هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
مفاتيح فهم القرآن الكريم (الجزء الأول)
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أسأل الله سبحانه وتعالى أن نحظى في هذه الدورة المباركة بالفضل العظيم المبارك، الذي بشرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي قال فيه: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وتنزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده” [رواه مسلم]
الموضوع الذي نحن بصدد الحديث عنه في هذه الدورة، هو موضوع بالغ الأهمية، ومن اليُمن والبشر والخير أن تكون هذه الدورة المباركة، قبل شهرين من شهر القرآن، شهر رمضان المبارك.
وخير استعداد لشهر رمضان، هو أن نعود إلى القرآن الكريم، ونراجع علاقتنا به، وخير مراجعة للقرآن الكريم ما تكون قبل مجيء شهر القرآن؛ وليس في شهر القرآن.
آفتنا نحن كمسلمين أننا نفكر في استعادة وإصلاح العلاقة بيننا وبين القرآن الكريم، بعد دخول الشهر ونحن في عمقه، فنفوت غالب الشهر، مع فضله ومع حضور القلب فيه، واستعداده للانتفاع به في شهر رمضان، نفوت غالب الشهر في فكرة الاستعداد والتهيؤ.
مشروعات إصلاح العلاقة مع القرآن
قضية التعامل مع القرآن الكريم، انشغل بها العلماء قديمًا وحديثًا؛ بداية من الإمام/ أبي حامد الغزالي صاحب كتاب الإحياء، إلى الذين انشغلوا بهذه القضية من المعاصرين، كالشيخ/ محمد الغزالي، والشيخ/ فريد الأنصاري ” رحمهما الله”، ومشروعات كبرى قامت على التفكير في كيفية إصلاح علاقة المسلمين مع كتاب الله عز وجل، لماذا؟
لأن القرآن الكريم أنزله الله سبحانه وتعالى كما قال {هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} (سورة البقرة:الآية 185)
ولقد أحدث النبي صلى الله عليه وسلم تغييرًا وإصلاحًا جذريًا هائلاً في المجتمع، والبيئة التي بعث فيها، فبما أحدث هذا التغيير في هذه السنوات المعدودة المحدودة؟!
أحدثه بمنهاج التغيير، وهو القرآن الكريم.
وها هو القرآن الكريم موجود بين أيدينا اليوم، فلماذا لم ننتفع بهدايات القرآن الكريم كما انتفع من سبقنا؟
لمَ لم تقلع الأمة حضاريًا إلى اليوم؟
رغم أن القرآن الكريم منهاج الإقلاع الحضاري، والتغيير والإصلاح الحضاري، موجود بين أيدينا ومجرب ومختبر؟ أين الخلل إذًا؟!
الخلل لا شك في كيفية تعاملنا نحن مع القرآن الكريم؛ لذلك سأكتفي بالتركيز على الأسباب التي تدعونا إلى إعادة النظر في علاقتنا مع القرآن الكريم، بالنسبة لنا كمسلمين نعيش في أوروبا في تحديات خاصة وفي سياق خطير جدًا، وكيف يمكن أن يكون القرآن الكريم فاعلاً من خلال ثلاثة مسارات نحتاج إلى تفعيل القرآن فيها.
المسارات الثلاثة لتفعيل أثر القرآن
المسار الأول: هو كيف يحفظ القرآن الكريم الدين والتدين على المسلمين في أوروبا، خاصة الجيل الثاني وما بعده؟
لماذا الجيل الثاني وما بعده؟ لأن عقبات الانتفاع بالقرآن التى تواجه الجيل الثاني وما بعده، أشد من عقبات الانتفاع بالقرآن الكريم التي تواجه الجيل الأول؛ ولأن الضغوط على الدين والتدين من شبهات وشهوات، وتحديات مختلفة عليهم (على الجيل الثاني وما بعده) أشد من الجيل الأول؛ لذلك وجب أن تكون هناك عناية أكثر بالجيل الجديد في الإجابة على هذا السؤال:
كيف يكون القرآن الكريم وسيلة لحفظ الدين والتدين على المسلمين في السياق الأوروبي؟
المسار الثاني: هو كيف يمكن أن يكون القرآن الكريم وسيلة لتحقيق البلاغ المبين، والتعريف الإسلام للمجتمع الذي نعيش فيه، أو لغير المسلمين؟
المسار الثالث: كيف يكون القرآن الكريم لإصلاح وترقيق القلوب، وتزكية الأنفس؟
هذا المسار مهم للغاية؛ لأن التشويش على الروح وعلى القلب، من أهم سمات هذا الزمن، فدائما ما أقول أن لكل عصر وزمن سمة، وإن أهم سمة لزماننا ولعصرنا في أوروبا أو في غيرها، وفي أوروبا تظهر الإشكالية أكثر، هي: المادية، فكل شيء من حولنا يؤدي إلى جفاف القلب وقسوته، وتصحر الروح.
أثر المادية على العبادات، وقصة إحرام الشباب
عندما تريد أن تأخذ حمامًا روحيًا، تذهب لأداء عمرة مثلًا، أو لأداء فريضة الحج، ستجد أن المادية زاحمتك في قلب الحرمين الشريفين؛ ففي داخل الحرم تجد انشغال الناس بالدنيا، وبالتصويروبالبث المباشر.
وأنت في قلب الروضة الشريفة، وأنت في قلب مشاهد الجلال والرقة، تجد كل مظاهر المادية حاصرتك، من الطعام، إلى المقاهي، إلى كيفية التعامل.
من الأشياء التي أبرهن بها على إشكال المادية، أن أحد الإخوة ينشط مع الشباب وتأطيرهم في بلد من البلدان الأوروبية، قلت له: ما هي الأنشطة الجديدة التي تقومون بها؟
قال لي: نحن نقوم بتوظيف العمرة في تثبيت الشباب على الدين على أتم ما يكون.
