إرسل فتوى

خطبة عيد الأضحى المبارك رسالة الحج والأضحية للمسلمين في الغرب

خطبة عيد الأضحى المبارك

رسالة الحج والأضحية للمسلمين في الغرب

مسجد المهاجرين. بون ألمانيا الأربعاء 27 مايو 2026م

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين

الله أكبر ما وقف الحجيج على عرفات مُلبين لبيك اللهم لبيك

الله أكبر ما عادوا من الجمرات مكبرين

الله أكبر ما شاركهم غير الحجيج في طلب الرحمة والعتق بالصيام والدعاء

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

أيها الأخوة اليوم يوم النحر يوم الحج الأكبر وهو يوم من أفضل أيام الدنيا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”إنَّ أفضلَ الأيَّامِ عندَ اللَّهِ يومُ النَّحرِ ثمَّ يومُ القَرِّ” أبو داود.

وهو اليوم الذي يفيض الحجيج فيه من مزدلفة إلى منى لرمي جمرة العقبة الكبرى ثم يذبحون الهدي ويتحللون التحلل الأصغر ويقرون أيام التشريق في منى، وعيد الأضحى يرتبط بالحج والأضحية والحج شعاره التوحيد، والأضحية رمز للانقياد والامتثال الذي جسده سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما أُمر بذبح ولده الذي انتظره طويلا حتى رزقه على كبر.

وهذه جملة من رسائل الحج والأضحية للمسلمين في الغرب:

1- الاستسلام والانقياد لأمر الله:

إن أعظم دروس الحج هو أن يستسلم الحاج وغير الحاج لأمر الله فيتحقق بأعلى درجات العبودية لله وحده، فيصلي هنا ولا يصلي هنا ويبيت هنا ولا يبيت هنا ويقر هنا وينفر من هنا، ويطوف سبعا ويسعى سبعا ويرمى الجمرات سبعا ويُحرِم من هنا، وهكذا كل أعمال الحج هي تدريب على الانقياد والامتثال لأمر الله، وهو ما كان في قصة الذبيح إسماعيل عليه السلام حيث قال دون تردد: (يَا أَبَتِ ‌افْعَلْ ‌مَا ‌تُؤْمَرُ ‌سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات: 102)، فلم يتردد واحد منهما الأب أو الابن؛ لأنّهما يعلمان حقيقة الإسلام وجوهر الإسلام، ويدركان أنّ جوهر الإسلام هو التسليم والاستسلام لأمر الله وحكمه، مهما بدا للنظر أنّه يخالف العقل أو يعارض المصلحة، لذلك قال الله عنهما: (فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) (الصافات: 103)، ومعنى أسلما هنا انقادا وأذعنا واستسلما لأمر الله، هذا الانقياد والاستسلام هو جوهر الإسلام. ونحن بحاجة لدرس الانقياد والاستسلام لأمر الله في الغرب مع الجيل الجديد من أولاد المسلمين الذين لا يستسلمون ولا ينقادون إلا بعد محاججة ومجادلة والأصل أن يقع العكس، ولا يريد أحدهم أن يمتثل لأمر الله حتى يكون الأمر منطقيا حسب تصوره وهذا ما لم يفعله سيدنا إبراهيم وولده إسماعيل، فأى منطق في الأمر بذبح الولد؟!!

2- تعظيم الشعائر والحرمات:

إن الحج كله تعظيم للشعائر والحرمات؛ ولهذا قال عمرُ الفاروقُ رضي الله عنه حين قبَّل الحجَر: “والله إنِّي لأعلم أنك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفَعُ، ولولا أنِّي رأيتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – يُقبِّلُك ما قَبَّلتُك”. ، والواجب على المسلم أن يعظِّم ما عظَّم الله، قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب}[الحج:32]، والواجب على المسلمين في الغرب أن يعظموا كل شعيرة من شعائر الإسلام وأن يتمسكوا بها؛ فبها يحفظ الدين وتحفظ الهوية كصلاة الجمعة والجماعة، ومنظومة الطعام والشراب الحلال، وحجاب المرأة المسلمة، وتخصيص مقابر للمسلمين وغير ذلك مما يدخل في شعائر الإسلام الظاهرة في الغرب.

