إرسل فتوى

فقه المواطنة من خلال سورة يوسف

  فقه المواطنة من خلال سورة يوسف 

نتدارس في هذا البحث أحد المعاني المهمة، والقيم الضرورية، وهي قيمة المواطنة، وذلك من خلال إحدى سور القرآن الكريم، وهي سورة يوسف عليه السلام.

الصراط المستقيم وصراط النبيين

نحن ندعو الله سبحانه وتعالى في كل صلاة؛ بل في كل ركعة أن يهدينا الصراط المستقيم، فما هو الصراط المستقيم؟ الصراط المستقيم شُرِحَ وبُينَ في سورة الفاتحة، التي نقرأها في كل ركعة، قال الله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [سورة الفاتحة: 6-7]

فالصراط المستقيم هو: صراط الذين أنعمت عليهم، فمن هم الذين أنعم الله عليهم؟

أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين، إذاً الصراط المستقيم الذي ندعو الله سبحانه وتعالى أن يهدينا إليه، هو صراط النبيين، فما صفة صراط النبيين؟

إنه صراط علمي عملي، إنه منهج يجمع بين العلم والعمل؛ غير المغضوب عليهم ولا الضالين، الذين عملوا بغير علم، أو الذين أوتوا العلم وتركوا العمل.

وقصة سيدنا يوسف عليه السلام من قصص الأنبياء، الذين يجب علينا أن نقتدي بهم، وأن نتمثل صراط  النبيين، الذين أنعم الله سبحانه وتعالى عليهم، كما ندعو في سورة الفاتحة.

لماذا سورة يوسف للمسلمين في الغرب؟

لماذا نريد أن نتدارس سورة يوسف، وأن نعيش معها في هذا البحث المبارك؟

للأسباب الآتية:

السبب الأول: أن سورة يوسف هي أهم سورة في القرآن الكريم -والقرآن الكريم كله مهم، وكله أنوار- بالنسبة للمسلمين في الغرب، ويجب عليهم أن يُولوها عناية كبرى من المدارسة والتأمل.

لماذا المسلمون في الغرب تحديدًا؟ لأن سورة يوسف تجيب على سؤال المواطنة؛ فسيدنا يوسف وُلد في بلد، وعاش في بلد آخر، وامتحن فيه، وعاش في بلد أكثريته، وحكومته ورئاسته ورئيسه، كلهم غير مسلمين، فماذا فعل؟ وكيف تعامل؟ وكيف جَسد مفهوم المواطنة في البلد الآخر الذي عاش فيه؟ كما هو حال أغلب المهاجرين الذين هاجروا من بلدانهم مضطرين، أو مختارين إلى أوروبا، كبلدان ذات أكثرية غير مسلمة، قانونها، ونظامها، وسلطانها غير إسلامي.

فسورة يوسف تجيبنا على السؤال الآتي: كيف يمكن أن نعيش في هذه المجتمعات الغربية؟ وكيف يمكننا مواجهة الغواية التي نتعرض لها في الغرب؟

هذا الغرب الذي تخاف الناس منه، مما جعل بعض العلماء يفتون بحرمة الإقامة في الغرب، ويدعون المسلمين إلى الهجرة من أوروبا، وعندما تسألهم لماذا؟

يقولون: لأن في الغرب فتنًا كثيرة؛ ولأن الدين في الغرب يضيع على الناس.

السبب الثاني: أن سيدنا يوسف عليه السلام يجسد نموذج كيفية التعامل -خاصة بالنسبة للشباب- مع التعرض للغواية في فتنة ومشهد المراودة مع امرأة العزيز، ونحن بحاجة إلى الوقوف مع هذا المشهد بالنسبة لشبابنا، لنتمكن من الوصول إلى جواب متماسك حول سؤال: كيف يمكن أن أُوجد الشاب المسلم في أوروبا الذي إذا تعرض للغواية، يقول “معاذ الله”، أن يستعصم، أن يمتنع؟

كيف أصل إلى هذا النموذج؟ وهل هو نموذج مستحيل التحقق، غير وارد الوقوع؟

 بالطبع لا، فالله سبحانه وتعالى ختم هذه السورة بقوله (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ)  [ سورة يوسف: 111]

 فما قص الله علينا قصة يوسف حتى نتسلى بها، إنما لنأخذ العبرة منها، فكل حدث فيها فيه درس عملي، وليس درسًا نظريًا لنا ولشبابنا ولأولادنا.

