هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
التيسير والتخفيف ورفع الحرج
من القواعد الكبرى التي يقوم عليها فقه الحضور الإسلامي في الغرب :
قاعدة التيسير والتخفيف ورفع الحرج
وهذه القاعدة يقوم عليها الفقه بشكل عام وفقه الحضور الإسلامي في الغرب بشكل خاص رعايةً لخصوصيات وواقع وتحديات المسلمين الذين يعيشون في الغرب.
وتأسيس فقه الحضور الإسلامي في الغرب على هذه القاعدة – قاعدة التيسير والتخفيف ورفع الحرج – هو اتجاه إلى العودة إلى المبدأ القرآني والمبدأ النبوي في بناء الأحكام على التيسير والتخفيف ورفع الحرج.
فعندما ندعو الناس إلى الأخذ بالأيسر في الفتاوى والأحكام والاجتهادات الفقهية لا يظن كما يعتقد بعض الناس أن هذه دعوة إلى تمييع الدين أو أن فقه الأقليات لا يقوم على أسس تعود إلى القرآن والسنة.
نحن نريد بهذا أن نصحح مفهوماً ساد عند عموم الناس وهو اعتقاد أن الإنسان عندما يتشدد ويأخذ بالرأي الأثقل أو الأشد يحصل أجراً وثواباً أكبر عند الله تبارك وتعالى.
وهذا خطأ فالصحابة وكبار أئمة السلف كانوا إذا شددوا شددوا على أنفسهم ورعاً وزهداً لكنهم إذا استُفتُوا من الناس يسَّرُوا وخففوا عليهم كما قال الإمام الفقيه الثقة سفيان الثوري رحمه الله: “إنما الفقه الرخصة من ثقة أما التشدد فيحسنه كل أحد “.
ما أسهل أن يقول الفقيه أو المفتي أو من يُسأل في كل مسألة يُستَفتَى فيها: “حرام لا يجوز ممنوع” فيسُدَّ الباب.
أما الفقيه بحق فهو الذي ييسِّر على الناس لكنه ييسِّر تيسيراً منضبطاً يعود فيه إلى الدليل.
القرآن الكريم يؤكد في التعقيب على كل الأحكام وآيات الأحكام في القرآن الكريم وَرَدَت في القرآن الكريم مع التعقيب عليها بالتأكيد على التخفيف والتيسير ورفع الحرج
. قال الله سبحانه وتعالى عقب الحديث عن آيات الصيام:(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ([ البقرة الآية 185]
وقال الله تبارك وتعالى في التعقيب على آيات الوضوء:(ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ([ المائدة الآية 6]
وقال الله تبارك وتعالى عقب الحديث عن المحرمات من النساء: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ إلى آخر الآية ، ثم قال: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) [النساء الآية 28]
هذا الاتجاه القرآني العام عقب آيات الأحكام يؤكد على أن الشدة والتشديد أمور مرفوعة في الأحكام الشرعية وأن الاحكام الشرعية بنيت على التخفيف والتيسير ورفع الحرج.
ومن الأدعية القرآنية: (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) [سورة البقرة الآية 286]
والله سبحانه وتعالى خفَّف عن هذه الأمة الأحكام والتشريعات الثقيلة التي كانت في الأمم التي سبقتهم (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) [سورة الأعراف الآية 157]
والنبي صلى الله عليه وسلم يتجه ذات الاتجاه القرآني فما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.
هذه كانت طبيعة النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدعو ويوصي بالتيسير والتخفيف وكان يتجه كذلك إلى التيسير والتخفيف:
فعندما أرسل سيدنا أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن أوصاهما بقوله: “يسِّرا ولا تعسِّرا وبشِّرا ولا تُنفِّرا وتطاوعا ولا تختلفا“.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطاب عام: “يسِّروا ولا تعسِّروا وبشِّروا ولا تُنفِّروا “.
فهذا التيسير هو الذي يتناسب مع الاتجاه الفقهي العام اليوم ويتناسب أكثر مع فقه الحضور الإسلامي في الغرب أو ما اصطلح عليه بفقه الأقليات.