3- إعلان العداوة للشيطان وحزبه:

إن حجاج بيت الله الحرام ينتقلون من التلبية إلى التكبير يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة الكبرى، فيكبرون فرحين بإعلان العداوة للشيطان وسائر أعداء الإسلام ويقول رامي الجمرة: باسم الله الله أكبر ترغيما للشيطان وحزبه ويستمر في التكبير ونكبر نحن غير الحجيج معهم إلى نهاية أيام التشريق، وهذا التكبير المصاحب لمعايشة الحجيج في رمي الجمار وإعلان العداوة للشيطان أيام التشريق ليستمر الدرس طوال العام قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير}[فاطر:6]، وقد تفنن شياطين الإنس والجن في غواية بني آدم وتزيين المنكر والفواحش، فما أحوجنا إلى استعادة تلك المراغمة والعداوة للشياطين وأعوانهم.  

4- التضحية لأجل الدين:

إن الحج يعلمنا التضحية للدين والرسالة فالحاج يضحي بالمال والنفس والهجرة من وطنه لأداء الفريضة، وغير الحاج يذبح الأضحية قربانا لله عزوجل فينغرس في نفسه ديمومة التضحية لدين الله عزو وجل، المسلمون في الغرب بحاجة إلى التضحية لحفظ الدين والهوية على أنفسهم وأولادهم، والتضحية إيصال رسالة الإسلام إلى غيرهم، والتضحية لإغاثة إخوانهم المستضعفين كأهل غزة والسودان وسائر المضارين، فما أحوجنا لدرس العطاء والبذل والتضحية وغرسه في أولادنا الذين ربوا في عالم المادية الطاغية والأنانية المفرطة.

5- الانتماء للأمة وعالمية الرسالة:

إن مشهد وقوف الحجيج أمس على صعيد عرفات من كل فج عميق لا فرق بين غني وفقير وأسود وأبيض الجميع في صعيد واحد وبلباس واحد يحملون هما واحدا يطلبون المغفرة والعتق من النار يشاركهم في طلب الرحمة والعتق غير الحجيج لهو مشهد يجدد فينا خاصة من يعيش في الغرب مفهوم ومعنى الانتماء لهذه الأمة العظيمة المباركة التي جعلها الله تعالى: {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}[آل عمران:110]

وهذا المشهد أيضا يؤكد على عالمية رسالة الإسلام؛ حيث ذابت الفوارق وتجوزت القوميات والأعراق، وجسدت خطبة الوداع عالمية الرسالة من خلال مبادئ حقوق الإنسان والمساواة وتحريم الظلم والدماء.

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد

أيها الإخوة من كان منكم مضحيا في هذا اليوم فأمامه سعة من الوقت ليذبح حتى آخر يوم من أيام التشريق فلا تضيقوا على أنفسكم فيما وسع الله، والتزموا بقوانين البلاد في الذبح وكونوا خير سفراء لهذا الدين في هذا اليوم، وتجزىء الأضحية المسبوقة بالتخدير ما لم تمت من الصعق الكهربي، وسعوا على أقاربكم وجيرانكم من المسلمين وغير المسلمين من لحوم الأضاحي، ولا تنسوا إخوانكم المستضعفين في غزة والسوادان وكل مكان.

صلوا أرحامكم في يوم العيد، وأظهروا الفرحة بالعيد في غير مخالفة شرعية أو خروج عن آداب وأخلاق الإسلام.

اللهم اجعل هذا العيد عيدا مباركا على أمة الإسلام، وحد صفنا وألف بين قلوبنا، وفرج الكرب عن أمة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وكل عام وأنتم بخير، والحمد لله رب العالمين.

لتحميل الخطبة:

  رسالة_الحج_والأضحية_للمسلمين_في_الغرب

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 206