ففرحت جدًا؛ لأن العمرة وزيارة الحرمين الشريفين، من أهم الوسائل التي تثبت الإنسان على الدين، ففيه هدى للناس، كما قال الله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران: الآية 96] ، وقد ورد في الحديث (إنَّ الإيمانَ لَيَأْرِزُ إلى المَدِينَةِ كما تَأْرِزُ الحَيَّةُ إلى جُحْرِها) (رواه البخاري ومسلم)
فالذي يخاف على إيمانه يذهب لتجديد الإيمان في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحية إذا خافت على نفسها ماذا تفعل؟ تهرب إلى الجحر، فالمدينة هي جحر الإيمان ومستقره، فالذي يخاف على دين أولاده يجدد إيمانهم في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لكن انظروا ماذا فعل هذا الأخ مع هؤلاء الشباب، قال: ذهب معنا خمسون شابًا، ولبسوا ملابس الإحرام، وتعاهدوا على أن يصلوا في الصف الأول قُبالة الكعبة مباشرة، والتقطوا صورة رائعة (انظروا للمادية) وهم جميعًا يصلون في الصف الأول عند الكعبة، وأخذ يتغنى بهذا الإنجاز العظيم.
خطر مباشرة على ذهني خاطر، فقلت له: هل كانوا محرمين حقًا بالعمرة، أم لبسوا ملابس الإحرام حتى يُسمح لهم؟ لأن الآن لا يُسمح بالطواف للرجال، إلا للمحرمين فقط، في الطابق الأرضي.
قال لي: لا، طبعًا لبسوا ملابس الإحرام، ولم يكونوا مُحرمين، فقد أنهوا العمرة.
إذًا فقد استباحوا الكذب؛ وأنا في العمرة الأخيرة، أديت العمرة قبل الفجر بساعة، وتحللت بالحلق، ثم عدت مرة أخرى إلى الحرم، فقلت أنتهز فرصة لبسي لملابس الإحرام وأدخل إلى الكعبة وأستمتع برؤيتها أو بالطواف مرة أخرى أو بالصلاة بالقرب منها، فما استراحت نفسي بعد أن دخلت للحرم مرة أخرى، خرجت لأني بهذا اللباس أقول للحارس أنا محرم، وأنا لست بمحرم، فأنا أكذب.
كيف أكون في قلب الحرم بجلاله، وبما عزمت عليه من توبة وإصلاح حالي مع الله سبحانه وتعالى، وأفعل هذا الأمر؟!
بصرف النظر عن صحة هذا القرار التنظيمي من عدمه، أنا أتكلم الآن عن الموقف الشرعي، فعندما يسألك الشرطي ويقول لك: “هل أنت محرم؟” تقول له باللباس: “نعم أنا محرم”، وأنت لست بمحرم، أليس هذا كذبًا؟!.
الأعداد الكبيرة التي تنزل للطواف، إذا تسابق كل الناس وفعلوا نفس الفعل، هل يستوعبهم صحن الحرم في الطابق الأرضي؟! مستحيل أن يستوعبهم.
فالمادية حاصرتنا، فلو كان الدافع فقط هو التقرب من الكعبة، والاستمتاع بالطواف حولها، لقلنا دفعهم لذلك الشوق؛ لكن الصورة هي التي دفعتهم لفعل ذلك، المشهد المادي هو الذي دفعهم إلى هذا السلوك.
القرآن أفضل وسيلة للبلاغ والهداية:
القرآن الكريم هو أفضل وسيلة للتزكية، وأفضل وسيلة للثبات على الدين، وأفضل وسيلة للتعريف بالإسلام؛ لكن السؤال: كيف يمكن أن يكون القرآن الكريم مدخلاً ومسارًا فاعلاً في هذه المسارات الثلاثة، التي نحتاج إليها بشدة في الغرب؟
نأخذ المسار الأول: هناك شعور يتعاظم يومًا بعد يوم بوجود خطر على الدين، وأن هذا الخطر شديد جدًا على الدين، خاصةً دين وهوية الأجيال الجديدة، مما جعل الناس تفكر في ترك الغرب، وتغيير المكان حفاظًا على دينهم، ودين أبنائهم؛ وإن كان الواقع العملي يقول: إنك مهما غيرت المكان لن تتغير التحديات، فقد تتلون التحديات، قد تستريح من إشكالية لكن تظهر لك إشكاليات وتحديات أخرى، فالكلام العملي يجب أن يكون في دائرة، كيف أحفظ الدين على ذريتي وأولادي؟
القرآن هو أفضل وسيلة لحفظ الدين والثبات عليه، وهذا بنص القرآن الكريم وبالتجارب العملية
قال الله سبحانه وتعالى {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا} [ سورة النحل: الآية 102]
وقال {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [ سورة الفرقان: الآية 32]
اللغة العربية مفتاح الأمان
أحد الإخوة المهاجرين الأُول إلى ألمانيا، عمره في ألمانيا يقارب الخمسين سنة، سألته: ما هو أخطر تحدٍ على المسلمين، خاصة على الجيل الجديد من أولاد المسلمين في أوروبا، يحتاج إلى عناية؟
قال لي: اللغة العربية، قلت له: ما علاقة اللغة العربية؟ أنا أكلمك عن تحدي الدين، والخطر عليه!!
قال لي: اللغة العربية هي أكبر خطر يؤدي إلى وجود خطر على الدين؛ لأنه إذا ضعفت وضاعت اللغة العربية، فلن تفهم الأجيال الجديدة القرآن الكريم، الذي هو أهم وسيلة لحفظ الدين والتدين، وبالتالي إذا قويت اللغة العربية، واعتنينا بها، قويت العلاقة بالقرآن، وضمنا الثبات على الدين.
في المسار الثاني: لماذا القرآن الكريم هو أهم وسيلة لتحقيق البلاغ المبين للإسلام؟
نحن بوجودنا في الغرب نشكل بوابة كبرى يطل منها غير المسلمين على الإسلام، وأنا ضد فكرة جعل التعريف بالإسلام وإدخال الأوروبيين في الإسلام أولوية أولى بالنسبة للمسلمين.
وهذا الأمر أبرهن عليه ببراهين كثيرة جدًا، فقد تأملت طويلاً في هجرة الصحابة إلى الحبشة، فقد عاشوا فترة طويلة جدًا بين ثلاث عشرة سنة إلى عشرين سنة تقريبًا، وعدد من الصحابة الذين عادوا إلى المدينة بعد قيام دولة الإسلام، رجعوا مرة أخرى إلى الحبشة، هذا يعني أن هناك وجود إسلامي قوي، وعدد كبير من خيار الصحابة، الذين هم أساتذة في الدعوة وفي البلاغ والبيان، وهذا يظهر في حوار سيدنا جعفر بن أبي طالب مع النجاشي، حوار مفحم مبهر واضح جدًا.
