هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
مقاصد الشريعة وأثرها في ترشيد الحضور الإسلامي في الغرب
مقاصد الشريعة: بين التنظير والتفعيل
الموضوع الذي نحن بصدد الحديث عنه الآن هو موضوع بالغ الخطورة والأهمية، وهو “مقاصد الشريعة وأثرها في ترشيد الحضور الإسلامي في الغرب أو في أوروبا”.
وموضوع مقاصد الشريعة هو من الموضوعات أو من المصطلحات التي ابتذلت من كثرة ما لاكتها الألسن، فلدينا مؤلفات ومحاضرات كثيرة جداً في مقاصد الشريعة، وكما أن هناك أقساماً للفقه ولأصول الفقه فهناك قسمًا لمقاصد الشريعة؛ بل وهناك كليات متخصصة فقط في فرع أو في قسم من مقاصد الشريعة.
فأول ما نقول “مقاصد الشريعة” يحدث نوع من عدم التجاوب أو التفاعل نتيجة الابتذال وتكرار المصطلح بصورة دائمة؛ لكن الحقيقة أن موضوع المقاصد وقعت العناية والاهتمام به في مسار التنظير الناقص غير المكتمل، وبقي مسار التفعيل والتنزيل في أرض الواقع ضعيفا بل ضعيفاً جداً.
والموضوع يحتاج لمساحات أوسع بكثير من الوقت المحدد في المحاضرات الثلاث التي سنتناوله فيها، ولو امتد بنا الوقت لضربنا لكم أمثلة تبين أن المقاصد على كثرة العناية بها تأليفاً وتنظيراً؛ لكنها غير موجودة وغير حاضرة، أو دعونا نلتزم الدقة أكثر هي ضعيفة الحضور في دوائر الاجتهاد والفتوى على الساحة الأوروبية أو العالمية بشكل عام، ولو كانت المقاصد وقعت العناية بها فعلا في زماننا فلماذا لا نرى أثرها في تفكير الناس وفي الاجتهاد، أو في الإفتاء أو في الشؤون العامة للمسلمين التي سنتكلم عنها في إطار التنزيل؟!
ما المراد بمقاصد الشريعة:
لو أردنا أن نلخص المراد بمقاصد الشريعة في الجانب التأسيسي أو التنظيري الذي سنتكلم عنه، ثم الجانب التفعيلي على الواقع الأوروبي، فإن جوهرها هو جواب أي سؤال مسبوق بأداة الاستفهام “لماذا” فضع أي سؤال حول حكم من الأحكام الشرعية، فجوابه هو مقاصد الشريعة.
لماذا نصلي؟ لماذا نصوم؟ لماذا لا نشرب الخمر؟ ولماذا لا نأكل الخنزير؟
لماذا فرض الله سبحانه وتعالى الحجاب على المرأة؟
الجواب بإيجاز شديد هو “مقاصد الشريعة”.
فالحجاب فرض فرضه الله سبحانه وتعالى على المرأة المسلمة أن تغطي كامل بدنها ما عدا الوجه والكفين، ولكن لماذا فرضه الله سبحانه وتعالى على المرأة المسلمة؟ وهل يشرع لنا أصلاً أن نطرح هذا السؤال “لماذا”؟
فهل يجوز لنا أن نسأل لماذا نحج؟ أو لماذا نصوم؟ أو لماذا سنّ لنا النبي ﷺ إعفاء اللحية للرجال؟
لماذا نطرح هذا السؤال عند كل قضية أو عند كل حكم من الأحكام؟ وهل هذا سؤال مشروع أصلا؟
نعم، هو سؤال مشروع، ونحن سنطرح أسئلة كثيرة جدا ندعو الله سبحانه وتعالى أن نوفق للإجابة عليها.
نكرر، نعم هو سؤال مشروع، والقرآن الكريم أكثر ما ورد فيه هو “التعليل” في دوائر الأحكام، خاصة دوائر العبادات، وفيما يلي نماذج لذلك.
نماذج لتعليل الأحكام في القرآن الكريم
إذاً العبادات كلها معللة، ولكن من أين أتى إغلاق باب النظر والاجتهاد في أمر العبادات؟
لقد جاء من الخوف على الأحكام، مثل موقف “ابن حزم” الذي رفض التقصد والمقاصد، وقال إن القياس وتعليل الأحكام هو “دين إبليس”؛ والقائل بذلك هو شيطان يريد أن يتلاعب بالأحكام ويضيع الدين!