إذًا قصة يوسف مهمة جدًا بالنسبة للمسلمين في أوروبا؛ لأنها أقرب صورة، وأقرب نموذج، يجسد حالة وواقع المسلمين في أوروبا.

هجرة الحبشة والعدل في الغرب

أود أن ألفت النظر إلى أهم حدث في السيرة النبوية، حدث لم يأخذ حقه من الدراسة ومن التأمل، ومن النظر بالنسبة للمسلمين في أوروبا، وهو هجرة الصحابة الأولى إلى الحبشة.

هجرة الصحابة إلى الحبشة تتشابه إلى حد كبير مع واقع المسلمين في أوروبا، فالصحابة وقع عليهم تضييق وضغوط من قريش بسبب إسلامهم، فهاجروا إلى ملك صفته وسمته الأساسية، ومرجح الاختيار الأساسي للحبشة هو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (اذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ؛ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ) [رواه البيهقي في السنن الكبرى، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة].

وسمة العدل هذه موجودة في الغرب في الجملة، وأقول في الجملة؛ لأنه لا يُعكر عليها وجود بعض حالات التمييز أو العنصرية، أو الكراهية ضد المسلمين.

وإذا قارنا ما فعلته أوروبا مع المهاجرين أو مع اللاجئين، بما فعله معهم أي بلد عربي إسلامي آخر، سنجد أن النتيجة هي إيجابية لصالح الغرب، باستثناء تركيا.

فإذًا عندنا نموذجان اثنان: نموذج في القرآن الكريم، ونموذج في السنة النبوية، يتعين علينا أن نقف معهما وقفة تأمل ومراجعة ونظر.

سورة يوسف ” أحسن القصص

الآن سنقف مع سورة سيدنا يوسف عليه السلام، ولا يمكننا أن نغطي كل ما نريد قوله؛ ولذا سنحاول الاختصار قدر الإمكان.

سورة يوسف كما بدأها الله سبحانه وتعالى، ووصفها بأنها أحسن القصص فقال (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) [سورة يوسف: 3].

 لماذا هي أحسن القصص؟

لأمرين هما:

الأول: لأنها السورة الوحيدة التي قصت قصة نبي كاملة؛ كل قصص الأنبياء في القرآن الكريم موزعة مجزأة، فقصة سيدنا موسى مثلًا مشاهدها موزعة في القرآن، فنجد مشهدًا في سورة القصص، ومشهدًا في سورة الشعراء، ومشهدًا في سورة النازعات.

وذات الأمر تجده في قصة سيدنا إبراهيم، ذّكرت في مشاهد موزعة، مشهدًا في سورة إبراهيم، وآخرًا في سورة الصافات، وفي غيرهما.

لكن السورة الوحيدة التي اكتملت كل فصولها، وكل مشاهدها في سورة واحدة، هي سورة سيدنا يوسف عليه السلام.

الثاني: هو أن كل موقف وكل محطة، وكل مشهد من مشاهد السورة، فيه عبرة وعظة عملية مهمة جدًا بالنسبة لنا في واقعنا اليوم.

سورة يوسف وتفريج الكروب

هذه السورة قال عنها كثير من الصحابة، ومن المفسرين كسيدنا عطاء بن أبي رباح: “ما قرأها محزون إلا وسُرِّي عنه”، فلو كنتَ مهمومًا، أو تكاثرت عليك الابتلاءات، فاقرأ سورة يوسف، لماذا؟

لأن الابتلاءات التي نزلت بك مهما عظمت، ومهما كثرت، فلن تكون كالابتلاءات التي وقعت لسيدنا يوسف عليه السلام؛ ولذلك نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم في “عام الحزن”، مواساة له وتسرية عنه، بعد أن تتابعت عليه الابتلاءات والهموم والأحزان، وفَقَد السند الخارجي والسند الداخلي؛ أراد الله تعالى أن يقول لنبيه: اصبر، كما صبر من سبقك من الأنبياء، كن على هذا الدرب، كن كيوسف عليه السلام؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم اقتدى بسيدنا يوسف عندما عفا عن أهل مكة، وعاد لها فاتحًا، وقال لهم: (أقولُ لكم كما قال يوسفُ لإخوتِهِ: لا تثريبَ عليكُمُ اليومَ اذهبوا فأنتمُ الطُّلَقاءُ) [ذكره البيهقي في السنن الكبرى، وأصله في صحيح مسلم بمعناه]

