هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
مقاصد الشريعة وأثرها في ترشيد الحضور الإسلامي في الغرب
(الجزء الثالث)
في الجزئين السابقين من هذه الدورة العلمية كان الحديث عن مقاصد الشريعة حديثًا تنظيريًا نظريًا، وفي هذا الجزء الثالث والأخير سنحاول أن نبين الجانب التفعيلي والتنزيلي للمقاصد في دوائر ومساحات مختلفة، سواء في دائرة الاجتهاد والفتوى، أو في دائرة التعريف بالإسلام، أو في دائرة التربية والتوجيه لأولادنا، أو في دائرة الخطاب الديني الدعوي العام، أو في غير ذلك من مساحات ترشيد العمل الإسلامي بشكل عام، كعمل المراكز والمؤسسات الدعوية والإسلامية، وسنرى مدى إمكانية تأثير وتفاعل المقاصد مع هذه الملفات والمساحات.
المساحة الأولى: الاجتهاد والفتوى في السياق الأوروبي
هذه هي المساحة والدائرة الأولى وثيقة الصلة بعلم مقاصد الشريعة، وهي مساحة الاجتهاد والفتوى، وسأضرب على ذلك جملة من الأمثلة التي تبين دور وأثر المقاصد الكلية والجزئية في الترجيح، وفهم المسائل وتنزيلها على الواقع.
النموذج الأول: مسألة توقيت صلاة العشاء
هذه المسألة من المسائل التي تتعلق بالعبادات، والتي يكثر الجدل والنقاش حولها في السياق الأوروبي في فصل الصيف، متى نصلي العشاء في فصل الصيف؟
في هذه المسألة لدينا ثلاثة عشر قولاً ورأيًا متداولة ومبسوطة، ومعمول بها في عدد من المساجد والمراكز والمؤسسات الإسلامية، وأنا هنا لست بصدد الترجيح أو الاختيار لأي مسجد في أي مدينة من مدن أوروبا؛ لأن قضية الاختيار والترجيح في هذه المسألة يرجع إلى إمام المسجد وإدارته، بحكم معرفتهم بالجمهور، ومعرفتهم بطبيعة الناس في المدينة، وما يتعلق بمذاهب الناس أيضًا؛ لأن حل الجمع بينها وبين المغرب مثلًا، لا يمكن أن يُقبل به أبدًا في مسجد يتمذهب الناس فيه بالمذهب الحنفي؛ لأن الحنفية يقولون: إنه لا جمع بين الصلاتين إلا في عرفة ومزدلفة فقط، فمهما قلت من أدلة حول اختيار الجمع، لن يُقبل به أبدًا في أي مسجد جمهوره يتبعون المذهب الحنفي؛ لذا أنا أتحدث هنا عن جانب نظري تفعيلي تنزيلي لمقاصد الشريعة، بغض النظر عن الاختيار ماذا يكون.
واقع المسلمين في ألمانيا مع صلاة العشاء
بدأت في دراسة هذه المسألة في العامين الأولين من قدومي إلى ألمانيا، وحصرت الاجتهادات الموجودة فيها، وبدأت أدرس واقع الناس وحالهم وعملهم مع صلاة العشاء، التي يدخل وقتها في غالب الصيف في منتصف الليل أو بعده بقليل، وصلاة الفجر تكون بعدها بحوالي ثلاث ساعات إلى ثلاث ساعات ونصف، أي أن صلاة العشاء في ألمانيا تكون الساعة الثانية عشر ليلاً، وصلاة الفجر تكون في الساعة الثالثة والنصف، ووجدت شريحة من الناس تؤخر صلاة العشاء وتضمها إلى صلاة الفجر، بعد خروج وقت الصلاتين، أي أنهم يصلون العشاء والفجر بعد خروج وقت الفجر!!
وشريحة أخرى تنام عن صلاة العشاء، وتكتفي بصلاة الصبح فقط، تقول: لا نستطيع أن نصلي!!
وشريحة ثالثة تجد مشقة في صلاة المغرب، فالمشقة عندها تبدأ من صلاة المغرب، خاصة بالنسبة للأولاد الذين يدرسون، وأصحاب الأعمال، وغير ذلك.
فترجح عندي أولًا بالدليل حل الجمع بين الصلاتين، حلاً راجحًا واضحًا في هذه المسألة، ثم رجعنا إلى المقاصد، ما علاقة المقاصد بهذا الترجيح؟!
المقاصد المترتبة على حل الجمع
هناك مقاصد مترتبة على اختيارنا لحل الجمع، تجعله أرجح الحلول، وفيما يلي بعض هذه المقاصد.
المقصد الأول: حفظ الدين
هذا الحل يحفظ كلية الدين على الأجيال الجديدة من أولاد المسلمين، ذات التأثير الأكبر على حفظ الدين والهوية في هذه البلاد؛ لأن هذه الشريحة والفئة متأثرة بثقافة المجتمع الذي ينام عند الساعة الثامنة ليلاً، بينما صلاة المغرب في الساعة التاسعة والنصف، فإذا قلت للأولاد عليكم أن تنتظروا إلى التاسعة والنصف حتى نصلي المغرب، ثم إلى الثانية عشرة حتى نصلي العشاء، فتكاد تكلفهم بما لا يطيقون!
وهذا الأمر لا يقع مرة واحدة أو مرتين، أو أسبوع أو أسبوعين، إنما يستمر لقرابة ثلاثة أشهر تقريبًا!
المقصد الثاني: إقامة صلاة الجماعة
فهذا الحل يساعد على إحياء صلاة الجماعة، وإقامتها في مساجد المسلمين.
أحد الأئمة في أحد أكبر مساجد ألمانيا أخذ بحل الجمع، فجمع في السنة الأولى، وصلى الناس خلفه، بعض الناس أنكروا هذا الأمر واعترضوا عليه، فترك الجمع في السنة التالية، ثم في السنة التي بعدها عاد مرة أخرى إلى الجمع!
قلت له: لِمَ جمعت أولاً، ثم تركت، ثم عدت إلى الجمع؟!قال: أنا لست بفقيه ولا مشتغل بالفقه والفتوى.
