إرسل فتوى

قاعدة: الحاجة التي تَنزِل مَنزلة الضرورة ،وحكم شراء بيت بقرض بنكي(Mortgage)

قاعدة: الحاجة التي تَنزِل مَنزلة الضرورة ،وحكم شراء بيت بقرض بنكي(Mortgage)

من أهم القواعد التي بُني عليها فقه الحضور الإسلامي في الغرب قاعدة:الحاجة تَنزِل مَنزلة الضرورة”

 سواء كانت عامة أو كانت خاصة، وهذه القاعدة من القواعد المهمة في الفقه الإسلامي بشكل عام، ولكن أهميتها تظهر وتبرز بصورة أوضح وأكبر في فقه الحضور الإسلامي في الغرب.

فتكاد أغلب الأمثلة والقضايا، خاصة في باب المعاملات المالية، تَدخل وتؤثر وتتأثر بها هذه القاعدة.

هذه القاعدة وثيقة الصلة بقاعدة: “الضرورات تبيح المحظورات”، بشرط عدم نقصانها عنها.

تعريف الضرورة:

الضرورة هي الحالة التي إذا وصل إليها المكلَّف ولم يرتكب معها الحرام هَلَك أو قارب الهلاك.

تعريف الحاجة:

الحاجة صورة أقل من صورة الضرورة، إذا لم يرتكب المسلم معها الحرام لن يَهلِك ولن يقترب من الهلاك، لكنه سيكون في حالة من الحَرَج والضيق والمشقة.

لهذا يباح له المحرَّم لرفع وتخفيف ومَنع هذا الحرج وتلك المشقة.

لذلك، العلماء اختلفوا اختلافًا كبيرًا جدًا في تعريف وتقييد وضبط هذه الحاجة التي تَنزِل منزلة الضرورة في إباحة المحرَّم.

 إذا أردنا أن نضرب مثالًا لتقريب الصورة في هذه المسألة، في موضوع من أهم القضايا والموضوعات التي تكثر الحاجة والسؤال عنها في السياق الغربي أو الأوروبي بشكل عام، وهي الحاجة إلى السكن.

هل امتلاك السكن في أوروبا بقرض ربوي يدخل في دائرة الضرورة أم يدخل في دائرة الحاجة؟

الواقع أنه لا يدخل في دائرة الضرورة لأن الضرورة مُندفعة بالإيجار والسكن المستأجَر، ولكن السكن المستأجَر عنده عيوب وإشكالات وحرج ومَشقة للساكن فيه، يَجعَلُه حتى ينتقل من هذا الحرج ومن تلك المشقة يمتلك البيت ويسعى إلى امتلاك البيت بالربا.

إذًا، إذا كانت هناك أسرة تقيم في الشارع في برد شديد ولا سبيل لهم بدفع هذا البرد عنهم إلا بامتلاك السكن بالقرض الربوي، فهم في حاله ضرورة لا يختلف أي فقيه في إباحة المحرَّم لهم والربا لهم لامتلاك هذا البيت.

إنما أين الخلاف؟ الخلاف فيما إذا كانت هناك حاجة إلى امتلاك هذا السكن بالربا.

هذه الحاجة هي محل الخلاف الكبير، وهي سبب النقاش الذي لم ينقطع عن الساحة الأوروبية في هذه المسألة وفي هذا الموضوع، سواء مَن أخذ بهذه الفتوى أو لم يأخذ بها.

هل عموم المسلمين في أوروبا في حاجة إلى امتلاك السكن بالقرض الربوي حاجة تَنزِل منزلة الضرورة فيُباح لها المحرَّم وهو الربا أم لا؟

هذا ما نريد أن نناقشه في هذه الحلقة بإذن الله تبارك وتعالى.

لماذا يهتم الناس بهذه القضية؟

 لماذا يسأل الناس كثيرًا عن البيوت؟

حتى مَن اشترى بالمناسبة بعد أن أخذ بالفتوى وامتلك البيت، وسواء مُستمر في تسديد أقساطه أو فَرَغ منها أو غير ذلك، ما زال مُستمرًا في السؤال.

أولًا، لأنها تتصل بالمال، والمال والغنى والفقر هو من أهم القضايا التي تَشغل الإنسان؛ فهو يريد أن يستقر ماليًا، يريد أن يوفِّر ماله، يريد أن يحافظ على ماله.

