إرسل فتوى

هجرةٌ إلى الغرب أم هجرةٌ منه؟

هجرةٌ إلى الغرب أم هجرةٌ منه؟

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 2026م

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،

فهذه الجمعة هي الأولى من عام هجري جديد جعله الله عام الفتح والنصر والتأييد والفرج والفرح على أمة الإسلام وعلى الإنسانية جمعاء.

وفي سياق الحدث عن الهجرة والتأمل في دروسها للمسلمين في الغرب، أوّدُ التوقف عند سؤال مركزي مهم في حياة المسلم الأوروبي ولا يكاد يتوقف أحد عن السؤال عنه، ولا ينفك المسلمون في الغرب عن التفكير فيه وهو:

هل نهاجر إلى الغرب ونستوطنه أم نهاجر منه ونفارقه؟ حفاظا على الدين والهوية بعد المتغيرات الكبرى على الساحة الأوروبية، وبعد تجدد صور الخطر على الدين والتدين بشكل عام، وفي الغرب بشكل خاص؟

وقد انتقل التهمم بالجواب على هذا السؤال من الجيل الأول والمهاجرين الجدد إلى الجيل الثاني وما بعده؛ رغم ظننا أن إشكالية التوطين وسؤال الهجرة هو في مجتمع الجيل الأول دون غيره!

والواقع أن ظاهرة الهجرة العكسية آخذة في النمو والازدياد بحسب حجم الضغط على الدين والهوية في الأقطار الأوروبية المختلفة.

ولطالما أكدتُ كثيراً على ضرورة وأهمية التوطين للمسلمين في الغرب ونفي فكرة التأرجح أو التأقيت؛ لأنها تخالف منهج الأنبياء في توطين الدعوة في أوطان وبيئات بعثتهم، وتضر بالدين والتدين، وتجعل المسلم الأوروبي متصفا بالوصف المذموم الوارد في الحديث المروي بسند ضعيف مع صحة معناه وهو:

قوله صلى الله عليه وسلم:” إِنَّ هذا الدينَ متينٌ، فأوْغِلْ فيه برِفْقٍ، فإِنَّ الْمُنبَتَّ لا أرضًا قطعَ، ولَا ظهْرًا أبْقَى” رواه البزار والبيهقي والحاكم بسند ضعيف عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه.

والمنبت: هو الذي يُحمِّل دابته فوق طاقتها فلا هو حافظ عليها ولا هو بلغ وجهته وقصده المسافر إليه.

وكذلك المسلم الأوروبي المتأرجح بين موطن إقامته في أوروبا وبين بلده الأصلي لا هو أضاف وأفاد وطنه الأصلي ولا هو أفاد وأضاف مهاجَره الأوروبي، فالتوطين يجعلك في مواجهة مباشرة مع التحديات والأخطار المحيطة بتدينك وتدين أولادك فتبحث لها عن حلول لتجاوزها، والتأرجح أو التأقيت يجعلك مُخدَّراً عن تلك التحديات مُرَّحِّلا لها وهي تعمل عملها في نفسك ونفس أولادك حتى تصل بك إلى حالة الفصام النكد بينك وبين أولادك ومجتمعك فكراً وثقافة ولغة واهتماماً وعملاً.

وما نحتاج إليه هو الضبط الوسطي لمبدأ الهجرة أو التوطين؛ فهناك طرفان ووسط:

  • طرف يحرِّم الإقامة في الغرب ويراها شراً محضاً لا خير فيه ويوجب على المسلمين الهجرة منه.
  • وطرف يوجب الإقامة في الغرب ويرفع شعار ” إحراق السفن”بمعنى إلغاء فكرة الهجرة من الغرب بالكلية لأن سفن العودة أُحرقت فلا سبيل للرجوع للأوطان مجدداً.
  • وفي تقديري أن الطرفين لا يمثلان الرؤية الوسطية المعتدلة التي تتمثل في عدم إلغاء مبدأ الهجرة متى تعينت سبيلا للحفاظ الدين، مع التأكيد على ضرورة وأولوية التوطين مع التدافع مع التحديات بقانونية وسلمية وحضارية وموازنة ومقاربة،