المداخل الحداثية والتشكيك في الثوابت
اليوم نرى بعض المداخل الحداثية والليبرالية الموجودة في الشرق وفي الغرب تستخدم مداخل مقاصدية لهدم الأحكام.
فمثلاً أثيرت من قِبل التيار الحداثي والعلماني مسألة: “جواز صيام الحائض” بزعم أن منعها ليس أمرا تعبدياً تشريعيا قطعيا محضا؛ بل هو مثل رخصة الفطر للمريض الصائم، فلو قدر المريض على الصوم وقال سأصوم حتى لو أنا مريض، فليس لأحد أن يمنعه الصوم، فكذلك هي إذا استطاعت الصوم فلتصم!
وللأسف بعض المشايخ ردوا عليهم بحديث السيدة عائشة رضي الله عنها حين قالت: (كانَ يُصِيبُنَا ذلكَ، فَنُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّلَاةِ) [أخرجه مسلم في صحيحه].
وهذا الاستدلال وحده قد لا يكفي في مواجهة من يقول إنها “رخصة” وليست “منعاً”، فلا يصلح أن يكون دليلا؛ لأنها تتحدث عمن أفطرت من النساء بسبب الحيض أنه يجوز لها الفطر، وهم قالوا نحن لا ننازع في هذا الأمر، نحن نقول التي لا تستطيع أن تصوم بسبب الحيض، تفطر وعليها القضاء بحديث السيدة عائشة، أما التي تستطيع الصوم تصوم.
وهذا كلام ظاهره أنه منطقي وفلسفي وتقصيدي لكن ليس الهدف منه أن الحداثي أو الليبرالي حريص على صيام المرأة أصلًا أو يعنيه الدين في شيء، بل الهدف منه هو التشكيك في القضية المستقرة البينة الواضحة في الأمة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، والناس كلها تعرفها، فيقول الناس قد كنا نعتقد أن المرأة الحائض لا يجوز صومها في رمضان، لكننا اكتشفنا أن صيامها جائز، فعندما يكلمك في مسألة أخطر بعد ذلك تقبل وتقول: نعم فقد كنا نعتقد في المسألة هذه كذا ، وقد اتضح أن الأمر غير ذلك، وبالتالي يوسع من خلال هذا المدخل دوائر التشكيك في الدين وفي ثوابته وقطعياته.
كذلك في قضية الحجاب، بعضهم يشككون اليوم في فرضية الحجاب من مدخل مقاصده، ويستشهدون بقوله تعالى ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [سورة الأحزاب: آية 59]، ويقولون يؤذين هو التعليل، وبما أن المحجبة في أوروبا هي التي تؤذى، وما دام الحكم يدور مع مقصده وجودا وعدما، إذاً نترك الحجاب! وهذا كلام مطروح.
لذلك موضوع المقاصد يحتاج إلى ضبط وفهم ووعي، وأنا أرى أن موضوع المقاصد يجب أن يكون ثقافة لعموم المسلمين كلُُ يأخذ منها القدر الذي يتناسب مع عقله وثقافته ومعرفته الشرعية، وليس فقط للمختصين أو للعلماء أو للأئمة؛ لأن علم مقاصد الشريعة اليوم مرتبط ارتباطًا وثيقًا ببيان وتبليغ الإسلام المبين، ولكي يكون بيان الإسلام بيانًا مبينًا بحق فلابد من معرفة مقاصد الشريعة، ونحن في الغرب معنيين بقضية بيان الإسلام
المبين؛ لأننا نُسأل عن الإسلام كل يوم، وكل يوم تُثار شبهات وإشكالات على الأحكام البينة الواضحة الثابتة المستقرة بالنسبة لنا، فيجب أن نمتلك أجوبة متماسكة حول هذه الأسئلة، ولن نمتلك هذه الأجوبة إلا من خلال دراسة مقاصد الشريعة.
رؤية الإمام الدهلوي
تأملوا ما قاله الإمام الدهلوي (توفي سنة 1176هـ) في كتابه “حجة الله البالغة” وهو كتاب مقاصد جزئية وإن كان خلط المقاصد بالحكم، ما الذي دفعه إلى كتابة هذا الكتاب؟
قال: إنه لاحظ أن العالم الإسلامي مقبل على تطور جديد، وأنه سوف يستقبل عصرًا يقوم بناؤه على العقل وما يكتسبه من علم، وأنه سوف يواجه ثورة فكرية عارمة، وأنه لا بد من إيضاح الفكرة الإسلامية وبيان أسرار الدين وحِكمه وأصول التشريع الإسلامي وأُسسه في الحياة والمجتمع.
