إرسل فتوى

  مفاتيح فهم القرآن الكريم (الجزء الثاني)

  مفاتيح فهم القرآن الكريم (الجزء الثاني)

   العودة إلى القرآن في الغرب: أسباب وحلول 

 

مقدمة

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

مراجعة أسباب العودة للقرآن في السياق الأوروبي

تحدثنا في الجزء الأول من هذه السلسلة عن أسباب ثلاثة رئيسة مركزية، تجعلنا في السياق الأوروبي بحاجة ماسة إلى العودة إلى مراجعة علاقتنا بالقرآن الكريم

السبب الأول هو أن القرآن الكريم هو أفضل وسيلة لحفظ الدين والتدين:

ونحن عندنا مشكلة كبيرة جداً، وخوف وتعاظم وتضاعف الخطر على الدين والتدين في السياق الأوروبي، فالسؤال الدائم كيف يمكن أن نبلغ درجة نرضي الله سبحانه وتعالى بها، إن أخذنا بأسباب تجعلنا نحفظ الدين والتدين على أنفسنا، وعلى أولادنا؟

وذكرنا نماذج لبعض الشباب الذين ألحدوا وتركوا الإسلام رغم أنهم يحفظون القرآن، ولماذا لم ينتفعوا بالقرآن حين حفظوه، وأتقنوا تلاوته فعصمهم من الكف، والإلحاد بالله؟!

السبب الثاني أن القرآن الكريم هو أفضل وسيلة لتحقيق البلاغ المبين:

وإيصال رسالة الإسلام إلى غير المسلمين في هذا المجتمع، وهذا مقصد ثانٍ من مقاصد وجودنا في الغرب، وهو التطلع إلى التعريف بالإسلام، وأفضل مدخل للتعريف بالإسلام هو القرآن الكريم، ودللنا على هذا بقول الله تبارك وتعالى  {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}[سورة يونس: 30] كأنهم لو وجدوا من يؤول لهم، أو يفسر لهم، أو يشرح لهم القرآن لما كذبوا.

وقلنا إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان الدافع والمحرك الأول لهم للتفكير في الدخول إلى الإسلام، هو الاستماع إلى القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من سفرائه من الصحابة الكرام،

 وقلنا أيضاً إن عدداً غير قليل من المفكرين الأوروبيين لرموز الفكر والفلسفة على الساحة الأوروبية، اعتنقوا الإسلام بسبب القرآن، فإذاً القرآن الكريم هو أفضل وسيلة لتحقيق البلاغ المبين للإسلام؛

ولكن السؤال أيضاً، كيف يمكن أن يكون القرآن وسيلة لتحقيق البلاغ المبين؟

هل القرآن بصفته، أو بصورته الحالية، من ترجمات إلى اللغات الأوروبية، يوصل رسالة القرآن إلى الأوروبيين، أو إلى من يقرأ القرآن؟ الجواب قطعاً لا.

السبب الثالث هو التزكية:

فالقرآن الكريم هو أفضل وسيلة لتزكية الأنفس، وإصلاح وترقيق القلوب.

فنحن بعيشنا في الغرب نعيش في بيئة شديدة المادية، شديدة القسوة، تؤدي إلى تصحر قلوبنا، وجفاف عيوننا من أن تدمع من خشية الله تبارك وتعالى، فنبحث عن التزكية، كيف نزكي أنفسنا؟ كيف نطهر قلوبنا؟

وسائل التزكية كثيرة، من أهمها القرآن الكريم؛ لكن أيضاً السؤال كيف يمكن أن يكون القرآن وسيلة بحق لتزكية الأنفس، وترقيق القلوب؟

هذه أسباب ثلاثة، أو قضايا مركزية ثلاثة لوظائف ثلاثة للقرآن الكريم في السياق الأوروبي.

مراجعة للحجب التي تحجبنا عن القرآن

ذكرنا عدة حجب منها: حجاب الغفلة، وحجاب اللغة، حجاب القرآن قبل الإيمان، وقلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم الصحابة في حديث سيدنا جندب بن عبد الله “كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا” [رواه ابن ماجه وصححه الألباني]

ونحن عكسنا الأمر، فنُحَفظ  أولادنا في الصغر القرآن أولاً، وهم لا يعرفون الإيمان.

 وقلنا أن من ضمن الحجب، الحجاب الشبكي، فالهواتف والشبكات ومقاطع “الريلز” التي تشتت الإنسان، وتجعله لا يتمتع بالصفاء الذهني، الذي يجعلك تتأمل وتركز، فمن الذي يمكنه أن يجد صفاء ذهنياً ليتفكر وليتأمل اليوم، بعد هذا السيل الجارف من الفيديوهات، والمعلومات، والمقاطع، ورسائل الهواتف؟!

والشبكات لها مضار كثيرة جداً؛ لكن أخطر مضارها في تقديري هو: التشتت، والتحكم والسيطرة، فإنها هي التي تسيطر عليك، هي التي تتحكم فيك؛ لست أنت الذي تتحكم فيها!!

وذكرنا حجاب الذنوب والمعاصي، وذكرنا تشبيه الإمام أبو حامد الغزالي للإنسان عندما يقرأ القرآن أو يستمع إليه، بأن القرآن بالنسبة له كالمرآة التي تنعكس فيها الصورة، فإذا وقفت أمامها ولم تر صورتك، معناه أن هناك شيءُُ منع الرؤية وحجبها، هذا الشيء هو المعصية، فهي التي تحجبك عن القرآن عندما تقرأه، أو تستمع إليه، فلا ينبض قلبك، ولا تدمع عينك، ولا تتأثر ولا تخشع.

