هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
صحبةُ السوء سبيل لضياع الدين في الغرب
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 5 يونيو 2026م
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،
فإن سؤال حفظ الدين على المسلمين في الغرب هو السؤال الذي تتمركز حوله الأسر والعائلات، والشيوخ والدعاة، والمراكز والمؤسسات الدعوية في الغرب، وقد تضاعفت وتنوعت أسباب وأساليب الغواية وضياع الدين والهوية خاصة بحق الأجيال الجديدة من أولاد المسلمين في الغرب.
ومن أهم أسباب ضياع الدين بشكل عام وفي الغرب بشكل خاص صحبة السوء؛ فأغلب مشكلات الانحراف عن الالتزام بتعاليم الدين بعد الاستقامة عليه، وأغلب حالات الكفر بعد الإيمان في الغرب مرجعها إلى صحبة سيئة والصاحب ساحب كما قيل، والتحدي الأكبر في الغرب هو أن شبابنا قد لا يجدون الصحبة الصالحة أمامهم فلا خيار أمامهم إلا جليس السوء فهم بين جلساء من غير المسلمين أو من المسلمين غير الملتزمين دينيا أو الملتزمين دينيا وهم قلة قليلة، وهو ما يشكل تحديا كبيرا أمام المسلمين في الغرب وأولادهم.
ومن خلال معايشتي لمشكلات الشباب في أوروبا لاحظت أن منشأها في الغالب الأعم الصحبة التي تفسد ما أصلحه الآباء، أو تهدم ما بناه الدعاة، فما سألتُ مبتلى بالتدخين من الشباب كيف بدأت العلاقة مع السيجارة إلا قال: صاحبي!! وما سألتُ ملازما للشباب وحِلَق العلم: لمَ تركت؟ إلا قال: أصدقائي.
وما سألتُ أُمَّا جاءت شاكية من تغيّر احتشام ابنتها عن سبب التحول إلا قالت: صديقاتها الجديدات، وكم من صاحب أخذ بيد صاحبه إلى الإيمان بعد أن كان كافرا، وكم من صاحب نقل صاحبه من الإيمان إلى الكفر أو من الضلالة إلى الهدى، ويتضاعف هذا التحدي أمام شبابنا في ألمانيا حيث تنعدم المدارس الإسلامية التي تراعي الخصوصية الدينية للمسلمين وتوفر بيئة يجد فيها الشباب تلك الصحبة التي تأخذ بيدهم إلى الله عز وجل، لذلك فإن صحبة السوء سبيلٌ لضياع الدين والهوية في الغرب، وكذا العكس فإنَّ الصحبة الصالحة سبيل لحفظ الدين والهوية في الغرب، وصدق الشاعر حين قال:
عَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارِنِ يَقْتَدِي
وقد أولى الإسلام أمر الصحبة عناية كبرى، وتتجلى معالمها فيما يلي:
1- صاحبٌ يأخذ بيد صاحبه إلى النار:
يحدثنا القرآن الكريم عن صاحب أدخل صاحبه النار بعد أن أنقذه الله منها قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً}[الفرقان:27] {يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً}[الفرقان:28] {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً}[الفرقان:29]
أراد بالظالم عقبة بن أبي معيط، وذلك أن عقبة كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا إليه أشراف قومه، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاما فدعا الناس ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قرب الطعام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ”
فقال عقبة : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه، وكان عقبة صديقا لأبي بن خلف، فلما أخبر أبي بن خلف قال له: يا عقبة صبأت قال: لا والله ما صبأت ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له فطعم، فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك أبدا إلا أن تأتيه فتبزق في وجهه، ففعل ذلك عقبة ، قال الضحاك : لما بزق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد بزاقه في وجهه فاحترق خداه، وكان أثر ذلك فيه حتى الموت.
وقد قتل عقبة يوم بدر وقتل أبي بن خلف يوم أحد.
وهذا نموذج آخر لصاحب يدخل صاحبه النار:
فعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب لما حضرته الوفاة: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبَىَ أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك، فأنزل الله تعالى فيه : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ }(التوبة: 113) البخاري. وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أغنيتَ عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك، قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار، وعن العباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أَهْوَنُ أهل النَّار عذابا أبو طالب، وهو مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ، يغلي منهما دماغه” رواه مسلم .
