هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
عرفة … رحمةُ السماء في زمن القسوة
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 22 مايو 2026م
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد
فبينما يتوافد الحجيج على بيت الله الحرام ومدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأداء مناسك الحج والزيارة، وبينما يتنسم غير الحجيج نفحات ونسمات العشر الأوائل من ذي الحجة برحماتها وفضائلها فُجع المسلمون في أمريكا والعالم بحادث اعتداء مأساوي على المركز الإسلامي بمدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأمريكية نتج عنه مقتل خمسة أشخاص بينهم حارس المسجد أمين عبدالله الأمريكي الذي أسلم قبل عدة سنوات وصاحب السيرة الحسنة والمحبة من رواد المسجد صغارا وكبارا، وكادت تقع مجزرة أبشع من مجزرة نيوزيلاندا غير أن ضحاياها لولا ألطاف الله كانوا سيكونون مئات الأطفال تلاميذ مدرسة الرشيد الملحقة بالمركز الإسلامي، وقد ارتكب هذه الجريمة الشنيعة شابان أمريكيان في السابعة عشر من العمر وقالت الشرطة: إن الحادث يصنف حادث كراهية.
وهذا الحادث المخيف يفتح الباب مجدداً على مسؤولية الأنظمة والمجتمعات الأوروبية عن تجفيف منابع الكراهية وإيقاف كل سلوك أو فعل أو تصريح عنصري ينتج التمييز والكراهية ويدعم ظاهرة الإسلاموفوبيا؛ فإن أي حادثة عنف ضد أي أقلية دينية لا تأت من فراغ ولا تقع بغتة وإنما تكون نتيجة لمقدمات طويلة وتراكمات سلبية ضد المسلمين.
والمسلمون في أوروبا ومساجدهم ومراكزهم وبيوت عبادتهم لا ينفكون عن هذه الحوادث المؤلمة، والواجب هو التضامن الكامل مع الضحايا والإدانة السياسية والمجتمعية والإعلامية لكل جرائم وحوادث العنصرية والكراهية ومحاسبة كل نافخ ومحرك للكراهية بمنشور أو تصريح أو موقف، وسن القوانين الحامية للمجتمع من آثار الصمت عنها قبل أن يدفع الجميع ثمنها كما في هذا الحادث الشنيع الذي ندعو الله تعالى أن يكون الأخير وأن لا يعقبه أية حوادث كراهية أخرى في أي مكان وهذا ممكن جدا إن منعنا أسبابه وجففنا منابعه.
والإسلام قدم منهاجا عمليا لتجفيف منابع الكراهية حقيقٌ بالحضارات المعاصرة أن تقبس من أنواره وأن تتعلم منها إن أرادت بحق أن توقف هذه الجرائم وأن تمنع تكرارها، ومن أهم ملامح هذا المنهاج ما يلي:
1- التأصيل للمساواة وجعْل معيار التفاضل بين البشر هو التقوى:
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير}[الحجرات:13]، وقال صلى الله عليه وسلم:” يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ” أحمد والبيهقي بسند صحيح.
2- أكَّد الإسلام على حرمة الدماء وعصمتها:
ففي الإسلام قتل نفس يعدل قتل الناس جميعا وكذلك حفظ نفس واحدة يعدل حفظ أنفس الناس جميعا قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُون}[المائدة:32]، وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة وفي حجة الوداع فقال: أيها الناس : “إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا “
3- دعا الإسلام إلى التسامح مع غير المسلمين وبِرِّهم:
قال تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين}[الممتحنة:8].
4- دعا الإسلام إلى الحوار ومجادلة المخالفين بالحسنى:
قال تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون}[العنكبوت:46]، وقال تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً }[البقرة:83].
5- دعا إلى الرحمة والرفق وحرَّم الشدة والعنف:
فقد أمر الله نبيه موسى وهارون بالرفق واللين مع أعتى وأشد الطغاة وأقساهم وهو فرعون فقال تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}[طه:43] {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}[طه:44]، ووصف رسالة خاتم الأنبياء بالرحمة فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين}[الأنبياء:107]، وأمر الله تعالى نبيه والمؤمنين أن يدفعوا السيئة بالحسنة وأن يقابلوا العنف بالصفح حتى لا تتسع دائرة الكراهية في المجتمع فقال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُون}[المؤمنون:96].
أيها الأخوة الكرام …
نحن على مقربة من يوم عظيم مبارك وهو يوم عرفة الذي يوافق الثلاثاء القادم إن شاء الله تعالى، وهو يوم إكمال الدين، ومغفرة الذنوب، ومباهاة الله بعباده؟ وهو يوم العتق الأكبر من النار، وهو أغيظ يوم يُرى فيه الشيطان لكثرة ما يعتق الله فيه عبيده من النار، وفضل يوم عرفة ونفحاته ونسماته لا تخص الحجاج وحدهم وإنما تخص غير الحجيج كذلك؛ قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: “ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله تعالى من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار (أي البلدان) من المسلمين؛ فلذلك صار اليوم الذي يليه عيداً لجميع المسلمين في جميع أمصارهم، من شهد الموسم منهم ومن لم يشهده، لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة”
وقال أيضا:” لما كان الله سبحانه قد وضع في نفوس عباده المؤمنين حنينًا إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كل أحد قادرًا على مشاهدته كل عام فرض على المستطيع الحج مرّة واحدة في عمره، وجعل موسم العشر مشتركًا بين السائرين والقاعدين، فمن عجز عن الحج في عام قدر في العشر على عمل يعمله في بيته يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج “.وقال ابن تيمية رحمه الله:” اسْتِيعَابُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ بالْعِبَادَةِ لَيْلاً ونَهَاراً أَفْضَلُ مِنْ جِهَادٍ لَمْ يَذْهَبْ فِيهِ نَفْسُهُ ومَالُهُ “.
وأهم أعمال عرفة لغير الحاج هي ما يلي:
اللهم بلغنا يوم عرفة واشملنا فيه برحمتك ورضوانك، واكتبنا مع الحجيج فيه من العتقاء وأطلق ألسنتنا بذكرك ودعائك ونعوذ بك أن نكون فيه من المحرومين، اللهم أحفظ مساجد ومؤسسات المسلمين في الغرب من كل مكروه وسوء، وأمِّنا في أوطاننا، وأجعل أوطاننا آمنة مطمئنة تنعم بالسلام والأمن، وصن دماء المسلمين في كل مكان، وكن للمستضعفين في غزة وفلسطين وكل مكان سندا ومعينا ووليا ونصيرا، والحمد لله رب العالمين.