فإذا كان هذا حاله في زمانه، فكيف لو عاش في عصرنا ورأى الذكاء الاصطناعي والشبكات وهذا التطور المذهل في كل باب وفي كل ميدان؟! لقد رأى أن مواجهة هذا التطور المقبل على العالم تكون بالعناية بمقاصد الشريعة، وهذا هو الأمر الذي قصرنا فيه تقصيرا كبيرا.
الآن نريد أن نقرب الصورة بالتفريق بين المقاصد وبين العلل وبين الأحكام، ونسأل الله أن يُعيننا على تبسيط الموضوع، لأنه موضوع متخصص وفيه شيء من الصعوبة.
الكليات الخمس وحفظها (وجودًا وعدمًا)
سمعتم كثيرا أن الكليات الخمسة هي: ( حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، والعرض، والمال ) هذه هي مقاصد الشريعة الخمسة، حيث كل منظومة الأحكام والتكليفات الشرعية تهدف إلى حفظها، ولكن كيف تحفظ؟
تخيل معي أن هذه المقاصد عبارة عن خمس شجرات في بريطانيا أنواعها نادرة ولها تاريخ كبير عمرها 1500 سنة، والمفترض على أن الدولة تحافظ عليها، كيف تحافظ عليها؟!
الإمام الشاطبي قال نحافظ على هذه الكليات من جهتي الوجود والعدم، ماذا يعني الوجود والعدم؟!
يعني أن نحافظ على هذه الشجرات من جهة الوجود بالتسميد والسقي والمتابعة، لأنه لو حصل جفاف للشجرات ستموت، هذا من جهة الوجود، أما من جهة العدم فتُسن قانونًا بأن أي شخص يعتدي على إحدى هذه الشجرات بالقطع يعاقب من قِبل الدولة، هذه هي فكرة الحراسة لهذه الكليات الخمس بالتشريعات، فكل الأحكام تهدف لحفظها من جهتي الوجود والعدم، وفيما يلي بيان لذلك:
هذه الكليات الخمس اسمها المقاصد العامة للشريعة، فهي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها.
المقاصد الخاصة والجزئية (مثال الزواج والتوثيق)
هناك مقاصد شرعية خاصة متعلقة بكل حكم تفصيلي مستقل، فمثلاً الزواج مقصده العام الذي يخدم على كلية من الكليات الخمس هو كلية حفظ النسل، لكن الزواج نفسه له مجموعة من المقاصد العامة قالوا هي: الإفضاء النفسي فجُعل فيه مودة ورحمة، والإفضاء الجنسي بتصريف الغريزة، وتحقيق الاستخلاف وتعمير الأرض بالإنجاب، وهذا مستوى ثانٍ من مستويات المقاصد العامة.
أما بالنسبة للمقاصد الخاصة في الأحكام التفصيلية الخاصة بالزواج، سنجد أن الشرع قد اشترط موافقة الولي على الزواج، واشترط الشهود، والقصد من شهادة الشهود في عقد الزواج هو “التوثيق وإثبات الحقوق”.
ففي حالة الإنكار تستطيع الزوجة أن تثبت أن الزواج تم، وأن تنسب الطفل وأن تأخذ المرأة حقها، واليوم هذا المقصد يتحقق بشكل أكبر بـ “توثيق عقد الزواج المدني” في مؤسسات الزواج المدني الموجودة الآن؛ ولذلك أوجب المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث توثيق عقود الزواج على كل المسلمين، ودعا الأئمة في المساجد لعدم اللجوء للزواج غير الموثق المُسمى بالزواج الإسلامي أو العرفي إلا في الحالات الإستثنائية الضرورية الخاصة؛ لكن الأصل هو التوثيق.
ومن يقول من أين جئنا بهذا والشرع لم يشترط إلا الشهود فقط في عقد الزواج؟!
نقول لأننا ندور مع المقصد الخاص الذي شرع الحكم لأجله.
الفرق بين العلة والحكمة والمقصد
الآن، ماذا عن العلة؟ ما الفرق بين المقصد العام والمقصد الخاص والعلة؟
قالوا: العلة هي: الوصف الظاهر المنضبط المناسب للحكم.
