إرسل فتوى

المقاصدُ والحِكَم من أعمال أيام التشريق

المقاصدُ والحِكَم من أعمال أيام التشريق

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 29 مايو 2026م

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد

فاليوم هو الثاني عشر من ذي الحجة، اليوم الثاني من أيام التشريق والتي تنتهي غدا السبت الثالث عشر من ذي الحجة، وأيام التشريق هي التي قال الله تعالى عنها: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُون}[البقرة:203]، والمتعجلون يغادرون منى اليوم عقيب رمي الجمار وقبل غروب الشمس، والمتأخرون يرمون غدا السبت ثم يغادرون منى بعدها.

وأيام التشريق هي الأيام التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أيَّامُ التَّشريقِ أيَّامُ أَكْلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ للَّهِ عزَّ وجلَّ” ابن ماجة وأحمد عن أبي هريرة بسند صحيح.

وعن أبي هريرة أن رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بعثَ عبدَ اللَّهِ بنَ حذافةَ يطوفُ في منًى : “لا تصوموا هذِهِ الأيَّامَ، فإنَّها أيَّامُ أَكْلٍ وشُربٍ، وذِكْرِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ” أحمد والنسائي بسند صحيح.

والحاج يبيت أيام التشريق في منى وقد أنهى أعمال الحج كلها وتحلل التحلل الأصغر برمي جمرة العقبة يوم النحر، ولو طاف طواف الإفاضة فقد تحلل التحلل الأكبر ولا يقوم الحاج بأي عمل في منى سوى المبيت ورمي الجمرة التي لا تستغرق وقتا طويلاً، والعجيب أنه يترك مكة والصلاة في الحرم التي تعدل مئة ألف صلاة ويبقى في منى يأكل ويشرب ويذكر الله تعالى ويقصر الصلاة الرباعية، فما هي الحكمة من أعمال الحاج في أيام التشريق، وما الذي يعود على غير الحجيج من المقاصد والأسرار بتكبيرهم مع أهل منى أيام التشريق واستمرار الذبح والذكر؟

وإذا كنا قد أكدنا على أن مقصد الحج الأعظم هو الانقياد والاستسلام لأمر الله فهذا لا ينفي التفكر والسؤال والبحث عن الحكمة والسر الكامن وراء كل نسك من أنساك وأعمال الحج، شريطة أن يكون التقصيد والتعليل خادما للانقياد والتعبد، وأن لا نعلق الامتثال والعبودية على ظهور الحكمة والمعنى.

وهذه جملة من المعاني والحكم لأعمال أيام التشريق:

1- التأمل في حقيقة الدنيا:

إن الناظر في أحوال الحجيج أيام المبيت بمنى أيام التشريق يدرك حقيقة الدنيا حيث تعج بالناس كثرة وزحاما وحركة وطعاما وشرابا وسمرا لكن لأيام معدودة قصيرة ثم تفرغ تماما بعدها من الناس، وينطبق عليها تلك الحكمة التي وعظ بها سيدنا محمد بن كعب القرظي سيدنا عمر بن عبدالعزيز قائلاً:” إنما الدنيا سوق من الأسواق فمنها خرج الناس بما ربحوا منها لآخرتهم”

وكأنَّ الدنيا التي نتقاتل عليها متعتها مؤقتة محدودة والحياة الدائمة التي لا شقاء فيها هي في نعيم الجنة الدائم، ولهذا وُصف نعيم أهل الجنة في القرآن الكريم كثيرا بالخلود والاستدامة وعدم الانقطاع أو التأقيت كقوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِين}[الحجر:47] {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِين}[الحجر:48]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيم}[لقمان:8] {خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم}[لقمان:9]

2- من نعيم الدنيا المؤقت إلى نعيم الجنة الدائم:

للإمام ابن رجب كلام نفيس في بيان سر النهي عن صيام أيام التشريق بعد العمل الصالح في عشر ذي الحجة لمن لم يحج، وبعد أعمال الحج لمن حج، يقول: في هذا النهي عن الصيام والتمتع بما أحل الله من الطيبات إشارة إلى حال المؤمنين في الدنيا؛ فإن الدنيا كلها أيام سفر كأيام الحج، وهي زمان إحرام المؤمن عما حرَّم الله عليه من الشهوات، فمن صبر في مدة سفره على إحرامه وكف عن الهوى، فإذا انتهى سفر عمره ووصل إلى منى المُنى فقد قضى تفثه ووفى نذره فصارت أيامه كلها كأيام منى، أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل، وصار في ضيافة الله عز وجل في جواره أبد الأبد، ولهذا يقال لأهل الجنة: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون}[الطور:19]، و{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَة}[الحاقة:24]، فمن صام اليوم عن شهواته أفطر عليها غداً بعد وفاته، ومن تعجل ما حرم عليه من لذاته عوقب بحرمان نصيبه من الجنة وفواته، وشاهد ذلك حديث: “من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة.