ثانيًا، يَنشغل الناس بهذه القضية لخطورة الربا لأنه ليس هناك كبيرة أو معصية في القرآن الكريم أو في السنة النبوية توعَّد الله سبحانه وتعالى عليها مثل الربا.

فالزنا محرم والخمر محرم، ولكننا لم نقرأ في كتاب الله آية تقول في شأن الزنا أو في شأن الخمر: ” (فأْذَنوا بحرب من الله ورسوله)، ولكن قرأناها في أمر الربا؛ فطبيعي جدًا أن أي شيء يدخل فيه الربا يخاف الناس منه ويحذر الناس منه ويكثرون من السؤال عنه.

ثالثًا، يهتم الناس بهذه القضية بعقد مقارنة بين مَن اشترى ومن لم يشترِ.

يعني الذين أخذوا بهذه الفتوى واشتروا بيوتًا منذ عشرين سنة أو خمس عشرة سنة عندما صدرت هذه الفتوى تغير حالهم ماليًا، ارتفعت قيمة البيوت التي اشتروها، استراحوا من قضية الانتقال من بيت إلى بيت، تغيرت أحوالهم المادية، تحصَّلوا على ميزات كثيرة.

أما مَن لم يشترِ وما زال في بيت مستأجَر يُعاني وعنده إشكالات.

وأذكر أن رجلًا مسلمًا في ألمانيا حكى لي قصته: يُقيم في ألمانيا منذ أربعين سنة، جَمَع المبلغ الذي دفعه للكِراء على مدار هذه السنوات فوجده مبلغًا كبيرًا جدًا، واضطر للانتقال مُكْرَهًا من البيت الذي أقام فيه أكثر من مرة هو وأفراد عائلته، ولم يستطع أن يستقر في مكان مناسب للأسرة ومناسب للعائلة.

بينما غيره الذي أخذ بالفتوى حصل ميزات كثيرة من ناحية اختيار الموقع ومن ناحية توفير المال، ومزايا كثيرة جدًا حصَّلها مَن امتلاك البيت، سواء كان مُلتزمًا دينيًا يبحث عن فتوى أو سواء أخذها لأنه لا يهتم بجانب الحلال والحرام.

ولعل أبرز الأمثلة التي توضح هذا المعنى الإخوة الباكستانيون في بريطانيا وفي لندن الذين يَتَمَذهَبون بالمذهب الحنفي، فامتلكوا بيوتًا في وسط لندن في فترة مبكرة من فترات وجودهم في بريطانيا، فصاروا من أغنى الأغنياء في هذه البلاد.

فجاء المسلمون الآخرون وقالوا: “ابحثوا لنا عن حل أو عن مخرج إذا كان هؤلاء الإخوة ما أقدموا عليه من توجُّه في امتلاك البيوت هو اتجاه صحيح من الناحية الشرعية، فلماذا نبقى نحن في هذا العَوَز المالي والبيوت المستأجَرة، ويبقى غيرنا من المسلمين أيضًا في هذه الحالة من السَّعة ومن الرخاء؟”

هناك بعض مَن أخذ بالفتوى وامتلك البيوت وقعت له ابتلاءات طبيعية كان يمكن أن تقع لأي إنسان في هذه الحياة، لكن لعملية التشكُّك والخوف الذي سبق قرار امتلاك البيت بالربا فهو يَرُدُّ كل مصيبة تحصل له إلى القرار الذي أخذه وتعامل فيه بالربا. ولذلك نحن بحاجة أن نفهم هذه الفتوى.

ما هي الفتوى التي أصدرها المجلس الأوروبي للإفتاء في هذا الموضوع؟

الفتوى هي أن أي مسلم يعيش في الغرب يعيش في أوروبا يجوز له أن يمتلك بيتًا بالقرض الربوي.

إذًا، المجلس يعتبر أن عقد امتلاك البيوت هو عقد ربوي، لكنه يجيز امتلاك البيت بالربا بشروط ثلاثة:

الشرط الأول: ألا يمتلك المسلم مالًا يشتري به البيت دون اللجوء إلى القرض الربوي، وهذا شرط مهم؛ لأن بعض الناس يقول لك: “أنا عندي نصف مليون يورو أستطيع أن أشتري بها البيت، ولكن أريد أن آخذ قرضًا أشتري به البيت بناءً على الفتوى، ثم أستثمر وأقوم بالتجارة بالمبلغ الموجود معي” حسب الفتوى لا يجوز.

الشرط الثاني: ألا توجد وسيلة تمويلية خالية من الربا في بلد هذا المسلم: بنك إسلامي أو شركة تمويلية إسلامية.