ما معنى هذا الكلام؟ يعني مثلاً: لو سألتني ما هي علة قصر الصلاة في السفر؟ أو ما علة الفطر في السفر؟
لو قلت “المشقة” فكلامك خطأ؛ لماذا؟ لأن المشقة ليست وصفاً ظاهراً منضبطاً، فقد نسافر أنا وصديق لي في رحلة، فأقول له: “لقد تعبت جداً”، ويقول هو: “أنا لم أتعب ولا شعرت بأي تعب”، فأين التعب في سفر اليوم؟ السفر أصبح سهلاً جداً.
لذلك لا يصح أبداً أن نقول إننا لم نتعب في السفر فتنتفي الرخصة؛ وبالتالي ما علة القصر والفطر في السفر؟
علة القصر والفطر في السفر هي “السفر”، فمتى وجدت العلة -أي سافرت مسافة 85 كيلومتراً فما فوق- فلك الرخصة، حتى لو سافرت بالطائرة أو بالصاروخ أو بأي وسيلة أخرى من وسائل السفر؛ يجوز لك أن تفطر ويجوز لك أن تقصر.
أما المشقة فهي “حكمة” وليست “علة”؛ لأنها ليست وصفاً ظاهراً منضبطاً يتفق عليه الناس، لأنها ليست شيئا محددا معروفا، بينما مسافة الـ 85 كيلومتراً أمرًا محددًا معروفًا للجميع لا يختلفون فيه.
خطورة الخلط بين العلة والحكمة
الحكمة هي: الأثر الناتج عن الامتثال للحكم.
انتبهوا جيدًا، لأن كثيراً من الناس خلطوا بين العلة والحكمة أو المقصد والحكمة، وهذا الخلط يؤدي إلى تضييع الأحكام، وفيما يلي مثال على ذلك:
سُئل بعض المسلمين في أوروبا: لماذا لا تأكلون الخنزير؟ فقالوا -بناءً على كلام الإعجاز العلمي-: “لأنه يتغذى على القاذورات، ومن يأكله يصاب بأمراض وديدان في بطنه”.
هو هنا اعتبر هذا الكلام “علة” لا “حكمة” مقصد لا حكمة، والقاعدة أن الأحكام تناط بمقاصدها وبعللها لا بحِكمها، فالحُكم يدور مع مقصده وعلته وجوداً وعدماً، فلو أثبت لك الطب بالدراسات الموثقة أن لحم الخنزير ليس فيه أضرارًا، فبناءً على هذا المنطق الخاطئ سيصبح أكله حلالاً!
وبالمناسبة، هذا الكلام طبياً غير دقيق؛ فقد أخبرنا أحد الإخوة الباحثين الذي يكتب رسالة دكتوراة عن الخنزير، أن الأمراض المذكورة عمن يأكل الخنزير غير دقيقة وليست محصورة في الخنزير، فالدودة الشريطية مثلًا موجودة في البقر أيضاً بنسب مختلفة.
إذاً الحكم لا يناط بالحكمة، بل بالعلة؛ فالخنزير حُرِّم لذاته وعينه لأنه خنزير، سواء يتغذى على القاذورات أو يتغذى على الطيبات، ثبت طبياً وجود أمراض فيه أم لم يثبت، هو حرام لأن الله تعالى حرّمه.
أمثلة من الواقع على فساد الاستدلال
أحد الشباب في ألمانيا سألني عن حرمة الخنزير هل هي قطعية؟ قلت له: نعم، لماذا تسأل هذا السؤال؟!
قال: لأن صديقاً ألمانياً سأله: “لماذا لا تأكلونه؟” فأجابه: “لأنه يضر بالإنسان وصحته”.
فكان رد الألماني ذكياً، حيث سأله: “كم متوسط الأعمار عندكم؟” فقال الشاب: “كما قال النبي ﷺ: أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك“. أخرجه الترمذي وابن ماجه
فقال الألماني: “نحن متوسط الأعمار عندنا 90 و100 عام، ونأكل الخنزير منذ الصغر وصحتنا جيدة”.
هنا بُهِت الذي آمن وتشكك الشاب المسلم؛ والسبب في تشككه هو خطأ الاستدلال بجعل “الحكمة” “علة”.
كذلك شاب آخر يدرس الطب أخبرته زميلته الألمانية أنها لا ترى الإسلام منطقياً في تحريم الزنا، بحجة أن الرجل يحتاج إلى المرأة وإلى الجنس وإلى الشهوة والمرأة كذلك، فهذه قضية غريزة فطرية كالجوع ؛ فالإنسان عندما يجوع يذهب ويأكل، كذلك عندما يحتاج الرجل إلى المرأة يذهب إلى أي إمرأة في أي وقت، دون الحاجة إلى قيود وزواج والتزام بأمرأة معينة.