فقه المواطنة وأمل الأمة المكروبة

حقيقةً لقد اخترت سورة يوسف، ليس فقط لأنها تجسد “فقه المواطنة” الذي سنركز عليه إن شاء الله، وإنما أيضًا لأنها تُجيب على سؤال مهم جدًا للأمة اليوم، فأمتنا اليوم مكروبة، ممتحنة، مأزومة؛ تخرج من محنة تدخل في محنة أخرى، والناس تشعر بأن الأفق مسدود، وأحداث غزة ضاعفت من هذا الألم النفسي، والشعور بالإحباط، وبالوهن، وبالعجز؛ كل مسلم يشعر أنه في حالة من العجز ومن الضعف، وهو يرى أطفالًا تُقتل، وجثثًا تُحرق، ومشاهد غير مسبوقة في التاريخ الحديث، ولا يملك معها أن يفعل أي شيء، فحالة الهوان التي بلغتها الأمة، تحتاج منا أن نعود إلى قصة سيدنا يوسف عليه السلام.

مفتاح السورة اسم الله اللطيف

تحدثتُ سابقًا عن أن المنهجية التي أراها مناسبة لنا في الغرب، وخاصة مع الأجيال الجديدة، ومع من لا يعرف اللغة العربية، هي “القراءة المفتاحية” لكل سورة، فكل سورة من سور القرآن الكريم لها مفتاح، هذا المفتاح يتمثل في كلمة واحدة، إذا وقفنا على هذه الكلمة نستطيع أن نفهم السورة كلها، وهذه الكلمة لها ارتباط باسم السورة.

فما هي الكلمة التي تشكل مفتاحًا لسورة يوسف عليه السلام؟

 الكلمة موجودة في قول الله تبارك وتعالى: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [سورة يوسف: 100] هذه آية، فأين الكلمة؟

الكلمة هي اسم الله “اللطيف”.

ألطاف الله سبحانه وتعالى كانت حاضرة مع سيدنا يوسف عليه السلام في كل مشهد من مشاهد القصة، من أولها إلى آخرها؛ فقصة سيدنا يوسف تتلخص في اسم الله اللطيف، في كلمة لطيف، (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [سورة يوسف: 100]

فهذه الكلمة هي خلاصة قصة سيدنا يوسف، فربنا سبحانه وتعالى يدير المشهد العام للأمة، يدير المشهد الخاص بك أنت، على عكس ما تراه من صورته الظاهرة، فقد ترى المشهد في صورته الظاهرة؛ فتتألم وتتحسر، وتقول: لماذا تقع لي كل هذه الابتلاءات؟

حتى “سؤال الشر” الذي يشغل الشباب، والذي يعتبر صخرة الإلحاد في العالم الحديث الآن، ويقولون:

لماذا يبتلي ربنا سبحانه وتعالى الأطفال؟ ولماذا يُقتل الأطفال؟

وما ذنب الأطفال في غزة، وفي غيرها؟

ولو كان الله موجودًا وقادرًا لمنع هذا الألم الذي ينزل بالأطفال، وينزل بالأبرياء، ولو كان الله قادرًا ورحيمًا لماذا لا يمنع الشر؟

إما أنه قادر؛ ولكنه لا يمنع، فيكون بذلك غير رحيم، وإما أنه رحيم؛ لكنه لا يمنع، فيكون عاجزًا -تعالى الله عما يقولون- وفي كلتا الحالتين هذه صفات تتنافى مع الألوهية، ومع أن يكون إلهًا!

فسورة سيدنا يوسف ترد على هذا الكلام كله، فأنت عندما تتأمل في مشاهد حياتك وسيرتها، ستجد فصولًا فيها كانت مؤلمة وموجعة، وكنتَ وقتها تقول: لماذا نزل بي هذا الذي نزل؟

ثم كانت الخاتمة على عكس ما تخيلت تمامًا، كمثل خاتمة قصة سيدنا يوسف.

سلسلة الابتلاءات والتمكين

عندما ترى الأحداث الأولى في قصة سيدنا يوسف تقول: كيف يحصل هذا لنبي؟ لماذا؟!

لقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام عنه (إِنَّ الْكَرِيمَ ابْنَ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ)  [رواه البخاري ومسلم]

لماذا قال هذا الحديث؟ قال إنه نبي، ابن نبي، ابن نبي، ابن نبي، هذا النبي الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، يُمتحن كل هذه الامتحانات؟!!