آثار قسوة القلوب:

سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو من هو، مر على قوم من أهل اليمن يقرأون القرآن ويبكون، فقال: “هكذا كنا ثم قست القلوب”

فالطبيعي أن الإنسان عندما يقرأ القرآن الكريم يتأثر قلبه ويخشع، وعندما يخشع قلبه تدمع عينه، والعين هي المؤشر، فهي متصلة اتصالًا وثيقًا بالقلب، فعندما تبخل العين بالدمع من خشية الله، فالمشكلة ليست في العين؛ بل المشكلة في القلب، فالقلب يحتاج لإصلاح وليس العين، ولذا قال الصديق: هكذا كنا ثم قست القلوب.

من الطبيعي أن يأتِ لك وقت يحصل فيه جفاف روحي؛ لكن الغير طبيعي هو استمرارية هذا الجفاف الروحي، وعدم الاهتمام به، أو بذل الجهد لعلاجه.

وقلنا أن من الحجب التي تحجبنا عن القرآن الكريم، المبالغة في التحقق بأحكام التجويد والحروف والصفات، مبالغة تخرجك عن التأمل أو التدبر في المعاني.

وقلنا أن هذا لا يعني تجاهل التجويد أو القراءة؛ بل المقصود أن يكون هناك نوع من المعادلة أو التوسط، فالقرآن لابد أن يقرأ مرتلاً كما أقرأه سيدنا جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولكن نفرق بين أهل الاختصاص وبين عموم الناس، وتكون هذه مرحلة من العمر ولا نبقى العمر كله في قانون التجويد ودراسة التجويد.

وقلنا أن من الحجب، حجاب الأخوة، وربطنا بين الآية التي في أواخر سورة الحشر، وبين آية الأخوة التي في منتصفها.

هذه أهم الحجب التي أوصلتنا إلى النتيجة التي وصلنا إليها، وهي: الإضرار بالمسارات الثلاثة، مسار حفظ الدين والتدين، ومسار البلاغ المبين للإسلام، ومسار التزكية، كمسارات رئيسة يعمل عليها القرآن الكريم.

البحث عن الحلول العملية

الآن نريد أن نتحدث عن الحلول، حتى يمكن أن يحدث القرآن الكريم هذا الأثر في المسلم الذي يقرأه، أو في غير المسلم الذي نريد أن نعرفه بالإسلام من خلال القرآن، كيف يمكن أن يبني القرآن الإيمان؟، كيف يمكن أن يزداد أولادنا إيمانًا عندما يحفظون، أو يقرأون القرآن مهما كان سنهم؟

سأذكر جملة من الخطوات في هذا الجزء من هذه السلسلة، وسنجعل الجزء القادم للكلام عن تطبيقٍ عمليٍ على سورة من سور القرآن الكريم.

الخطوة الأولى: تعظيم القرآن الكريم

فلابد من تعظيم كلام الله، والشغف به، واستحضار الأجر والثواب على حفظه وتلاوته، فالرسول عليه الصلاة والسلام رَبَّى الصحابة على الشغف بالقرآن الكريم، فكان إذا لقاه أصحابه يسألونه هل أُنزل عليك شيء من القرآن؟

انظروا إلى شوقهم إلى معرفة الوحي، وشفغهم بمعرفة هل أنزل الله علي النبي آية جديدة، وذلك لما رباهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التعلق بالقرآن الكريم

وتربية النبي لهم على الشغف بالقرآن تتضح لنا من خلال هذا الحديث العجيب جداً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم“أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: فَثَلَاثُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ”[رواه مسلم]

الخليفات جمع خلفاء(بسكون اللام)، وهي الناقة التي على وشك الولادة، وهي أنفس أموال العرب، وهي بميزان اليوم كأنها أفخم السيارات الفارهة التي يصل ثمنها مثلا إلى 100 مليون، فهل تحب إذا رجعت إلى بيتك تجد فيه ثلاث سيارات من هذه النوعية الفارهة؟

هكذا زرع فيهم الشغف والتعلق بالقرآن الكريم، بأن يكون لأحدهم ثلاث خلفات، فثلاث آيات لهم أفضل من ذلك، كأن كل آية يقرأها في صلاته بناقة عظيمة ثمينة من أنفس أموال العرب.

حديث آخر يدلل على ذلك، وهو حديث جليل جداً قال النبي صلى الله عليه وسلم:يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لِصَاحِبِهِ: أَنَا الَّذِي أَسْهَرْتُ لَيْلَكَ وَأَظْمَأْتُ نَهَارَكَ [رواه ابن ماجه وأحمد وحسنه الألباني]

على هيئة الرجل الشاحب؛ لأنه تعب من السهر مع القرآن وقرأته، والقيام به ليلًا، فحرمه النوم، وفي النهار يقرأه ويحفظه ويتدبره، وكأنه حرمه الأكل والطعامن فشحب وجهه وتأثرت قوته، فهذا الذي قدمه للقرآن في الدنيا ينتظره في الآخرة أيضاً، بنفس الصورة على هيئة الرجل الشاحب.

فأنت عندما تقرأ هذين الحديثين فقط، ألا تتعلق بالقرآن الكريم وتقرأه، وتعزم على حفظه ومراجعته، وتكثر من القراءة به في صلاتك؟!

فهل نحن عندما نربي أولادنا، نربيهم ونعظم عندهم ما عظمه وربى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام، من الشغف بالقرآن الكريم، والتعلق به؟

فهل قال أحدنا لولده بأنه عندما تحفظ أو تقرأ سيكون لك بكل آية كذا؟ وأن القرآن ينتظرك؟ وأن لك بسببه جائزة دنيوية وأخرى أخروية؟

وهل هذه المعاني نحن نغرسها في أولادنا، أم إنها واجبات مدرسية وأمور تقليدية ينتظمون فيها؟

الخطوة الثانية: الإيمان قبل القرآن

فلابد من ضرورة العودة إلى المنهج النبوي في العلاقة المبكرة مع القرآن الكريم، ولابد أن نعود إلى إصلاح المعادلة، بأن يكون الإيمان قبل القرآن، والآمر قبل الأمر، ولابد أن نعلم أولادنا الإيمان بأن نغرس فيهم معنى الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وأن نحببهم في المولى الجليل سبحانه وتعالى، الذي سيقرأون كلامه، وسيحفظونه.