2- المكافأة على الطاعة باستضافة الرحمن:

الله سبحانه وتعالى يكافئ ضيوفه على تعبهم في أداء المناسك وسفرهم وإحرامهم باستضافتهم ثلاثة أيام في منى يأكلون ويشربون ويذكرون الله تعالى شكراً على نعمة أداء الفريضة، ولا يُطالبون بعبادات بل يقصرون الصلاة فالمضيف لا يجهد ضيفه ولا يستعمله، كما يشارك غير الحجيج الحجيجَ في الذكر والتكبير والأكل من أضاحيهم؛ لأنهم شاركوهم في الاجتهاد في عشر ذي الحجة بالصوم والذكر والاجتهاد في العبادات وشاركوهم في حصول المغفرة وفي التقرب إلى الله تعالى بإراقة دماء الأضاحي فشاركوهم في أعيادهم واشترك الجميع في الراحة في أيام الأعياد، وإذا كانت هذه هي المكافأة الدنيوية على أداء النسك والشعائر والاجتهاد في العشر الأوائل من ذي الحجة فكيف بالمكافأة الكبرى يوم القيامة لمن وفى بعهده مع مولاه؟!

3- استدامة الذكر:

الحجيج في منى يقصرون الصلاة الرباعية ولا يفعلون من العبادات سوى ذكر الله تعالى وهذا يعني أن المسلم لا ينقطع عن ذكر الله أبدا وإن انقطع مؤقتا عن العبادات الأخرى؛ فسائر العبادات تنقضي ويُفرغ منها، وذكر الله باق لا ينقضي ولا يفرغ منه بل هو مستمر للمؤمنين في الدنيا والآخرة وقد أمر الله تعالى بذكره عند انقضاء الصلاة.

قال الله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}[النساء:103]، وقال في صلاة الجمعة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون}[الجمعة:10]؛ فالأعمال كلها يُفرغ منها والذكر لا فراغ له ولا انقضاء.

4- التآخي والتعارف وبحث قضايا الأمة:

من مقاصد ومعاني المبيت بمنى أيام التشريق أن يتعارف الحجيج على بعضهم وأن يرسخوا أخوتهم وأن يذيبوا الفوارق بينهم، وأن يناقشوا قضايا الأمة وهمومها، وأن يعود ممثلوهم من الحجيج إلى بلدانهم بالرؤى والمخرجات من هذه الجلسات والمناقشات، التي تتم في جو روحاني وصفاء ذهني لا يتوفر مثله في وقت آخر، وكأنَّ الاجتماع في عرفة بمثابة المؤتمر العالمي العام، والبقاء بمنى بمثابة ورشات العمل لمناقشة كيفية تنزيل وتطبيق هذه المخرجات عمليا، ولعلَّ أهم ما يجب على أهل منى بحثه ودرسه هو كيف نحوِّل هذه الحشود الهادرة المضحية بمالها ونفسها لأداء فريضة الحج إلى قوة حقيقية فاعلة وكيف نخرج الأمة من غثائيتها إلى فاعليتها لتكون بحق كما وصفها ربها: خير أمة أخرجت للناس.

هذه الحِكم والمعاني هي تأملاتٌ يمكن أن يُضاف إليها الكثير والكثير، ولعل هذا هو سر عدم التنصيص عليها ليترك الاجتهاد للعلماء عبر العصور والأزمنة يتأملون ويتوسعون، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

 

اللهم تقبل من الحجيج حجهم وردهم إلى أوطانهم سالمين غانمين بالولادة الجديدة والحج المبرور، وأشركنا معهم في الأجر، وفرج الكرب عن أهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين وكل مكان يا ارحم الرحمين، والحمد لله رب العالمين. لتحميل الخطبة:
المقاصد_والحكم_من_أعمال_أيام_التشريق

  

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 207