هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
مقاصد الشريعة وأثرها في ترشيد الحضور الإسلامي في الغرب (الجزء الثاني)
هذا هو الجزء الثاني الذي نتابع فيه حديثنا في هذه الدورة العلمية حول “مقاصد الشريعة ودورها في ترشيد الوجود الإسلامي في أوروبا”
وقد بدأنا مقدمة تأسيسية وتعريفية بمقاصد الشريعة وما يتعلق بها، وقد ذكرنا وأعيد التذكير بأن هذا الموضوع هو موضوع متخصص، موضوع علمي أكاديمي في الأصل، فطبيعته الصعوبة شيئًا ما، لكننا سنحاول أن نبسطه قدرالإمكان، وأن نبينه ونوضحه أكثر إن شاء الله.
المدارس في اعتبار المقاصد وإلغائها
هل اعتبر العلماء قديمًا وحديثًا أمر المقاصد وقالوا بوجودها في الأحكام، أم لا؟
عندنا ثلاث مدارس في النظر في المقاصد وفي التعليل:
المدرسة الأولى: الرافضة للمقاصد
رفضت هذه المدرسة المقاصد قديمًا وحديثًا، وقالوا: إن موضوع المقاصد، وطرح السؤال التعليلي (لماذا؟) أي: لماذا نصوم؟ لماذا نصلي؟ لماذا تلتزم المرأة بالحجاب الذي أمرها الله سبحانه وتعالى به؟ هذا السؤال في ذاته ليس مشروعًا أصلًا، فالله سبحانه وتعالى أمرنا ونحن عبيد له، فيجب أن نقول سمعنا وأطعنا، وانتهى الأمر.
فهم رأوا أن فتح باب التعليل والتقصيد سيضر بأمر التعبد والعبادة، كيف ذلك؟!
مثلاً: إذا قلت لي إن القصد من عبادة الصيام هو تحصيل التقوى، فسأقول لك: حسنا، سأُحَصل التقوى بعبادة أخرى غير الصيام، أو سأصوم في وقت آخر غير رمضان، أو سأقول لك: بالفعل لقد وجدت أن الصيام يحقق التقوى، فلماذا أصوم ثلاثين يومًا فقط؟! لأوسع الوقت أكثر، سأصوم شهرين، ثلاثة، خمسة!
وبالتالي سيحصل إخلال وإضرار كبير جدًا بأمر التكاليف الشرعية والعبادات، وهذا الاتجاه هو اتجاه قديم وحديث.
المدرسة الثانية: مدرسة التعليل المطلق
هذا الاتجاه الثاني هو عكس هذا الاتجاه الأول قالوا: نحن مع التعليل والتقصيد في كل الأبواب وفي كل الأحكام، لا فرق في ذلك بين العبادات وبين المعاملات، ولا بينها وبين العاديات أو الآداب، فكل المجالات يدخلها التقصيد والتعليل.
وكان الشيخ/ محمد الغزالي رحمه الله يقول: ليس هناك شيء في الإسلام اسمه غير معقول المعنى، فكل الأحكام في الإسلام معقولة المعنى؛ لأن هذه عبارة جارية على ألسنة الأصوليين، فيقولون لك هذه مسألة غير معقولة المعنى يعني تعبدية، نمتثل لأمر الله سبحانه وتعالى فيها ونقول سمعنا وأطعنا، لكن لا نسأل لماذا أمرنا الله بكذا، ولماذا حرم علينا كذا؟، فنمتثل ونقول سمعنا وأطعنا وانتهى الأمر.
والشيخ/ محمد بن عبد الكبير الكتاني له توجيه ظريف وطريف جدًا يوجه به عبارة “تعبدي”، فالعالم إذا سُئل في مسألة ما القصد منها؟ وطُرِحَ السؤال مسبوقًا بأداة الاستفهام (لماذا؟)، فيقول: هذه مسألة تعبدية.
قال: إن هذا الأمر كان لونًا من ألوان العجز، فالعالم إذا أُغلقت عليه المسألة ولم يستطع أن يصل إلى جواب فيها قال “هذا تعبدي”، وقيل: إنه كان وسيلة لإلجام الخصوم في المناظرات، لأنك عندما تتناظر معي في مسألة وتقول لي: قل لي لماذا فرض الله سبحانه وتعالى الحجاب على المرأة؟
أو كما قال لي بعض الإخوة بعد إحدى محاضراتي: لماذا حرم الله الخنزير؟ أو أخبرنا ما هي المقاصد الشرعية من تحريم الخنزير مثلاً؟، فإذا كنت لا أعرف الجواب سأقول لك هذه مسألة تعبدية، كوسيلة لإسكات الخصم في المناظرات، أو لون من ألوان العجز.
ضوابط وقواعد المقاصد
هذا موضوع يحتاج إلى وقت طويل جدًا؛ لكنني سأشير هنا إشارة سريعة إلى أهم قواعد المقاصد؛ حتى لا نفهم أن موضوع المقاصد هذا موضوع مطلق بدون ضابط ولا رابط،، فالمقاصد لها ضوابط وقواعد:
فإذا أردتَ أن تُجِيبَ على السؤال بـ (لماذا؟)، فلابد أن يكون لديك دليل شرعي؛ لأن هذه قضايا عبادات وقضايا أحكام، فلا تقصيد إلا بدليل.
انتبه جيدًا لهذا الكلام، فالمقاصد يجب أن تكون خادمة للتعبد.
فمثلًا: نحن نتكلم عن موضوع الصيام الآن، فالذين رفضوا المقاصد قديمًا رأوا أن القول بها في زمانهم يضر بالتعبد، وستهدم الأحكام باسم المقاصد؛ لكن في زماننا هذا وخاصة في أوروبا نحن محتاجون للمقاصد لتخدم التعبد؛ لأننا في بيئة فلسفية تعليلية مقاصدية.