لكن المسألة واضحة جدًا لدي، وهي أنه إذا كان هناك اجتهاد فقهي، سيمكن حوالي 300 مصلٍ من صلاة المغرب والعشاء لثلاثة أشهر، والاجتهاد والحل المقابل له -حتى لو افترضنا أنه الحل الأرجح والأقوى- يترتب عليه أنه لا يصلي خلفي إلا عشرة أشخاص، من جيران المسجد، وكبار السن المتقاعدين، أو غير المرتبطين بأعمال أو دراسة، فأي الحلين أفضل عندي؟
بالتأكيد هو الحل والاجتهاد الفقهي الذي قام عليه الدليل، وسيجمع 300 مصلٍ مدة الثلاثة أشهر، فرجعت إلى الجمع لهذا السبب، وكان هو المُرَجح الذي رجعت إلى الجمع لأجله.
المقصد الثالث: مقصد التعريف بالإسلام ودين الفطرة
إن الوجود الإسلامي في أوروبا يشكل في مجموعه نافذة يطل منها غير المسلمين على الإسلام، فيتعرفون على الإسلام من خلال حياة المجتمع المسلم في هذا البلد، فيُفهم الإسلام من خلال حركة المسلمين، وصلاتهم وعبادتهم، وأعيادهم وكل نظام حياتهم، فعندما يرى هؤلاء الناس أن لدينا ثلاثة أشهر يجب علينا فيها أن نقوم لصلاة العشاء في الساعة الثانية عشرة، وإذا كنت ستصلي في المسجد فعندك مسافة ستذهب فيها ومسافة سترجع إليها، وعندك عمل في الصباح، وعندك نظام حياة متكامل موجود، فكيف سينظرون إلى هذا النظام وهذا الدين؟
جاءني ألماني اعتنق الإسلام حديثًا، وقال لي هناك تناقض لا أفهمه، يجب عليك أن تبحث لي عن حل لأستوعب هذا التناقض، قلت له: ما هو؟
قال لي: ألم تُعلمونا أن الإسلام هو دين الفطرة، وأن نظام الإسلام يتناغم مع الحياة ولا يتعارض معها، وأن بوسعي أن أؤدي العبادات كلها -خاصة الفرائض- دون أن تخل بنظام حياتي، أو برنامج عملي؟ وقد قرأت أن من الصلوات المهمة جدًا، الثقيلة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، كما قال رسول الله ﷺ«إنَّ أثقَلَ صلاةٍ على المُنافِقِينَ صلاةُ العِشاءِ، وصلاةُ الفَجْرِ، ولو يَعْلَمُونَ ما فِيهِما لأَتَوْهُما ولو حَبْوًا» [أخرجه البخاري ومسلم].
وأنا أريد أن أصلي العشاء، وأريد أن أصلي الفجر؛ لكن كيف يمكن أن أنتظم في هاتين الصلاتين هذه الفترة الطويلة، وفي هذه الأوقات الحرجة الصعبة؟، هناك شيء غير منضبط في هذا الأمر!!
قلت له: ماذا لو أخذتَ بحل الجمع، فصليتَ المغرب والعشاء في الساعة التاسعة والنصف، ثم أخرنا الفجر -بما أن علامته الشرعية غير موجودة- إلى أقصى وقت يمكن أن يتأخر إليه في الساعة الرابعة والنصف؟
قال: هكذا يكون الأمر معقول؛ لأني سأنتهي من الصلاة في الساعة العاشرة، وصلاة الفجر ستكون عند الساعة الرابعة والنصف، فهذا وقت كافٍ للراحة وللنوم.
المقصد الرابع: مقصد صحي ونفسي
اطلعت على دراسات تتحدث عن الآثار النفسية والصحية، التي تترتب على السهر لفترات طويلة، بحق الناس الذين يعملون بالليل لفترات طويلة وينامون بالنهار، وأن هناك أضرار صحية ونفسية تترتب على هذا النظام.
أنا هنا تحدثت عن المقاصد، ولم أتحدث عن الاستدلال والتأصيل والنظر في هذه المسألة؛ لأنه في تقديري أن أقوى هذه الآراء، هو الرأي القائل بحل الجمع بين الصلاتين، لسبب بسيط جدًا، وهو أن كل الاجتهادات في هذه المسألة هي اجتهادات لم يقم عليها دليل، والاجتهاد الوحيد الذي دليله نصي، هو الجمع بين المغرب والعشاء تقديمًا، ولا شك أن الاجتهاد المنصوص عليه، مقدم على الاجتهاد الذي لا نص فيه.
النموذج الثاني: الحسابات الفلكية وصورة الإسلام
المثال الثاني التطبيقي الذي ننتقل إليه، هو القضية التي تُثار ويُثار بسببها الجدل والنقاش في شهر رمضان بدءًا وانتهاءً، ومع عيد الفطر كل سنة، وهي: متى نصوم ومتى نفطر؟ وهل نأخذ بالحسابات الفلكية، أو نترك الحسابات الفلكية؟ إلى آخره هذه القضية.
في الحقيقة هذه القضية -في رأيي- لها تأثير كبير على صورة الإسلام العالمية الحضارية العلمية، فعندما نرفض الأخذ بالحسابات الفلكية فإننا نضر بأصل التكليف الشرعي الذي هو الصيام، ونُضر أيضًا بصورة الإسلام، ونهدم مقصد الوحدة والاجتماع في مناسبات مهمة جدًا وفاصلة بالنسبة للمسلمين.
مرة أخرى لسنا هنا بصدد الدخول في الاستدلال الفقهي على الأخذ بالحسابات الفلكية أو عدم الأخذ بها، فَهَب أن القول بالعمل بالحسابات الفلكية من الأقوال المرجوحة، وأن الأقوى منه هو ترك العمل بالحسابات الفلكية؛ لكن انظر إلى هذه النقاط التي أشرت إليها، وأولها الإضرار بصورة الإسلام العالمية، حيث سيؤول الأمر إلى نتيجة واقعية وعملية، مفادها أن الإسلام لا يصلح لهذا الزمن، ولا يناسب هذا العصر، ولا يناسب التطورات العلمية التي تجري وتحدث.
في أول قدومي إلى ألمانيا ذهبنا إلى قسم الفلك في جامعة فرانكفورت، وكان حاضرًا رئيس قسم الفلك، وبدأ يطلعنا على أحوال وإمكانية رؤية الهلال في مناطق العالم المختلفة، ولفارق التوقيت كانت السعودية قد أعلنت بالفعل أنها رأت هلال رمضان، وأن غدًا أول أيام شهر رمضان لهذا العام.