وهل عرفنا أولادنا على الله سبحانه وتعالى، أم هو إيمان تقليدي شكلي؟!

نريد أن نعود إلى هذه المعادلة، ونعرفهم بما أمر الله سبحانه وتعالى.

جاءني أحد الشباب يومًا ما وهو صائم في رمضان، وكنا في الصيف وكان النهار طويلًا جدًا،وقال لي: إن مديرته في العمل امرأة ألمانية غير مسلمة، قالت له: أنا لا أستوعب كيف تصومون في رمضان، هذا الصيام الطويل!! كيف يأمركم الإله الرحيم الشفوق بخلقه بهذا التعذيب؟ فأنت تمتنع عن الطعام والشراب، يمكن أن أتفهم الامتناع عن الطعام؛ لكن الامتناع عن الماء هذه الساعات الطويلة في هذا الحر، أين رحمة الإله؟!

الكلام يبدو ظاهراً أنه منطقي؛ لكن الذي يعرف مَن أمره بالصيام، ويعرف صفته، ويعرف رحمته، ويعرف رأفته به، ويحبها، ينساق لأمره وهو محب؛ ولكنها لا تعرفه، فمن الطبيعي أن تتكلم هذا الكلام، وأن تطرح هذا السؤال.

فعندما نتكلم مع أولادنا عن أي تكليف، كلفهم الله سبحانه وتعالى به، من صيام، أو حجاب، أو غيرهما، نحتاج أن نعود إلى هذه المعادلة، الإيمان قبل القرآن، والآمر قبل الأمر، وهذا يجب أن يبدأ منذ الصغر.

لن ننسَى القرآن، ولكن سنتعلم الإيمان:

قال لي أحد الإخوة سائلًا: الواقع أننا حفظنا القرآن قبل أن نتعلم الإيمان، ونشأنا على هذا، وربينا على هذا، فما العمل؟!

قلت له: نعود إلى إعادة المعادلة، لن ننسَى القرآن، ولكن سنتعلم الإيمان.

المشكلة الأساسية في هذا الموضوع في تقديري هي: أن الدرس العقدي لا يزيد دارسه إيمانًا، ولا يجدد الإيمان في قلبه أو في نفسه، فلقد أدخلنا أغلب مسائل العقيدة في الخلافيات والإشكاليات التي فرقت المسلمين، فذهلنا عن الهدف الأساسي.

ولا أحب استعمال مصطلح العقيدة، مع أنه مصطلح صحيح، أستعمله ولا مشاحة فيه؛ لكن لا أعرف أن القرآن الكريم استعمله، ومصطلح الإيمان أدق منه، وأحكم منه، وأفضل تعبيراً من مصطلح العقيدة، وهو الذي استعمله النبي صلى الله عليه وسلم، واستعمله القرآن الكريم كثيرًا، فلابد من العودة إلى هذه المعادلة.

الخطوة الثالثة: اللغة العربية، المدارس والتحديات

اللغة العربية قضية أساسية ومركزية إن أردنا فعلاً أن نتجاوب مع القرآن الكريم، ونفهمه ونتأثر به، ونتذوق جماله، وهناك تحدٍ واضح جداً في موضوع اللغة، ففيه ثلاث مدارس، طرفان ووسط

طرف متشدد جدًا يقول: لا يقبل من مسلم أن يكون مسلمًا ولا يعرف اللغة العربية، فما دمت مسلماً لابد من تعلم اللغة العربية، فكيف ستفهم القرآن، وكيف ستتأثر به وتتجاوب معه إذا صليت خلف الإمام، واستمعت إلى تلاوته؟ فلكي تصل إلى هذا لابد من تعلم اللغة العربية.

هذه المدرسة متشددة جدًا، ولقد سمعت أحد الباحثين في هذا يقول: مسلم لا يعرف العربية فهو خائن، عربي لا يعرف العربية فهو مجرم، فلا يقبل أبدًا من عربي، أو ممن أصوله عربية ألا يعرف اللغة العربية، ولا يستطيع قراءة القرآن.

المدرسة الأخرى عكس المدرسة السابقة تقول: نسبة الذين لا يعرفون اللغة العربية من المسلمين حول العالم، إلى نسبة الذين يعرفونها أكثر بكثير

والإسلام رسالته رسالة عالمية، فلم ينزل الله سبحانه وتعالى الإسلام والقرآن فقط للعرب الذين يعرفون اللغة العربية، فلا يقال لابد من تعلم اللغة العربية، فلا نحتاج لتعلم اللغة العربية.

وقالوا بأن القول بأن أحد أهم معالم الهوية هي اللغة، هذا كلام غير دقيق، وغير صحيح، فنحن نحتاج لإيجاد هوية خاصة بالمسلم الذي يعيش في أوروبا، هذه الهوية تتمثل في تدينه، وفهمه للدين، واستمساكه به، وليس بالضرورة أن يعرف اللغة العربية.

مذهب المدرسة الوسط وهو الذي أتبناه، لابد أن يكون لدينا اهتمام باللغة العربية، وإحياء لها، وكل من هو عربي في الأصل يجب أن يركز على تعليم أولاده اللغة العربية، ويجب أن نستفيد من التجارب القائمة والموجودة في مدارس اللغة العربية

 من هذه التجارب، أحد الإخوة عندنا في ألمانيا متزوج من ألمانية، وزوجته لم تتعلم العربية ولا تعرف العربية أبداً، كل أولاده يتقنون اللغة العربية إتقاناً كلغة أم، مثلها مثل اللغة الألمانية، قلت له: كيف ضبطت هذه المعادلة مع أولادك؟!