يُلقى في البئر من إخوته، ويُباع وهو الحر ابن الحر، الشريف ابن الشريف، النبي ابن النبي، يباع رقيقًا؟!

ثم يُمتحن في فتنة امرأة العزيز، ثم يُمتحن بامتحان السجن، ثم يُمتحن بامتحان الاتهام الثاني من إخوته، لما قال الله حكاية عنهم: (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ)[سورة يوسف: 77]انظر إلى الألم النفسي الذي يعانيه سيدنا يوسف؛ فأسرها في نفسه ولم يبدها لهم، وما قال إلا ما حكاه الله:(قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) [سورة يوسف: 77]

ثم يُمتحن مرة أخرى بالتمكين والمسؤولية، فيتولى ثلاث وزارات في الدولة، وهذا ابتلاء آخر جديد، ثم يُبتلى عندما يأتيه إخوته ويتمكن منهم، ويتذكر ما فعلوه به، كيف سيفعل؟ هل سينتقم أم يعفو؟

ابتلاءات تلو ابتلاءات؛ لكن الله سبحانه وتعالى يدبر لك المشهد، ويدبر المشهد لأمته أيضًا، فلا يجب أن تنظر إلى هذا الفصل المأساوي الدموي، المؤلم الموجع من تاريخ الأمة الآن؛ لأنه -إن شاء الله- سيعقبه فتح ونصر، وتمكين وفرج، كما حدث في قصة سيدنا يوسف، فيجب عليك أن تُنزل هذه القصة على نفسك.

التقوى والصبر كمنهج حياة

إذا كان المفتاح الذي يمكن أن نفهم به السورة كلها هو: “لطيف لما يشاء”، فما هي الآية التي تلخص السورة كلها؟

الآية التي تلخص السورة كلها هي قول الله تبارك وتعالى: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [سورة يوسف: 90].

 فإذا سرت على نهج سيدنا يوسف، وأخذت بالأسباب الداخلة تحت وسعك، والداخلة تحت قدرتك، وسلمت الأمر لله، فعاقبة أمرك ستكون إلى خير-إن شاء الله-، كما كانت عاقبة سيدنا يوسف إلى خير.

نحن في الغرب لدينا مشكلة كبيرة جدًا وهي: التعلق بالأسباب، والتعلق بالتخطيط والتدبير، ونسيان طلاقة القدرة، والمشيئة الإلهية في العمل؛ فتجد أن الناس يتأثرون بالبيئة التي يعيشون فيها، وهذا أمر طبيعي.

نعم، يجب علينا أن نعمل، وأن نأخذ بالأسباب، وأن نخطط وأن ندبر؛ لكن في ذات الوقت لابد أن نتوكل على الله سبحانه وتعالى، ونترك الأمور لله سبحانه وتعالى، ونوقن أن العاقبة في النهاية ستكون إلى خير،  وإن بدا في المشهد عكس الصورة التي نرجوها، أو التي نتمناها، أو التي نتغياها ونسعى إليها.

ألطاف الله الخفية

لو أخذنا مشهدًا من المشاهد التي حصلت مع سيدنا يوسف، كقول الله: (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ) [سورة يوسف: 19].

 هذه السيارة “المجموعة التي كانت تسير” ضلت الطريق، فكانت تقصد اتجاهًا، فأخطأت الطريق حتى يجدوا سيدنا يوسف، وتكتمل الأحداث، فهل هم أخطأوا الطريق، وضلوه فعلًا؟!

 أحيانًا قد يحدث لك موقف في حياتك، فتقول: يا ليتني ما فعلت كذا، وتجلس تعاتب نفسك وتلومها؛ لكنها كانت أقدار الله سبحانه وتعالى، أمضاها عليك لحكمة خفية يعلمها، لا تبدو لك الآن؛ لكنها ستظهر فيما بعد، وهذه ألطاف الله سبحانه وتعالى.

حدثني أحد الدعاة أنه سُجن في فترة الاعتقالات التي حدثت في عهد الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وكان قد ترك طفله رضيعًا مع أمه، وكانت امرأة فقيرة، فليس لديها أي إمكانيات، حتى الهاتف ليس في بيتها، ومَرِِض الطفل، وارتفعت درجة حرارته في ساعة متأخرة من الليل، ولا تعرف ماذا تفعل، فأخذت تدعو الله سبحانه وتعالى وتستغيث به، فُطرق الباب، فلما فتحت الباب وجدت طبيبًا معه حقيبته، يقول لها: أين المريض؟

فأدخلته، فقام بالكشف على الطفل، وجلس معه يعطيه الأدوية، وما تركه حتى استقرت حالته، ثم سألته قائلة: من أرسلك؟!