قال لنا رئيس قسم الفلك: يستحيل أن يُرى الهلال اليوم، لا بالعين المجردة ولا بالتلسكوب، ولا بأي آلة من آلات الرصد؛ لأنه غير موجود في الأفق أصلاً، ولأنه ببساطة شديدة لم يولد الهلال في أي مكان في العالم، لا في مكة ولا في غيرها، ويمكن أن يُرى غدًا بالتلسكوب، ولا يمكن أن يُرى بالعين غدًا!!.
قلنا له: لقد أعلنوا أن غدًا أول أيام شهر رمضان، ماذا نفعل؟!
الأئمة خافوا أن يعلنوا بمخالفة السعودية، بعدما انتشر خبر رؤية الهلال بين الناس، فلا يلتزم الناس وتحصل الفرقة، فقالوا: دعونا ننتظر هذه السنة ونوافق إعلان السعودية، ثم بعدما نُهيئ الناس ونشرح لهم القضية، نصير إلى الحسابات الفلكية، فنتدرج في الأمر، وبالفعل أعلنوا أن غدًا أول أيام شهر رمضان.
فاستوقفني عند خروجي رئيس قسم الفلك، وقال لي: ماذا قررتم؟ قلت له: غدًا رمضان.
فققال لي: ولكنكم تعلمون أنه ليس من رمضان، فأنتم غدًا ستصومون، وستُصومون الناس يومًا قطعًا ليس من رمضان، أنا لا أتدخل في قراركم هذا شأن ديني، وأنا شخص غير مسلم؛ ولكني قرأت القرآن الكريم، وهو كتاب علم من أوله إلى آخره، والحسابات الفلكية قمة العلم، وأنتم بما فعلتم هدمتم مبادئ القرآن الكريم بصورة مباشرة!!
فماذا تقول لهذا الرجل الذي طعنك طعنة كبيرة جدًا في نهاية الأمر؟!!!
تحويل الوسيلة إلى مقصد، ونسبة الخطأ في الرؤية
االله عندما أمرنا بالصيام، وأخبرنا أنه كُتب علينا، وأن شهر رمضان أُنزل فيه القرآن، دلنا على طريقة ووسيلة مقدور عليها، لنعرف أن الشهر قد دخل، فحولنا الوسيلة “التي هي رؤية الهلال البصرية” إلى مقصد، فصار القصد هو الرؤية البصرية، وليس صيام شهر رمضان كاملًا، فأخللنا بالتكليف، كيف أخللنا بالتكليف؟!
هناك دراسة فلكية قام بها فلكي سعودي معروف اسمه “عدنان قاضي”، وهي منشورة ولها ملخص على اليوتيوب يمكن أن ترجعوا إليه، هذه الدراسة تتحدث عن نسبة الخطأ في إعلانات الدول العربية في بدايات 2010الأشهر الهجرية، خاصة رمضان وشوال وذي الحجة، وتشمل الخمسين سنة السابقة لعام
وكانت النتيجة التي توصل إليها، أن كل الدول العربية عندها أخطاء في تحديد بداية هذه الأشهر الثلاثة، باستثناء المغرب، والمغرب كانت الاستثناء الوحيد وفقًا للرؤية المحلية داخل المغرب، وليس وفق الرؤية العالمية، وكانت أعلى دولة في نسبة الأخطاء هي السعودية، وكانت نسبة الخطأ في إعلانها في هذه السنة التي حدثتكم عنها، وقالوا أنهم رأوا الهلال وأن غدا صيام رمضان، رغم أن الهلال لم يولد وغير موجود في الأفق، كانت نسبة خطئهم 78%
وهذا له أثر أيضا على تحديد يوم العيد، وبالتالي سنفطر يومًا من رمضان وهو يوم العيد، أو سنصوم يومًا من شعبان، وفي الحالتين حدث خطأ، ومخالفة للتكليف الشرعي الذي نتكلم عليه.
مقصد الوحدة والاجتماع
عندما نتحدث عن مقصد الوحدة والاجتماع، نجد أن القرآن الكريم قد جمع وربط بين كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، في موضعين قال الله فيهما:
[ الأنبياء: 92] {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ }
[ المؤمنون: 52] {وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}
كنا نظن أن قضية الخلاف والانقسام في شهر رمضان، وفي عيد الفطر فقط ؛ ولكن يؤسفني جدًا أن أتحدث وأقول بأن الخلاف والانقسام قد انتقل إلى عيد الأضحى، ففي العام الفائت المسلمون في أستراليا كان عندهم أربعة أعياد في عيد الأضحى، وليس في عيد الفطر!!
اختلفوا في عيد الأضحى المرتبط بوقفة عرفات، وتأتينا الأسئلة مع من أصوم عرفة؟!
وحدث نفس الخلاف في عُمان وفي المغرب أيضًا، وكانت أخطر الأسئلة وأشدها إيلامًا هي من أهل عُمان، فالحجاج العُمانيون والمصريون والمغاربة الذين يقفون على عرفة يقولون: يوم عرفة بالنسبة لنا مع الواقفين على عرفة، أم مع إعلان بلدنا الذي جئنا منه؟
فهل هذه هي الأمة الواحدة، التي يجب أن تظهر بمظهر الوحدة والاجتماع في الأعياد؟!!
فوات المصالح بسبب الخلاف في الأهلة
هذا الخلاف أضر وفوت مصالح كبيرة جدًا على المسلمين، ففي عدد من البلدان الأوروبية تأتي الدولة وتقول للمسلمين: نحن على استعداد أن نعطيكم قاعة كبيرة جدًا، تستوعب عشرات الآلاف من الناس وتصلوا صلاتكم، وسنعطيكم القاعة مجانًا، وسنرسل وسائل الإعلام والتلفزيون ليغطي لكم هذه الصلاة، وسيحضر ساسة ومسؤولون من الدولة يشاركون معكم في هذه الصلاة، فقط المطلوب منكم شيء واحد، أن تحددوا لنا يوم العيد قبل موعده بفترة؛ لأن هذه القاعات تؤجر بآلاف اليوروهات.
فيرد المسلمون عليهم: لا نستطيع أن نخبركم إلا ليلة العيد في المساء!!