قال لي: أول ما جئت إلى ألمانيا حضرت محاضرة لأستاذ لسانيات، فسمعته يقول: الطفل إذا استمع وتكلم في البيت إلى عشر لغات، يستطيع أن يتحدث بها بطلاقة، وتكون كلها لغة أم بالنسبة له، فقلت: حسنًا سأبدأ مع أولادي، عانيت في أول الأمر؛ لكن جعلت قانونًا في البيت، أن اللغة فيه هي اللغة العربية فقط، ولذلك الأولاد يتقنون الحديث والفهم بها بنسبة 100%

لكن الكتابة والقراءة أضعف؛ لأن والدهم ركز أكثر على الحديث

تجربة أخرى لبعض الإخوة، يأخذون أولادهم في عمر معين سنة أو سنتين إلى بلد عربي، يعيشون وسط العرب، سواء بلده هو أو بلد آخر، ويلحقون أولادهم بمدارس تعليم اللغة العربية.

تجربة أخرى، بعض الإخوة يدفعون بأولادهم إلى مدرسة داخلية، لتعليم اللغة العربية فقط، حتى لو في أوروبا، فلا يشترط أنها تكون خارج أوروبا.

في كل الأحوال يجب أن نهتم بأمر اللغة العربية؛ لكن لا نكلف الناس ما لا يطيقون، أو ما لا يتحملون؛ لأن تكليف المسلم الجديد بتعلم اللغة العربية أمر صعب عليه، وبعض من بدأوا في الأمر استثقلوها، ووجدوا أنها صعبة، وكذا لو كان الأبوان أصلاً لا يتحدثان اللغة العربية، فالأمر سيكون شاقاً عليهم، فلابد أن نتعامل بموضوعية، فهل يحرم من لا يعرف اللغة العربية من هدايات القرآن وأنواره؟

أبداً فقد قال الله سبحانه وتعالى {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلدِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر}ٍ [سورة القمر: 17]

وهذا التيسير لكل الناس، من يعرف العربية، ومن لا يعرف العربية.

الخطوة الرابعة: تعديل منهج تحفيظ القرآن في أوروبا

لابد من تعديل منهج تحفيظ القرآن الكريم وتعليمه في المدارس القرآنية في أوروبا، لينسجم مع التحديات وظروف البيئة الأوروبية.

نحن استدعينا المناهج وطريقة التحفيظ التي حفظنا بها القرآن في الصغر، وأول خلل فيها هو أننا نحفظ ونتعلم القرآن قبل الإيمان، ثم إننا نحفظ ولا نفهم، ثم إننا لا نوجه أبداً إلى المعنى، أو إلى محاولة فهمه أو إلى التدبر في مراحل حفظنا للقرآن الكريم.

طريقة التلقين أو الحفظ هذه، مناسبة لمن يعرف العربية؛ لكن لو وضعتها في أقوام وأطفال لا يعرفون اللغة العربية، كيف سيكون الحال؟!

بالتأكيد الحفظ بالنسبة لهم سيكون عملية شاقة مزعجة مملة، لا يحبون الذهاب إلى مدرسة القرآن، أو التعلق به؛ كحال من إذا قيل لك اقرأ هذه الصفحة باللغة الصينية، أو باللغة اليابانية، وأنت لا تعرفها أبداً، واحفظها كما هي، وأنت لا تفهم ما تقرأ ولا ما تحفظ ، فإذا حفظت ما الفائدة التي ستعود عليك؟! مع أن القرآن الكريم لا يشبه بأي شيء.

هكذا نفعل مع أطفالنا، والنتيجة هي إشكالات متراكمة نتيجة لهذه المنهجية.

أفكار لتطوير مدارس التحفيظ

هناك أفكار طرحتها على بعض الإخوة في مدارس التحفيظ، وطبقوها ونجحت معهم نجاحاً كبيراً جداً، وهذه الأفكار ليس بالضرورة أن تكون صحيحة أو مستنسخة، فنحن نحتاج أن نرى المزيد من التجارب مع الأولاد، ونستمر في عملية التطوير، والهدف أن نصل بالأولاد، وبالجيل الجديد الذي لا يتقن العربية بالقرآن الكريم، وأن نجعله يحفظ ويفهم.

من أكثرما يتعلق به الطفل ويحبه الرسم، القصص، التلوين، المسابقات، فلماذا لا ندخل هذه الأشياء في مدارس تحفيظ القرآن الكريم؟!

القرآن الكريم فيه قصص، لماذا لا أبدأ مع الطفل بحفظ قصة من قصص القرآن الكريم، نحكي له القصة، وكلما حفظ آية أو قرأها يفهم معناها، ويتجاوب معها؟!

ابنتي الصغيرة عمرها سبع سنوات، نشأتها مع الحفظ على أن تسأل، فتسأل ما معنى هذه الآية؟ وعندما لا تفهم تقول لي لماذا وكيف؟ لا تنتقل من آية إلى آية حتى تفهم ما هذه الآية، وما معناها، وما هذه السورة، وماذا فيها وإلى آخره، فالطفل بحسب ما تدربه، وبحسب ما تنشئه.

مراجعة طرق التحفيظ التقليدية

نحن غير ملزمين بالطريقة التي حفظنا بها القرآن، بأن نبدأ الحفظ  من قصار السور إلى الأعلى، فهي طريقة غير وجوبية، نعم فيها ميزات عديدة، كالشعور بالإنجاز بحفظ سور كثيرة، وأن السور القصيرة فيسهل حفظها، ويمكن الصلاة بها، هذه ميزات لا تنكر؛ لكنها سور ثقيلة في المعاني بالنسبة للصغار فيصعب إيصال معانيها للصغار، فعلى الأقل نجمع بين هذه الطريقة وبين استعمال الرسم في القرآن، ولقد شجعت أحد الإخوة على هذه الطريقة وأثمرت ثمرة عظيمة.