الشرط الثالث: أن يكون البيت الذي سيشتريه المسلم خاصًا بالسكن وليس بيتًا للاستثمار. بعض الناس يقول: “أشتري بيتين، البيت الأول أسكن فيه، والبيت الثاني أستثمره وأُؤَجِّرُه، وبإيجاره أسدد قسط البيت الذي اشتريته وأسكن فيه”.

 هذا أيضًا خطأ، يتعارض مع فتوى المجلس، فالفتوى قائمة على الاستثناء.

هل المجلس أباح الربا؟

وهذا سؤال في غاية الأهمية يطرحه بعض المشاغبين على المجلس وعلى الفتوى ويقولون: “إن المجلس أباح الربا” هذا كَذِب على المجلس؛ المجلس لم يُبِح الربا، ولا يملك أي مسلم أن يُبيح الربا؛ تحريم الربا من القَطْعِيّات. وهناك فرق كبير جدًا بين تحريم الربا وبين تَصَوُّر أو تَصوير الربا وتنزيل هذه الصور على الواقع.

فالمجلس أكد في بداية الفتوى على حرمة الربا وأن الربا من الكبائر ومن الموبِقات، ودعا المسلمين إلى البحث وبذل الجهد للوصول إلى البدائل التي تعينهم وتُمكِّنهم من امتلاك البيوت بعدم اللجوء إلى الربا.

إذًا، المجلس لم يُبِح الربا، بل قال: “إن أي مسلم يعيش في الغرب يجوز له أن يمتلك البيوت بالربا بهذه الشروط الثلاثة التي ذكرناها”.

إذًا، أي مسلم يقيم في الغرب يجوز له أن يمتلك البيت بناءً على هذه الفتوى.

بعض الناس يقول: “أنا طبيب، عندي دخل جيد، وأسكن في بيت واسع ومريح، ولا يوجد عندي أي إشكال في السكن وفي تسديد الإيجار، راتبي جيد، وضعي مستقر. هل يجوز لي أن آخذ بالفتوى؟”

 نعم، يجوز لك أن تأخذ بالفتوى وتمتلك البيت.

فالفتوى تتحدث عن امتلاك البيت وليس استئجار البيت، لأنها لا ترى الحاجة إلى السكن تندفع بمجرد السكن المستأجَر، وإنما ترى أن هذه الحاجة لا تندفع إلا بامتلاك البيت بالربا.

هل يُشترط أن يكون المسلم الذي سيمتلك البيت بالربا ويعيش في الغرب أن تكون عنده مشاكل، عنده أسرة كبيرة، أولاد كُثر، جيرانه يطلبون الشرطة ويَشكون منه، طُرِدَ أكثر من مرة من بيته، إلى غير ذلك من المشاكل؟

لا؛ المجلس لم يشترط كل هذه الشروط للمسلم حتى يُباح له أن يأخذ بهذه الفتوى إلا الشروط الثلاثة التي ذكرناها.

هل يَعتزِم المجلس التراجع عن هذه الفتوى؟

بعض الناس يقول: “إن المجلس سيتراجع عن هذه الفتوى ويوجد اتجاه داخله لهذا”. أبدًا، هذا كلام أيضًا غير صحيح.

لم يتراجع المجلس، ولا ينوي التراجع أو الرجوع عن هذه الفتوى؛ لأنها بُنيت على أساس علمي صحيح.

لماذا وقع خلاف داخل المجلس؟ وهل هناك مؤسسات فقهية أو إفتائية أخرى قالت بهذه الفتوى مثلما قال بها المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث؟

طبيعة دراسة المسائل والقضايا داخل المجلس الأوروبي أو داخل المجامع الفقهية بشكل عام أن الفتاوى لا تصدر منها بالإجماع أو بالاتفاق، إنما إما أن تصدر بالإجماع أو بالاتفاق أو أن تصدر بأغلبية الأعضاء، وعندما تصدر فتوى بأغلبية الأعضاء فهي في النهاية اجتهاد جماعي.

المجلس الأوروبي للإفتاء كان فيه في هذا التوقيت حوالي ثلاثين عضوًا، فعندما تصدر بأغلبية الأعضاء فنحن نتحدث عن أكثر من عشرين فقيهًا وعالمًا قالوا بهذه الفتوى.

إذًا، صدور الفتوى بأغلبية الأعضاء لا يَقدَح فيها أبدًا.

