترك الرفقة، أو تخرج ثم تعود؛ ولكن الحج لا يتم حتى تعود وتطوف طواف الإفاضة!!

فمتى تطور الاجتهاد، وظهر قول يجيز لها أن تطوف وهي حائض؟

أول من قال بهذا الكلام هو ابن تيمية؛ لأن الزمن بدأ يتطور قليلاً، وتتغير الصورة

فلماذا لم يكن الفقهاء قديماً يقولون بهذا القول؟ لأنه لم تكن عندهم أزمة أصلاً في الموضوع، ولم تكن عندهم حاجة إلى هذا الاجتهاد، فهم يأتون بالدواب وينتظرون، وليس عندهم فنادق، ولا طيران مرتبط بأي شيء

والتجمع الوحيد الذي رأيته يفعل غير ذلك، هو تجمع لإخوة أتراك في إحدى المؤسسات، فإنهم إذا حاضت المرأة في الحج، يعدلون لها التذاكر، وحجز الفندق، وكل شيء، حتى تطهر، ثم تغتسل وتطوف، وتغادر، ويبقى زوجها معها أيضاً

ولكن هل كل الدول، وكل الحملات، وكل الناس قادرون على هذا الأمر؟! بالطبع لا؛ فإذن لا بد من الاجتهاد هنا

أريد أن أقول: أننا نفتخر بتراثنا الفقهي، ويجب أن يكون اجتهادنا في إطاره، ويجب أن نعود إليه دائماً، وأن يكون مرجعنا دائماً؛ ولكن نتأمل فيه، ونحكم عليه بالكليات التشريعية، فإذا اقتضى الأمر أن نجتهد، اجتهاداً جديداً، حتى لو كان هذا الاجتهاد مغايراً، أو مضاداً له، فلنفعل ما دام الاجتهاد يتم بأدواته، ومن أهله، وفي محله

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 211