وعندما نقول إن فقه الحضور الإسلامي في الغرب يتأسس أو من بين القواعد الكبرى التي يقوم عليها هي قاعدة التيسير والتخفيف ورفع الحرج فهذا لا يعني أبداً أنه تيسير لا دليل عليه؛ أو أنه تيسير غير منضبط يعني لا يستند إلى أدلة. فمن أهم ضوابط هذا التيسير: أن يستند إلى دليل معتبر صحيح من القرآن والسنة، وأن يكون الخلاف في المسألة خلافاً معتبراً.
فإذا كنا أمام اختلاف فقهي في مسألة خلافية وقام دليل على كل رأي من الآراء الفقهية المذكورة أحدهما شديد يشدد على الناس والآخر يسير ييسر على الناس ويُمكِّن المسلمين الذين يعيشون في الغرب من العيش بدينهم نختار الأيسر وفقاً لهذا المبدأ التشريعي القرآني النبوي الذي ذكرت.
مثال تطبيقي:
سأذكر مثالاً تطبيقياً على هذه القاعدة من الفتاوى والاجتهادات التي صدرت عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وهو أحد أهم مؤسسات وهيئات الإفتاء الجماعي القديمة العريقة على الساحة الأوروبية.
هذا المثال يؤكد على أن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث يجتهد للتخفيف والتيسير على المسلمين مع رعاية القواعد والضوابط والأصول الشرعية ولا ييسر تيسيراً مطلقاً.
الدليل على هذا الفتوى أو هذه القضية الشهيرة التي شغلت ولا زالت تشغل المسلمين على الساحة الأوروبية خاصة في الدول الإسكندنافية وكلما اتجهنا شمالاً في شهر رمضان في السنوات الماضية وكل دورة زمنية تعود هذه الإشكالية ويعود هذا السؤال حيث أن النهار يطول جداً في فصل الصيف حتى تصل ساعات النهار في شهر رمضان إلى أكثر من عشرين ساعة. عشرون ساعة يعني من تسع عشرة ساعة إلى عشرين ساعة وإحدى وعشرين ساعة إلى اثنتين وعشرين ساعة. ماذا يفعل المسلمون في هذه البلاد؟ كيف يصومون؟ هل يصوم المسلمون في هذه البلاد اثنتين وعشرين ساعة فيكون الصيام ثقيلاً أو شديداً عليهم؟
صدرت فتوى بدأت فردية ثم انتهت جماعية نسبها الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله إلى أستاذه الشيخ محمد عبده وتبعه بعد ذلك فيها الشيخ محمود شلتوت والشيخ جاد الحق علي جاد الحق رحمهم الله جميعاً ثم قال بها أيضاً ونظَّر لها وأفتى بها الشيخ مصطفى الزرقاء رحمه الله ثم أفتت بها لجنة الفتوى بالأزهر سنة 1983 ثم تبعتها بعد ذلك دار الإفتاء المصرية وقال بها عدد من مشاهير الدعاة وهي أن المسلمين الذين يعيشون في الغرب إذا زادت ساعات الصيام عندهم عن ثماني عشرة ساعة فإنهم يعودون في الصيام على النهار في مكة. يعني ينظرون كم عدد ساعات الصيام في مكة خمس عشرة ساعة ست عشرة ساعة يعدون خمس عشرة ساعة ست عشرة ساعة من وقت الإمساك ويفطرون والشمس طالعة.
هذا ملخص هذه الفتوى وهي فتوى مثل ما قلنا فتوى جماعية قال بها هؤلاء العلماء وقالت بها لجنة الفتوى بالأزهر ودار الإفتاء المصرية.
لو كان المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث يتجه إلى التيسير اتجاهاً غير منضبط لا ينظر فيه إلى الأصول الشرعية، ولا ينظر فيه إلى الأدلة المعتبرة لالتقط هذه الفتوى وسار معها، وأفتى المسلمين الذين يعيشون في الغرب أن يفطروا على مكة والشمس طالعة .
لكن المجلس رفض هذه الفتوى مع المجامع والمجالس الفقهية الأخرى كمجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ومجمع الفقه الإسلامي الدولي وغيرهم من المجامع الفقهية الأخرى التي قالت إن أي بلد يتمايز فيه الليل عن النهار لا يجوز للمسلم فيه أن يفطر قبل غروب الشمس .
فعلى المسلمين أن يتموا الصيام إلى غروب الشمس وإلى نهاية النهار حتى وإن صاموا عشرين ساعة.