ولقد لاحظت من خلال سفري للحج كل سنة مع مجموعات من الشباب الذين ولدوا في أوروبا، أو مع المسلمين الجدد، أنهم يركزون دائمًا على السؤال في الحج: لماذا نطوف هنا؟ لماذا نجعل الكعبة على اليسار؟ لماذا نقبل هنا، ونستلم هنا فقط دون تقبيل؟! ولماذا نترك الركن هذا بدون لا استلام ولا تقبيل؟! لماذا، لماذا، لماذا؟
فهناك دائمًا أسئلة، وإذا أفلحت في الجواب على هذه الأسئلة بأجوبة متماسكة، ستكون النتيجة مذهلة جدًا انقيادًا وامتثالاً؛ ولذلك العلماء قالوا: إن من وظائف المقاصد زيادة الاستمرار والإتقان والامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى، فالمقاصد هنا خادمة للتعبد وليست مناقضة له.
غياب المقاصد وأثره (نموذج الحجاب)
تخيل مثلاً المرأة المسلمة المتحجبة إذا علمت مقاصد الحجاب، لماذا فرض الله سبحانه وتعالى عليها الحجاب؟
هل تعلمون أن غياب معرفة المقاصد الشرعية من الحجاب أدى إلى تكريس فكرة الرمزية التي طرحت في خطاب الرئيس الفرنسي الأسبق “جاك شيراك” عندما صدر القانون الفرنسي بمنع الحجاب؟ قال: نحن ليس عندنا أي مشكلة مع المسلمين ولا مع الحجاب أبدًا، نحن مشكلتنا مع الرموز الدينية، والحجاب هو رمز ديني، ونحن ضد كل الرموز الدينية، ومن بينها هذا الغطاء الذي يعتبر رمزًا أو علامة مميزة للمرأة.
فالمرأة عندما تغطي رأسها ولكنها تكون متبرجة، فهي متحجبة متبرجة، حيث تغطي رأسها أو حتى تغطي كامل بدنها ما عدا الوجه والكفين، لكن المشية وبقية الملابس والتعطر والحديث والمكياج وكل هذه الأشياء، تعطيك عكس مراد الله سبحانه وتعالى في الحجاب، وهو الاحتشام والتعفف والستر، وإعانة الشباب والناس على غض البصر، وعدم تأجيج الغرائز.
وأذكر مثالاً على هذا بصورة دائمة، فعندما كنت أدرس اللغة الألمانية كانت تدرس معي بنت مسلمة متحجبة، والمُدَرسة الألمانية التي تدرسنا بطبيعة الحال غير متحجبة، فكانت الألمانية غير المسلمة غير المتحجبة أكثر احتشامًا من المسلمة المتحجبة، وهذه المسلمة تعتبر نفسها ملتزمة بالشكل الشرعي؛ لكن ملابسها ضيقة ولافتة وحذاء مرتفع … إلى آخره.
ولذلك لو نظرتم إلى الشروط الخمسة التي وضعها الفقهاء للباس المرأة المسلمة هي كلها شروط لا نص فيها، لا دليل صريح عليها، ما هو دليل شرط ألا يصف؟ ألا يشف؟ ألا يكون ثوب شهرة يلفت الأنظار؟ .. إلى آخره.
فالدليل هو النظرة إلى القصد من هذا الفرض الشرعي الذي فرضه الله سبحانه وتعالى على المرأة، ليحقق وظيفة تعود للمرأة، وتعود كذلك على المجتمع.
لو جلست تقرأ في كل الكتب لتصل إلى إجابة عن سؤال: لماذا حرم الله تعالى الزنا؟ فلن تجد جوابًا، أو لماذا حرم الله سبحانه وتعالى الخمر؟ فلن تجد جوابًا، فهل يعني هذا عدم وجود هذا المقصد؟
لا، المقصد موجود؛ لكنه لم يكشف لك ولا للعلماء الذين نظروا في المسألة:
لكن لماذا لم يكشفه الله سبحانه وتعالى لنا؟ لماذا لم ينص الشارع الحكيم على القصد من كل فرض شرعي، أو من كل شيء حرمه الله سبحانه وتعالى؟!
حتى يتجدد النظر، ويعاد إفراز مقاصد جديدة لكل سؤال يطرح حوله لماذا أمرنا الله بكذا، ولماذا حرم علينا كذا؟
ولعلك تتسائل: لماذا لم يفسر النبي صلى الله عليه وسلم القرآن؟ وماذا لو فسر النبي صلى الله عليه وسلم القرآن؟!
لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو فسر القرآن لأُغلق باب النظر، ولم تصبح عندنا هذه الكثرة الكاثرة من التفسيرات، وكل واحد منها ينظر إلى الآية وينظر إلى الكلمة وينظر إلى السورة ،من زاوية وجهة أخرى مختلفة عن غيره من بقية التفاسير، ولا تنقضي عجائبه وسيستمرهذا النظر أبدًا.
نفس الشيء بالنسبة لتنصيص الله على مقاصد الأحكام، فلم ينص _سبحانه وتعالى_ على مقاصد الأحكام كلها حتى يستمر النظر، ويستمر تجديد النظر في هذه المقاصد كلها.
فلسفة الصيام في بيئة غير مسلمة
ولقد لاحظتُ هذا الأمر من خلال التأمل في الإجابة على سؤال “لماذا نصوم؟” وكتبت سلسلة مقالات في هذا الموضوع منشورة على شبكة الجزيرة يمكنكم الاطلاع عليها، وكل سنة أجعل الخطبة الأولى من شهر رمضان للإجابة على هذا السؤال (فلسفة الصيام)؛ وذلك لأننا نعيش في مجتمعات غير مسلمة، وعبادة الصيام من أكثر العبادات الغريبة والعجيبة على هذه المجتمعات، والتي يسأل عنها غير المسلمين دائمًا، ويقولون عن الصيام: هذه عبادة غريبة جدًا، نحن نتفهم الامتناع عن الطعام؛ لكن الامتناع عن شرب الماء هذه المدة الزمنية الطويلة لا نتفهمه!
وهناك أسئلة تجعل بعض الشباب المسلم في أوروبا يحار في الإجابة عنها، فذات مرة جاءني أحد الشباب يقول لي: إن مُعَلمته الألمانية قالت له: هل يستقيم أن الإله الحكيم الرحيم الذي تعبدونه بالصيام له يُعَذِب عباده وأتباعه هذا التعذيب ؟!، وكان وقتها الصيام في فصل الصيف، وكان النهار طويلا فنصوم في ألمانيا ما يقارب ال 20 ساعة!!!