فالطفل يترجم بالرسم ما قرأه في السورة، ولكي يترجمه بالرسم لابد أن يفهم معنى الآية؛ حتى يتصورها ويرسم شيئًا قريبًا من معناها، والمعلم يختار سورة وآيات قابلة لتنزيل على الرسم.

ربط الأطفال بمعاني القرآن

عندما يقرأ الناس مثلًا ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [سورة العاديات: 1] من الذي يتوقف عند المعنى، أو يخيل إليه الخيل والغبار، وهذه المعاني كلها؟! قليل من الناس من يتوقف عند هذا المعنى.

عندما قلت هذا الكلام للناس في الحلقة المسجدية، في اليوم التالي قال لي أحد الآباء أنه طبق هذا الأمر مع ابنه على سورة الفيل، ففرح الولد جداً وفهم، وقال هذه أول مرة أفهم السورة.

والآباء والأمهات سيستفيدوا أيضًا؛ لأن الطفل يذهب لأمه يقول لها: ما معني هذه الآية، حتى يتمكن من  رسم معناها، وهي لا تعرف، فتقوم بالسؤال عن معناها، أو تقرأ عنها، لتفهم ما هو معنى هذه الآية.

فالحاصل أنا لا أدعو إلى التزام طريقة معينة، فالمهم أن مناهج التحفيظ يجب أن تراجع، بما يحقق تعلق الأولاد بالقرآن الكريم، وربطهم بأن يجمعوا بين الفهم وبين الحفظ، وعدم الاكتفاء بوسيلة التلقين كعلاقة أساسية في كيفية حفظ القرآن الكريم بالنسبة للصغار.

الخطوة الخامسة: القراءة المفتاحية لسور القرآن

أعتبر هذه الخطوة هي أهم خطوة، وتعني أن نتخيل أن كل سورة من سور القرآن الكريم عندها موضوع أو فكرة، ولها مفتاح، هذا المفتاح هو كلمة، إذا وصلنا إلى هذه الكلمة، نستطيع أن نربطها مع كل آية من الآيات، وهذه الكلمة مرتبطة باسم السورة.

وهذه الفكرة مفيدة لكل من لا يعرف اللغة العربية، فسيستطيع كلما أتى لقراءة سورة أن يفهم ما هو موضوعها، وفيما تتكلم.

تجربة سورة الزمر

طبقت هذه الفكرة وهذا المشروع مع مجموعة من 50 شابًا وشابة من الجيل الجديد، 90% منهم لا يعرفون اللغة العربية أبداً، بأيديهم مصاحف مترجمة إلى اللغة الألمانية، بدأت معهم بسورة الزمر.

ومفتاح سورة الزمر هو كلمة “زمرًا”، ومعناها مجموعة أو فرقة ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [سورة الزمر: 71] و ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [سورة الزمر: 73] والسورة اسمها الزمر، ففكرة السورة هي المقارنة بين مجموعتين أو فرقتين، الأولى تساق إلى جهنم زمرًا، والثانية تساق إلى الجنة زمرًا؛ لكن المقارنة بين الزمرتين مستمرة في السورة، من أول آية إلى آخر آية، والسورة تقول لك في أي زمرة تحب أن تكون، والسورة تقول لك إذا انحرفت فوقعت في ذنب أو في معصية أخذتك إلى هذه الزمرة كيف تنتقل منها؟ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [سورة الزمر: 53]

وقلت لهم المطلوب منكم الآن أن تستخرجوا لي هذه المواضع لهذه المقارنات، ومع أنهم لا يعرفون العربية، ولم يقرأوا السورة من قبل، فقد استخرجوا منها 24 موضعاً فيه مقارنة بين زمرة وزمرة، وما كنت أعرفه هو 13 مقارنة، وأطلعوني على نماذج ما كنت وقفت عندها وأنا أتدبر السورة!!

تجربة سورة النور

عقدنا مدارسة حول سورة النور، ومفتاحها واضح وهو النور ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة النور: 35] واسمها النور

قلنا إن هذه السورة فيها مجموعة أشياء تمثل مصابيح، أو أنوار معنوية، لو وجدت في مجتمع من المجتمعات، سيستنير بأنوار الوحي، وأنوار الهداية، وهي تقارب عشرة مصابيح.

وفيها مجموعة مطافئ للمصابيح، لو وجدت هذه الأشياء في المجتمع، فسيعمه الظلام تمامًا، تقارب 14 مطافئ لهذه المصابيح، أو نسميها مصابيح الظلمة.

وفيها مجموعة مولدات للنورين، تقارب ثمانية مولدات.

قلت لهم هذه الفكرة، فاستخرجوا لي من السورة مصابيح الأنوار ومواضعها، ومصابيح الظلمة، ومولدات النور ومواضعها، في هذه السورة.

كل واحد منهم بدأ يستخرج مصباحًا، أو ظلمةً، أو مولدًا من المولدات.

فالزواج مثلاً مصباح من مصابيح النور للمجتمع، والزنا ظلمة، وإرسال البصر ظلمة، والمسجد ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [سورة النور: 36] مولد من مولدات النور.

