هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
يُدبِّرُ الأمرَ
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 5 ديسمبر 2025م
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد
ففي العالم المادي يتعلق الناس بالأسباب والتخطيط وكأنه كل شيء ويغيب عنهم التدبير الإلهي لهم، أو التوازن بين التخطيط وبذل الجهد والتوكل على الله واليقين أن تدبير الله خير من تدبيرنا إن وقع خلاف ما أردنا وخططنا، ونتيجة هذا الخلل الإيماني يقع اليأس والقنوط وعدم الرضا عن الله إذا ما وقع ابتلاء للمرء أو لم تتوافق النتائج مع تدبيره وتخطيطه؛ فحياة الإنسان لا تخلو من ابتلاءات ومحن وأحوال إن لم يوقن في أن تدبير الله له خير من تدبيره ويسلم لأمر الله ويرضى به موقنا أنه الخير كله فلن يشعر بالسعادة ولن يجد راحة البال مهما حقق من أسباب السعادة وترف الدنيا.
والواجب في كل ما سبق الأخذ بالأسباب البشرية الكاملة وكأنها كل شيء مع اليقين أنها لن تفعل شيئا إلا بأمر الله، وأن تدبير الله في النهاية هو الخير وإن بدا لنا غير ذلك قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216] ، وقال: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]
وهو المعني الذي عبر عنه بذكاء بالغ المفكر والرئيس السابق للبوسنة والهرسك علي عزت بيجوفيتش حين قال:” إن نسبة الكسب البشري إلى نسبة الفعل القدري كنسبة اللاشيء إلى كل شيء”
وقد تكرر قوله تعالى: يدبر الأمر في القرآن الكريم أربع مرات:
والتدبير في أصل اللغة التوفيق بين أوائل الأمور ومبادئها، وأدبارها وعواقبها، بحيث تكون المبادئ مؤدية إلى ما يريد من غاياتها، كما أن تدبر الأمر أو القول هو التفكر في دبره وهو ما وراءه وما يراد منه وينتهي إليه.
قال ابن عاشور: “والتَّدْبِيرُ: حَقِيقَتُهُ التَّفْكِيرُ في إصْدارِ فِعْلٍ مُتْقَنٍ أوَّلُهُ وآخِرُهُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن دُبُرِ الأمْرِ، أيْ آخِرِهِ لِأنَّ التَّدْبِيرَ النَّظَرُ في اسْتِقامَةِ الفِعْلِ ابْتِداءً ونِهايَةً. والأمْرُ: الشَّأْنُ لِلْأشْياءِ ونِظامِها وما بِهِ تَقَوُّمُها، والتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْجِنْسِ وهو مُفِيدٌ لِاسْتِغْراقِ الأُمُورِ كُلِّها لا يَخْرُجُ عَنْ تَصَرُّفِهِ شَيْءٍ مِنها، فَجَمِيعُ ما نُقِلَ عَنْ سَلَفِ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الأمْرِ يَرْجِعُ إلى بَعْضِ هَذا العُمُومِ”.
وعندما يوقن العبد أن الله تعالى هو مدبر الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله وأنه لن يدبر له إلا الخير يحب ربه ويرضى بقضائه وقدره ويصبر عليه، وحين تعلم أن الله يدبر أمرك كله توقن أن هذا التدبير سيجعل حتى عدوك يعمل لصالحك من حيث لا يدري، والشيطان نفسه قد يكون جزءاً من تدبير الله لك، والمتأمل في حياة الأنبياء جميعا يلحظ بوضوح تدبير الله ورعايته لأمرهم.
1- تدبير أمر الهجرة:
فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم يدبر الله له في هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ويحرسه هو وصاحبه في الغار ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: 40]، ومن قبل دبر له وحفظه من خطة قريش لاغتياله والتخلص منه.
2- تدبير الله في صلح الحديبية:
كما دبر الله له في صلح الحديبية ورغم الشروط المجحفة الظالمة ورغم حرمانه والصحابة من أداء العمرة التي تشوقوا لها كان باطن الحدث وحقيقة تدبير الله فيه أن يكون فتحا مبينا قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ [الفتح: 1].
3- تدبير الله يوم الأحزاب:
وأظهر نموذج في السيرة النبوية على تدبير الله تعالى لنبيه وللمؤمنين ما وقع في غزوة الأحزاب من تجمع الجموع والأحزاب لمحو الإسلام من خارطة الأديان وهزيمة المسلمين، كما وقعت الخيانة من الحلفاء فأصبحت العداوة والحرب من الداخل والخارج معاً، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بأدق تعبير فقال تعالى: ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 10-11]
مع كل هذه الصورة المعتمة التي تؤذن بهزيمة المسلمين سخر الله رجلاً من المشركين أسلم سِراً اسمه نُعَيم بن مسعود استطاع أن يفرق كلمة المحاصرين للمسلمين من الكفار في الخارج والخائنين في الداخل وأن يوقع الخلاف بينهم، وأرسل الله ريحاً شديدة في ليلة مظلمة باردة قلعت خيام الكفار وكفأت قدورهم، وألقت الرعب في قلوبهم فانصرفوا مذعورين ووصف القرآن الكريم هذا النصر بقوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴾ [الأحزاب: 25-27].
وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالأسباب الكاملة الداخلة تحت وسعه فتشاور مع أصحابه لما علم بقدوم المشركين لغزوه، وحفر الخندق واستحدث بذلك وسيلة عسكرية لم تكن معروفة للعرب في الحروب والغزوات حينها، ومنه نتعلم حسن التخطيط والتدبير والتوكل على واليقين أن تدبيره وتقديره أفضل وأحكم من تدبيرنا فنسلم له ونرضى به.
اللهم دبر لنا فإنا لا نحسن التدبير،
ورضنا بقضائك حتى لا نحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت،
وفرج الكرب عن أمة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم،
وكن للمستضعفين من المؤمنين في كل مكان وليا ونصيرا، والحمد لله رب العالمين.