فهل هذا الإله الحكيم يأمر بشيء بلا لحكمة؟!، وهو إله رحيمُُ فلماذا يعذبكم بهذا الصيام، ويضركم بالامتناع عن الشراب هذه الساعات الطويلة؟!
وفي كل سنة لا يمكن أبدًا أن أكرر الكلام الذي قلته العام الماضي، فلابد أن أضيف شيئًا جديدًا، فيظهر لي كل سنة معنى ومقصد جديد يتولد من خلال طول النظر، أو التفكر أو الاطلاع، حتى تجمع عندي قرابة العشرين مقصدا لصيام شهر رمضان، كانت جوابًا على السؤال: لماذا؟
ويمكن أن نصل إلى ذات النتيجة مع كل سؤال يطرح حول أي تكليف شرعي بالأمر أو النهي في قضايا الإسلام، وهذا ما نحتاجه، وهذا مشروع ضخم يجب أن يشتغل به العلماء وأهل الفكر والنظر، وهو لم يتم حتى الآن.
المدرسة الثالثة: المدرسة المتوسطة
المدرسة الأولى رفضت المقاصد بالكلية، والمدرسة الثانية سارت عكسها، وقالت كل الأحكام مقصدة ومعللة، لا فرق في ذلك بين العبادات وبين المعاملات كما أشرت، أما هذه المدرسة الثالثة فقد توسطت في هذا الموضوع، وقالت: نحن مع المقاصد في المعاملات، لكننا نحمي العبادات من إدخال المقاصد فيها؛ لأن العبادات محددة وتوقيفية وقطعية، ولا تعبد إلا بدليل، والأصل في العبادات المنع والتوقف.
والعلماء الذين نُقِل عنهم هذا الرأي، هم أكثر العلماء اهتمامًا وعناية بالمقاصد، مثل الإمام الشاطبي، والإمام أبو حامد الغزالي، فهؤلاء الأئمة هم أكثر الأئمة الذين نقل عنهم التشدد في قضية التقصد في العبادات،
فمثلاً الإمام أبو حامد الغزالي يقول: “على المكلفين أن يسلموا للأنبياء والمرسلين تسليم العميان للمبصرين، والمكلف يجب أن يكون مع التكليف كالميت بين يدي غاسله لا يملك شيئًا “، أي: لا تملك إلا أن تقول سمعنا وأطعنا، فلا تسأل.
الإمام ابن تيمية وهو من المشتغلين بالمقاصد يقول: “من قال بالتقصيد في العبادات فقد تحامق وتجاهل جدًا”
والدكتور/ يوسف القرضاوي “رحمه الله” أيد هذه المدرسة وقال: نقوم بحماية العبادات فلا ندخل التقصيد فيها.
ولقد أحصيت جملة هائلة من العبارات والمواقف والنصوص التي ذكر فيها كل من الشاطبي والغزالي كلامًا عن التقصد في العبادات، فالغزالي لما كتب كتابه إحياء علوم الدين، جعل الربع الذي تحدث فيه عن العبادات كله للحديث الفلسفي التعليلي المقاصدي عن العبادات، كأسرار الصلاة وأسرار الصيام ….إلى آخره، وبعض الناس أفرد هذا الربع في كتاب مستقل عن الإحياء، فهل هذا تناقض من الإمام الغزالي، إذ يقول بعدم التقصد في العباداتن ثم هو يتكلم في كتاب الإحياء عن مقاصد العبادات؟!
لا، هذا ليس تناقضا ولا شيء، فهم أرادوا حماية العبادات وحماية التكاليف من أنه يدخل عليها أي تغيير أو تبديل، ويجب علينا النظر والاهتمام والاعتناء بالظروف التي عاش فيها هؤلاء الأئمة حين كتبوا أو ألفوا كتبهم، أو صدرت عندهم أقوالهم، فأحيانًا تجد بعض الأئمة عاشوا في أزمنة ظهرت فيها فرق معينة، فاعتنوا بملفات معينة للرد على هذه الفرقة، أو لتحصين الأمة من أفكارها ومن شبهاتها، ولا يمكن أبدًا أن يبتعد هذا الأمر عن هذا المعنى.
المقاصد في القرآن الكريم والسنة
الذي يقرأ القرآن الكريم بتدبر وتأمل يلحظ أن المقاصد متكررة في أغلب السور القرآنية، من أول سورة البقرة إلى سورة عبس، كل سورة من هذه السور فيها حديث عن المقاصد، إما في أكثر من موضع أو على الأقل في موضع أو في موضعين، أما السنة فالأمثلة فيها على المقاصد كثيرة؛ بل كثيرة جدًا.
مثال: صلاة العصر في بني قريظة
أذكر هنا مثالاً لا يخلو حديث عن المقاصد إلا بذكره، بل كل من أرخ لمقاصد الشريعة ذكر هذا المثال، وهو صلاة الصحابة للعصر في بني قريظة:
قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: “لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ” [أخرجه البخاري ومسلم].
فقالوا: إن الصحابة عندما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول اختلفوا في فهمه، وانقسموا إلى فريقين:
وقالوا إن هذه هي بداية الانقسام وظهور المدرستين؛ المدرسة المقاصدية والمدرسة الظاهرية.
لماذا؟ لأن المجموعة التي رفضت أن تمتثل لظاهر النص قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد منا أن نؤخر صلاة العصر عن وقتها حتى يدخل وقت المغرب؛ لأننا سنصل إلى بني قريظة متأخرين، إنما قصد منا الإسراع، وبالتالي سنصلي العصر في الطريق قبل أن نصل إلى بني قريظة، بالدوران مع قصد النبي صلى الله عليه وسلم وهو الإسراع، وصلوا فعلاً العصر في الطريق قبل أن يصلوا إلى بني قريظة.
أما الطائفة الثانية فقالوا: كلا، نحن لن نُصلِي العصر إلا في بني قريظة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنا لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة، فنحن لن نصليه إلا عندما نصل إلى بني قريظة، حتى لو فات الوقت، والرسول عليه الصلاة والسلام قال، وما عينا إلا السمع والطاعة لقوله، وانتهى الأمر.
