هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
التسبيحٌ دواءٌ ربانيٌ لأمراض العصر 
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 21 نوفمبر 2025م
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد
فإن قطاعاً كبيراً من الناس اليوم يشكو من ضيق الصدر والقلق والاكتئاب والخوف، فمنهم من يخاف على دينه وأولاده ومنهم من يخاف على ماله، ومنهم من يخاف من المستقبل ولا يشعر بالأمان والاستقرار، وأحوال أمتنا وهمومها تشعرنا بالعجز والضيق والهمِّ والقلق.
وتشير بعض التقارير الطبية إلى ارتفاع ملحوظ في نسبة الأمراض النفسية وشيوعها بالنظر إلى طبيعة عصرنا وسرعته وكثرة متغيراته، كما ارتفعت نسبة الخلافات الزوجية وكثر الشقاق والطلاق وقلَّ صبر الأزواج على بعضهم، وقوة الإيمان بالله واليقين فيما عنده هو أمضى سلاح نواجه به هذه الأمراض وتلك التحديات، لكن الإشكال أنَّ الإيمان ذاته ضعُف وقلَّ منسوبه في القلوب بفعل عوامل كثيرة لا تخفى، وفي كتاب الله الشفاء والدواء لكل أمراض العصر وأوجاعه .
قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء: 82]
وقد عُدتُ إلى التسبيح في القرآن الكريم فوجدتُ عجباً، وتحسرت على غفلتنا عن تلك العبادة العظيمة رغم يسرها وسهولتها؛ فالعبادات في الإسلام إما بدنية محضة كالصلاة والصيام، أو مالية محضة كالزكاة، أو جامعة بينهما كالحج، والتسبيح والذكر ليس بدنياً ولا مالياً وإنما لساني قلبي لا يحتاج إلى وقت أو جهد، وعدم الانتظام فيه يعني أنَّ صاحبه قد بلغ درجة من الغفلة وحالة من قسوة القلب وجفاف الروح توجب المسارعة إلى العلاج والتداوي، ويتضاعف خطر الغفلة عن الذكر والتسبيح بحق الجيل الجديد من أولاد المسلمين في الغرب الذين تشبعوا بالمادية ولم يأخذوا قدراً من التربية الروحية التي يصدون بها طوفان المادية العاتي المنتج لتصحر القلب وجفاف الروح.
وقد جاء التسبيح في القرآن بمختلف تصاريفه وصيغه في سبعة وثمانين (87) موضعا، وافُتتحت به سبع سور سميت المسبحات، وهي:
الإسراء، والحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن، والأعلى
وختمت به سور:
الحجر، والطور، والواقعة، والحاقة
وقد ورد التسبيح بعدد من الصيغ:
فالتسبيح استغرق جميع الأزمنة وقبل الخلق وبعد الخلق، فالله سبحانه وتعالى يستحق التنزيه لذاته تبارك اسمه سواء كان هنالك من مسبِّح أو لم يكن.
معنى التسبيح:
والتسبيح معناه: التنزيه والتطهير والتقديس، فعندما يقول المسلم: سبحان الله، يعني: أنا أنزه الله عن كل نقص، وعن كل عيب، فهو سبحانه وتعالى المنزه عن الشريك، المنزه عن الصاحبة والولد، المنزه عن العجز والجهل، المنزه عن كل نقص، فإذا قال العبد: سبحان الله فقد أثنى على الله سبحانه وتعالى بكل ما يستحقه من أنواع الثناء، فلا عجب ولا غرو أن تنال هذه الكلمة عند الله تلك المرتبة العالية.
ولعل السر في الأجر الكبير والثواب العظيم للتسبيح أنه أعلى درجات الثناء والتعظيم للمولى الجليل سبحانه وتعالى؛ ولهذا كان خير الدعاء في يوم عرفة ثناء على الله تبارك وتعالى لا طلب فيه.
ومن الأحاديث التي أثبتت فضلا كبيراً للتسبيح حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِئةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ ” متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قَالَ: حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، مِئَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ ” رواه مسلم، وقال أيضاً: “مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الجَنَّةِ” رواه الترمذي بسند صحيح.
فتأمل كم من النخيل بغفلتنا ضيعنا؟!!
ومن أهم آثار التسبيح ما يلي:
1-التسبيح يرد القدر:
المشهور أن الدعاء يرد القدر لحديث ثوبان:” لا يرد القدر إلا الدعاء” أي أن الدعاء يكون سببا في عدم نزول البلاء المقدر على هذا الشخص، أو أن يكون القدر مقيداً بأن لا يدعو ربه فإذا دعاه رُفع، أو أنَّ ردَّه معناه: تهوين وتخفيف ما نزل على العبد منه.
ولكنَّ القرآن الكريم يحدثنا عن أن التسبيح أيضاً يرد القدر كما في قصة سيدنا يونس عليه السلام قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143-144]، وقد كان التسبيح سبباً في نجاته، وصيغته: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 87].
والتسبيح يصنع المعجزات فعندما رزق الله سيدنا زكريا عليه السلام بولده يحى رغم عقم زوجته وكبر سنه خرج يدعو قومه إلى التسبيح ، قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11].
2- التسبيح علاجٌ لأمراض العصر:
التسبيح علاج لأمراض العصر من قلق وتوتر وخوف واكتئاب وشعور بضيق الصدر قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 97-98]
وقد كان تسبيح سيدنا يونس عليه السلام سبباً في نجاته من الغم قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 88]
والنجاة بالتسبيح من كل هم وبلاء أمرٌ عام يصدُق على كل مسبِّح لله، ولا يقتصر على ذي النون :
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ “. رواه الترمذي بسند صحيح. والتسبيح يعين المؤمن على الصبر أمام الابتلاءات والمحن والشدائد قال تعالى مخاطباً نبيه في الصبر بالتسبيح على الأذى الذي قابله في طريق دعوته: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39]، والتسبيح يولد حالة من الرضا والسكينة النفسية قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: 130]
فلنكثر من الذكر والتسبيح ففيه النجاة من همومنا وأثقالنا وتنزيه ربنا وصلاح أحوالنا.
اللهم اجعلنا لك ذكَّارين شكَّارين مسبحين راضين مرضيين،
وفرج الهم والكرب عن أهلنا وإخواننا في غزة والسودان وكل مكان، والحمد لله رب العالمين.