وهناك أعضاء من المجلس عارضوا الفتوى ثم عادوا يؤيدون هذه الفتوى، وهناك العكس، بحسب ما يظهر للمجتهد من رُؤى ومن أدلة ومن حاجات بالنسبة للناس.

ولذلك الإمام العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله ظل لأكثر من عشرين سنة يفتي بحرمة امتلاك البيوت بالربا للمسلمين الذين يقيمون في الغرب، وكان يُحاجِج ويناقش الشيخ مصطفى الزرقاء الفقيه المعروف الذي قال في فترة مبكرة بجواز امتلاك المسلمين في الغرب البيوت بالربا، ثم عاد يقول مثل رأي الشيخ مصطفى الزرقاء ويُبيح للمسلمين أن يمتلكوا البيوت في الغرب بالربا دون حَرَج، لَما وجد حاجات الناس ولَما أطال النظر في هذه المسألة وأطال النقاش مع العلماء وأهل الاختصاص الذين يقيمون ويعيشون على الساحة الأوروبية.

هل هناك هيئات إفتائية قالت بهذه الفتوى مع المجلس الأوروبي للإفتاء؟

 نعم. الهيئة العامة للإفتاء بالكويت قالت بنفس فتوى المجلس، ورابطة علماء الشريعة في أمريكا قالت أيضًا بنفس فتوى المجلس.

إذًا، عندما نقول: “إن المسلمين الذين يعيشون في الغرب يجوز لهم أن يمتلكوا البيوت بالربا”، نحن لا نقول بفتوى يقول بها عالم أو فرد مهما بَلَغ من العلم، لا فقط الشيخ مصطفى الزرقاء أو الشيخ يوسف القرضاوي، إنما ثلاث هيئات ومجالس إفتائية جماعية: المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، الهيئة العامة للإفتاء بالكويت، ورابطة علماء الشريعة في أمريكا.

طيب، ما هو الدليل أو المرتكز الذي ارتكزت عليه هذه الفتوى؟

عندما صدرت الفتوى أول مرة في المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ارتكزت على مُرتكزَين:

المرتكز الأول: هو هذه القاعدة التي ذكرناها: “الحاجة تَنزِل مَنزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة”.

المرتكز الثاني: وهو رأي للإمام أبي حنيفة رحمه الله ومن وافقه أن المسلمين في غير دار الإسلام يجوز لهم أن يتعاملوا بالعقود الفاسدة.

لكن المجلس عندما قام بمراجعة الفتاوى التي صدرت عنه في سنة 2018 في الدورة الثامنة حذف الاستدلال برأي أبي حنيفة، وجعل المرتكز الذي أُسست عليه هذه الفتوى هو مرتكز واحد فقط وهو: “الحاجة تَنزِل مَنزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة”. لماذا؟

لأنه عندما ذُكر الاستدلال برأي أبي حنيفة ذَكَره من قبيل الاستئناس به، يعني ذَكَر أنه فيه شيء من الخلاف في المسألة ورأي لعالم قديم قال بهذا الرأي يمكن أن يَتَنَزَّل بوجه من الوجوه على السياق الأوروبي.

لَما وجد المجلس أن الناس فهموا الاستدلال خطأ استبعده، والمدونة الخاصة بفتاوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث الآن خالية من الاستدلال برأي أبي حنيفة.

إذًا، الدليل والمرتكز الوحيد لهذه الفتوى وهذه القاعدة أن: “الحاجة تَنزِل مَنزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة”.

وقاعدة أخرى من القواعد المهمة جدًا وهي: “مُحرَّمات الوسائل تبيحها المصلحة الراجحة “.

ما معنى هذه القاعدة؟

 يعني أن الشرع إذا حَرَّم شيئًا، هناك من الأشياء التي حَرَّمها الشرع ما هو محرم تحريم وسائل وما هو محرم تحريم مقاصد.

 المحرم تحريم مقاصد هذا لا يباح إلا للضرورة. أما المحرم تحريم وسائل فهذا يباح للمصلحة الراجحة، يباح للحاجة، مثل الصورة التي معنا.

آكل الربا يعني الغني الذي يستغل حاجة الفقير، البنك الذي يستغل حاجة الفقير فيقول له: “سأعطيك عشرة آلاف أو أعطيك مليون يورو وآخذ مئة ألف فائدة”. هذا يأكل الربا، فهذا لا يجوز له أن يتعامل بالربا إلا في حاله الضرورة.