والشباب هم من بدأوا يطرحوا الأفكار، وكلهم لا يعرفون العربية، أحدهم اقترح مقترحًا، أن نتخيل المجتمع الذي تؤسس له سورة النور أن يكون مثل مسجد، ونضع فيه أنوارًا بأوزان نسبية، تتناسب مع حجم كل نور، وكل ظلمة في المجتمع أو في المسجد

فالزنا مثلاً لو وجد في مجتمع، كم يكون حجم الظلام فيه؟ والزواج إذا شاع فيه، كم يكون حجم النور فيه؟ وغض البصر إذا شاع في المجتمع، كم يكون حجم النور فيه؟ وإذا تعددت الظلمات في المجتمع كيف نتصور صورته وهيئته وشكله؟

وكل مصباح تضغط عليه، يعطيك الآية والمضمون من سورة النور.

المساجد كمحطات لتوليد النور

لأن المساجد من مولدات النور، بدأنا نتساءل هل المساجد في أوروبا محطة من محطات توليد النور أم لا؟ ولو كانت تولد النور بنسبة 30% أو 40%، فكيف نصلحها، ونجعل طاقتها وقدرتها على توليد النور أكثر، حتى يكون مجتمع المسلمين منيرًا؟

كيف يمكن أن نصل بالمساجد لأن تكون بحق محطات لتوليد النور؟

نحن كمكون مسلم صغير يعيش في هذه البلاد، ألا نحمل مشاعر النور في أيدينا لهذا المجتمع؟

كيف يمكن أن نصل بهذا النور إلى هذا المجتمع، ونطفئ ظلامه؟

هذه كلها أسئلة طرحتها على الشباب، وهم الذين يجيبون من خلال النظر في سورة النور.

تخيل بعد هذه المدارسة، كيف يكون هذا الشاب إذا قرأ سورة النور في ورده؟ أو إذا استمع إليها من الإمام في الصلاة؟

لو نجحت أن أفعل هذا الكلام مع كل سور القرآن الكريم، فقد أعطيت المفتاح للشاب، وهو لا يحتاج أكثر من المفتاح، وحضور جلسة المدارسة، وتشبيك كل آية من آيات السورة بهذا المفتاح، وباسم السورة، ليستوعب الفكرة الإجمالية لكل سورة من سور القرآن الكريم، وفي تقديري أن هذه الطريقة تحل جدًا إشكالية الترجمة، وعائق اللغة، وحجاب اللغة.

ويمكن جدًا حتى لمن لا يعرف العربية أن يتأثر بالقرآن، ويتجاوب معه، ويتفاعل مع آياته.

الخطوة الخامسة: مدارسة مقاصد القرآن

وذلك بمدارسة الكتب التي عرضت مقاصد القرآن الكريم، وأفكاره الإجمالية الكبرى.

ذات مرة كنت في مجلس، وقلت إن ترجمة كتاب “المحاور الخمسة للقرآن الكريم” للشيخ محمد الغزالي أنفع لرسالة القرآن، من ترجمة الآية ثم الكلمة إلى اللغات الأوروبية، فأحد الإخوة كان حاضرًا هذا اللقاء،

فقال: أنا أريد أن أتحمل كلفة ترجمة هذا الكتاب، وبالفعل ترجمناه، والآن موجود باللغة الألمانية.

أحد الإخوة سألني في فرنسا عن ترشيح كتب، فرشحت له نفس الكتاب، فترجمه إلى الفرنسية، فأصبح متاحًا بالفرنسية وبالألمانية

قبل نشر ترجمته عرضناه للمراجعة، مع مجموعة من الأخوات المسلمات الجديدات الألمانيات المشتغلات بالأدب والفلسفة، فطرن به فرحًا، تقول إحداهن: أنا لا أتخيل كيف كان القرآن بالنسبة لي، قبل أن أقرأ هذا الكتاب، وكيف أصبح الآن، أنا استوعبت مشروعات القرآن الكريم الكبرى، وفهمتها واستحضرتها!!

 الشيخ/ عبد الوهاب الطريري ” حفظه الله” عندما زار الأقليات المسلمة في بعض البلدان الأوروبية، يبدو أنه أدرك هذا الإشكال، فكتب كتاباً وأرسله إلي -لم ينشر بعد- فعل فيه نفس الشيء، تكلم عن المعاني والمقاصد، والمفاهيم والمضامين الكبرى، التي يريد أن يركز عليها، أو تحملها كل سور القرآن الكريم.

أيضاً من المشروعات المهمة التي لو لم توجد فعلينا إيجادها، أن هذه الكتب لو في أسلوبها صعوبة فعلينا البحث عن كيفية استبدالها بغيرها، ونكلف الشباب الذين لغتهم الأم هي اللغة الإنجليزية، يشتغل على إيجاد هذا المنتج الذي نحتاج إليه بشدة.

الخطوة السادسة: وضوح الرؤية في التربية القرآنية

فلابد من وضوح الرؤية منذ الصغر لدى المدارس القرآنية والآبوية، بمعنى وضوح ماذا نريد من القرآن؟ ماذا نريد من علاقة أولادنا بالقرآن؟

دائماً أقول: هل هدف كل مسلم يعيش في أوروبا بالنسبة لولده أن يحفظ القرآن الكريم كاملاً، ولغته الأم ليست اللغة العربية، أو يحفظ حتى نصف القرآن الكريم؟

هذا تحدي لا أقول بإهماله أو تركه؛ لكن ليس كل الأولاد عندهم ملكة الحفظ، أو إتقان القرآن الكريم كاملاً.

 فلو وجد المعلم الذي يُحفظ الأولاد القرآن، في أحد الأطفال نبوغًا، يدفعه دفعاً إلى أن يحفظ فيتقن؛ لكن ليس بالضرورة أن كل الأولاد مطلوب منهم أن يتقنوا القرآن الكريم ويحفظوه كاملاً، خاصة في هذا السن الصغير الذي يمكن أن تأتي بنتيجة عكسية، فينفر الولد من القرآن، ويكره مدرسة التحفيظ.