في بعض البلدان الأوروبية، المسلمون يستأجرون القاعة ليومين متتاليين بـ 100 ألف يورو، بحيث لو كان العيد غدًا أو بعد غدٍ تظل القاعة معهم، ويظل متاح لهم استخدامها في أيٍ من اليومين، أين المقاصد هنا؟!
حتى لا تبقى الصورة قاتمة، أريد أن أخبركم بطرفة تتعلق بموضوع الهلال في مصر، ففي ستينيات القرن الماضي، كان العمدة في القرية هو مصدر المعلومات بالنسبة للناس فيما يتعلق بالأعياد؛ لأنه الشخص الوحيد الذي لديه هاتف في البيت، فالفلاحون يعتقدون أنه هو الذي يعلن متى الصيام ومتى الإفطار في آخر رمضان، فيبدأ الناس في سؤاله أول ما يدخل للمسجد ليصلي، فيقولون له: متى العيد يا عمدة؟ وهو كان ضعيفًا في الحساب، وكان لديه زوجتان، وكان في العشر الأواخر من رمضان يضع في جيبه حبات من الفول، وكل يوم يمضي يخرج حبة من جيبه، وعندما يسأله الناس يعد حبات الفول التي مازالت في جيبه، فإن وجدها خمس حبات مثلًا، يقول لهم متبقي خمسة أيام على العيد، وفي يومٍ وضعت الزوجة الأولى يدها في جيبه، فوجدت فيه حبات الفول، فقالت إذًا الزوجة الثانية تأخذه مني بالفول، فقامت بوضع حفنةٍ كبيرةٍ من الفول في جيبه، وذهب إلى المسجد ليصلي، فلما قال له الناس: متى العيد يا عمدة؟ وضع يده في جيبه، فوجد فولًا كثيرًا لا يمكن عده، فقال لهم: والله يبدو أنه لا يوجد عيد هذه السنة.
النموذج الثالث: بقاء المرأة المسلمة مع زوجها غير المسلم
أصدرالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث فتوى شهيرة، وهي: بقاء المرأة المسلمة تحت زوجها إذا سبقته بالإسلام، فكثيرًا ما يحدث أن تسلم المرأة أولاً، ويبقى الزوج على دينه، وإذا أفتينا في هذه المسألة برأي جمهور الفقهاء، فيجب أن يفرق بينهما فورًا، بعد نطقها بالشهادتين. لقول الله: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}[الممتحنة: 10] ودلالة الآية واضحة جدًا.
وكما أن المسلمة لا يجوز لها أن تتزوج ابتداءً من غير المسلم، فلا يجوز لها كذلك أن تبقى معه إذا أسلمت وهو غير مسلم، هذه هي الفتوى المستقرة والتي عليها جمهور الفقهاء.
وكان الشيخ/ القرضاوي “رحمه الله” يعتقد أن هناك إجماعًا في هذه المسألة، فلما طُرِحَت عليه هذه المسألة في أمريكا قبل أن يبحثها المجلس الأوروبي للإفتاء، أفتى برأي الجمهور بوجوب التفريق بينهما فورًا،
ولما درس المجلس الأوروبي للإفتاء المسألة، وجد أن الإمام ابن القيم قد ذكر فيها في كتابه “أحكام أهل الذمة” تسعة أقوال، وأغلب هذه الأقوال منقولة عن الصحابة الكرام، فمثلًا لسيدنا علي بن أبي طالب قول، ولسيدنا عمر بن الخطاب قول، والشيخ/ الجديع كتب بحثًا معمقًا مطولاً في هذه المسألة، أوصل فيه الخلاف والأقوال المخالفة للجمهور في هذه المسألة إلى ثلاثة عشر قولاً، منها من قال: أنها تبقى معه فترة العِدة، ومنهم من قال: تبقى معه حتى يُسلم، ومنهم من قال: تبقى معه ما دامت في المصر، وإلى غير ذلك من الأقوال.
فرجح المجلس الأوروبي للإفتاء القول المخالف لرأي الجمهور، عملًا بأحد المقاصد، وهو:
مقصد التعريف بالإسلام، فالمرأة الأوروبية إذا علمت أنها إن أسلمت فرق الإسلام بينها وبين زوجها، ربما تمتنع عن الإسلام حفظًا لأسرتها؛ لأنها متعلقة بزوجها.
والأمر الآخر: أن القول برأي الجمهور لا يُرجى معه دخول الزوج في الإسلام؛ لأنه قد أخذ حكمًا مسبقًا عن الإسلام، بأنه دين كان سببًا في التفريق بينه وبين زوجه، فليس لديه استعداد بأن يفكر في دخول هذا الدين؛ لأن العلاقة الشعورية بينه وبين الإسلام قد تم قطعها، لما حكم على زوجته بمفارقته، فوسع المجلس الأوروبي للإفتاء النظر في هذه الأقوال والاختلافات، للاستفادة منها حتى لو خالفت رأي الجمهور، وذلك بالترجيح بالمقاصد كما أشرت.
النموذج الرابع: فتوى تبني أطفال اللاجئين
كانت بعض الأسر السورية ترسل أولادها الذين لم يتجاوزوا سن الـ 18 عامًا إلى المانيا، بحيث يمكنه استقدام عائلته فيما بعد، فلما زادت حركة لجوء السوريين إلى ألمانيا، بدأت الجهات المختصة في ألمانيا تعلن عن حاجتها إلى أُسرٍ وعائلاتٍ، تستضيف وتتبنى هؤلاء الأولاد، سواء كانوا من المسلمين أو من غير المسلمين، وطُرِحَت هذه المسألة وهذا الإشكال على المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وكنت ممن أثار هذا الإشكال، فصدر عن أعضاء المجلس ثلاث فتاوى:
الفتوى الأولى: بتوقيع سبعة من أعضاء المجلس، بجواز تبني أولاد اللاجئين في بيوت الأسر المسلمة في ألمانيا.
الفتوى الثانية: أصدرها المجلس بشكل جماعي عندما اجتمع.
الفتوى الثالثة: أصدرها الشيخ يوسف القرضاوي “رحمه الله”.