وجاء زميل ألماني آخر غير مسلم فقال له: أنتم المسلمون أمركم غريب، فأنا لا أتخيل كيف لرجل يظل مع امرأة واحدة طوال حياته، ويعيش معها بشكل طبيعي! كأنك تأكل كل يوم مكرونة مكرونة دون تغيير، أما نحن فحياتنا أفضل منكم، لأننا نغير المرأة كل وقت وحين.
فرد الشاب المسلم على زميلته ليقنعها بأن الإسلام على حق لما حرم الزنا، فقال لها إن الإسلام حرم الزنا منعاً لاختلاط الأنساب، أي: لو حدث أن امرأة تردد عليها أكثر من رجل وحملت بسبب الزنا، فلن نعرف من هو صاحب هذا الحمل (وهذه حكمة وليست علة)
فقالت له: “أنت طبيب وتقول هذا الكلام؟! العلم اليوم قادر على إثبات النسب بدقة قطعية عبر تحليل DNA، ثم أضافت: بناءً على منطقك، لو كانت المرأة عاقراً لا تنجب، أو استعملنا موانع الحمل، يصبح الزنا حلالاًومباحًا!”.
فالنتيجية التي نصل إليها تكون خاطئة بسبب منطق الاستدلال عندما نجعل “الحكمة” “علة”
التعليل بالحكمة وقضية الربا
نفس الشيء في الربا؛ شيخ الأزهر الأسبق الشيخ سيد طنطاوي -رحمه الله- له كلام شهير عن حِل فؤائد البنوك، وأنه ليس فيها أي أشكال، وبنى رأيه فيها على الحكمة، حيث قال إنه سأل مدير البنك: “هل تستغلون الناس؟” فقال: “لا”، فقال: “إذن هي حلال”.
وهذا تعليل بالحكمة، فمن حِكَم تحريم الربا منع الاستغلال أو منع الظلم، فالغني يستغل حاجة المقترض ويبالغ عليه ويضغط عليه، بينما التحريم في الربا مرتبط بالعلة لا بالحكمة.
إذًا يجب أن ننتبه إلى عدم الخلط بين الحكمة وبين العلة أو المقصد، لأن الأحكام لا تناط بحِكَمها، فلا يصح أن تقول إن الله حرم الزنا لعدم اختلاط الأنساب، فالحكمة يمكن أن تظهر في بعض الحالات في بعض الأزمنة مع بعض الأشخاص.
فيمكن أن تشعر في سفر ما بالمشقة والتعب، فتحمد الله على أنه جعل لنا رخصة الفطر في السفر، لكن يمكن في أسفار كثيرة لا تشعر بهذه المشقة ولا بهذا التعب، فهذا معناه أن نلغي الرخصة؟!
هذا سيؤدي إلى تبديد الأحكام وتغييرها وعدم ثباتها، وعدم وجود أشياء قطعية، أرجو أن تكون هذه التفرقة بسيطة وسهلة وواضحة
المستويات الأربعة لتحليل الأحكام مقاصدياً
لو أردنا التحدث عن أي حكم شرعي حديثاً مقاصدياً، نحتاج إلى أربعة مستويات من الحديث:
لاحظ أن هناك مقاصد أخرى غير الكليات الخمسة، وهناك جدل حديث معاصر أثاره الدكتور/ جمال الدين عطيه، والشيخ/ الطاهر بن عاشور من قبله، والشيخ/ محمد الغزالي وغيرهم، قالوا: كيف لا يكون في هذه الكليات الخمس العدل والحرية؟! فكيف لا يكون العدل مقصدًا من مقاصد الشريعة الخمسة، فنحتاج لإضافة هذين المقصدين على الأقل إلى الكليات الخمسة، فنقول بعد هذه الخمسة توجد الحرية والعدل.
وأُجيب عليهم بأنهم قالوا: إن هذه المقاصد اسمها المقاصد العالية، فهي أعلى من هذه الكليات الخمس
وبعضهم قال: إنها ليست أعلى من الكليات الخمس؛ لكنها متضمنة في هذه الكليات الخمس.