2- نبيك يرشد ويحذر:
يرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم ويحذرنا من تأثيرات الصاحب على صاحبه فيقول:” المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ” أبو داوود والترمذي وأحمد عن أبي هريرة بسند صحيح.
أي أن المرء يشابه صاحبه وخليله في سيرته وعاداته وأخلاقه وتصرفاته فراقِب صفات وأخلاق صاحبك تعرف حالك، ويزداد أثر الصاحب غير المسلم أو المسلم غير الملتزم دينيا على الشاب المسلم في الغرب إذا كان ضعيف الشخصية ينقاد ولا يقود، يتأثر ولا يؤثر، لا يستطيع أن يقول: لا إذا رأى خطأً من صاحبه.
ويعقد النبي صلى الله عليه وسلم مقارنة بين صديق السوء والصديق الصالح فيقول:” إِنِّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ ، وجَلِيسِ السُّوءِ ، كَحامِلِ المِسْكِ ، ونافِخِ الكِيرِ ، فَحامِلُ المِسْكِ ، إِمَّا أنْ يَحْذِيَكَ ، وإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً ، ونافِخُ الكِيرِ ، إِمَّا أنْ يَحْرِقَ ثَيابَكَ ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ رِيحًا خَبيثَةً” متفق عليه عن أبي موسى الأشعري.
وهذا يعني ضرورة حصول الأثر من الجليس الصالح أو جليس السوء مهما أخذت حذرك من جليس السوء لابد أن يصيبك ولو برائحة أخلاقه الكريهة!
3-حكمة نورانية جليلة:
يقول الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى في حكمة نورانية جليلة من حكمه العطائية:” لا تصحب من لا يُنهضك حاله، و لا يدلّك على اللّه مقاله”
فكل صاحب لا يأخذك ويذكرك بالله بحاله وسلوكه ولا يذكرك بالله كلامه فأحذر من صحبته ومجالسته وقد فصَّل أحد العارفين هذه الحكمة فقال:” خمسة لا تصح صحبتهم: الجاهل بالدين، والذي يسقط حرمة المسلمين، والذي يخوض فيما لا يعنيه، والذي يتبع الهوى في كل شيء، وسيء الخلق” وينسب لسيدنا علي رضي اللّه تعالى عنه و كرّم وجهه قوله: “شر الأصدقاء من أحوجك إلى المداراة و ألجأك إلى الاعتذار”
4- أصحاب السوء الجدد في زماننا:
قديما كانت صحبة السوء تتجلى في رفيق أو صديق تعرفه وتخالطه قليلا أو كثيرا من الوقت، أما اليوم فهناك أصحاب جدد تحولوا في غالب الأحايين إلى أصحاب سوء وهم الهواتف والشاشات والتطبيقات؛ فأولادنا يصاحبون الهواتف ويقضون عليها من الأوقات ما لا يقضونه في الحديث مع آبائهم وأمهاتهم وربما مع دراستهم، وإنك لترى الأصدقاء يجلسون جلسة مسامرة وأنس وكل مشغول بهاتفه!
والهواتف والشاشات أصبحت واحداً من أكبر تحديات عصرنا وهي وسائل ناقلة للشبهات الفكرية ومؤججة للشهوات الحسية، ومسهلة للفواحش والمنكرات، وقاتلة للوقت ومضيعة للعمر والزمن الذي هو رأس مال الإنسان الأغلى والأثمن، ومشتتة للفكر مقللة للتركيز والإنجاز قاتلة للخصوصية، نعم لها فوائد ومزايا كثيرة لكن قلَّ من يفيد من مزاياها ويتجنب عيوبها في عصرنا، لهذا وجب الحذر والتحذير من مخاطرها وآثارها وبذل الجهد مع أولادنا لتجنيبهم مخاطرها وآثارها السلبية خاصة عند الصغار.
اللهم حبب إلينا وإلى أولادنا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا وإليهم الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا وإياهم من الراشدين، اللهم جنبهم قرناء السوء وارزقهم الجلساء الصالحين الذين يحببون إليهم فعل الخيرات وترك المنكرات والثبات على الدين، اللهم فرج الكرب عن أمة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
لتحميل الخطبة:
الصحبةُ_سبيل_لضياع_الدين_في_الغرب