وكل الفتاوى انتهت إلى نتيجة واحدة هي: جواز التبني حفظًا لدين هؤلاء الأولاد، دون أن يُنسب الولد إلى الأب الذي سيستضيفه، أو سيكون موجودًا عنده؛ لأنه لديه أوراقه الثبوتية الخاصة، ومعروف عائلته وأهله؛ لكنه سيعيش في البيت مع متنبيه حفظًا للدين، حتى وإن وقع الإخلال ببعض الأحكام الفرعية الجزئية التفصيلية، كالتي تتعلق بالعورات، وبعلاقة هذا الولد مع أفراد الأسرة بعد أن يكبر، وهي فتوى تاريخية مقاصدية بامتياز.
النموذج الخامس: قضية تهنئة غير المسلمين والمقاصد الدعوية
نموذج قضية تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، هو نموذج يكثر الجدل حوله في آخر كل سنة ميلادية، وأنا أعرف أنها قضية شائكة، ولن أدخل في تفاصيل الاستدلال الفقهي فيها، إنما أريد أن أذكر نقطة واحدة فقط، وهي: أن التشدد في هذه المسألة، والقول بعدم جواز التهنئة، التي لا تعدو أن تكون مجاملة اجتماعية، لا علاقة لها بالإقرار على الاعتقاد، أو الدخول في مسائل العقيدة؛ لأنها لو دخلت في مسائل العقيدة، أو في أمور الاعتقاد، لكان الأولى أن يُحرم القرآن الكريم زواج المسلم من الكتابية، ويُحرم أكل أطعمة أهل الكتاب، لما يشكلان من خطر حقيقي على الاعتقاد، لا هذه الكلمات التي لا تشكل إلا مجرد مجاملة، دون إقرار لهم على معتقدهم.
وأريد أن أقول إن المتضرر من التشدد في هذه المسألة وتبني القول المحرم، هم المسلمون الذين يعيشون في أوروبا؛ لأن فترة أعياد الميلاد هي فرصة ذهبية للدعوة والتعريف بالإسلام، وبيان موقف الإسلام العقدي من السيد المسيح عليه السلام.
ولو قال قائلُُ لي: لماذا لا نفعل هذا الأمر في أي وقت آخر في السنة؟!
سأقول له: ليس هناك حدث الآن، فالحدث هو ما يُشغَل الناس به، وأنت أمام أقوام يقدسون أمر الميلاد، وأعياد الميلاد.
حكى لي إمامُُ في أمريكا عن تجربته، وهي تجربة تفصيلية جداً قال: “دعوت جيراني من غير المسلمين في أيام عيد الميلاد على طعام بهذه المناسبة، وفتحت حديثاً معهم، بدأته بمقدمة حول اعتقادنا وتصورنا نحن كمسلمين بالنسبة للسيد المسيح عليه السلام، والفرق بين اعتقادنا وبين اعتقادهم، وقلت لهم أني منفتح جداً على الحوار معهم، ومرحب بما يطرحوه من أسئلة حول هذا الموضوع، وبدأوا يطرحون الأسئلة، وكان نقاشاً أكثر من رائع، وفي النهاية أعطيت كل واحد من الحاضرين نسخة من القرآن، وقد حضر هذا اللقاء عشرون شخصًا تقريبا، أسلم منهم اثنان، والبقية ظلوا على تواصل معي بأسئلة وحوارات حول الإسلام، فتحققت لي مع هؤلاء الجيران مكاسب دعوية، ما كان لها أن تتحقق على مدار سنين طويلة جدًا.”
فانظروا كيف تغيرت بذلك قناعات، وانكسرت حواجز كانت قائمة وموجودة بينهم وبين الإسلام، وبين هذا الإمام.
النموذج السادس: حكم مصافحة الرجل للمرأة، وسد الذرائع
أنا أتعمد أن آتي بقضايا إشكالية، وأظهر علاقتها بموضوع المقاصد، ومن هذه القضايا قضية مصافحة الرجل للمرأة والمرأة للرجل، صحيحُُ أن جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة على أن المصافحة حرام؛ لكن ما دليل تحريم المصافحة؟ هل هو النص؟ أم الترك النبوي؟ أم سد الذريعة؟
النص الذي يُستدل به هو حديث “لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له” (أخرجه الطبراني في المعجم الكبير وصححه الألباني).
والاستدلال بهذا الحديث هو استدلال معاصر، فلم يستدل به أي من الأئمة الأربعة أبداً، والحديث فيه إشكال في سنده، فمنهم من ضعفه ومنهم من حسنه، ودعونا نفترض أنه حسن أو أنه صحيح؛ لكنه لا دليل فيه البتة على تحريم المصافحة؛ لأن “المس” و”اللمس” إذا أُطلق في القرآن الكريم يراد به الجماع ومقدمات الجماع قال الله {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر} [ مريم: الآية 20] ، وقال {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَة} [سورة البقرة: الآية 237] ، فالمس واللمس ليس المراد به مجرد المصافحة، فالحديث لا دليل فيه.
واستدل المحرمون للمصافحة بترك النبي ﷺ للمصافحة في البيعة، فقد صافح الرجال وترك مصافحة النساء، وقالوا: هذا الترك يعد تركاً تشريعياً، يستفاد منه تحريم المصافحة.
لكن الترك النبوي المجرد محل خلاف بين الأصوليين، ولعل القول الراجح أنه لا يدل إلا على مشروعية الترك، بمعني أنه يجوز لك أن تترك هذا الشيء الذي تركه النبي ﷺ، فيجوز لك أن تترك المصافحة؛ لأن النبي ﷺ ترك أشياء كثيرة ولم يفهم منها التحريم، فقد ترك أكل الضب وأكل منه سيدنا خالد والنبي ﷺ ينظر، وترك تنشيف أعضائه بعد الوضوء، فقد رفض تنشيف أعضائه، لما ناولته السيدة ميمونة المنديل، ولم يفهم منه التحريم أو الكراهة.
إذاً ما هو دليل تحريم المصافحة؟ الدليل هو “سد الذريعة”، وهو يعني: أن يُمنع ما يجوز لئلا يُتوصل به إلى ما لا يجوز؛ لأن المصافحة خطوة إلى الغريزة، وإلى الوقوع فيما حرم الله سبحانه وتعالى.