فيمكننا أن نقول:
فلو سألنا مثلًا بريطاني: “لماذا حرم الله الربا؟” نجيبه على هذا السؤال عن طريق هذه الأربعة مستويات كما يلي:
فنجيب بإيجاز شديد عن السؤال والمستوى الأول:
لماذا حرم الله تعالى الربا وما علاقه تحريم الربا بالحرية والعدل؟
نقول: العلاقة قوية جدا، فإن ربنا سبحانه وتعالى لما حرم الربا أراد أن يحرر الغني والفقير من سلطان وسطوة المال أو الفقر على الغني أو الفقير، وقد حرم الله سبحانه وتعالى الربا ليحقق العدل، ويظهر لك هذا إذا نظرت إلى الطبقية التي أحدثها النظام الرأسمالي العالمي في العالم الآن، ستجد أناسًا مترفين جدا.
قرأت دراسة صادرة عن الأمم المتحدة قبل حوالي 10 سنوات تقول أن 90% من ثروات العالم متمركزة في يد 10% من الأغنياء وال 10% المتبقية موزعة على 90% من سكان العالم، وبالتالي نجد فقراء لا يجدون قوت يومهم، فأين العدل في هذا التشريع أو في هذا النظام العالمي؟! هذا هو المستوى الأول.
أما المستوى الثاني: ما علاقة تحريم الربا بالكليات الخمس؟
نقول: حرم الله الربا ليحفظ المال وهو أحد الكليات الخمس، ولو أردت أن أوضح لك ذلك بإيجاز وتبسيط شديد لماذا حرم الله سبحانه وتعالى الربا؟ حتى يحفظ المال أقول لك: كأن الله سبحانه وتعالى “ولله المثل الأعلى” يريد أن يقول لك لماذا تربح أقل وبوسعك أن تربح أكثر؟ لماذا تذهب إلى المؤسسة الربوية وتأخذ 2% فقط على مالك؟! ويمكنك أن تربح 50% و100% ويكون حلالًا مباحًا!
فالشرع حرم الربا حتى يحفظ المال، وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى التضخم الذي يأكل ثروات الناس، وكيف أن الناس اليوم منشغلة بكيفية حفظ المال من التآكل!!
فمن عنده حاليًا مبلغ من المال يقوم بادخاره وحفظ قيمته بشراء الذهب، أو الدولار أو اليورو، بل حتى الدولار واليورو التضخم يأكلهما.
اذهب مثلًا إلى تركيا الآن التي نسبة الفائدة بها وصلت إلى 75% وهم يعتقدون بأنهم يحاربون التضخم برفع نسبة الفائدة!
فماذا يفعل الناس؟ الناس تقوم ببيع عقاراتها وتوقف استثماراتها وتضع الأموال في البنوك، لأنهم يقولون لا يوجد أي استثمار سيحقق ربحًا بنسبة 75%، ونحن سنضع أموالنا في البنك ونجلس في بيوتنا ونأخذ 75% .
وبذلك وصل الوضع إلى تعطيل الاستثمار، وبذلك يتضح الجواب على السؤال والمستوى الثاني.
أما السؤال والمستوى الثالث: ما هي المقاصد العامة لتحريم الربا؟
وهي مقاصد كثيرة جدا منها ما ذكره الشيخ/ الطاهر بن عاشور، فقد ذكر خمسة مقاصد لتحريم الربا مثل: التداول أو الرواج، فقد قال الله تبارك وتعالى ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ سورة الحشر: الآية 7.
فالربح سيؤدي إلى كنز المال وإلى إشاعة الطبقية وإخفاء الطبقة المتوسطة، وتصارع وتحاسد المجتمع، وينشأ عنه أمراض إجتماعية وإشكاليات كثيرة جدًا، هذا مقصد من مقاصد تحريم الربا، وهو تحريك المال وتحريك اقتصاد الدولة واقتصاد الأفراد.
وهذا المقصد يلتقي فيه تحريم الربا مع فرض الزكاة، فأنت في الحقيقة تدفع 2.5% فريضة على مالك في الزكاة، لكن الهدف منها أنك تكسب تحريك المال وذلك عندما تعرف أن كل سنة مالك سينقص بنسبة 2.5%، فعندها ستهتم بتشغيل المال بحيث لو لم تربح فعلى الأقل ستسدد نسبة الزكاة مع محافظتك على أصل المال، لكن لو كنزت المال عندك فسينقص بأمرين: الأمر الأول هو التضخم الذي ينقص المال، والأمر الثاني هو الزكاة
ذات مرة تكلمت في خطبة الجمعة عن الربا وخطر الربا، فجاءني أحد الأطباء وقال لي عندي مبلغ مالي ادخرته وأرحت نفسي بوضعه في البنك وأحصل كل شهر على مبلغ مالي جيد أعيش به عيشة طيبة، وأنت الأن قد أخفتني في خطبتك من أمر الربا، فماذا أعمل الآن؟!