كم عدد الذين اعتنقوا الإسلام في خلال هذه المدة الطويلة من الأحباش؟
أعلى الروايات -وهي رواية غيردقيقة- تقول مئة شخص من الأحباش اعتنقوا الإسلام.
كيف يمكن أن يكون هذا الرقم معادلاً للمدة التي عاشها الصحابة في الحبشة، ومناسبًا لنوعية الصحابة الذين كانوا موجودين في الحبشة؟!
لا يستقيم الأمر، فما تفسير هذا؟
تفسيره أن الصحابة لم يجعلوا التعريف بالإسلام، وإدخال الأحباش في الإسلام أولوية أولى بالنسبة لهم، إنما جعلوا الأولوية الأولى بالنسبة لهم: كيف نحافظ على وجودنا وديننا وهويتنا؟
هذا هو الهم الأول الذي يجب أن نحمله، هم حفظ الدين علينا، وعلى أولادنا، وعلى الأجيال الجديدة في أوروبا.
هل معنى ذلك أن ننشغل بهذا الهم، ونترك الدعوة؟
كلا؛ بل الفكرة الأساسية تقوم على أن نفهم الإسلام وأن نعيش به، وإذا سُئلنا عنه أجبنا بأجوبة تحقق البلاغ المبين، وتصرفنا تصرفًا يحقق هذا البلاغ المبين.
فمثلًا: المسلم الذي في أستراليا “أحمد الأحمد” الذي قام بدفع الجاني المعتدي، وقلل عدد القتلى بشكل كبير جدًا، في حادث إطلاق النار في مدينة سيدني، هذا حقق البلاغ المبين، وكفى المسلمين في أستراليا، وفي الغرب، شرورًا ومضار كثيرة جدًا بهذا الفعل، الذي جسد فيه قيمة من قيم الإسلام، وهو رجل بسيط.
مفتي أستراليا يقول زرته وسألته: ما الذي دفعك إلى هذا الفعل؟ قال: فطرتي وإيماني، الذي يقول يجب أن تحمي الناس وتدفع عنهم، لم أتردد ولم أفكر في حياتي، ولا في الخطر الذي يمكن أن يقع لي لو قمت بمدافعة هذا المعتدي.
وهكذا كان كثير من المسلمين سببًا بسلوكهم في اعتناق أُناس للإسلام، ومنهم من كان سببًا أيضًا في صد الناس عن الإسلام، وهذا الأمر راجع إلى سوء الفهم، أو إلى سوء العمل من المسلمين، فمن المسلمين من هو قدوة صالحة في التعريف بالإسلام، ومنهم من هو قدوة سيئة منفرة من الإسلام.
لماذا القرآن الكريم هو وسيلة البلاغ المبين للإسلام؟
لأن القرآن الكريم هو وسيلة البلاغ المبين القديمة للإسلام، فإذا رجعنا إلى قصص اعتناق الصحابة للإسلام، سنجد أن تسعة وتسعين بالمئة منهم اعتنقوا الإسلام لما استمعوا إلى القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من سفرائه.
فمثلًا: سيدنا مصعب بن عمير لما كان مع سيدنا أسعد بن زرارة ومع أسيد بن الحضير، ومع غيرهم من الذين استمعوا إلى القرآن من سيدنا مصعب، فاهتدوا إلى الإسلام بسبب القرآن.
جبير بن مطعم وهو كافر عندما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم معاندًا كافرًا، استمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في سورة الطور (الآيات 35-37): {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ} [سورة الطور: الآيات 35-37]، يقول وهو كافر: “كاد قلبي أن يطير” وفي رواية ينخلع.
سيدنا الطفيل بن عمرو الدوسي أسلم بسبب سور سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما هي السور التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
استمع إلى البقرة، آل عمران، الإخلاص، الفلق، استمع إليها من رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: اعرض عليَّ الإسلام، ماذا يقول الرجل إذا أراد أن يدخل الإسلام؟
رغم أن المشركين قالوا له إياك أن تستمع إلى هذا الرجل؛ لأنه يسحر الناس بكلامه، ويفرق بين الرجل وأخيه، وبين الرجل وابنه، وبين الرجل وزوجه
قال: فوضعت كرسفًا (قطنا) في أذني حتى لا أسمع، فأبى الله إلا أن يسمعني كلامه.
سيدنا عمر بن الخطاب، هذا الرجل الذي أتعب المؤرخين، وكتاب السير بمناقبه ومزاياه، بأي شيء أسلم، وتحول هذا التحول من الكفر إلى الإيمان؟ بآيات استمع إليها من صدر سورة طه.
قصص إسلام الأوربيين والبحث عن السعادة
تابعت عددًا من الأوروبيين الذين اعتنقوا الإسلام، خاصة المشتغلين بالفكر والفلسفة منهم، فوجدت أن المدخل والمفتاح الأساسي الذي دفعهم إلى اعتناق الإسلام أو التفكير فيه، هو موقف اقتداء عملي قادهم إلى قراءة القرآن أو الاستماع إليه، فهداهم الله سبحانه وتعالى إلي الإسلام وفهمه.
مثلاً محمد أسد، هذا الرجل المعروف بكتاباته الكثيرة، والتي منها ترجمته للقرآن الكريم، وكتاب “الرحلة إلى مكة”، كيف أسلم؟ بأي سبب أسلم؟
أحد أصدقائه أهداه نسخة من القرآن الكريم، بقيت عنده لم يقرأ فيها، وبعد الحرب العالمية ركب الحافلة هو وزوجته في مدينة برلين في ألمانيا، ونظر في وجوه الناس وقال: إنهم ليسوا سعداء، رغم أن البلد بدأت تنتعش اقتصاديًا، والناس قد تحسنت معيشتهم، فالمفترض أن يكونوا سعداء!!.
زوجته كانت فنانة تشتغل في الرسم، فيمكنها قراءة لغة الوجوه والعيون، قال لها: ماذا ترين؟
قالت: ليسوا سعداء، وجوههم لا تقول إنهم سعداء.
فأراد أن يبحث عن تفسير وسبب لعدم سعادتهم؛ رغم أن أسباب السعادة موجودة، فقال: لما رجعت إلى البيت، فتحت المصحف فإذا بي أفتح على سورة التكاثر {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ . حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [الآيات 1-2]
ألهاكم التكاثر!!، هل هذا هو الجواب على هذا السؤال الذي حيرني أنا وزوجتي؟! ليسوا سعداء لأن التكاثر ألهاهم!!