قال لها: أليست هذه هي الشقة رقم كذا في عنوان كذا؟ قالت له: لا، إنها الشقة المقابلة لنا!!.

فلما شرحت له الحال، تلطف بها ولم يطالبها بأجر، وقال لها إذا حدث أي شيء أنا موجود لمساعدتك، ومساعدة ابنك.

أنت ترى من خلال المنظور البشري العقلي المنطقي، أن هذا الطبيب قد أخطأ، من الذي قال لك أنه أخطأ؟!

هو لم يخطئ؛ إنها ألطاف الله سبحانه وتعالى وحكمته.

وكثيرًا ما يحصل لنا في حياتنا مثل هذه الأحداث؛ لكننا لا نقف معها، ولا نتأمل ألطاف الله سبحانه وتعالى وحكمته، فيما يجريه علينا من أقدار في هذه الدنيا.

تفسير آية المراودة (الهم والبرهان)

نود أن نقف مع آية المراودة، وهي قول الله (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [سورة يوسف: 24]

هذه الآية كيف يمكن أن نفهمها؟ لأن سيدنا يوسف عليه السلام نبي، وهناك أقوال لمفسرين انتشرت، واشتهرت وراجت، خلاصتها: أنه همَّ وقصد، وأراد فعل الفاحشة، لولا أن رأى برهان ربه.

 وأخذوا يفسرون “برهان ربه”؛ فمنهم من يقول: رأى صورة عليها الملك، فخاف منه فامتنع، ومنهم من يقول: رأى صورة والده يعقوب عليه السلام، ومنهم من يقول: رأى آية من القرآن الكريم مكتوب عليها “ولا تقربوا الزنا” فابتعد.

وكل هذه خرافات في الحقيقة، لا يليق أن تُنسب أبدًا لنبي، وإن كانوا حاولوا أن يبرروا الأمر.

عندما نقول إننا نريد أن نقتدي بالأنبياء، “صراط الذين أنعمت عليهم” كما بدأنا الحديث، فيأتي أحد الشباب يقول: إن الغواية كانت أشد مني، وهممت بما هم به سيدنا يوسف عليه السلام، أنا لست أفضل من النبي.

إذا كان الأمر كذلك، فكيف يتوافق هذا التفسير مع العصمة؟!

أفضل من نقد هذه التفسيرات ورفضها الشيخ رشيد رضا رحمه الله؛ ولكنه انتهى إلى تفسير غريب أيضًا؛ قال: إن (ولقد همت به وهم بها) أنه همَّ بضربها، ردًا على همها بضربه؛ أي أنها أرادت أن تضربه؛ لأنها شعرت أنها السيدة الأميرة الجميلة، وصاحبة الأمر والنهي، فكيف يمكن أن تطلبه لنفسها، ثم يرفض؟!، فهمت أن تضربه، فهم هو أن يدفع الضرب عنه، فهذا تفسير “الهم” عند رشيد رضا؛ ولكنه أيضًا تفسير ضعيف؛ لأنه لا دليل عليه.

هناك تفسير آخر رجحه كثير من العلماء خاصة المعاصرين، وهو أن “الهم” لم يتحقق أصلاً؛ لأن كلمة “لولا” في اللغة العربية تعني: امتناع الشيء لوجود غيره، فالمعنى أنه “لولا أن رأى برهان ربه لَـهَمَّ بها”، فبما أنه رأى برهان ربه، فلم يقع الهم أصلاً، فما حصل أيُ قصد، ولا أيُ توجه من سيدنا يوسف إلى إرادة هذا الفعل.

وهذا الرأي يتأيد بأدلة كثيرة جدًا منها مثلاً: “فاستعصم”، ومنها “كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء”، فكيف صرف الله عنه السوء والفحشاء، والهم موجود والقصد موجود؟ وغير ذلك من الأدلة.

الأستاذ/ سيد قطب له تفسير أيضًا لطيف يقول: إنه “همٌّ نفسي”، همٌّ نفسي كسائر الأفعال البشرية التي تحصل داخل النفس، همٌّ نفسي سرعان ما عدل عنه ولم يلبث كثيرًا، ولم تقف الآيات في القرآن الكريم معه كثيرًا.