أما المسلم الذي يعيش في الغرب الذي سيأخذ القرض من البنك ليشتري به البيت، فهو يُؤكِلُ البنك الربا ولا يأكل هو الربا.

إذًا، هو يرتكب مُحَرَّمًا من مُحَرَّمات الوسائل وليس مُحَرَّمًا من مُحَرَّمات المقاصد.

النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لَعَنَ الله آكل الربا”. آكل الربا هذا مُحَرَّم المقاصد، ومُؤْكِلَه هذا الوسائل، وكاتبه وشاهديه، وقال: “هم سواء”

فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا سَوَّى أو جَمَع مُحَرَّمات الوسائل مع مُحَرَّمات المقاصد، ولكن سَوَّى في أصل التحريم وليس في رُتبته أو في درجته. فمُحَرَّمات الوسائل أقل درجة وأقل خطرًا من مُحَرَّمات المقاصد، لهذا تبيحها المصلحة الراجحة.

أين هي المصالح الراجحة؟

 أين هي الحاجات التي تَنزِل مَنزلة الضرورة التي نظر إليها المجلس وأسَّس عليها هذه الفتوى؟

المجلس قام بعمل دراسة على السكن وعلى أهمية السكن وعلى الوظائف التي يحققها امتلاك السكن مقارنة مع استئجاره.

فهذه الدراسة أَنتجت أن هنالك فروقًا كثيرة بين مالك السكن في أوروبا وبين مستأجره، وأننا عندما نُمكِّن المسلمين في الغرب من امتلاك البيوت فإننا سنُحقق جملة من الكليات الخمسة: نحفظ الدين ونحفظ المال والعقل والعِرض بهذه الفتوى.

كيف نحفظ الدين بامتلاك البيت بالربا؟

 نحفظ الدين بتمكين المسلم الأوروبي من اختيار موقع البيت عندما يشتريه، فيقترب من تجمعات المسلمين والجيران المسلمين ويقترب من المراكز والمؤسسات الإسلامية، فيحافظ بذلك على الدين من هذا الباب.

كيف نحفظ المال بهذه الفتوى؟

نحفظ المال بالحفاظ عليه، فالمسلم يحافظ على ماله من أن يدفع كل شهر ويضيع عليه دون أن يكون له فائدة أو أن تكون له ثمرة في نهاية الأمر. وأحيانًا المبلغ الذي يدفعه المسلم المالك للبيت يكون تمامًا مثل المبلغ الذي يدفعه في حالة الاستئجار، وربما يكون أقل.

له امتيازات ضريبية مالية، قيمة البيت ترتفع وتزيد، ويكون عنده أمان أيضًا بالنسبة لأسرته ولعائلته.

هذا حفظ العِرض أو حفظ الأسرة من الانتقال ومن تغيير البيت، وتكون هناك بيوت واسعة وغرف لكل فرد من أفراد العائلة في حالة الامتلاك.

أيضًا حفظ العقل بأن يعيش الأولاد في بيوت أفضل، فيدرسون بشكل أفضل ويتعلمون في مدارس بشكل أفضل، وهذا أيضًا يؤدي إلى حفظ العقل.

أيضًا من حفظ المال النظر إلى قضية المعاش والتقاعد؛ لأن هناك دراسات اقتصادية في أوروبا الآن تتحدث عن أنه أغلب رواتب التقاعد التي سيحصل عليها الناس لا تكفي أبدًا لهم ولا تغطي حتى السكن مع الارتفاعات ونِسب التضخم الموجودة في الواقع الأوروبي.

كل هذا لا يُحَل واعتبره المجلس حاجة تَنزِل مَنزلة الضرورة في إباحة القرض الربوي لامتلاك البيوت في الغرب.

توطين الإسلام في الغرب:

أيضًا نظر المجلس إلى نقطة مهمة وهي نقطة توطين الإسلام في الغرب. فالعيش في بيوت مستأجرة مهما عَمَّر أو عاش المسلم في أوروبا، يعيش عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو خمسين سنة، ولكنه يعيش في بيت مستأجَر، لا يعطيه معنى الانتماء والاستقرار في البلد.

والاجتهادات لفقه الحضور الإسلامي في الغرب تسعى إلى توطين الإسلام في الغرب، وإلى اتخاذ الغرب وطنًا لهذا الإسلام، وأن يَحيا المسلمون فيه كمواطنين أوروبيين لهم حقوق وعليهم واجبات.