فقال: مستحيل أن يكون هذا الكتاب من صنع بشر، أو من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم، فذهبت إلى صديقي وأعلنت إسلامي، فقال لي: أنت إذًا اسمك محمد أسد، وبدأت الرحلة الطويلة في التأليف، والحديث والدفاع عن الإسلام.
الدكتور/ مراد هوفمان الباحث والمفكر الألماني، الذي أحدث زلزالًا بإسلامه، كيف أسلم؟
أسلم بموقف عملي قاده إلى القرآن الكريم، فقد كان سفيرًا لألمانيا في الجزائر أثناء الحرب، زوجته أصيبت بنزيف، وحالتها كانت خطيرة جدًا، ولا توجد مستشفى، ولا توجد سيارة إسعاف يمكنها المجئ إلى البيت، سائقه خاطر بحياته، وأخذ زوجه وذهب بها إلى عيادة خاصة، وتبرع لها بالدم.
بدأ يفكر في هذا الفعل والسلوك الذي فعله سائقه، رغم أنه يعلم أن الغرب يحارب بلده، ويقتل أهله، ومع ذلك يُقدِم على مساعدة زوجته، ويخاطر بحياته ويتبرع لها بالدم!!
هذا الموقف الإنساني لابد أن يكون بدافع إيماني، الإسلام هو الذي يدفعه إلى هذا السلوك وإلى هذا الفعل، فعاد إلى القرآن الكريم وبدأ يقرأه، فوقف على آية في القرآن الكريم هي التي حولت فكره وعقله إلى الإسلام، ما هي هذه الآية؟ قول الله تعالى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [الإسراء:الآية 15]
جيفري لانج عالم الرياضيات الأمريكي المعروف، وهو رجلُُ مبدعُُ في الحديث عن القرآن والإسلام، وقد تجول على الأديان كلها، قبل أن يشرح الله تعالى صدره للإسلام، كان القرآن سبب إسلامه، لما قرأ قصة سيدنا آدم في سورة البقرة، ورأى أن هذه القصة، وأن هذه السورة تجيب على كل أسئلته.
تحديات التدبر والفرق بيننا وبين الصحابة
هل القرآن الكريم اليوم بالنسبة لنا في أوروبا هو وسيلة صحيحة تعُرف بالإسلام؟
يمكن أن يكون كذلك؛ لكنه وسيلة ناقصة، لماذا؟!
وسيلة ناقصة بسبب اللغة، فجبير بن مطعم ما الذي دفعه إلى أن يقول كاد قلبي أن يطير؟
اللغة؛ لأنه عربي لما سمع الآية باللغة العربية، عرف ما فيها، فـقال: “كاد قلبي أن يطير”.
فهل ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية، أو إلى أي لغة أوروبية، توصل المعنى المراد للآية بإعجازه بإبهاره؟ لا تحقق هذا.
فماذا نفعل؟
هذا ما نريد أن نجيب عليه في هذه المدارسة، وفي هذه الدورة العلمية بأجزائها الثلاثة، نحاول أن نقدم مقاربة في هذا الباب لنا ولغيرنا، فلو قارنا بين حالنا مع القرآن وبين حال الصحابة، ما الفرق بين تلقينا نحن عرب اليوم للقرآن، وبين تلقي الصحابة؟
لماذا تأثر الصحابة، حتى قبل إسلامهم بالقرآن، هذا التأثر الذي أحدث عندهم هذا التحول؟
ولماذا رغم حفظنا للقرآن الكريم كاملاً، واستماعنا إليه في الصلوات بصوت ندي، لا نجد الأثر أو التغيير؟
لأن الصحابة كان لديهم ثلاثة أشياء ليست موجودة عندنا، أو أنها موجودة لدينا؛ لكن بها ضعف وخلل، وهي:
أولًا/ الذائقة اللغوية:
الذائقة ليست مجرد معرفة اللغة؛ بل التذوق اللغوي.
ثانيًا/ الصفاء الذهني:
فلم يجود في زمانهم ما يشوش أذهانهم، كما لدينا اليوم من مشوشات، فأي مجلس نستطيع أن نجلس فيه اليوم، ونصبر على عدم الاتصال بالهاتف، أو نصبر على أي شيء آخر يشغلنا لمدة نصف ساعة؟ مستحيل تجد شيئًا كهذا اليوم، فالذهن مشوش طول الوقت
ثالثًا/ التعطش للإيمان:
فهناك فراغ روحي هائل جدًا، لا يُملأ إلا بالإسلام.
هذه الثلاثة عناصرعندنا خلل فيهم؛ فالذائقة اللغوية فيها مشكلة، والصفاء الذهني فيه إشكال أكبر، وبالنسبة للتعطش للإيمان فنحن نشعر أننا مؤمنون مسلمون والحمد لله، ونحن بخير وعلى خير، بعكس حال الصحابة قبل أن يستمعوا إلى القرآن، فعندما استمعوا القرآن صادف هذا، وسنذكر نماذج لهذا الأمر بعد قليل.
الاستشفاء بالقرآن والغفلة في رمضان
أحد الأئمة جاءه رجل يشكو له من تعثر حاله، واضطراب أموره مع زوجته وأولاده، وعدم توفيقه في عمله، ويرى أنه ممسوس أو مسحور، يريد أن يُقرأ عليه رقية بالقرآن.
وهذا من المفارقات العجيبة، فالقرآن بالنسبة لنا اليوم قد ربطناه بالأموات وليس بالأحياء، فلا نتذكره إلا عندما يموت أحد، فنقرأه عندما يحتضر، أو بعد أن موته، أو على قبره، أو نقرأه على المسحورين والممسوسين والمرضى، مع أن ربنا سبحانه وتعالى قال {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا} [يس: الآية 70]
وليس لينذر من كان ميتًا، بعد موته، أو عند احتضاره!!.
فقال له الإمام: يبدو أن لديك شيء نفسي، فلا تحتاج إلى رقية، فلن تفيدك ولن تنفعك، فاذهب إلى طبيب نفسي يساعدك.
ذهب بالفعل، وقال له الطبيب: فعلاً، لديك مشكلة نفسية، ودله على مستشفى في ألمانيا.