لكن ألا يتعارض هذا مع ما قلناه من مبدأ التيسير والتخفيف ورفع الحرج؟
قالوا إن هذا التيسير لا بد أن يعتمد على دليل معتبر، والله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم حدَّد لعباده الصيام هيئة وصفة تعبدية معينة .
آية الصيام حدَّدت متى يبدأ الصيام؟ ومتى ينتهي؟
قال الله تبارك وتعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) [سورة البقرة الآية 187].
هذه بداية الصيام ثم حددت الآية نهاية الصيام بقول الله تبارك وتعالى : (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [سورة البقرة الآية 187]
هذه صفة وصورة وهيئة العبادة تماماً كالصلاة؛ الصلاة صلاة المغرب لها صفة وهيئة معينة ووقت معين إذا غربت الشمس يصلي المسلم ثلاث ركعات يجهر في أول ركعتين ويسر في الركعة الأخيرة وهكذا.
من عجز عن أداء صلاة المغرب على هذه الصفة هل نقول له صَلِّ ركعة واحدة أو صَلِّ ركعتين أو صَلِّ ركعة ونصف؟
أبداً لا يقول بهذا أحد إنما نحافظ على هيئة وصورة العبادة ثم نقول لمن عجز عن أداء الصلاة على هيئتها: “خفِّف صَلِّ وأنت جالس صَلِّ وأنت مُتَّكئ وأنت على جنب” إلى آخره.
فكذلك عبادة الصيام من أراد أن يصوم لله فلا بد أن يُمسك من الفجر إلى غروب الشمس مهما زادت ساعات النهار.
طيب الصيام ساعاته طويلة وفيها مشقة مع العمل مع الدراسة مع كذا إلى آخره؟ قال الله تبارك وتعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [سورة البقرة الآية 184].
فيجوز للمسلم الذي يعيش في هذه البلاد إذا عجز عن الصيام أو شق عليه أو أقعده عن مهامه وأعماله الطبيعية التي يقوم بها بتجربة أو بإخبار الطبيب الثقة أن يفطر الأيام التي تحصل له فيها هذه المشقة غير المعتادة وأن يقضيها بعد رمضان لنحافظ على هيئة وصورة العبادة كما هي.
لماذا رفض المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث هذه الفتوى؟
رفضها لأن الصحابة عندما هاجروا وسافروا خارج مكة ما كانوا يعودون في الصلاة والصيام إلى مكة إنما كانوا يفطرون ويصلون على الوقت وعلى حركة الشمس في البلد الذي يعيشون فيه.
ولم يقل أحد من العلماء أن لمكة مِزية في العبادات : في الصيام، في رؤية الهلال على غيرها من البلدان الأخرى.
طبعاً فضل مكة ثابت لا ينكره مسلم وقلوب المسلمين وأفئدة المسلمين في كل مكان تتجه إلى القبلة وتهفو وتشتاق إلى الحج وإلى العمرة في كل سنة ولكن هذا لا يعني أن نصوم على مكة فنفطر والشمس طالعة قياساً على الاتجاه للقبلة لأن هذا قياس في معرض النص لا يصح أن يُقبَل كقياس عِلَّة أو كقياس للشَّبه على أننا إذا قلنا إن المسلم الذي يعيش في الغرب، ويطول النهار معه هذا الطول المفرط حتى يصل إلى عشرين ساعة، أو حتى يصل إلى إحدى وعشرين ساعة يجوز له أن يفطر على مكة فهذا يعني أننا سنقول أيضاً إنه يُصلي المغرب والشمس طالعة ويُصلي العشاء والشمس طالعة.
هل يقول بهذا أحد؟
إن قلتم نعم يجوز له أن يُصلي المغرب والشمس طالعة فماذا يعني هذا؟ يعني أنه سيؤدي صلاة المغرب قبل وقتها سيؤدي صلاة المغرب قبل وقتها لأن المغرب لها وقت (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) (سورة الإسراء الآية 78). فلا بد أن يدخل الليل حتى تصح صلاة المغرب.
وإن قلتم سنفصل صلاة المغرب عن الإفطار فيفطر والشمس طالعة ويصلي المغرب بعد أن تغرب الشمس فهذا فصل بين وقت الإفطار وبين صلاة المغرب لم يقل به أحد وهو تناقض أيضاً في هذا الاستدلال.