ذكرت هذا المثال لأنقد هذا التصور عن الصحابة بأنهم فريق مقاصدي وفريق ظاهري، مع أن جمهور الأصوليين عليه.
ويعجبني جدًا هنا كلام الإمام ابن المنير، فقد قال بعدم صحة هذا الكلام، فالحقيقة أن الصحابة كلهم كانوا مقاصديين، وهم انقسموا إلى فريقين في التعبيرعن قصد النبي صلى الله عليه وسلم وتحقيق قصده في الإسراع، فكلهم فهموا القصد وداروا معه؛ لكن اختلفوا في كيفية التعبير عنه، فطائفة صلت في الطريق والطائفة الثانية صلوا ركبانًا.
الطائفة الثانية اللي قالواعليها بأنهم قالوا لن نصلي إلا في بني قريظة، هم صلوا ركبانًا، فقالوا لو وقفنا وحللنا الأمتعة وتوضأنا في الطريق، سنضيع الوقت وسنُخل بقصد الإسراع، فسنصلي ركبانًا.
وأَتى الإمام ابن المنير بروايات تدعم الرأي القائل بأنهم صلوا ركبانًا، وأنه لا يوجد أحد من الصحابة صلى العصر في بني قريظة، فكلهم صلوا في الطريق، وقال: إن هذا لا يستقيم مع ثقوب أفهامهم، وتعليم النبي صلى الله عليه وسلم لهم،
وبالتالي بناءً على هذا القول ليس هناك أحد في الصحابة كان ظاهريًا لا يقف مع المقاصد، ولا يبحث عما ورائيات الأقوال التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم، أو وردت في كتاب الله عز وجل.
المقاصد في اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه
دراستي للدكتوراة كانت عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، دراسة أصولية لاجتهاداته والنظر فيها نظرًا أصوليًا، وأضخم الأبواب في هذه الدراسة هو باب إعماله للمقاصد، فهو من أكثر الصحابة إعمالا لها، وهذه بعض من الأمثلة التي تظهر العقلية المقاصدية التي كان يتمتع بها رضي الله عنه.
1. تقسيم سواد العراق
هذا المثال من أظهر الأمثلة التي تظهر العقلية المقاصدية التي كان يتمتع بها سيدنا عمر بن الخطاب، فلما فُتِحت العراق في عهده كانت الأراضي كثيرة جدًا، حتى إنها سُميت بالسواد؛ لأن الناظر إليها لا يرى إلا سوادًا لكثرتها، فالصحابة اختلفوا فيها مع سيدنا عمر، فهو رأى أن يترك التقسيم على الفاتحين ويوزع هذه الأموال على كل المسلمين، والصحابة الذين اختلفوا معه قالوا له: كيف تفعل شيئًا تركه النبي صلى الله عليه وسلم؟ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما فُتحت خيبر قسم أراضي خيبر على الفاتحين.
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :(إنما فتحت هذه الأرض عنوة، ولولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، ولكني أريد أن أتركها فيئًا للمسلمين، تكون لهم ولمن يأتي من بعدهم) ثم قال:(أرأيتم هذه القرى، ما لمن يأتي بعدكم من المسلمين؟ أين يكون نصيبهم إذا قُسمت الأرض؟).وفي لفظ آخر عنه رضي الله عنه:(لو قسمتُها بينكم، لم يكن لمن بعدكم شيء، ولكن أتركها في أيدي أهلها، ويُضرب عليها الخراج، فيكون فيئًا للمسلمين)، واستدل عمر رضي الله عنه بقوله تعالى:(ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) سورة الحشر الآية 7، وقال:(هذه الآية عامة فيمن حضر ومن لم يحضر).
فسيدنا عمر لما أراد أن يترك التقسيم هو رأى أن تصرف النبي صلى الله عليه وسلم في أراضي خيبر لم يكن تصرفًا تشريعيًا، وإنما تصرفًا بالمقاصد وبالمصلحة، والتصرف الذي يتناسب مع فتح سواد العراق هو التصرف المصلحي المقاصدي التعليلي في ترك تقسيم وتوزيع هذه الأراضي على كل المسلمين، فلو قسمه فإنه سيقصر تداول المال على فئة محددة قليلة من المسلمين، وهم المسلمون الذين شاركوا في هذا الفتح أو حضروه.
2. زواج الكتابيات
وكذلك الأمر بالنسبة لزواج الكتابيات، فقد جاء سيدنا عمر لسيدنا حذيفة بن اليمان وكان متزوجًا من كتابية وقال له: “أعزم عليك أن تطلقها”، قال: “أحرام هو يا أمير المؤمنين؟”، قال: “لا، ولكن في نساء الأعاجم خلابة فكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين”، وفي رواية: “ولكن أخشى أن تواقعوا المومسات منهن”.
انتبه، فهذا الكلام قاله سيدنا عمر في ظل الدولة الإسلامية، وفي ظل عدم تصور ورود ضياع الدين على أولاد الصحابي الذي تزوج من هذه المرأة الكتابية، أو ضياع دين المسلم نفسه الذي تزوج من الكتابية، فماذا عنا نحن في أوروبا اليوم إذا أردنا أن ننزل هذا الحكم أو هذا الاجتهاد، على واقع زواج المسلمين من الكتابيات؟!
فنجد أن بعض الفقهاء الراسخين في أوروبا مثل الشيخ/ عبد الله الجديع وهو فقيه معتبر، يقول: “أنا لا أتردد في تحريم الزواج من الكتابية بالنسبة للمسلم في أوروبا”، قلت له: ولكن التحريم هذا حكم خطير جدًا، والزواج من الكتابيات مباح بالنص، وقد يكون هناك حل لبعض مشاكل المسلمين؟
قال: “من هول ما رأيت من الآثار والنتائج، وضياع دين الأطفال المتولدين من هذا الزواج”، فما رأيت حالة ناجحة، هذا قوله حفظًا لدين الأولاد الناتجين عن علاقة بين مسلم وبين كتابية.