ذهب إلي المستشفى، وأعطوه خيارات لغرف معينة، ليدخلها ويسترخي ويستمع إلى موسيقى مثلاً هادئة، مع استرخاء حتى ينسى الهموم، ويحاول أن ينفصل عن العالم الخارجي شيئًا ما
يقول: نظرت إلى أكثر غرفة عليها زحام، وأعداد كبير من الناس، فقلت: لاشك أن هذه الغرفة مجربة وفيها الشفاء، وانتظرت حتى جاء دوري، فدخلت واسترخيت، ووضعت سماعة الأذن، فوجدت تلاوة قرآنية بصوت الشيخ/ عبد الباسط عبد الصمد “رحمه الله”!
فقال : فقلت لهم هذا قرآننا، وكتابنا الذي نحفظه، وها أنتم تتأثرون به، رغم عدم فهمكم له، فكيف لو فهمتم؟! وبدأ يطلعهم على ترجمات للقرآن الكريم.
فهؤلاء يطلبون الاستشفاء بالقرآن الكريم، وهم لا يعلمون أنه كتاب الله تعالى، وكلامه وكتاب المسلمين، فقط يستمعون له بصوت القارئ المؤثر، فيستريحون بسماع القرآن من الهموم!.
هل فكرنا في استثمار شهر رمضان، شهر القرآن في التعريف بالإسلام ؟
والأفكار التي يمكن أن نستثمر بها القرآن الكريم في شهر رمضان، في التعريف بالإسلام، كثيرة جدًا؛ لكننا في غفلة شديدة في هذا الباب، وفي هذا الميدان.
كيفية الاستفادة بالقرآن لتحقيق المسارات الثلاثة
بعد ما ذكرناه من مسارات ثلاثة نفتقر إليها في السياق الأوروبي، كيف نستفيد بالقرآن؟ كيف يكون القرآن الكريم وسيلة لتحقيق هذه المسارات الثلاثة تحديدًا؟
كيف يكون القرآن الكريم وسيلة للثبات على الدين، وحفظ التدين؟
كيف يكون القرآن الكريم وسيلة لتحقيق البلاغ المبين للإسلام؟
كيف يكون القرآن الكريم وسيلة للتزكية وإصلاح القلوب؟
للإجابة على ذلك، لابد أولًا أن نتخلى عن الحجب والموانع التي حجبتنا عن القرآن.
هل هناك حجب حجبتنا عن القرآن؟! نعم هناك حجب حجبتنا عن القرآن، كما أنك قد تأخذ الدواء ولا تنتفع به، وقد تكون مريضاً ولا تدرك ذلك، وقد تُخبر بأنك مريض وترفض الذهاب إلى الطبيب، ليخبرك بحاجتك إلى العلاج، هذه كلها حُجبُُ وموانعُُ تمنعك من التعافي، كذلك هناك حُجب وموانع تمنعنا عن القرآن، وفيما يلي أهم تلك الحُجب
الحجاب الأول: الانشغال بالحروف عن الروح
تكلم الإمام/ أبو حامد الغزالي “رحمه الله” عن حجب فهم القرآن، وذكر أن أول حجاب يحجبنا عن القرآن، أن يكون الهم منصرفاً إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها.
فنركز على صفات الحروف، ومخارجها، وأحكام التجويد، والمدود والغنة، ونترك الآية والتأثر، وروح القرآن، والتجاوب مع كتاب الله عز وجل.
الشيخ/ محمد الغزالي “رحمه الله” له كلمة لطيفة جدًا يعبر بها عن هذه الإشكالية يقول: “كل الأمم تقرأ لتتعلم، ونحن نتعلم لنقرأ”.
أي: كل الأمم تقرأ حتى تتعلم العلم وتقرأه، ونحن نتعلم التجويد لنقرأ به القرآن، وهذا ليس انتقادًا للتجويد في حد ذاته؛ إنما ينتقد الاستغراق وقضاء العمر في تحقيق الحروف، ثم يؤدي الانشغال بتحقيق الحروف، إلى الانصراف عن القرآن الكريم، وهداياته وروحه والتأثر به.
وبالتأكيد الكلام نفسه ينطبق على ما شاع وانتشر الآن من قراءة القرآن بالمقامات، والتحبير، وتجميل الصوت، وتحويل الوسيلة إلى غاية.
فتحسين الصوت بالقرآن، وهذه الأشياء كلها، هي وسيلة حتى تتجاوب وتتفاعل مع القرآن، فيحضر القلب، وتحضر الروح، فتنتفع بهدايات القرآن، وليست هي القصد في حد ذاتها.
تزيين القرآن بالصوت والتحذير من الغلو
تزيين القرآن بالأصوات الندية أمر مطلوب؛ لأنك عندما ستستمع إلى القرآن من صاحب صوت ندي حسن، من المؤكد أن قلبك سيخشع، وسيتفاعل وسيتدبر؛ لكن لا تتحول الوسيلة إلى غاية، كما هو واقع مثل الآن من التمركز حول المقامات والصوت، وأنا أرى أن هذا التمركز، يدخل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم“يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم” (أخرجه البخاري ومسلم)
ترى القارئ يقرأ آية تزلزل الناس، وتخلع القلب، ويبتسم الذين حوله!!، وتراه يُحيي الحضور كأنهم جالسين في مجلس طرب؛ وليس مجلساً خاشعاً يقرأ فيه كلام الله الذي قال عنه:{إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْل} [سورة الطارق: 13-14] و {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِه} [سورة ص: 29] وليس للطرب والتمايل والتراقص، فهذه بدعة، وتخدير للناس بالقرآن.
ولا يفهم من كلامي هذا أننا ضد التجويد؛ كيف؟ وقد قال الله {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [سورة المزمل: 4]
ونحن نفتخر ونفاخر بأن كتابنا القرآن الكريم، هو الكتاب الوحيد الذي يقرأ بغنة ومد، ونحن اليوم نقرأ القرآن الكريم كما أقرأه سيدنا جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما استمع إليه من المولى الجليل سبحانه وتعالى تماماً.
فعندما تأخذ إجازة من شيخ يقول لك: وقرأته عن الشيخ فلان، وعن الشيخ فلان، عن أبي بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن سيدنا جبريل، عن المولى الجليل سبحانه وتعالى، انظر أنت متصل إلى أين؟ هذا أمر ضروري لابد منه، ويجب أن يبقى هذا العلم في الأمة، ويجب أن يكون فيه أهل اختصاص؛ لكن بشرط ألا يصرفنا عن هدايات القرآن.
وأن نفرق بين مختص ومعلم، ومتقن ومجيز، وبين عموم الناس. لا نحن نريد عموم الناس.