فهل هذه الذريعة متحققة، أو قائمة أو موجودة في السياق الأوروبي الذي نحن فيه الآن؟
بطبيعة الحال ليست موجودة، ولذلك كان قرار المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، أن المسلم الذي يعيش في أوروبا يجوز له المصافحة، إذا ترتب عليها جلب مصلحة أو دفع مفسدة، وليس معنى هذا الكلام أنني أقول لك “اذهب وصافح”، أو أدعو الرجال أو النساء إلى المصافحة، لا فالأصل في المسلم أن يتجنب المصافحة، وأن لا يلجأ إليها إلا في هذه الحالات التي ذكرناها.
وإن كنتَ لست مقتنعاً بهذا الكلام، سواء كان في الحالات التي ذكرناها، أو بالضوابط أو بغير الضوابط، فلا بأس عليك أن تختار الاختيار الرافض للمصافحة بالكلية لا تأسيساً ولا استثناءً؛ لكن لا تُنكر على من قال بغير ذلك.
النموذج السابع: المقاصد الشرعية في التذكية والذبح
هذا هو النموذج الأخير في هذا المسار، المتعلق بدور المقاصد في ضبط الاجتهاد والفتوى والترجيح.
فالسؤال المطروح والمتكرر من المسلمين: “هل يجوز لنا أن نأكل اللحوم المطروحة في الأسواق الأوروبية، أم لا يجوز لنا أن نأكل إلا اللحم الذي وضع عليه خاتم الحلال؟
لقد تتبعت كل النصوص والأقوال التي طرحت في هذه المسألة، ووجدت أن جملة منظومة التذكية والذبح في الإسلام، تهدف إلى تحقيق مقصدين:
المقصد الأول: إراحة الذبيحة.
والمقصد الثاني: إطابة اللحم للآكلين، وهذان المقصدان لا يتحققان إلا بالذبح دون تخدير، وليس مع التخدير.
وانتبهوا جيدًا إلى هذا الكلام، فهناك فرق كبير بين بيان رؤية الإسلام مثلما أبين الآن، وبين أن القانون لا يسمح بالذبح بغير تخدير، فتقول: “أنا سأتجاوز القانون حتى ألتزم بالطرح الذي تطرحه الآن” فهذا خطأ، فإذا كان القانون يمنع الذبح بغير تخدير، فيجب عليك أن تلتزم بالقانون وما خالفت الشرع؛ لأن الشرط الأساسي هو: أن لا يؤدي التخدير إلى موت الذبيحة، فإذا لم يؤد التخدير إلى موت الذبيحة وذبحت، وقد كانت حية بعد التخدير وقبل الذبح، فأكلها صحيح إذا استوفت بقية الشروط الأخرى؛ لكن أنا أتحدث الآن عن الصورة المثالية التي ينشدها الشرع الشريف في قضية الذبح.
أول من قال إن التخدير أرفق بالحيوان هو الشيخ/ محمد عبده، ثم تبعه بعد ذلك الشيخ/ رشيد رضا، ثم تبعهما بعد ذلك الشيخ/ يوسف القرضاوي “رحمهم الله جميعًا”؛ ولكن الشيخ/ يوسف القرضاوي تراجع عن قوله في إحدى جلسات المجلس الأوروبي للإفتاء؛ لكن هذا التراجع لم يُعلن، ولم يعرفه الناس.
الشيخ/ القرضاوي له كلام في برنامج “الشريعة والحياة” الذي كانت يُذاع على فضائية الجزيرة، ففي بدايات هذا البرنامج سُئل في هذا التوقيت سؤالاً: “هل يجوز لنا أن نأكل اللحوم المطروحة في الأسواق الأوروبية، حتى لو لم يكن عليها ختم حلال؟”
قال: “نعم أكلها حلال، وليس لازماً أن تكون قد روقبت، ولا أخذت خاتم حلال، ولا أي شيء؛ لأنهم في الجملة أهل كتاب، والتخدير لا يؤدي إلى موت الذبيحة، إذاً أكلهم حلال وليس فيه إشكال”.
ولكن لما بُين له الأمر، وشُرح له في إحدى دورات المجلس الأوروبي للإفتاء، رفع الجلسة وأخذ استراحة ثم قال: “أُشهدكم أني قد تراجعت عن هذا القول”.
لكن أصل الموضوع هو من الشيخ/ محمد عبده، والشيخ/ رشيد رضا مثلما قلت، وهناك دراسات بيطرية تتحدث عن أن تحقيق مقصد إراحة الذبيحة وإطابة اللحم، لا يتحقق إلا بالذبح بغير تخدير، وأن طريقة الإسلام في الذبح بغير تخدير، هي الطريقة المثلى التي تحقق هذين المقصدين، كيف؟
قالوا: إن الحيوان عندما يُذبح بسكينة حادة فإنه تتخدر مناطق الإحساس فيه، فلا يشعر بالألم، ثم إن بقية أعضائه تكون حية، فيتحرك حركة عنيفة، فيخرج كامل الدم منه، فيطيب اللحم للآكلين.
هذه النظرة المقاصدية التي نفهم بها، لماذا الأفضل والأرجح أن لا نأكل إلا اللحم الذي روقب، وأخذ خاتم الحلال، وأن يكون للمسلمين الجهد والسعي القانوني للسماح لهم بالذبح وفق هذه الرؤية الإسلامية.
نموذج لاجتهادات خالفت الرؤية المقاصدية
أود أن أذكر هنا نموذجاً واحداً سريعاً، لاجتهادات سارت عكس الرؤية المقاصدية، والتنزيل المقاصدي الذي نتحدث عنه الآن، وهو:
الصلاة خلف البث المباشر.
لما وقعت جائحة كورونا وأغلقت المساجد، طُرح اجتهاد يقول: أنه يمكن للمسلم في بيته أن يصلي خلف البث المباشر أو الهاتف، فالإمام يصلي في المسجد وتُنقل صلاته عبر هذا البث المباشر، والناس تصلي خلفه في البيوت الجمعة أو الجماعة، وتكون الصلاة قد أُقيمت وتمت كاملة بدون أي إشكال.
هذا الاجتهاد قال به عدد من مشاهير الفقهاء المشتغلين ب”المقاصد”، وقد وقعوا في تناقض أو في إشكال،
أما التناقض فهو: أنهم أسسوا الفتوى على أمرين لا يجتمعان مع بعضهما، هما:
الأول: أن فقهاء المالكية يقولون بجواز اقتداء المأموم بالإمام بمجرد السماع بالصوت، وأتوا بنصوص من المذهب المالكي تقول بهذا الكلام، وبالتالي ما دمتُ أسمع الإمام وأنا في البيت، فإن الاقتداء والائتمام صحيح.