ثم سألني عن رأيي فقلت له: أنا أوجه عموم المسلمين إلى تجنب الزواج من الكتابيات؛ لكن إذا جاءني شاب يريد أن يتزوج من كتابية أبذل جهدي لإثنائه عن هذا التوجه والقرار، بالنظر إلى أننا في الرؤية الإسلامية ننشد أسرة مستمرة متوافقة متماسكة، وفرص الاندماج والنجاح لهذه الأسرة في تحقيق هذا الأمر قليلة، فإذا نجحت في هذا الأمر كان بها، وإن لم أنجح أنصحه بالزواج إذا رأيت أنه يمكن أن يقع فيما حرم الله تبارك وتعالى، ثم أنصحه أن يؤخر الإنجاب حتى يتبين له هل يوجد عندها أي عداوة للإسلام أم لا؟ وماذا عن أسرتها، وماذا عن عائلتها؟ … إلى آخره.
نماذج من فقه المقاصد في عهد الصحابة
من أهم الأمثلة التي تؤكد على شيوع العمل بالمقاصد في عهد الصحابة، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم، هذا الفقه المعاذي لسيدنا معاذ لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وفي هذه الرواية الكلام شديد الصراحة والوضوح، قال النبي صلى الله عليه وسلم له: “خُذِ الحَبَّ مِنَ الحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الإِبِلِ، وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ” [ أخرجه أبو داود وابن ماجه في سننهما]
هذا كلام واضح جداً في الالتزام النصي في عبادة الزكاة، بأن يأخذ الحب من الحب….إلى آخره، ماذا فعل سيدنا معاذ؟
في صحيح البخاري أنه قال لأهل اليمن: “ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ؛ فَإِنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْكُمْ، وَأَنْفَعُ لأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَة” فعلله بأنه أيسر عليكم وأنفع لمن بالمدينة، وما أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر.
والمسلمون اليوم في أوروبا أو في غيرها أولى الناس بهذا الفقه المعاذي، والتوقف عن استمرارية الجدل الذي يعاد جذعاً في كل سنة في العشر الأواخر من رمضان أو قبل رمضان، في قضية الخلاف حول صدقة الفطر وهل ندفعها حبوباً أم مالاً؟، ولي مقال منشور مفصل في هذا الأمر يمكن أن ترجعوا إليه لمن أراد.
المصلحة والمفسدة في منظومة التكاليف
ننتقل الآن للكلام عن هذا الموضوع الذي يمثل نقطة مركزية أساسية في موضوع المقاصد، وهي نقطة في الحقيقة كفيلة بتغيير الكثير من المفاهيم والتصورات حول رؤيتنا للإسلام، وتطبيقنا للأحكامن ودعوتنا لغير المسلمين للإسلام، وغير ذلك من الملفات التي سأبينها بإيجاز.
يمكننا أن نلخص مقاصد الشريعة، وما تهدف إليه منظومة الأحكام والتكاليف الشرعية في كلمتين هما:
المصلحة والمفسدة؛ تحقيق وتحصيل أكبر قدر من المصالح والمنافع، وتقليل ودرء أكبر قدر من المفاسد، فأي تكليف شرعي في الشريعة أمراً كان أو نهياً هدفها وقصدها منه هو تحقيق وتحصيل المصالح، ودرء أو منع المفاسد.
لكن السؤال الأساسي والمركزي: أيهما أولى بالتقديم والرعاية والصيانة، تحصيل المصلحة أم درء المفسدة؟
الجواب المشهور: أن درء المفسدة أولى بالتقديم والرعاية والصيانة؛ لكن حقيقةً المسألة أصولياً مبنية على قضية المأمورات والمنهيات،
فالتكاليف الشرعية خمسة أقسام هي: (الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة)، والإباحة تعني التخيير فليس فيها تكليف، فيتبقى عندنا أقسام أربعة هي: الوجوب والندب وهذه هي المأمورات، ثم التحريم والكراهة وهذه هي المنهيات، فأيهما أولى بالصيانة والرعاية، المأمورات أم المنهيات؟
مذهب جمهور الأصوليين ومن خالفهم
جمهور الأصوليين قالوا: المنهيات تتقدم وهي أولى بالصيانة والعناية، ومن يترك المحرمات ثوابه أكبر من ثواب من يفعل المأمورات.
لكن خالفهم بعض الأصوليين كالإمام الرازي، وتبعه الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم والإمام ابن الجوزي ومن وافقهم، فقالوا بضد قولهم، قالوا: الأولوية للمأمورات فهي الأهم، ومن يفعل المأمورات أجره وثوابه أكثر من ثواب من يترك المحرمات، ومن يترك المأمورات إثمه وعقوبته أشد من إثم من يفعل المحرمات.
فمثلًا: إذا قارنا بين من يترك الصلاة وبين من يشرب الخمر، فإن إثم من يترك الصلاة -وفق هذه المدرسة التي خالفت جمهور الأصوليين- أعظم من إثم من يشرب الخمر؛ لكن بناء على قول جمهور الأصوليين فإن من يشرب الخمر إثمه أكبر وخطره أعظم من إثم من يترك الصلاة.
النتائج المترتبة على تقديم المأمورات أو المنهيات
هذه الفكرة انبنى عليها الكثير من النتائج والآثار العملية، وأهم النتائج التي انبنت على هذه الفكرة ثلاث نتائج أو ثلاث آثار:
الاتجاه الراجح في الواقع المعاصر
الذي أرجحه -والله أعلم- وأرى أنه الأنفع لنا في عالمنا اليوم، والأكثر رعاية لحالة تدين الناس الآن، ورعاية لواقع المسلمين في أوروبا، والأفضل في ملف التعريف بالإسلام، والأنسب للأجيال الجديدة من أولاد المسلمين، هو الاتجاه المخالف لاتجاه جمهور الأصوليين، والذي سيترتب عليه عكس القواعد الثلاث السابقة؛ بمعنى أن تصبح هذه القواعد كما يلي:
وأنبه هنا إلى شيء مهم جداً، وهو قيدُُ في غاية الأهمية وهو: أنه لا يفهم من كلامي هذا أن هذه دعوة إلى الاستهانة بالمحرمات، أو أن هذه دعوة إلى أنك تصلي وتشرب الخمر!