في نفس اللحظة جاءني شاب قال لي أن لديه مشروع ممتاز جدا وأعد له دراسة جدوى، ويحتاج مبلغ كذا هو نفس المبلغ الذي قاله لي الطبيب، ولكنه لا يجد أحدا يقرضه من المسلمين.
قلت: له ما رأيك بأن تدخل في شراكة مع هذا الطبيب، ونكتب لكم عقد مشاركة؟ وأنت ستربح وهو سيربح وهيكون ذلك بالمباح والحلال، ويستفيد المسلمون؟
وبالفعل افتتح هذا المشروع ونجح نجاحًا كبيرًا جدًا، وسد حاجة كبيرة للمسلمين في هذه المدينة، وبدأ بفتح أفرع أخرى أيضًا.
انظر لهذه الحركة التي حدثت للمال، وبنجاح هذا الشاب في مشروعه تحصل حركية مستمرة وتنمية للمال وإغناء ونفع للمجتمع، بخلاف المنظومة الربوية التي تؤدي إلى عكس هذا الأمر، والاقتصاد العالمي متضرر والأفراد متضررون غاية الضرر.
طبيب آخر هاتفني يستفتيني في أمر شراءه لبيت، قال لي لم أقتنع ولم أطمئن لفتوى المجلس الأوروبي للإفتاء، والبحوث بشراء البيت، وقلت سأقوم بزيادة جهدي في العمل وأضغط نفسي حتى أجمع ثمن شراء البيت، وظللت أواصل الليل بالنهار وأعمل دون الحصول على الأجازات، حتى أن هذا الأمر قد أضر بزوجتي وأسرتي، حتى ادخرت مبلغ 200000 يورو، لكنني بعدما جمعت هذا المبلغ في عدة سنوات وجدت أن التضخم قد أكل ربعه، أي أن قيمة المال قد نقصت، والبيت ثمنه قد تضاعف بأكثر من الضعف!
فانظر لهذا الضرر الذي ترتب على هذا الإشكال وهذا الأمر! ويمكننا أن نتحدث في كل مسألة من هذه المسائل حديثًا مفصلا مطولا
المستوى الرابع: هو المقاصد الجزئية الخاصة:
ويمكن أن تأتي إلى تفاصيل فروع الربا وأقسام الربا، ولماذا حرم الله سبحانه وتعالى ربا التفاضل، وما الفرق بين علة تحريم ربا التفاضل وعلة تحريم ربا النسيئة …إلى آخره
ويمكننا أن نقول نفس هذا الكلام في حجاب المرأة المسلمة ومقاصده، ويمكن قوله في الزواج، ويمكن قوله في الزكاة، وفي أي باب من الأبواب أو في أي مسألة من المسائل.
ترتيب المقاصد الضرورية
كيف نرتب الكليات الخمس ( الدين، النفس، العقل، العرض، المال ) ؟
هناك ثلاث مدارس أصولية:
أهمية ترتيب المقاصد وأثره في الفتوى:
هذا موضوع في غاية الأهمية؛ فانتبهوا لما يترتب على هذا الترتيب.
كان هناك اتجاه فقهي يقول: لا يجوز إغلاق المساجد، وقرار إغلاق المساجد خطأُُ شرعيُُ، ومن المشايخ المشهورين شيخنا الشيخ محمد الحسن ولد الددو العالم المعروف قال: لا يجوز إغلاق المساجد أبدًا، لأن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس، والمساجد تحفظ الدين، حتى لو حصلت إصابة وانتقلت العدوى، لأن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس.
وهذا الكلام خطأُُ من وجهين، الوجه الأول: أن هذه القضية، وهي قضية تقديم الدين أم تقديم النفس محل خلاف.
الوجه الثاني: أن الدين محفوظ بأصل إقامه الصلاة، فلو أغلقنا المساجد لأجل العدوى فلن تتوقف الصلاة، بل ستُقام في البيوت.