الثاني: نحن في جائحة كورونا، وهناك ضرورة استثنائية.
ولا يُجمع بين الأمرين؛ لأنه عند بناء هذا القول على المذهب المالكي، فإن المذهب المالكي لا يتحدث عن جائحة كورونا؛ بل يتحدث بشكل عام، فلو صح ائتمام المأموم بالإمام وهو في المسجد، والآخر في البيت في جائحة كورونا، إذاً يصح حتى بعد كورونا، فليس هناك فرق.
واستدلوا بقول لسيدنا عمر بن الخطاب في اتصال الصفوف، وَرَدَ عنه في كتب الفقه وهو “ لو امتد هذا المسجد إلى صنعاء لكان مسجداً واحداً” فقالوا بناء على قول سيدنا عمر يكون الائتمام خلف البث المباشر صحيحاً.
مع أن سيدنا عمر كان يتحدث عن امتداد تتابع الصفوف، يعني: لو اتسع المسجد بأسواره حتى صنعاء، وامتلأ بالمصلين حتى صنعاء، وليس أن الإمام في المدينة النبوية، والمأمومين في صنعاء ويسمعون الإمام!!
أما الإشكال المقاصدي فهو من وجوه كثيرة جداً، فقد استغل بعض العلمانيين في تركيا هذا الكلام، وخرج يقول: “إذا كان الأمر كذلك، ويمكن للمأموم أن يأتم بالإمام وهو في المسجد والمأموم في البيت، فلماذا نبني المساجد إذاً؟ لماذا ننفق على تكوين وتعليم الأئمة، ويكون عندنا هذا العدد الهائل من الأئمة الذين يُنفق عليهم من ميزانية الدولة؟! فنحن لسنا بحاجة إلا إلى مسجد واحد فقط”.
بعض الشباب قال: “ولماذا أَأْتَمُ بإمام مسجد الحي الذي أسكن فيه عبر البث المباشر؟ فالأفضل أن أَأْتَمُ عن طريق البث المباشر بإمام المسجد الحرام، ما دام قد دخل الوقت، فما الفرق بين إمام يبعد عني 20 كيلو مترًا مثلًا، وبين إمام يبعد عني 1000 كيلو مترًا، إذا كان وقت الصلاة قد دخل، وآخذ أجر مائة ألف صلاة؟”.
بعض الشباب قال لي: “ولماذا تشددون علينا وترهقوننا، وتقولون لنا: بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة، وأخرج في درجة حرارة خمسة تحت الصفر لصلاة الصبح؟! سأصلي وأنا في بيتي خلف الإمام!”
انظروا إلى هذه المآلات الخطيرة جداً، والتي تعدت جائحة كورونا، بسبب هذا الاجتهاد البعيد عن المسار، أو الإطار المنضبط.
المساحة الثانية: المقصد الاجتماعي والتعريف بالإسلام
ننتقل إلى مسار آخر يتعلق بدور المقاصد في التعريف بالإسلام، وتحقيق مقاصد اجتماعية، وذلك من خلال عدة نماذج ومسائل فقهية، وأسئلة مقاصدية.
النموذج الأول: مقصد الإسلام من تحريم الخمر
ذكرت مثالًا في الجزء السابق من هذه الدورة العلمية، عن الأخ الألماني الذي أراد أن يعتنق الإسلام، ويبقى على شرب الخمر لشدة تعلقه به، وأنه استفتى إمامًا فقال له: “ابق على كفرك أحسن”، ثم جائني وكنت سببًا في هدايته للإسلام، بعد أن أسلم كلما قابلته يقول لي: “يا أخي لدي مشكلة مع الإسلام، فهو دين جميل جداً؛ لكن ليته تساهل شيئًا ما في موضوع الخمر، أنت لو ذقتَ الخمر مرة ستغير رأيك فيه! فأفهمني وأقنعي لماذا الإسلام حرم الخمر وتشدد فيه؟
فقلت له: الإسلام حرم الخمر لمقصدين:
المقصد الأول: أنه أعلى من قيمة العقل، فأي عدوان على العقل، ولو كان عدوانًا مؤقتًا بالإسكار، فالإسلام يرفضه ويمنعه.
المقصد الثاني: كليات الشريعة الخمس التي ذكرناها (الدين، النفس، العقل، العرض، المال)، كل كلية من هذه الكليات يجب أن تُصان وتُحفظ، ولا يقع أي إخلال بها، وشرب الخمر يؤدي إلى الإخلال بهذه الكليات الخمس، فمن شرب فسكر فذهب عقله، يمكن أن يرتد ويخرج عن الإسلام (هدم كلية الدين)، ويمكن أن يقتل غيره (هدم كلية النفس)، ويمكن أن يسرق (هدم كلية المال)، ويمكن أن يزني (هدم كلية النسل)، فالخمر بذلك “أم الخبائث”؛ لأنها هادمة للكليات كلها.
قال لي: “هذا كلام منطقي جداً”.
فقلت له: “هل لك أن تشرب خمراً أفضل من هذه الخمر، لا تُسكر ولا تُصدع، ولا تُسبب أي مرض، وتكون مباحة ممتدة فيها أنهار؟”.
قال لي: “يا ليت، أين هي؟”.
قلت له: “في الجنة إن شاء الله”.
قال لي: “يا الله!، أنا لست مشتاقًا إلى الجنة إلا لأجل هذه الخمر الذي تتكلم عنها”.
النموذج الثاني: صلاة الجماعة، ومقاصدها الاجتماعية
في مسجدنا يوم اسمه “يوم الباب المفتوح”، فالمساجد تفتح أبوابها في هذا اليوم لغير المسلمين، يأتون فيه ليطرحوا أسألتهم حول الإسلام، فذات مرة جاء لمسجدنا عدد من الألمان، فقالوا: “أنتم تترددون على المسجد في اليوم الواحد خمس مرات لصلاة الجماعة، أليس هذا مشقة وتضيعاً للوقت؟”.
قلت لهم: إن المكاسب التي تعود علينا، والمنافع التي تتحقق لنا بهذه الصلاة، تستحق أن نضحي لأجلها، وفتحت أعينهم فقط على المقصد الاجتماعي لصلاة الجماعة، وكيف أن صلاة الجماعة تجمع المسلمين، وتجعل المسلمين في كل حي أسرة واحدة.