فالمراد من هذا الكلام، أنه لكي نكون عبيداً لله فنفعل كل المأمورات ونترك كل المحرمات، فإن أفضل طريقة هي: العناية بالمأمورات وتقديمها على المحرمات والمنهيات.
فهذا يعني: أننا إذا أردنا أن تختفي الكبائر والمحرمات والموبقات من المجتمع المسلم، فعلينا أن نركز على المأمورات.
ويعني أيضًا: أنك لو خائف على تدين ابنك في الغرب، وتريده أن يكون مسلمًا مستقيمًا ممتثلًا لأوامر الله مجتنباً لنواهيه -بناء على هذا التفكير المقاصدي الذي نتكلم عنه- عليك أن تعتني بالمأمورات، وتركز معه عليها، فالتركيز على المأمورات هو الذي سينتج تلقائياً ترك المحرمات على أتم وأفضل صورة؛ لكن لو فعلت العكس ستجد النتيجة العكسية.
الأدلة على أهمية المأمورات والعناية بها
نذكر الآن جملة من الأدلة على ذلك، ومن يريد الاطلاع والتوسع في هذا الموضوع فيمكنه أن يرجع إلى كلام الإمام ابن تيمية فقد ذكر اثنين وعشرين دليلاً على أن المأمورات هي الأولى بالعناية والتقديم، وأن ثوابها أعظم من ثواب ترك المحرمات، والإمام ابن القيم بعد ذلك توسع في الموضوع، وجاء بأكثر من مائة دليل على هذه القاعدة، سأذكر لكم هنا طرفاً منها:
الدليل الأول: قارن الإمام ابن القيم بين معصية آدم عليه السلام ومعصية إبليس، وقال إن معصية آدم كانت في باب فعل المحرمات، نُهِيَ عن الأكل من الشجرة فأكل منها، ففعل ما حُرِمَ عليه، فما كانت النتيجة؟ قال الله (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ) [ البقرة: 37]، فانتهى الأمر بالتوبة؛ لأنك عندما تقع في المُحَرم تقع نتيجة الشهوة وغلبه النفس أو وسوسة الشيطان؛ لكن معصية إبليس كانت في دائرة الأمر، قال: أنا خير منه، وهذا استعلاء وتكبر، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فالكبر والاستعلاء هو الذي دفعه إلى ترك الأمر، بينما الوقوع في المحرم والمنهي عنه يكون بسبب الشهوة.
الدليل الثاني: قال أيضاً إن فعل المأمورات يؤدي إلى ترك المحرمات، وترك المحرمات لا يؤدي بالضرورة إلى فعل المأمورات، قال الله (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) [العنكبوت: 45].
فالصلاة أمر يؤدي إلى ترك المحرم الذي هو الفحشاء والمنكر؛ لكن هل ترك الفحشاء والمنكر يؤدي إلى فعل الصلاة؟ ليس بالضرورة، فمثلًا كثير من الناس لا تشرب الخمر؛ لكنها لا تفعل المأمورات.
الدليل الثالث: أيضاً مما استدل به أن فعل المأمورات يمحو أثر المحرمات، والعكس لا يكون، قال الله (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: 114]. الحسنات التي هي المأمورات يذهبن السيئات؛ لكن هل ترك السيئات يعوض الحسنات؟ قالوا لا؛ بل كل مأمور به إذا تركته وجب عليك قضاؤه، لحديث «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»[ أخرجه البخاري في صحيحه]
أما المحرمات فتتوب إلى الله سبحانه وتعالى منها إلا إذا تعلقت بحقوق الآخرين فلابد من أدائها، فلما كان المأمور به يجب عليك أن تقضيه إن كان متعلقًا بحق من حقوق الله، ويجب عليك أن توُجِد شيئاً آخر مكانه إن كان متعلقًا بحق من حقوق الناس، كان هذا معناه أن منزلة المأمور عند الله سبحانه وتعالى أعلى وأفضل.
الإمام الرازي له كلام في غاية العمق والأهمية يقول: لو كانت المحرمات هي الأولى بالعناية والتقديم لما خلق الله الخلق أصلاً؛ لأن أتم طريقة لتحقيق الامتثال بترك المحرمات، هي ألا يخلق الله الخلق؛ لأن الله خلق الناس ليفعلوا لا ليتركوا، والمحرمات ليست مقصودة لذاتها؛ لأنها تضر بالمأمورات، قال الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: 90]. هذا الحكم، فما تعليله؟ قال الله: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ) [المائدة: 91].
إذاً فقد حرم الخمر؛ لأنه سيضر بالمأمورات، لذلك كانت المأمورات هي الأصل.
الآثار والنتائج المترتبة على الرأي الذي رجحناه
إذا كان الرأي الذي رجحناه هو أن الأولى بالعناية والتقديم هي المأمورات، فما النتائج والآثار التي تترتب على هذا الرأي الذي رجحناه؟
الأثر الأول/ التعريف بالإسلام:
إذا أردنا أن نُعَرف بالإسلام ماذا نقول؟ لو سألنا أي مسلم اليوم كيف تُعَرف بالإسلام، أو كيف تقدم الإسلام لغير المسلمين؟
أو لو سألنا شخصاً غير مسلم وقلنا له: ما هو تعريفك للمسلم؟
سيقول لك: “الذي لا يشرب الخمر ولا يأكل الخنزير”، وإذا كانت امرأة فسيقول من “تلبس الحجاب”، فيكون تصوره للإسلام وللمسلم منحصر في دائرة المحرمات، لا يشرب الخمر ولا يأكل الخنزير، فيتم التركيز على المحرمات دون التركيز على المأمورات.
فهل هذا منهج صحيح في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والتعريف بالإسلام، بأن نقدم الإسلام كقائمة من الممنوعات؟
بالطبع لا، فالمنهج الأصح هو أن نركز على المأمورات، فسيدنا معاذ لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له: “إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ…” [ اخرجه البخاري في صحيحه] وما زاد النبي صلى الله عليه وسلمعلى هذا، فأين المحرمات؟!
وأيضًا الأعرابي الذي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، والحديث معروف بالنسبة لكم، ماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ لم يأتِ بشيء من المحرمات، ركز على أركان الإسلام الخمسة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه إن أتى بهذه الأركان الخمسة على أتم صورة، فسيترك المحرمات بسلاسة ودون مشقة.