أيضاً ما هي العلة التي أسس عليها من قال بهذه الفتوى من الشيوخ والعلماء والمفتين؟
قالوا شذوذ النهار طولاً في فصل الصيف: أن هذا النهار نهار غير معتاد عندما يصل إلى عشرين ساعة أو يصل إلى إحدى وعشرين ساعة.
والله سبحانه وتعالى في عبادة الصيام عندما قال) : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) تحدث عن النهار المعتاد المألوف بالنسبة للناس إنما نهار عشرين ساعة وإحدى وعشرين ساعة هذا نهار غير مألوف بالنسبة للناس.
نقول إنه إذا طبقنا هذه القاعدة على الصيام في فصل الشتاء فيجب أن يفطر الناس أيضاً على مكة في فصل الشتاء لأن العلة واحدة وهي قصر النهار شتاءً قصراً مُفرِطاً؛ فالنهار في شتاء هذه البلاد يصل إلى ست ساعات ويصل إلى ثماني ساعات.
أنا زرت بعض هذه البلدان وكانت صلاة الصبح تدخل عندهم الساعة الثامنة صباحاً أو التاسعة صباحاً ، وصلاة المغرب الساعة الواحدة ظهراً أو الثانية ظهراً يعني معناها أن مجموع ساعات الصيام سيكون خمس ساعات أو ست ساعات !!
أنا كنت أمازحهم وأقول لهم: مَن عليه كفارة صيام شهرين متتابعين يأتي عندكم ويصوم الشهرين المتتابعين لأن الصيام سهل جداً”.
وأمازح الأئمة هناك أقول لهم: “أنتم تصلون الخمس صلوات بوضوء واحد لأن النهار قصير جداً”.
هل نقول لهم أيضاً صوموا على مكة لأن النهار قصير؟ إذا قلنا لهم هذا فقد خالفنا مجموع النصوص التي تدعو المسلمين إلى الإفطار عند غروب الشمس وإلى الالتزام بالأوقات وقد أفطرنا أو أخرنا الإفطار وأخرنا صلاة المغرب عن وقتها بحوالي خمس ساعات أو ست ساعات وهدمنا بهذا عدداً من النصوص الشرعية.
أيضاً قال العلماء الذين أفتوا بهذه الفتوى أنه يجوز الصيام على مكة قالوا : إذا سألنا الأطباء فقالوا إن الإنسان إذا صام أكثر من ثماني عشرة ساعة فإن بدنه يتأثر وتحصل له مشقة شديدة لا يقدر أبداً معها على إتمام الصيام .
فرجعنا إلى الأطباء واستشرناهم ، ورجعنا إلى تجربة المسلمين في هذه البلاد فقال الأطباء: “لا يوجد دليل علمي على أن الإنسان لا يستطيع أن يصوم عشرين ساعة يستطيع الإنسان الصحيح الخالي من الأمراض أن يصوم عشرين ساعة وأكثر من عشرين ساعة ولا يتضرر بدنه ولا تحصل له أي مشقة على أنه لا توجد دراسات طبية موثقة، وهناك علاج في أوروبا معروف بالعلاج بالتجويع يمتد لأكثر من يومين وثلاثة أيام دون طعام، صحيح أنهم يشربون الماء لكن مبدأ التجويع والامتناع عن الطعام والوجبات الأساسية موجود في هذا الصيام لأيام ولمدة طويلة.
أيضاً وجدنا أن تجربة المسلمين في هذه البلاد أنهم يصومون العشرين ساعة ويطيقون الصيام هذه الساعات بل إننا عندما سافرنا إلى هذه البلاد التي يَقْصُر فيها النهار إلى حد الساعتين فقط يعني في مدينة اسمها مدينة أوميو شمال السويد الليل فيها ساعتان يعني هذا أنهم يصومون اثنتين وعشرين ساعة.
فقلنا لهم: “نعتبر أنكم في حكم البلدان التي لا ليل فيها فتفطرون على أقرب بلد لكم وليس على مكة أقرب بلد لكم تنضبط فيها الأوقات والعلامات”.
قالوا: “نحن لا نستطيع أن نفطر والشمس طالعة” ومال أغلب الناس إلى أن يصوم الاثنتين وعشرين ساعة ويفطر الساعتين .