وبالنسبة لصلاة الجمعة فسيقوم الظهر بدلًا منها، وبعض العلماء قالوا: لا يُقال إن الجمعة بدلا من الظهر، لأن الظهرهو الأصل في يوم الجمعة وليست الجمعة، ونحن عدنا إلى الأصل وهو الظهر بالعذر الذي هو الخوف، فالدين قائمُُ ومحفوظ بأصل الصلاة، أما صلاة الجماعة في المسجد فهي لا تتعلق بضرورة الدين؛ بل تتعلق بالحاجة أو التحسين أو التزيين أو التكميل، فلن يضيع الدين بإغلاق المساجد مؤقتاً لأن الصلاة قائمة في البيوت.
مثال آخر: لو كنت الآن متردداً بين الإقامة في بريطانيا مثلًا أو العودة إلى بلدك الأصلي، أو الانتقال إلى بلد أكثريته مسلمة خوفاً على الدين، وتقول: “أنا هنا في قمة حفظ المال، لكن الدين يمكن أن يضيع”، وبما أن الدين متقدم في الترتيب، فإنه يجب تقديم قرار الانتقال الذي يحفظ الدين، على قرار البقاء حتى وإن كان فيه حفظ للمال.
خطأ الخلط في فهم المخاطر
لكن انتبهوا هنا؛ لأن بعض الناس يخلط في الأمر، فيقول: “ديني في خطر في أوروبا”، ولا يفكر أو يطرح السؤال: “كيف أتجنب هذا الخطر؟”. بل يقول: “دعني أترك أوروبا بما أن فيها خطراً على الدين”، ثم يذهب فيخاطر بالكليات الأربع التي تأتي بعد الدين، فيخاطر بالنفس فقد يُسجن أو يُقتل، ويخاطر بالعقل حيث لا تعليم، والتعليم غير الجيد هو مخاطرة بالعقل وإهدار لكلية حفظ العقل، ويخاطر بالمال فلا عمل ولا دخل، ويخاطر بالأسرة حيث يختلف مع الزوجة والأولاد لأنهم يريدون البقاء لا الرحيل، فيتشتت شمل الأسرة.
وبذلك يكون قد ضرب بالكليات الأربع من أجل “وهم” أنه يحفظ الدين، وفي الأخير لن يستطيع حفظ الدين ما دامت لا توجد نفس ولا عقل ولا عرض ولا مال. فكيف تتخيل أنك ستحفظ الدين حينها؟!
إن هذا الترتيب للكليات الخمس هو أساس ما يسمى بفقه الأولويات، أو فقه الموازنات، أو فقه المآلات، أو فقه الأقليات، أو فقه الحفاظ على المكتسبات، كل هذه ألوان جديدة من الفقه لن يكون لها وجود أو أساس أو تفعيل أو تنزيل بغير معرفة هذا الترتيب.
فلسفة المدرسة الثالثة في تقديم النفس والعقل على الدين
اتضح لنا مما سبق ذكره أن لدينا ثلاث مدارس:
قد يتساءل البعض عن سبب هذا الترتيب: كيف يتقدم العقل على الدين؟
فتقديم النفس على الدين قد فهمناه وقبلناه، لكن لماذا نقدم العقل الدين؟
فما هي فلسفة هذه المدرسة في تقديم النفس والعقل على الدين؟!
أصحاب هذا الرأي قالوا: إن الدين لن يُحفظ بصورة صحيحة إلا بالنفس فتقدمت النفس، أما العقل فهو الذي سيفهم الأحكام، فلو لم نقدم العقل فإنه لن يفهم الأحكام، وسوف يأتي بها على غير وفق مراد الله سبحانه وتعالى فتتعطل الأحكام مقاصدياً، ومن ثم يتضرر الدين وتُهدم كلية الدين؛ لذلك أخرنا الدين إلى الرتبة الثالثة.
وحدة هدف هذه المدارس واختلاف وسائلها
لابد هنا من التنبيه إلى أمر مهم؛ وهو أن المدرستين الثانية والثالثة اللتين أخرتا الدين إلى الرتبة الثانية أو الثالثة، لا تقصدان أبداً التقليل من قدر كلية الدين، فالمدارس الثلاث متفقة ومجتمعة على هدف واحد وهو أن الدين هو أصل الكليات، ورسالة الأنبياء جميعاً هي إقامة الدين، أما هذا التأخير فهو بسبب اختلافهم في أفضل طريقة ليُحفظ بها الدين وجوداً وعدماً، فأوجدوا هذا الترتيب الذي أشرت إليه.
أتوقف هنا بعد هذه المقدمة، ونكمل في الجزء الثاني من هذه الدورة العلمية إن شاء الله.