قلت لهم: انظروا إلى هذا الرجل المسن في آخر المسجد، ماتت زوجته، وأولاده يعيشون بعيداً عنه؛ لكن كل أهل المسجد هنا أبناؤه، لو غاب عن صلاة واحدة يذهبون إليه ويتفقدونه.
انظروا إلى نهاية المسجد، الناس يُسلم بعضهم على بعض، وكل واحد منهم من بلد ومن مكان مختلف، جمعهم المسجد، ووحد بينهم الإسلام.
فلما بينت لهم هذا المقصد الاجتماعي، رأيتهم جميعاً يبكون، ويقولون: نحن نتمنى مثل هذا، وندفع المال لأجل ذلك.
قالت لي إحداهن: “كنتُ أطلب من طالب مسلم يسكن إلى جواري، أن يأتِ ليسأل علي، ويجلس معي كل يوم ساعتين، وأعطيه أجرًا على هاتين الساعتين؛ لكي أشعر أن شخصاً يسأل علي، ويتحاور معي، ويتودد إلي!”.
انظروا إلى المقصد الاجتماعي، وكيف أنه أثر في الناس بمجرد الحديث عنه؛ لأنهم فقراء إليه.
النموذج الثالث: مقاصد العقيقة
ذات مرة كنا حاضرين لاحتفال عقيقة مولود لأحد الإخوة، وحضر صديقه غير المسلم إلى العقيقة، وطلب مني صاحب العقيقة أن أقدم كلمة، فقلت لهم: هذه السُنة التي نُحييها، ونجتمع فيها على الطعام، لو أن ألمانيًا غير مسلم سألنا: “لماذا هذه السُنة؟ فماذا نقول له؟”.
فقال لي الأخ صاحب العقيقة: “صديقي الألماني غير المسلم هذا طرح علي هذا السؤال، فما عرفت إجابته”. قلت له سريعاً: لهذه السنة عدة مقاصد:
المقصد الأول: إظهار شرف النسب، للتفريق بين ولد النكاح الصحيح، وبين ولد الزنا، فالثاني يتم إخفاؤه والتستر منه، أما هذا فنعلنه ونفرح به، ونقول: عندنا عقيقة بمناسبة المولود الذي ازداد لنا”.
والمقصد الثاني: شكر نعمة الله سبحانه وتعالى، على نعمة الولد.
والمقصد الثالث: مقصد اجتماعي، فالإسلام يغتنم كل فرصة لجمع الناس، والتآخي فيما بينهم، واقترابهم من بعضهم.
المساحة الثالثة: دور المقاصد في تجديد درس العقيدة
هذه هي الفقرة الأخيرة في هذا الموضوع، وهي فقرة في غاية الأهمية، وهي: دور المقاصد في تدريس وتعليم العقيدة للناس؛ لأننا كثيرًا ما نتشكي ونتسائل، لماذا يتأثر الشباب بالتشكيك في الإسلام، وينتشر الإلحاد فيهم؟
السبب الحقيقي وراء هذا الكلام، أننا في الدرس العقدي لم ننجح في تحصين شبابنا، ولا في الإجابة على أسئلتهم إجابة تتناسب مع الاحتياجات والتحديات التي نواجهها الآن.
ولن أطيل في هذا الموضوع، فقط أنقل لكم هذه القطعة الذهبية اللطيفة جدا،ً للشيخ/ علي الطنطاوي “رحمه الله”، وهو رجل عبقريته كانت في أنه يقدم المعاني المعقدة جدًا، بأسلوب سهل وبسيط وممتع جداً، فيقول عن موضوع العقيدة وتدريسها، أنه يجب أن تحيا إحياءً مقاصدياً؛ لأن الطريقة المنتشرة في تدريس العقيدة، هي طريقة لا تُنمي في قلب الدارس الإيمان بالله سبحانه وتعالى، إنما تدخله في خلافات ومعارك بين الأشعرية والسلفية، والمعتزلة والفرق المختلفة، دون أن تصل بنا إلى نتيجة يتحقق من خلالها تحصين الشباب ضد الإلحاد، أو القدرة على إدارة حوار ناجح مع شخص ملحد أو “لا أدري”
يقول الشيخ/ على طنطاوي، في كتابه “تعريف عام بدين الإسلام”: “إن الذين ألفوا كتب العقائد من علمائنا السابقين، إنما ألفوها ليردوا بها على الشبهات التي كانت في عصورهم، فكانت كتبهم حماية للمسلمين من تلك الشبهات، كقلعة (أجياد) في مكة، كانت في يوم من الأيام تحمي بلدًا، فلما جَدت أسلحة لم تكن على عهد من بناها، صارت أثرًا تاريخيًا لا تدفع عن بلد، ولا ترد غارة عدو.
لقد تبدلت طرق الهجوم على الإسلام، فوجب أن تتجدد طرق الدفاع عنه، فما يغنينا اليوم أن نرد على (المعتزلة) و(القدرية) و(الجهمية) وغيرها من الفرق التي بادت وفني أهلها، ولم يبق منها إلا ما يروى في الكتب من أخبارها، بل علينا أن نرد على المذاهب الجديدة، التي تكيد للإسلام كيداً أشد من كيد الأولين.
إن محاربة الإسلام اليوم تقوم على مخططات مُحكَمة، تضعها عقول كبيرة جدًا، شريرة جدًا، وتؤيدها دول قوية، وتنفق عليها أموالًا طائلة، ودرس التوحيد في مدارسنا لا يقوى على رد هذه الشبهات، لا لأن في الإسلام قصورًا؛ بل لأن التقصير ممن يضع المناهج، وممن يؤلف الكتب.”
ختاما: أسال الله أن نكون قد وفقنا لإيصال الهدف من هذه الدورة العلمية، وأن ينفعنا وينفعكم بها، وأن يرزقنا الفهم الصحيح لدينه وكتابه وسنة نبيه، وأن يتجاوز عنا وعنكم، وأن يغفر لي ولكم، والحمد لله رب العالمين.
ملحوظة مهمة: هذه المحاضرة تم تفريغها وتنسيقها للفائدة العلمية من فريق الموقع، وليست بطريقة التصنيف أو التأليف العلمي.