وكل هذا لا يتم بالبيوت المستأجَرة حسب الدراسات التي قام بها المجلس، وإنما بالبيوت المملوكة.

هنالك مزايا اقتصادية كثيرة يُحصِّلُها مالك البيت مقارنة بالمستأجَر، وهي لا تخفى على أحد يعيش حتى في الشرق ليس فقط يعيش في الغرب.

تبقى قضية البدائل:

 قضية البدائل يعني أننا عندما نقول بمثل هذه الفتاوى أنه يجوز للمسلمين في الغرب أن يمتلكوا البيوت بالربا فإننا نَضُرُّ أو نُعِيق أو نؤثر سلبًا على إيجاد البدائل التمويلية الخالية من الربا كالبنوك الإسلامية وكشركات التمويل الخالية من الربا.

هذا الأمر في الحقيقة بعد دراسة مُطَوَّلة، قضية البدائل قضية مُعقدة جدًا، والمنافسة للبنوك التقليدية ليست بالمسألة السهلة؛ لأنه المنظومة المالية الغربية تقوم على الربا في الأساس؛ حتى إنه مَن يقوم بعملية قرض حَسَن مع شخص آخر، شخص يُقرِض شخصًا عشرة آلاف يورو مثلًا، يقول: “هذه مساعدة” وأخذها منه بعد خمس سنوات، الدولة والمؤسسات الضريبية في الدولة تحاسبه على أنه أخذ عليها فائدة، حتى لو لم يُكتب في العقد أنه أخذ فائدة؛ لأنه النظام المالي لا يَتخيَّل أن تقوم المعاملات بدون هذه الفوائد، فيفترض هو الفائدة ويحاسبه عليها ضريبيًا مثلما قلنا.

ماذا نفعل أمام هذا الاختلاف؟

القضية خلافية؛ المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث قال بإباحة القرض لامتلاك البيوت بالربا مثلما ذكرنا.

هناك مجالس فقهية أخرى عارضت هذه الفتوى.

هناك علماء آخرون عارضوا هذه الفتوى.

ماذا يفعل المسلم الذي يعيش في الغرب أمام هذا الاختلاف؟

باختصار شديد: إن كنت قد اشتريت وأخذت بالفتوى وانتهى الأمر، فلا تُفكر فيه ولا تَعُد النظر ولا تَعُد السؤال لأحد من العلماء في أي مكان.

إن كنت لم تشترِ، فلا أنصح أي أحد أن يأخذ بهذه الفتوى أو أن يشتري البيت بالربا إلا إذا كان مُطمئنًا قلبًا وعقلًا لها.

فإذا اطمأن قلبًا وعقلًا لها هو وزوجته وأفراد العائلة، يَتَوكَّل على الله ويأخذ بهذه الفتوى.

لماذا لا أنصح بالأخذ بالفتوى في حالة التردد؟

 لا أنصح بالأخذ بالفتوى في حالة التردد؛ لأن التردد يزيد أضعافًا مُضاعفة بعد قرار الأخذ بالفتوى.

والمسلم يَحتاط لدينه في كل الأحوال ويحاول جاهدًا أن يَستفتي قلبه: “استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك “.

فانظر: هل حصل لك مثلما يفعل الإنسان تمامًا مع القضايا الحياتية الطبية؟ يعني عندك اختلاف طبي: طبيب قال لك تحتاج إلى عملية جراحية، وطبيب قال لك: لا، لا تحتاج إلى عملية جراحية.

عندك رأيان. ماذا تفعل؟

تستخير، تستشير، تُرَجِّح برأي طبيب آخر، تستفتي قلبك وتشوف أنت مُستريح لأي قرار أو لأي رأي. هكذا ابدأ مع هذه القضية وغيرها.

سؤال أخير: هل أفتى المجلس بجواز القروض الاستثمارية، القروض لشراء العيادات والمستشفيات الطبية للمسلمين في الغرب؟

لم يصدر المجلس فتوى في هذه القضية حتى الآن. عُرضت عليه المسألة في الدورة الثامنة سنة 2018 وعُرضت أيضًا في الدورة الأخيرة التي عُقدت قبل شهر، وأجَّل المجلس اتخاذ قرار في هذه القضية لمزيد من الدراسة والبحث.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا وإياكم الحلال وأن يبارك لنا فيه

 وأن يباعد بيننا وبين الحرام كما باعد بين المشرق والمغرب.

 وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

 

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 171