ويمكننا إيجاز معالم الضبط الوسطي للتوطين والهجرة من الغرب وإليه فيما يلي:

1- مركزية الدين والتدين في قرار الهجرة:

إن قرار الهجرة من الغرب أو من أي بلد في عصرنا يجب أن لا يٌستبعد من قاموس المسلم المعاصر أبدا؛ لأن طبيعة المرحلة عدم الاستقرار، وتجدد المخاطر على الدين والتدين على نحو غير مسبوق، وتزيين الشبهات والشهوات في عقول وقلوب أولادنا بأوجه شديدة التعقيد مع ضعف طرق الحماية والتحصين المبكر لهم، والقرآن الكريم يوجب على المسلم الهجرة من وطنه الذي وُلد فيه وأحبه وتعلق به إذا عجز عن إقامة الدين فيه، ويعتبر أنَّ من ظلم الإنسان لنفسه أن يعيش في وطن لا يمكنه إقامة الفرائض والواجبات الدينية أو إظهار شعائر الإسلام فيه قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا}[النساء:97]، فمتى رأيتَ الخطر قريب من أولادك محيط بهم ولا تملك له دفعاَ أو منعاَ وتعيَّنت الهجرة سبيلاً واحداً لحفظ الدين عليهم وجبت الهجرة عليك.

2- معيار الخطر الموجب للهجرة وتغيير المكان:

المعيار الذي يظهر به الخطر على الدين والهوية للمسلم الأوروبي والذي يتوجب معه الهجرة من الغرب هو: إقامة الفرائض والواجبات الدينية خاصة الصلاة وبصورة أدق صلاة الجمعة، وتجنب الفواحش والكبائر.

فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن أعرابيا جافا جريئا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ، أينَ الهِجرةُ إليكَ حيثُما كنتَ، أم إلى أرضٍ معلومةٍ، أم لقَومٍ خاصَّةً، أم إذا مِتَّ انقطَعتْ؟ قال: فسكَتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ساعةً، ثمَّ قال: أينَ السائلُ عن الهِجرةِ؟ قال: ها أنا ذا يا رسولَ اللهِ. قال:” إذا أقَمتَ الصلاةَ، وآتَيتَ الزكاةَ فأنتَ مهاجرٌ، وإن مِتَّ بالحَضْرَمةِ. قال: يعني أرضًا باليمامةِ. وفي روايةٍ: الهِجرةُ: أنْ تهجُرَ الفَواحشَ، ما ظهَرَ منها، وما بطَنَ، وتقيمَ الصلاةَ، وتؤتيَ الزكاةَ، فأنتَ مهاجرٌ” أحمد وغيره بسند حسن.

ويتأكد هذا المعيار بحديث فديك رضي الله عنه الذي كان قد أسلم، وأراد أن يهاجر فطلب منه قومه وهم كفار أن يبقى معهم، واشترطوا له أنهم لن يتعرضوا لدينه، ففرَّ فديك بعد ذلك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنهم يزعمون أنه من لم يهاجر هلَكَ فقال النبي عليه الصلاة والسلام:” يا فديك أقم الصلاة، وآت الزكاة واهجر السوء، واسكن من أرض قومك حيث شئت” وظن الراوي أنه قال: “تكن مهاجراً” ابن حبان بسند صحيح.

وأيضا حديث:” البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، وحيثما أصبت خيراً فأقم” أحمد بسند صحيح عن الزبير بن العوام رضي الله عنه.

فالأحاديث المذكورة تضع معياراً للبلد الذي يُشرع لك العيش فيه وهو إقامة الدين وإظهار شعائره واجتناب المعاصي والفواحش بحقك ومن تلي أمرهم من الأولاد والذرية، هذا هو المعيار وليس المعيار هو أن يكون وطن الإقامة ذا أكثرية مسلمة أو غير مسلمة، أو دار الكفر أو دار الإسلام، فقد ينضبط المعيار في بلد أكثريته غير مسلمة وقد يقع العكس خاصة في عصرنا الرقمي الشبكي الذي تراجع فيه دور وأثر المكان كثيراً في حفظ الدين والتدين.