ومن الأمور التربوية التي يجب أن نحذر منها قضية المقارنات، فتجد الأب بدافع الشغف والحرص على أن يحفظ  ابنه القرآن، يقول له: انظر إلى ابن أخي فلان، حفظ القرآن الكريم وهو أصغر منك في السن، انظر إلى أختك، انظر إلى ابنة فلان..

 حسنًا، يا أخي انظر أيضاً إلى التحدي الذي لديه، فأنت تقارنه بطفل في بلد عربي، لغته الأم هي اللغة العربية، واجباته المدرسية مختلفة، المجتمع والتنافس الذي فيه حول القرآن مختلف، التحديات مختلفة تماماً، فالجزء الذي حُفظ بالنسبة لطفل يعيش في هذه البيئة، ولغته الأم ليست اللغة العربية، قدره عندي يعادل خمسة أجزاء أو عشرة أجزاء، من الذي تقارنه به، وتعتبره فاشلاً لأنه لم يحفظ القرآن مثل الآخر!!

الخطوة السابعة: ملف المسابقات القرآنية

هذه الخطوة مهمة جدًا، وتحتاج إلى مراجعة من كل العاملين في المجال القرآني على الساحة الأوروبية، فالمسابقات القرآنية في أوروبا أيضاً حصل لها نوع من الاستنساخ، لنفس الآلية ونفس النموذج الموجود في بلداننا العربية، والمعايير والتنافسيات كلها قائمة على أمور لا تراعي وضعية الأقلية، ولا اللغة العربية، ولا غيرها من الفوارق.

لذلك لما أقمنا مسابقة قرآنية في ألمانيا، وجدنا المهاجرين الجدد حصدوا الجوائز كلها، وهم مستريحون جدا،ً وضاع الأولاد المولودون في أوروبا، والحافظين لعشرة أجزاء، وكابدوا وتعبوا حتى يحفظوا هذا القدر

وكما قلت: المولودون في الغرب، ولغتهم الأم ليست اللغة العربية، أو اللغة المتحدث بها في البيت ليست اللغة العربية، عندما يحفظ عشرة أجزاء، أو يحفظ نصف القرآن، هذا مجاهد تعب وكابد، فهذه العشرة أجزاء بالنسبة له بمثابة عشرين جزءًا.

هذه الأمور كلها لا تراعى عند إجراء أي مسابقات قرآنية، فلماذا عندما نقوم بعمل مسابقات قرآنية، لا نجعل بها قسماً لمن لا يعرف العربية، وقسماً للمهاجرين الجدد، وقسماً لمن لغته العربية هي اللغة الأم؟

ونختار سوراً سهلة الفهم، ونجمع بين الحفظ والفهم، ونحاول أن نلتقط جملة من الرسائل التي نوصلها ونغرسها، فيمن يحفظ في هذه المسابقة؛ لأن المسابقة ليس الهدف منها الفوز برحلة العمرة، ولا الجائزة المالية، ولا لإيجاد حالة من التنافسية لحفظ القرآن الكريم، بل وصل الأجيال الجديدة بكتاب الله عز وجل، فإذا لم تحصل هذه الصلة، فهناك خلل لابد أن يراجع.

الخطوة الثامنة: تحديات الترجمة، وإيصال المعنى

لابد من إعادة النظر في أمر ترجمات القرآن الكريم، وهل الترجمات القائمة والموجودة تحقق فعلاً رسالة القرآن الكريم، ومعانيه ومضامينه ومقاصده؟

الأخ الذي يترجم لي الخطبة باللغة الألمانية، يقول لي: أنت لا تعرف حجم التعني الذي أتعناه من أجل ترجمة آية تضعها في الخطبة، أضع أمامي كل الترجمات الموجودة بين يدي باللغة الألمانية، وأحياناً أقرأها كلها، فأجد أنها لا تحقق الهدف المراد من الآية، فيتصل بي يسألني يقول لي: اشرح لي الآية حتى أفهمها، ثم أعيد صياغتها وترجمتها مرة أخرى، حتى أوصل فكرتها لمن يستمع إلى الخطبة.

فهذا تحدي كبير جدًا، وجهد لا نهدمه طبعًا، ويجب أن يبنى عليه، وأدى دورًا لا بأس به؛ لكن يجب أن تستمر عملية التقويم والمراجعة والتحسين، حتى تصل رسالة القرآن لكل من لا يعرف اللغة العربية.

من التجارب التي جربتها أيضاً: تقديم لمحة عن الآيات التي ستقرأ في الصلاة، خاصًة صلاة التراويح في رمضان قبل الصلاة، فلو كان بالمسجد مجموعة من المسلمين الجدد، أو ممن لا يعرفون العربية، ويصلون ويستمعون إلى القرآن الكريم، لكنهم لا يفهمون، ولا يعرفون حتى الآيات التي يسموعنها عما تتكلم، فنعطيهم مقدمة سريعة

نقول لهم: الآن سنقرأ من سورة كذا، وموضوعها كذا، والآيات تتحدث عن كذا وكذا، خمس دقائق قبل الصلاة

أيضاً من الأشياء المهمة، هي قضية رصد موانع الفهم، والحجب التي تحجبنا عن القرآن الكريم، وحلها

هذه النقاط هي حلول سريعة، من خلال تجربتي ورؤيتي الشخصية؛ لكن هذا ليس معناه أنه لا توجد أفكارًا أخرى، أو حلولًا أخرى، تحتاج إلى مدارسات أطول وأعمق.

الخطوة التاسعة: الترقي في العلاقة مع القرآن

المسلم عليه دائمًا أن يراقب نفسه، ويسائلها عن علاقتها بكتاب الله عز وجل، هل هي في تطور وترقي، أم لا؟

إن كنت أحفظ جزءاً من القرآن الكريم، أحاول أن أزيد هذا الجزء فأحفظ القرآن الكريم كاملاً، أحاول أن أتقن هذا الحفظ، إن كنت أقرأ كل يوم جزءًا واحدًا أحاول أن أزيد هذا الجزء.