قصة رجل ألماني أراد أن يدخل الإسلام مع شربه للخمر :
سأذكر لكم واقعة مهمة جداً حصلت معي شخصياً في قضية التعريف بالإسلام، رجل ألماني أسرته اعتنقت الإسلام وبقي هو على دينه، جاء لأحد الأئمة وقال له: أنا مؤمن بنظام الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكاً وأخلاقاً وكل شيء؛ لكن لدي مشكلة واحدة فقط، قال له: ما هي؟ قال له: الخمر، فأنا رجل عاشق للخمر ومدمن له، ولا أتصور حياتي أبداً بدونه، وإذا اعتنقت الإسلام أريد أن ألتزم به، فهل يمكن أن أسلم وأستمر في شرب الخمر؟ قال له: “لا، فلتبق على كفرك أفضل”!
هذه القصة ليست نكتة؛ بل واقعةُُ حقيقة للأسف، وهذا الكلام الذي قاله هذا الإمام كلام مؤلم، لا أدري كيف نطق به؟!، وكيف تجرأ على أن يقول له: ابق على كفرك أفضل ما دمت تريد أن تشرب الخمر؟!!
ثم جاء إلى هذا الشاب الألماني بعد ذلك، فبعض الإخوة دلوه علي، وذكر لي وضعه مع الإسلام والخمر، فقلت له: نعم يمكن أن تسلم وتستمر في شرب الخمر، قال لي: هل هذا صحيح فعلًا؟! قلت له: نعم؛ ولكن بشرطين لابد من تحقيقهما، قال لي: ما هما؟
قلت له: الشرط الأول/ أن تعتقد أن الله تعالى قد حرم الخمر.
والشرط الثاني/ أن تجاهد نفسك على ترك الخمر، وتدعُ الله سبحانه وتعالى أن يعينك على ذلك.
قال لي: أنا موافق على هذين الشرطين،قلت له: حسنًا، ثم نطق بالشهادتين ودخل الإسلام.
ثم بدأت أتابعه خاصة في المأمورات كالصلاة، فأسأله بصورة دائمة عنها، أتعرفون ما نتيجة ذلك بعد ستة أشهر؟
امتنع عن الخمر وتوقف عنها!! توقف عن الخمر بأي شيء؟ بالمأمورات، بالصلاة وبالصيام أيضًا؛ لأنه لما جاء رمضان صامه.
ما الذي جعل الإيمان ينمو في قلبه وفي نفسه، ويعطيه هذه القوة وهذه الشجاعة على ترك المحرمات؟!
إنها الصلاة التي زادت الإيمان في قلبه، ورفعت من منسوبه فيه.
أتعرفون كيف كان يفكر في كمية الخمورالتي كانت عنده؟! جاء وسألني عنها، هل يجوز لي أن أبيعها وأتصدق بثمنها للمسجد؟! قيمة هذه الخمور تقريبًا 40,000 يورو!! هكذا من تلقاء نفسه!!
تناقشنا في هذه المسألة في المجلس الأوروبي للإفتاء وأخذت منا وقتاً، وتقريباً اتفقنا -إلا عضواً واحداً فقط الذي خالف بقية الأعضاء- على أنه ليس أمامه حل إلا الإتلاف، وكانت الفتوى هي أن يتلف هذه الخمور، قال: ولكن الإتلاف -انتبهوا لكلامه- سيكلف أيضاً، قلت له: حتى لو سيكلف، قال: حسنًا سألتزم بذلك، سمعنا وأطعنا.
تخيل لو أنه لم يقدر الله سبحانه وتعالى له أن يقابلني؟! كان سيموت على الكفر لأجل كلام الإمام الذي قاله له.
أما بالنسبة لهذا الإمام فقد قابلته، وقلت له: لماذا قلت هذا الكلام لهذا الشاب الألماني؟! هل هذا من فقه الدعوة؟ّ
أتعرفون ماذا قال لي؟! قال لي: “يا شيخنا هذه مسألة بديهية واضحة جداً، ألم نتعلم أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة؟، فدرء مفسدة الخمر مقدم على جلب مصلحة اعتناقه للإسلام”!!، فطبق القاعدة بهذا التطبيق وانتهى إلى أنه ضيع الرجل!!
فأول تطبيق ونتيجة وأثر يترتب على عكس هذه القاعدة، والقول بأن جلب المصلحة مقدم على درء المفسدة، هو في أمر التعريف بالإسلام.
الأثر الثاني/ في التربية والعمل الحركي
كل أمٍ وكل أبٍ يريد لأولاده أن يلتزموا بالدين، وأنا أسألكم سؤالاً: هل أنت كأبٍ أو كأمٍ يغضب ويشعر أنه فشل في تربية ولده عندما يكتشف أنه يضيع الصلاة ويتركها؟ أم يشعر بذلك عندما يكتشف أنه يدخن السجائر أو يشرب الخمر؟ أيهما أخطر في ميزاننا؟
طبعاً نحن لا نريد أن نصل إلى أي منهما؛ بل نحن نريد أن نصل بالمسلم إلى أن يفعل ما أمر الله به، ويترك ما نهى الله عنه؛ لكن نتكلم عن أي المنهجيتين التي توصل بشكل أدق لهذه النتيجة؟
فإذا ركزنا على المأمورات واهتممنا بها، ستسلم المحرمات، وأنا أقول لكم بالتجربة: أن أي شاب عنده رصيد من المأمورات ومن الإيمانيات في نفسه، حتى لو انحرف أو ضل الطريق، سترده هذه الإيمانيات وهذا الرصيد الذي تحصل في نفسه وفي قلبه؛ لكن لو لم يكن عنده هذا الرصيد فلن يستطيع أن يعود.