هذا ما يجب أن نفهمه من هذه الآية؛ فنطرح خرافات المفسرين أولاً، ثم ثانيًا إما أن نأخذ بأن الهم لم يقع (لولا أن رأى برهان ربه لَهَم بها، وقد رأى برهان ربه فلم يقع الهم)، أو أنه همٌّ نفسي، وهذا هو أعدل الأقوال في هذه المسألة.

برهان الرب، والاقتداء بسيدنا يوسف عليه السلام

السؤال الأساسي العملي الذي ينبني على هذا الكلام هو: ما هو برهان ربه؟ وكيف يمكن لشبابنا في الغرب أن يقتدوا بسيدنا يوسف عليه السلام؟ وكيف يمكن أن نوجد الشاب المستعصم الذي يقول “معاذ الله” إذا تعرض لفتنة الغواية التي حصلت لسيدنا يوسف عليه السلام؟

لقد تكلم الإمام ابن القيم عن الغواية التي حصلت لسيدنا يوسف فقال: إنه اجتمع له من أسباب التعرض للفتنة ما لا يمكن أن يجتمع لغيره، وذكر سبعة أشياء؛ حيث قال:

إنه كان شابًا، وكان عزبًا، وكان غريبًا، والمرأة هي التي دعته، وهي سيدته، ثم إنها هددته وغلقت الأبواب، وفعلت كل هذه الأشياء، وهذه الأمور كلها مستحيل أن تجتمع عند حالة واحدة؛ فقد تكون المرأة ذات جمال؛ لكن لا تدعو هي ولا تبدأ هي أو لا تهدد، ويمكن أن تكون ذات جمال، وهي التي تدعو الشاب في الغرب مثلًا؛ لكنها لا تهدد؛ إذ بماذا ستُهدد؟ لن يصل الأمر إلى التهديد بالتأكيد.

فالسؤال هو: كيف يمكن أن يقتدي الشباب اليوم في الغرب بسيدنا يوسف في قضية الاستعصام، وأن يقولوا “معاذ الله”؟

الإخلاص والإحسان ومراقبة الله

لو تأملتم ستجدون أن أهم صفتين ذُكرتا في السورة لسيدنا يوسف عليه السلام، هما:

أنه من عبادنا المخلصين، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين؛ قال تعالى  (كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [سورة يوسف: 24]

وقال تعالى (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [سورة يوسف: 90]

ما الجامع بين الصفتين؟ الجامع هو المراقبة لله عز وجل؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور “الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ” (رواه البخاري، ومسلم)

الأسباب الموصلة إلى التعفف كسيدنا يوسف

السبب الأول: إصلاح السر، وعبادات الخفاء

إذا أردتَ أن تصل بولدك إلى حد الاستعصام أمام الفتنة، أو أن تنجو بنفسك من الفتن ومن الغواية، فأصلح السر، كيف أصلح سريرتي؟

يكون ذلك بعبادات السر؛ أن تكثر من الصدقات السرية، وقيام الليل، وصيام التطوع الخفي؛ وليس صيام رمضان، أو الأيام التي يصومها أغلب الناس كـ “يوم عرفة”، وغير ذلك من الأيام.

ولذلك أقول دائمًا إن حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذكر منهم:وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ” (متفق عليه) 

والرابط المشترك والموجود في كل الأصناف السبعة هو: السرية والخفاء؛ فكلها أعمال خفية بين العبد، وبين الله سبحانه وتعالى، لا يطلع عليه أحد إلا الله.

السبب الثاني: الفرار من أسباب المعصية

الفرار من أسباب المعصية، بأن تبحث عن أسباب المعصية، وتحاول الابتعاد عنها، فإذا كان هناك صديق هو الذي يأخذك إليها، فتجنبه، وإذا كان الفراغ هو السبب عندما تكون وحدك، فلا تترك نفسك وحيدًا.

انظر ماذا فعل سيدنا يوسف، قال الله (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ) [سورة يوسف: 25]

 فكان يجري ويفر ويهرب من المعصية، ولم يترك نفسه حتى يتلبس بها.