ولقد قرأت عن عدد من أئمة السلف وقائع عجيبة جدًا، عن بركة القرآن وأثره في بركة الوقت، أحدهم يقول: كنت أشكو من قلة البركة في وقت النهار، يمر بسرعة، ولا أنجز أشياءً كثيرة، قال: فزدت من وردي، فزادت البركة، وصرت أنجز في اليوم أضعاف ما كنت أعجز عن إنجازه قبل زيادة الورد القرآني، فظللت أزيد، وكلما زدت زادت البركة، حتى صرت أقرأ في اليوم عشرة أجزاء.

 ولقد جربت هذا شخصيًا، فاليوم الذي أنشغل فيه عن ورد القرآن، يكون منزوع البركة، فأفكر كيف انسلخ مني اليوم، ولم أشعر به؟! ماذا أنجزت في هذا اليوم؟ ماذا فعلت من أشياء مهمة؟

فالترقي الدائم في العلاقة مع القرآن الكريم، كان منهجًا لبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعض أئمة السلف، أحدهم يقول: كنت أقرأ القرآن الكريم فلا أشعر له بحلاوة، فظللت أجاهد نفسي بالقرآن، حتى رقاني الله درجة، فصرت أقرأ القرآن وكأني أسمعه من أبي بن كعب، ثم رقاني الله درجة فصرت أقرأه وهو كأني أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رقاني الله درجة فصرت أقرأه وكأني أسمعه من سيدنا جبريل عليه السلام، ثم رقاني الله درجة فصرت أسمعه وكأني أسمعه من المولى الجليل سبحانه وتعالى، هذا هو الترقي الدائم.

سيدنا ثابت البناني يروى عنه هذه المجاهدة في الصلاة، وفي القرآن الكريم، يقول: جاهدت نفسي بالقرآن عشرين سنة، ثم تلذذت به 20 سنة، عشرون سنة وهو في حالة مجاهدة، واستمرارية وسؤال أهل التجربة. فالقرآن وإصلاح العلاقة معه أمر لن يتم إلا باستمرارية المجاهدة، والتفكر والعمل وكثرة القراءة.

الخطوة العاشرة: أهمية كثرة القراءة والختمات

وأول وأهم باب من أبواب إصلاح العلاقة مع القرآن، أن نقرأ القرآن كثيرًا، نختم القرآن، نستمع إلى القرآن، نقرأه ونختمه حتى لو بغير تدبر، فنحن في ذروة حماسنا لحمل الناس على فهم القرآن وتدبره، كأننا زدنا في حدة نقدنا لقراءة القرآن دون تدبر، فكأن بعض الدعاة بدأ يقزم الختمات.!

فقراءة خمس ختمات بغير تدبر، خير من قراءة ختمة واحدة بغير تدبر، فهو في كل الأحوال لا يتدبر، ولأن القراءة الكثيرة للقرآن والختمات الطويلة للقرآن هي التي ستوصلك إلى خشوع القلب، ورقة ودمع العين، فكل هذا لن تبلغه إلا بالقراءة الكثيرة، والعلاقة الصحيحة مع كتاب الله عز وجل

فلا تعتقد أنك ستضغط على زر فيصبح قلبك خاشعًا عند قراءة القرآن، وتصبح كثابت البناني، أو فلانًا من كبار أئمة الصحابة، لا فهذا ليس بهذه السهولة، فلابد من جهد، ولا بد من مجاهدة، ولا بد من استمرارية.

المداومة والصلة بالله

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(إنَّ اللهَ قالَ: مَن عادَى لي وليًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ التي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ التي يَمْشِي بها، وإنْ سأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شَيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ) [رواه البخاري]

 أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه، أتريد أبين من ذلك أجرًا؟! فـالحديث يقول طالما كنت تقرأ القرآن الكريم فأنت في أجر، وفي ثواب، وفي صلة مع الله سبحانه وتعالى، فاجعل لنفسك علاقة يومية ثابتة مع كتاب الله عز وجل، وهذه العلاقة تكون في حالة ترقي دائم، إقرأ صفحة الآن، ثم اجعلها صفحتين، إقرأ الآن، ثم احفظ وتدبر ولو آية واحدة، وهكذا حالة ترقي ترقي ترقي دائمًا.

وصية العودة إلى القرآن

أخيرًا أختم هذه المحاضرات بما اطلعت عليه، وكنت أظن أن شيخ الإسلام ابن تيمية هو فقط الذي قال في أواخر عمره “وندمتُ على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن”

 ليتني لم أنشغل بشيء سوى القرآن، وتفرغت للقرآن، مع أنه كان منشغلاً بالعلم الشرعي، وبالحديث وبالفقه؛ ولكنه يقول ليتني لم أنشغل بشيء سوى القرآن في آخر عمره، وهذه تجارب لابد أن نستفيد منها.

ولقد وجدت ما يقارب 15 من كبار أئمة السلف والفقهاء، يقولون بمثل قوله، كل منهم يقول بأنه أضاع عمره في الفقه، وفي العلم الشرعي، ورغم ان هذا كله مهم وجيد؛ لكنه يقول ليتني لم أنشغل بشيء.

 علينا أن نكون عمليين وواقعيين، وأن نغتنم العمر والوقت من الآن في بدء إصلاح العلاقة مع كتاب الله عز وجل، والأخذ بهذه الخطوات العملية، خطوة تلو خطوة، عسى أن يغير الله سبحانه وتعالى من أحوالنا بالقرآن.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين.

 

ملحوظة مهمة: هذه المحاضرة تم تفريغها وتنسيقها للفائدة العلمية من فريق الموقع، وليست بطريقة التصنيف أو التأليف العلمي.

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 199