لقد أشفقت على أحد المسلمين الجدد، وقد اعتنق الإسلام بالأمس، ومعلمه الذي يحفظه الفاتحة، يعامله كما يعامل العربي القح، الذي لابد أن يخرج الغنة والمد، والصفة بنفس الشكل!! مثل هذا يجب أن نترفق به؛ لكي لا يُعقد ويبقى في الفاتحة طوال عمره!!
الحجاب الثاني: الذنوب والمعاصي
الإصرار على ذنبٍ، أو الابتلاء بمعصية من المعاصي، يتسبب في حجب الإنسان عن القرآن، فإن القلب مثل المرآة، والقرآن الكريم مثل الصورة التي تظهر في المرآة، فإذا وقفت أمام المرآة ترى صورتك؛ لكنك لو وقفت أمامها ولم تر صورتك، فهذا يعني أن هناك شيئاً غطى على المرآة فحجب الصورة.
قال الله {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [سورة الأنفال: 2]
فإذا تليت عليك آيات القرآن الكريم، واستمعت إليها، وما أحسست بوجل في قلبك، ولم تدمع عينك، فهذا لوجود خلل في القلب، فهناك شيء قد غطى المرآة، هذا الشيء هو الذنوب والمعاصي، ولابد من تنظيف هذه المرآة حتى تظهر الصورة، ويظهر أثر القرآن الكريم في القلب.
كيف ننظف هذه المرآة؟
على حسب ما يوجد على المرآة، فإذا كان يوجد عليها تراباً خفيفاً، فستنظف المرآة بأبسط شيء كقطنة صغيرة، ولو كان كثيفاً سميكًا؟ فسيحتاج لجهد أكبر، وإجراءات أكثر؛ لكي نقدر على تنظيفها.
إعجاز القرآن الدائم
القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى لنبينا صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك لما طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم آية حسية، قال الله لهم {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} [سورة العنكبوت:51]
فأنت لست محتاجاً لآيات حسية لوجود هذا الكتاب المعجز.
الدكتور/ محمد أبو موسى هذا العالم البلاغي النحرير -حفظه الله- كان يسأل طلابه: ما أكبر مظهر إعجازي في القرآن الكريم؟
قالوا له: أن الله سبحانه وتعالى تعبدنا بتلاوته.
قال لهم: لا، إن القرآن الكريم يحتوي على كلام المشركين الذين يأثمون به، ونحن نؤجر على تلاوة كلامهم، وهذا لا يكون لشيء إلا للقرآن الكريم.
فالقرآن الكريم هو المعجزة الكبرى للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن المعجزات الحسية تنتهي بانتهائها.
فلولا أن القرآن الكريم حدثنا عن ناقة صالح، وعن سفينة نوح، وعن امتناع النار عن إحراق سيدنا إبراهيم، وعن معجزات سائر الأنبياء، لما كنا سنعرف أن هذه المعجزات قد حصلت؛ لكن القرآن موجود بين أيدينا اليوم.
فلو تخلينا عن الحُجب، سيحصل لنا ذات الأثر الذي حصل لمن سبقنا، فكل واحد منا يراجع مرآته ويشتغل على تنظيفها.
الحجابان السابقان هما من الحجب التي ذكرها الإمام/ الغزالي؛ أما الحُجب التالية، فهي حُجب جديدة معاصرة، ظهرت في زماننا، ولم تكن موجود عند من سبقونا.
الحجاب الثالث: القرآن قبل الإيمان
المقصود بهذا الحجاب، أننا تعلمنا القرآن الكريم قبل الإيمان، ونحفظ أولادنا القرآن الكريم قبل أن نعلمهم الإيمان، وقبل أن نعرف أوامر القرآن الكريم، وقبل أن نعرف الآمر الذي أمرنا بهذه الأوامر.
ما الإشكال في هذا؟ الإشكال أن هذا يتعارض مع منهج النبي صلى الله عليه وسلم، يقول سيدنا جندب بن عبد الله “كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً” (أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني)
فتيان حزاورة، أي: في عمر من ست سنوات إلى عشر سنوات.
هذا الحديث مبهر، يجعلني أتوقف أمامه كثيرًا، فالرسول عليه الصلاة والسلام الذي عنده جبهات داخلية، وخارجية، ومنافقون، ودولة مهددة، ودعوة؛ ومع ذلك مشغول بالفتيان الحزاورة الذين عمرهم ست سنوات، يعلمهم الإيمان قبل القرآن!!
هذا لأنهم هم الذين تبنى عليهم الدولة، ويبنى عليهم المجتمع، وهم الذين سيبلغون الدعوة والرسالة بعد ذلك، فعلمهم الإيمان قبل القرآن.
إذًا فغرس فيهم الإيمان في الصغر قبل القرآن، ثم تعلموا القرآن فازدادوا به إيماناً.
وجدت ثلاث روايات لهذا الحديث: رواية سيدنا جندب بن عبد الله، ورواية سيدنا حذيفة بن اليمان، ورواية سيدنا عبد الله بن عمر، الثلاثة يقولون نفس الكلام، ثم يقولون: “وإنكم اليوم تعلمون الإيمان قبل القرآن وسيأتي بعد ذلك زمان يتعلم الناس فيه القرآن قبل الإيمان” وهو زماننا نحن.
خطورة تقديم القرآن على الإيمان
هذا الحديث أجاب لي عن حالات اطلعت عليها لشباب ألحدوا وهم يحفظون القرآن، ويحملون إجازة بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن، ويقولون: ما الذي يضمن لنا أن هذا القرآن كلام ربنا؟!
كيف يمكن لحافظ للقرآن الكريم، وكان يؤم الناس ويصلي بهم بهذا القرآن، أن يكون هذا كلامه وحاله؟!
لإنه تعلم القرآن قبل الإيمان، وحفظ القرآن قبل الإيمان.
وهذه هي الخطوة الأولى إذا أردنا أن نصلح علاقتنا مع القرآن الكريم، وأن نجيب على الأسئلة الثلاثة: “كيف؟”
فالإجابة على الثلاث أسئلة، أن نتخلى عن هذه الحجب، وأن نعيد وزن المعادلة، بأن نتعلم الإيمان قبل القرآن.
