إرسل فتوى

واجب المسلمين في الغرب نحو المسرى والأسرى

واجب المسلمين في الغرب نحو المسرى والأسرى

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 3 إبريل 2026م

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد
فقد كنا نظن أن إغلاق المسجد الأقصى لأكثر من شهر دون جُمع ولا جماعات أمام صمت القبور من الأمة العربية والإسلامية هو أكبر انتهاك للحريات والمقدسات وليس هناك ما هو أعظم منه، فإذا بنا أمام انتهاك أكبر وأعظم منه وهو تصويت الكنيست في دولة الاحتلال الاثنين الماضي على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين شنقا بأغلبية أعضائه في انتهاك صارخ لكل الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية في حماية الأسير، في مقدمتها اتفاقية جنيف الشهيرة الصادرة سنة 1949م والتي توجب معاملة الأسرى معاملة إنسانية وتعتبر الاعتداء عليهم جريمة وتحظر قتلهم أو تعذيبهم، وصدور هذا القانون وصمت العالم عليه يعني توجه العالم واحتكامه إلى شريعة الغاب؛ حيث ينتظر تطبيق هذا القانون على 1200 أسير فلسطيني وما يتبعهم من أسرى جدد ربما وُضع القانون لأجلهم.

والأعجب من هذا كله هو أن الأمة الإسلامية مليارية العدد تترقب تجميد المحكمة الإسرائيلية العليا لهذا القانون دون أن تبدي رفضا أو استنكاراً أو إدانة لهذا القانون الخطير المعيب!!
فهل تجاوزت الأمة حالة الغثائية والوهن إلى حالة أصعب منها وهي الموت؟
وإلا فما هو التوصيف الدقيق لأمة يُغلق مسجدها الأقصى المقدس دون جُمع ولا جماعات ثم يُتبع بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ثم لا تنتفض الأمة انتفاضاً سلمياً حضارياً تُعبر فيه عن وجودها وحياتها قبل أن تدافع عن الأقصى والمسرى.
ويمكننا تلخيص واجب الأمة نحو المسرى والأسرى فيما يلي:

1- التذكير بمكانة المسرى في عقيدة المسلمين:

فالمسجد الأقصى المبارك المغلق أمام المسلمين اليوم هو قبلة المسلمين الأولى؛ فقد ظل المسلمون يصلون إليها ستة عشر شهراً قبل تحول القبلة نحو المسجد الحرام، وفي المدينة المنورة مسجد معروف يجسد هذا الحدث وهو مسجد القبلتين، والأقصى هو منتهى رحلة الإسراء ومبتدأ رحلة المعراج وفي هذه الليلة التقى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء وصلى بهم إماماً، وفي القرآن الكريم سورة سميت باسم هذا الحدث هي سورة الإسراء.

وتبدأ بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]

 والقدس هي ثالث المدن المعظمة في الإسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لاَ تُشَد الرحَالُ إِلا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى” متفق عليه

والمسجد الأقصى في أرض النبوات والبركات، ولا يليق بمسلم يرى ما يحدث للمسجد الأقصى مع مكانته في دينه وعقيدته ثم لا ينكر إغلاقه وانتهاك حرمته إنكاراً قلبيا ولسانياً في إطار القوانين والنظم الأوروبية، وأن يُحكم تصرفه بما لا يعود بضرر أو أذى سلبي عليه أو على مؤسسات المسلمين في الغرب.

2- التعريف بوجوب فكاك الأسير:

فكاك الأسير واجب على المسلمين وجوباً كفائياً والتصدي لهذا القانون الجائر بالوسائل السلمية الحضارية لمنع قتل الأسرى وفك أسرهم يدخل في هذا الوجوب؛ فقد عدَّ الشرع فك الأسير من مصارف الزكاة ” وفي الرقاب”، وفك الأسير في الإسلام من أعظم القربات .

قال تعالى:” ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 11-13]

وقال صلى الله عليه وسلم:” أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني، أي: الأسير” رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري

 وقال سيدنا عمر رضي الله عنه:” لأن استنقذ رجلًا من المسلمين من أيدي الكفار أحب إليّ من جزيرة العرب”

 وقال الإمام مالك: يجب على المسلمين أن يفكوا أسراهم ولو استغرق ذلك جميع أموالهم، فإذا لم يجد المسلمون وسيلة لاستنقاذ أسراهم؛ فالواجب عليهم أن يدعوا الله تعالى لهم في صلواتهم وقنوتهم وخلواتهم، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، في دعائه للنفر الذين أسرتهم قريش دبر كل صلاة، والواجب على المسلمين في الغرب حراسة القيم العادلة وصيانتها من العدوان عليها والتحذير من أن الاستمرار في تقويضها وهدمها مؤذن بأفول حضارتها، وظهور هذه القيم الإسلامية من أهم المداخل للتعريف بالإسلام وإظهار قيمه الحضارية.

ولقد كان امتناع الجنود الجزائريين المسلمين سنة 1941م عن مقتل المفكر الفرنسي المعروف روجيه جارودي عندما أُسر سبباً في اعتناقه الإسلام وقال حينها منبهراً بأخلاق الإسلام:” ما حدث أمام عيني في معتقل الجلفة بصحراء الجزائر، يفوق ما تعلمته طوال 10 سنين في جامعة السوربون؛ إذ لم أكن أتوقع البتة أن يكون الإسلام وراء إنقاذ حياتي” .

3- النصرة الثقافية والروحية:
إن ما يحدث على أرض فلسطين المباركة من إغلاق للمسجد الأقصى المبارك وحصار لأهل غزة، وإقرار لقانون بقتل الأسرى يوجب على المسلمين في الغرب النفرة لإدانة هذه المصائب المرفوضة شرعا وعقلا وقانونا، والعمل بالوسائل المتاحة قانونا لإدانة ورفض هذه الجرائم وتعريف العالم بخطر الصمت عنها، سواء بالتظاهرات والاعتصامات السلمية، أو الحديث والاستنكار والإدانة الإعلامية، والانتقال من المختلف فيه إلى المجمع عليه بعد ظهور حالة الاستقطاب الهائلة في التعامل مع أطراف الحرب الجارية الآن وانصراف الناس عن فلسطين وما يحدث لها بالتجاذب والعراك الشبكي الذي امتد للنخب والدوائر العلمائية بكل أسف، ثم النصرة الروحية بعدم نسيان أهل غزة والمسجد الأقصى المبارك، والأسرى من الدعاء.

4- واجب خاص مع الجيل الجديد في الغرب:

إذا كانت الأمة المسلمة بتاريخها وثقافتها ووعيها بتاريخ الصراع على أرض فلسطين بهذا الصمت والتخاذل فكيف يمكن أن ننتظر التفاعل والاستنكار من الجيل الجديد من أولاد المسلمين في الغرب المغيب عن هذه الأحداث وتلك الملفات، فالتحدي مع الجيل الجديد أظهر وأكبر والعمل على توعيتهم بتاريخ المسرى وواجبهم نحوه، وقضية الأسرى وقانون إعدامهم هو واجب الوقت على الآباء والأمهات؛ حتى لا نكون أمام جيل جديد تنطمس هويته ويُنسى مسجده الأقصى وينعزل عن قضايا أمته ويحيا لنفسه ودنياه.

 

اللهم فرج الكرب عن أمة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، وكن لأقصانا ومسرانا وأسرانا والمستضعفين في كل مكان سندا ومعينا ووليا ونصيرا، وأزح هذه الغمة عن الأمة، واشملنا برحمتك وعفوك في الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين.

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 194