2- البعد الرسالي للمسلم مهاجراً أو مستوطناً:

في حوار لي مع بعض الشباب الذين وُلدوا وازدادوا في الغرب، ولهم مِسحة من المعرفة الشرعية والخوف على الدين قالوا: إن الحريات تراجعت كثيرا في أوروبا ولم تعد بيئة صالحة للدين والتدين وتفكيرنا أن نعيش في المدينة المنورة ونصلي في الحرم ونجدد إيماننا في جحر الإيمان ومئرزه ونجاور الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم!! قلت لهم: فأين الرسالة؟ وأين الاقتداء بالأنبياء فيها؟ وأين دوركم في تثبيت الناس على الدين والبلاغ المبين العالمي للإسلام؟

لو كانت رسالة المسلم أن يعيش في مكة أو المدينة ويموت بها فلمَ هاجر الصحابة منها نشراً للدين وقياماً بالاستخلاف والشهود الحضاري على الناس؟

لمَ وُجد قبر أبي أيوب الأنصاري في إسطنبول؟

ولمَ وجدت قبور للصحابة في مصر وليبيا والشام وتونس وسائر البلدان ولم يؤثروا البقاء في مكة أو المدينة طلباً لفضلها وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن مات فيها وهي موطنهم أو مهاجَرهم؟

لهذا فإن من المعايير المهمة للهجرة أو البقاء المعيار الرسالي؛ أي وطن تعظُم رسالتك فيه أكثر؟ أي وطن تُرضي ربك فيه أكثر؟ أي وطن يتعدى نفعك للناس فيه أكثر؟

ولهذا عظَّم القرآن ثواب المهاجرين في سبيل الله؛ لأن الهجرة تُعظِّم أمر الدين والرسالة قال تعالى:{وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون}[النحل:41].

3- قرار التوطين لابد أن يُتبع بعملٍ يحفظ الدين والهوية:

إن قرار التوطين في الغرب لابد أن يتبعه عمل فردي وجماعي لحفظ الدين والهوية على الذرية والأجيال، فلابد من بناء المؤسسات الحافظ للدين والدين، ولابد من بحث أسباب وسبل الغواية وتجددها وكيفية التعامل معها، ولابد من الواقعية في التعامل مع الفتن، ولابد كذلك من إيجاد البدائل الشرعية للمحرمات، لابد للأُسر والعائلات من الإفادة من تجارب الأسبقين الذين وُفِّقوا مع أولادهم في الثبات على الدين والحفاظ على التدين، ولابد من إيجاد البيئة الحافظة للدين والدين والتدين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما هاجر من مكة إلى المدينة فبنى المسجد، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وأنشأ السوق، ووضع دستور المدينة، وكذلك فعل الصحابة في الحبشة فكان الخروج من الإسلام استثناء لا أصلاً فلم يرتد عن الإسلام خلال ثلاثة عشر عاما أو يزيد، وقد كانوا في بلد غير مسلم ونظام غير إسلامي سوى اثنين فقط، وواقع الحال في الغرب غير ذلك كما لا يخفى على كل راصد ومتابع لحركة التدين في أوروبا، وإيجاد كل ذلك يحتاج إلى خطط مدروسة، وتدبير محكم، وبذل للوقت والجهد والمال إن أراد المهاجرون أن يظفروا بالثواب الحصري المعد لهم والذي لم يرد في القرآن الكريم سوى مرة واحدة وهو النعيم المقيم

قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون}[التوبة:20]، {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيم}[التوبة:21]

 فقد تكرر العذاب المقيم في القرآن كثيرا أما النعيم المقيم فهو جزاء حصري للمهاجرين العاملين حيث لم يرد إلا في هذا الموضع.

اللهم صحح قصدنا واجعل هجرتنا في سبيل مرضاتك،

ولا تقطع كلمة التوحيد من نسلنا،

وحبب إلينا وإلى أولادنا الإيمان وزينه في قلوبنا

وكره إلينا وإليهم الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا وإياهم من الراشدين،

وفرج الكرب عن أهلنا وإخوانا في غزة وفلسطين واليمن والسودان وكل مكان،

والحمد لله رب العالمين.


لتحميل الخطبة اضغط هنا
هجرةٌ إلى الغرب أم هجرةٌ منه؟

 

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 213