هل هذا صعب؟ لا، ليس صعباً، فمفردات الإيمان المعروفة سهلة جداً أن نتعلمها، فلماذا لا تقوم المساجد بعمل مخيمات للأطفال من سن ست سنوات إلى عشر سنوات، ويسمونها مخيمات “الحزاورة” كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ لماذا لا تقوم العائلات والأسر في البيوت، بتعليم أولادها الإيمان قبل القرآن، أو على الأقل التعادل والتوازي؟
قصة الأعرابي والتدبر الفطري
انظروا إلى هذا النموذج، الذي سمعنا عنه كثيرًا؛ لكننا لا نتأمل فيه من هذه الزاوية.
قال الأصمعي: “دخل علي أعرابي جلف، جاف جريء، يتقلد سيفه على قعود له”.
انظر لحالة هذا الرجل الأمي الجاهل من البادية لا يعرف أي شيء؛ لكنه تعلم الإيمان ولم يتعلم القرآن.
قال الأعرابي للأصمعي: من أنت؟ قال: أنا الأصمعي.
قال له: من أين جئت؟ قال: جئت من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.
فقال له هذا الرجل الأعرابي الجلف الذي لا يعرف شيئاً: “هل للرحمن كلام يتلى؟”، هو لا يعرف أن هناك شيئاً اسمه قرآن، ولا أن للمولى الجليل سبحانه وتعالى كلامًا يتلى أصلًا، ما سمع القرآن قبل ذلك؛ لكنه يعرف الرحمن، يعرف الآمر، الإيمان قد سكن قلبه.
قال له الأصمعي: نعم الرحمن له كلام يتلى، قال له: حسنًا أسمعني من كلام الرحمن.
فقرأ عليه من أول سورة الذاريات، حتى بلغ قول الله {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [سورة الذاريات: 22]
قال له الأعرابي: “حسبك”، ثم قام ونحر ناقته، وقال للأصمعي: أعني على توزيعها، فوزعها على الفقراء ولم يبقَ عنده أي شيء، وفي راوية أخرى: قام فكسر سيفه.
لماذا؟ لأن الرحمن الذي يعرفه، وامتلأ قلبه إيمانًا به، قال له “وفي السماء رزقكم وما توعدون”، فلا يحتاج لشيء.
نحن نقرأ هذه الآيات، ونحفظها، ونحفظ غيرها من الآيات التي تتحدث عن الرزق؛ لكن هل نتعامل مع الرزق اليوم بنفس منطق هذا الأعرابي؟
لا، فمن فقد عمله، أو من يعمل ولديه تأمين، ورصيد مالي، تجد عنده قلق وخوف، على رزقه وعمله من مجريات أحداث السياسة العالمية، والتضخم والتقلبات الإقتصادية، كيف ونحن نقرأ القرآن، ونقرأ هذه الآيات عن الرزق؟ لأن الإيمان لم يسبق تلاوتنا للقرآن.
بعدها بسنوات رأى الأصمعي هذا الرجل الأعرابي، يطوف معه حول الكعبة في الحج، فعرفه.
فقال الأعرابي: ألست أنت الذي كنت تتلو كلام الرحمن؟ هل عندك كلام ثانٍ من كلام الرحمن؟
قال له: عندي، فأكمل له من سورة الذاريات من حيث توقف، فقال {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [سورة الذاريات: 22-23].
قال الأعرابي: “أغضبتموه حتى حلف؟ من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟
كأنه يقول: يكفي عندي أن المولى الجليل الذي آمنت به، ولم أسمع كلامه قبل أن ألتقيك يا أصمعي، يكفي أن يقول وفي السماء رزقكم وما توعدون، لماذا يقسم؟!
وظل يكررها، حتى توقف قلبه ومات وفاضت روحه.
لماذا حصل كل هذا التغير؟ بسبب الإيمان، إنه يعرف المولى الجليل سبحانه وتعالى، وهذا أكبر تحدٍ بالنسبة لنا مع أولادنا.
تجديد الدرس العقدي
دائماً أقول أننا محتاجون لإعادة النظر في أمرالدرس العقدي، فهل الدرس العقدي اليوم يجعل الإنسان الذي يدرسه، يزداد إيماناً ويتحرك الإيمان في قلبه؟ أم أدخلناه في خلافات ونقاشات بين الأشعرية والمعتزلة والسلفية، ونختلف في فروع العقيدة، وأصل الإيمان نفسه غير موجود؟
الشباب يلحد، والعلماء الذين وظيفتهم رد الشباب إلى الدين منشغلون بفروع تفصيلية جزئية، الخلاف فيها لن ينتهي، ويتم توظيفها طول الوقت توظيفاً سياسياً خاطئاً قبيحاً.
إذًا فإحدى أهم الخطوات العملية الأولى، هي أن نتخلى عن الحجب، فمن أراد أن يكون في شهر رمضان حاله مختلفاً مع القرآن الكريم فليراجع هذه الخطوات التي نتحدث فيها، فأول شيء تبدأ بالحجب وتحاول أن تتخلى عنها.
إبدأ بتطهير قلبك، انظر إلى مرآتك، نظف المرآة حتى تظهر الصورة، وستجد أن علاقتك مع القرآن الكريم هي علاقة مختلفة تماماً.
راجع قضية الإيمان في قلبك، تعرف على الآمر، عمق إيمانك بالآمر، قبل أن تقرأ أوامره في القرآن الكريم، وهذا أمر يمكن أن تكون له برامج وحلقات، وسهل جداً أن نحصله.
الحجاب الرابع: الحجاب الشبكي، وتشتت للذهن
هذا حجاب جديد عندنا الآن، فالهاتف اليوم والشبكات هي أكبر حجاب يحجبنا، ويشتت أذهاننا عن التأثر والتجاوب مع القرآن الكريم.
سألت طبيباً مختصاً في المخ والأعصاب، قلت له: هل عندكم دراسات على تأثيرات الهاتف والمقاطع القصيرة السريعة المتناقضة؟ فنشاهد مقطع دموي من غزة، بعده مقطع راقص، بعده نكتة مضحكة، بعده خبر علمي، وهي متتابعة، كيف يمكن أن يتحمل العقل هذا الضغط؟!
قال لي: عندنا دراسات بأنها تدمر العقل وتشتته، وعندنا تخصص طبي في طور النشوء والتكوين الآن، اسمه “أمراض الهاتف”، ومن بين أهم أمراض الهاتف التشتت.