قصة شاب تائب:
جاءني شاب قال لي: أنا أسرفت على نفسي جداً، ما تركت كبيرة إلا اقترفتها، وما تركت فريضة إلا ضيعتها، ويبكي ويرتجف، والله لقد تمنيت أن أكون أنا في مثل حاله من الخشية والرقة؛ لكن هو مشكلته أنه لا يعتقد ولا يظن أن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يقبل توبته، فصارت مشكلتي ومهمتي معه أن أقنعه أن الله سبحانه وتعالى غفور رحيم ويمكن أن يتوب عليه، وكان صادقاً فيما يقول لدرجة أنه كان عنده مبلغ مالي كبير كسبه من الحرام، قلت له: هذا يجب أن يُرَد إلى أصحابه، قال: لا يمكن فهم غير موجودين الآن!،
قلت له: لا حق لك فيه، يجب عليك أن تنفقه في سبيل الله، قال لي: حسنًا، انتظرني هنا حتى أذهب وأحضر لك المبلغ لتعطيه للمسجد، أو تنفقه لأي باب من أبواب الخير!.
أتعرفون كيف حاله الآن؟ هو الآن نافر من المحرمات وتارك لها وصدق في توبته، لكن التحدي أن يثبت، كيف يثبت؟
بأن أعمل له برنامجاً في المأمورات، وأتابعه في الصلاة، وأصطحبه معي إلى العمرة، هذا هو الذي يجعله يثبت، ولذلك نحن كمسلمين لو فعلاً نريد أن نرد الناس إلى الدين، وأن يلتزموا به فعلينا أن ننظر إلى المأمورات.
مراجعة الأولويات في العمل الإسلامي
هل نحن قمنا بعمل حملة دعوية في مدننا وأحيائنا من أجل الصلاة مثلًا، فمن لا يصلي من المسلمين نصطحبه إلى الصلاة، وندعوه إليها، ونعرفه بها، وندعوه للحضور للمسجد؟
للأسف الحركات الإسلامية الوسطية المعتدلة في العالم الإسلامي سقطت في نفس الإشكال، ففي مصر مثلًا كبرى الحركات الإسلامية قامت بعمل حملات لمكافحة التدخين، وطبعوا ملصقات تحذر الناس من التدخين، وتعرفهم بحرمته، فهل قاموا بحملة مشابهة للمأمورات؟
أنا أسألكم عن أركان الإسلام الخمسة التي هي كلها مأمورات، ماذا عن نسب التزام المسلمين بها، سواء في أوروبا أو خارج أوروبا؟
كم نسبة المسلمين الذين يصلّون ببريطانيا مثلًا، أو في أوروبا، أو في العالم الإسلامي؟ 20%؟ 30%؟ 50%؟ مستحيل أن تكون 50% ومع ذلك 50% هي نسبة كارثية!!.
ماذا عن الزكاة، وهي ركن من أركان الاسلام متقدم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم على الصيام وعلى الحج، كم نسبة الذين يدفعونها؟ قرأت دراسة تقول: إن نسبة المسلمين الذين يدفعون زكاة أموالهم 5%.
سألت أحد الإخوة العاملين في المجال الإغاثي، عن صحة هذه النسبة، فقال لي: أن فيها مبالغة!
قلت له فما هي النسبة الأدق؟ قال لي 15-20% فقط من يدفعون الزكاة.
قلت له: هذا يعني أن نسبة 80% لا يدفعون؟! قال لي: نعم.
كيف يمكن أن نتصور أن نسبة 80% ممن تجب عليهم الزكاة لا يؤدونها، والتي هي فريضة لها هذه القيمة، وهذه المنزلة في الإسلام وفي القرآن، حتى أن سيدنا أبا بكر قاتل مانعيها؟!
نحن تاركون كل هذا وذاهبون لعمل حملة عن التدخين؟!
ولما صعدت الحركات الإسلامية سياسياً بعد الربيع العربي حصرهم الإعلام والعلمانيون في دوائر المحرمات، ونفس الأمر الآن يفعلونه مع أحمد الشرع في سوريا، ماذا ستفعلون في الخمور والفنادق والسياحة….إلى آخره، وماذا عن بقية المأمورات؟ أين هي؟!
يا أحبابنا الكرام، أركان الإسلام هي التي يجب أن نتمركز حولها، فإذا وُجِدت وسلمت وظهرت، سنرى أثرًا للدين والإسلام في نفوس الناس، وفي حياتهم ومجتمعاتهم
فلو كل سنة أعددنا دراسة عن نسبة المسلمين الذين يصلون ونجد أنها في ارتفاع، وعن الذين يصلون بغير خشوع ونجد أنها في ازدياد، وعن الذين يخشعون بنسبة 30% مثلًا، فنجد أن نسبتهم تتحسن أكثر، سنرى أثرًا للصلاة وستتحقق مقاصدها.
نحن نعاني دائماً ونطرح سؤالاً متكرراً: لماذا لا تنهَ الصلاة المصلين عن الفحشاء والمنكر؟
لماذا نرى المصلي الذي يكذب، أو يخون، أو يغش، أو يضيع الأمانة؟! لماذا عندنا هذا الفصام النكد بين الأخلاق والسلوك، وبين العبادات؟!
فماذا عمن لا يصلي أصلاً، ومن لا يصوم أصلاً، كيف يمكن أن نتعاطى أو أن نتعامل معه؟! هذا موضوع في الحقيقة طويل.
وأيضاً بالنسبة للسلوك إلى الله سبحانه وتعالى، يجب أن نقدم التحلية على التخلية؛ التحلي بالعبادات وبالفضائل، فتزكية النفس بالعبادات هي التي ستحقق تخلية وتركاً حقيقياً لما حرم الله سبحانه وتعالى، فمنهجية التحلي قبل التخلي هي المنهجية التي تتناسب مع زماننا، وتحقق سلوكاً حقيقياً إلى الله سبحانه وتعالى خالياً من الشوائب والمكدرات.
ختامًا: نتوقف عن هذا القدر، ونكمل في الجزء الثالث من هذه الدورة العلمية إن شاء الله، والذي سنجتهد أن يكون الكلام فيه تنزيليًا تطبيقيًا أكثر على أثر المقاصد ودورها في ترشيد الوجود الإسلامي في أوروبا.
والحمد لله رب العالمين.
ملحوظة مهمة: هذه المحاضرة تم تفريغها وتنسيقها للفائدة العلمية من فريق الموقع، وليست بطريقة التصنيف أو التأليف العلمي.