وهذا معناه أن المشكلة عندهم ليست في عدم تحمل أو القدرة على صيام الاثنتين وعشرين ساعة وإنما المشكلة بالنسبة لهم في قصر الليل وأن الليل لا يتحمل ولا يستوعب أعمال الليل التي يستوعبها أو يتحملها أو يريد الإنسان أن يقضي أعمال الليل فيها يحتاج على الأقل إلى ثلاث ساعات بين ثلاث ساعات إلى أربع ساعات.
من كل هذا الكلام أقول أنه المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث كهيئة إفتائية أوروبية تجتهد وتفتي للمسلمين الذين يعيشون في الغرب تتجه إلى التيسير المنضبط بالأدلة وبالأصول وبالقواعد الشرعية وتيسر على الناس دون خروج عن هذه الأدلة والأصول الشرعية فلم تُرخِّص للمسلمين أن يفطروا والشمس طالعة.
واستثنت طبعاً البلدان التي يستمر فيها الليل لستة أشهر أو يستمر فيها النهار لستة أشهر هؤلاء أفتينا لهم أن يفطروا على أقرب البلدان التي تنضبط فيها الأوقات والعلامات لأنهم إذا انتظروا انتهاء الليل أو انتظروا غروب الشمس لن تغرب الشمس بل سينقضي رمضان وينقضي العام ولن تغرب الشمس.
بينما وسَّعنا عليهم في وقت الإمساك لأن الفجر الصادق غير موجود ، ووقت الفجر حتى مع وجود العلامة فيه مرونة.
الأدلة الشرعية لوقت الفجر تؤكد على وجود مرونة في وقت الفجر بدءاً من آية الصيام: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ) هذا التبين يوحي بالمرونة، ومعنى الفجر لغة وانفجار الضوء يوحي كذلك بالمرونة.
وكذلك سحور النبي صلى الله عليه وسلم وأذان بلال وأذان ابن أم مكتوم والأوقات التي تَسَحَّر فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتي تَسَحَّر فيها عدد من كبار فقهاء وأئمة السلف والذين ثبت عنهم أنهم كانوا يؤخرون السحور تأخيراً شديداً حتى يتأكدوا من بياض الضوء أو من خروج الضوء.
إذاً المرونة هنا والتوسيع على المسلمين في وقت الفجر هنا هو توسيع مقصود قامت عليه الأدلة، وفيه هذه المرونة بخلاف مسألة الصيام على مكة فلم يقم عليها دليل مثل ما قلنا ولذلك ثبتنا الأصل وهو إتمام الصيام إلى الليل، وقلنا إن مَن شق عليه الصيام أو صعب عليه الصيام يُرخَّص له في الفطر ثم قضاء هذه الأيام بعد انتهاء رمضان.
وبذلك يتَّسِق المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث مع الأدلة ومع الأصول الشرعية فييسر حيث يجب التيسير ويتمسك أو يشدد حيث يجب التشديد.
إن التيسير غير المنضبط قد يؤدي في النهاية إلى التمييع
نقل لنا المسلمون في هذه البلاد أننا قبل صدور هذه الفتوى ما كان عندنا إشكال في الصيام وكان الناس يصومون وكان الأطفال حتى الذين لم يبلغوا سن التكليف دون إكراه أو طلب من آبائهم وأمهاتهم كانوا يصومون ولا يجدون مشقة في هذا الصيام .
بدأت الإشكالات وبدأت الانقسامات وبدأت الأسئلة عندما طُرحت هذه الفتوى التي مقصدها حسن جداً وهو التيسير والتخفيف على المسلمين لكن هذا التيسير لا بد أن ينضبط بالضوابط الشرعية وأن يقوم على الأصول التي لا يخرج فيها المجتهد عن النصوص التي ذكرنا طرفاً منها.
ونحن نوقن ونرى أن الله سبحانه وتعالى جعل توازناً كونياً في هذا الكون فكما أن المسلمين الذين يعيشون في الغرب ينعمون بهذا الامتياز في فصل الشتاء فيصومون نهاراً خفيفاً جداً فيكون الغُنْم بالغُرْم كما أنهم يصومون في الشتاء هذا الصيام الخفيف فكذلك في فصل الصيف يصومون هذا الصيام الثقيل نسبياً والذي لا يشعرون فيه بالحاجة إلى الماء أو إلى العطش.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم وأن يغفر لنا ولكم والحمد لله رب العالمين.