ولذلك أنا أقول لك لا تقرأ وردك من الهاتف؛ لأنك إذا قرأت وردك القرآني من الهاتف ستلمح رسالة جاءت، والمشكلة ليست في مجرد الرسالة بل في مضمونها الذي ستنشغل به.
الصفاء الذهني الذي تكلمنا عنه ضروري، فالقرآن لن يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فلا تظن أنك ستصل لدرجة أن تزداد إيماناً، وتدمع عينك من خشية الله، وأنت في عالم ثانٍ، وأنت بالكاد تمر على الحروف!.
الخبراء الآن يقومون بدورات عن كيفية التخلص من الهاتفك، وكيفية الانتقال من سيطرة الهاتف علينا إلى أن نتحكم نحن فيه.
ولذلك أعتبر أن شهر رمضان هو أهم فرصة يجب أن ندخلها جميعاً، ونقوم بما يسمى “الصيام الشبكي” الذي يعني أن أصوم عن الهاتف.
لا أقول لك انقطع تماماً وبالذات أولادنا؛ لأن هذا هو الابتلاء الكبير الآن الذي يضيع الدراسة، ويشتت العبادة، ويضعف كل شيء، ويؤثر على كل شيء سلباً.
تنظيف المرآة يكون بترك الذنوب والمعاصي، ومن بينها الهاتف؛ لكن أنت محتاج أن تجاهد نفسك.
ما هي فكرة الصيام الأساسية؟ المجاهدة والسيطرة على النفس، أنت تسيطر على نفسك في شهوات خطيرة جداً تتحكم في الإنسان: البطن والفرج، فإذا نجحت في السيطرة عليهما ستسيطر على غيرهما.
فعندما تجد نفسك مسيطراً على البطن والفرج، وصمت لله؛ لكن هناك شيء آخر مسيطر عليك، كالمدخن الذي تسيطر عليه السجارة وتتحكم فيه، فالصيام يحررك يجعلك عبداً لله تبارك وتعالى، فالمفروض أن تتحرر من كل ما يسيطر عليك وهذا درس من أهم دروس الصيام.
لا تنتظر لغدٍ؛ بل ابدأ من الآن، إبدأ في التخلي عن الحجب، وصم الصيام الشبكي بأن ترشد الاستعمال، وقلل ساعات التعامل مع الهاتف، فلا يُعقل أن نستيقظ من النوم لنذهب للهاتف، هذا صعب جداً حتى على الدماغ، فالأمر يحتاج إلى مراجعة جذرية.
الحجاب الخامس: حجاب أكدار الأخوة
قد تستغربون من هذا الحجاب، ما علاقة الأخوة بالعلاقة مع القرآن الكريم، وكيف تحجبنا أكدار الأخوة عن التأثر بالقرآن؟!
الله سبحانه وتعالى قال {لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [سورة الحشر: 21]
وقبل هذه الآيات قال {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا
تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [سورة الحشر: 10]
فما العلاقة بين الآيتين؟! كأن أكدار الأخوة تحجبك عن الانتفاع بالقرآن الكريم والتأثر بهداياته، فيجب أن نراجع أخوتنا: أخوتنا المسجدية، علاقتنا مع إخواننا الأشقاء، مع إخواننا في الدعوة، مع المجتمع المسلم.
كل هذا يحتاج إلى مراجعة قبل دخول شهر رمضان، وخلاله.
الحجاب السادس: حجاب الغفلة
سيدنا عبد الله بن مسعود يقول: “تفقد قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر، وفي الخلوات” الثلاثة أماكن هذه يقول فيها: “فإن لم تجد قلبك فاعلم أنه لا قلب لك فسل الله أن يمن عليك بقلب”.
يعني أنت تقرأ القرآن، وعندك ورد منتظم؛ لكن لا تجد قلبك، هو يعتبر أنك هكذا ليس لك قلب.
فكيف بمن لا يقرأ القرآن أصلاً؟ كيف بمن ليس له ورد أصلاً؟!
بعضنا لا يعرف الورد، ولا يعرف ختم القرآن الكريم؛ إلا في شهر رمضان، يدخل شهر رمضان فنبدأ بالعودة للمصحف، ونرجع للورد.
أحياناً لا تعرف عند أي سورة توقفت، أو عند أي جزء، لماذا تنسى؟
لأنك غفلت عن القرآن، لأنك لم تتذوق حلاوته.
يقول لي أحد الإخوة: أنا إذا لم أقرأ وردي من القرآن أمرض -ليس مرضاً نفسياً فقط- بدني يعتل، أشعر بألم في بدني، لا أستطيع التحمل، لابد أن أقرأ وردي.!!
الحجاب الأخير: حجاب اللغة
هذا أخطر وأهم حجاب في تقديري، وهو مؤثر جداً على المسارات الثلاثة.
الإمام الشاطبي له كلام في هذا الموضوع، فقد انفرد من بين علماء الأصول بقوله: إن من شروط المجتهد أن يبلغ درجة الاجتهاد في اللغة، ليس فقط يعرف النحو والفاعل والمفعول؛ بل قال: “لا يكون المجتهد مجتهداً حتى يكون كسيبويه في النحو”.
وقال: “المبتدئ في العربية مبتدئ في الإسلام، والمتوسط في العربية متوسط في الإسلام، والمنتهي في العربية منتهي في الإسلام”.
فحظك من الإسلام بقدر حظك من العربية، طبعاً الكلام فيه مبالغة؛ لأنه يتكلم عن المجتهد؛ لكن هذا معناه: أنه كلما ضعفت اللغة العربية، حتى لو كنت تتكلمها، سيكون عندك مشكلة في التأثر بالقرآن الكريم.
ماذا سنفعل في هذه المشكلة؟
وماذا سنفعل في مشكلة الجيل الجديد الذي لغته العربية أضعف وربما لا يعرفها أصلاً؟ ماذا سنفعل بالنسبة للمسلم الجديد الذي اعتنق الإسلام، وبالتأكيد لن نقدر أن نكلفه بأن يتعلم اللغة العربية ويتقنها حتى يتجاوب مع القرآن؟ كيف يمكن أن نصل إلى مقاربة في هذا الموضوع؟ هذا ما نتكلم حوله إن شاء الله تعالى، في الجزء الثاني من هذه السلسلة القرأنية، سنتكلم عن خطوات عملية تصلنا بكتاب الله عز وجل، ونحاول أن نبدأ في تطبيقها مع أنفسنا قبل قدوم شهر رمضان المبارك وأثناءه، فهو شهر القرآن.