السبب الثالث: الدعاء

الدعاء هو من أهم الأسباب التي تعين الإنسان على تجنب الوقوع في الفتنة؛ كما قال يوسف عليه السلام (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)  [سورة يوسف: 33-34]

السبب الرابع: تهويل المعصية وتضخيمها

انظر ماذا قال سيدنا يوسف (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [سورة يوسف: 33]

فالسجن المطلق ولو ظل فيه طوال عمره، أحب إليه من المعصية.

انظر إلى قول سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه “إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا” (رواه البخاري)

فهذه هي الأسباب التي توصلنا، وتوصل شبابنا، إلى الاقتداء بسيدنا يوسف عليه السلام في أمر التعفف.

أهم دروس فقه المواطنة في قصة يوسف عليه السلام

نأتي إلى النقطة الأخيرة وهي: ما هو فقه المواطنة بالنسبة لنا في أوروبا، من قصة سيدنا يوسف؟

إن كوني مواطنًا يعيش في بلدٍ يعني: أن أنتمي لهذا البلد، وأحبه وأحب أهله، وأدافع عنه، ولا أرجو له الضر؛ بل الخير، ولو قامت حرب ضده أكون في صفوف المدافعين عنه، وإذا قتلت أكون شهيدًا، وهذا ما فعله الصحابة عندما كانوا في الحبشة.

هل مفهوم المواطنة هذا مفهوم مترسخ عن المسلمين، سواء المهاجرين الأوائل، أو المهاجرين الجُدد، أو المسلمين الذين وُلدوا وازدادوا في هذا البلد، ونشأوا فيه، أم لديهم مشوشات على مفهوم المواطنة؟

الحقيقة أن لديهم مشوشات كثيرة جدًا، والناس الآن تطرح هذا السؤال وتكرره، بعد التضييق على الحريات المرتقب، والمتزايد في أوروبا الآن، هل يجوز لنا أن نبقى في هذه البلاد، وأن نعيش فيها مع هذا التضييق، أم علينا أن نبحث عن مكان آخر، أو نعود إلى بلداننا الأصلية، إذا كان عندنا مجال للعودة إليها؟

سورة يوسف فيها الجواب على كل أسئلة الهوية، والبقاء في بلاد الغرب.

الدرس الأول: التوطين مع حفظ الدين والهوية

أول درس من دروس فقه المواطنة باختصار شديد من قصة سيدنا يوسف هو: “التوطين مع حفظ الدين والهوية” والتمسك بقيم الإسلام مهما كانت التحديات.

 فسيدنا يوسف يعلمنا أن نتدافع ولا نفر، فحين دخل السجن لم يتوقف؛ بل مارس الدعوة، قال الله حكاية عنه: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [سورة يوسف: 39]

وبعد خروجه من السجن، لم يقل إن هذا البلد ظلمني وسجنني فلا بقاء لي فيه، أو كيف أفسر لهم رؤيا الملك بعد الإيذاء والظلم الذي وقع علي منهم؟؛ بل استنقذهم من المجاعة الاقتصادية؛ لأنه كبقية الأنبياء يجسد لنا ما يجب أن تكون عليه شخصية المسلم، من شخصيةٍ تحمل همًا رساليًا إصلاحيًا، ولا يعيش لنفسه فقط.

الرسالة والتحرك، لا الهروب الشخصي

المسلم لا يهرب، ولا يعيش لنفسه، ولا يقول مثلًا: أفر بنفسي من هذا البلد، ولا علاقة لي به، وعندي فرصة للعيش في المدينة المنورة، وسأعمل هناك وأترك الغرب ومشاكله وفتنه.

لاشك أن للمدينة المنورة فضل معروف، من ذلك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم “مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا؛ فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا”  (رواه الترمذي وأحمد)

لكن رغم هذا الفضل العظيم للمدينة المنورة، فقد هاجر الصحابة منها، حتى أننا نجد قبورهم في تركيا وتونس، والجزائر ومصر، وليبيا والمغرب؛ كقبر عبد الله بن الحارث في “صفط تراب” بلد الشيخ القرضاوي رحمه الله بمدينة المحلة بمصر، وأبو أيوب الأنصاري في إسطنبول.

فلماذا خرج هؤلاء الصحابة، وتركوا المدينة ومكة وهاجروا؟!

لقد خرجوا لأنهم فهموا دورهم وواجبهم في التحرك بالرسالة، وليس الفرار والنجاة الفردية.

ولذلك فسيدنا يوسف يعلمنا الصبر، والتدافع للدفاع عن الدين والهوية في مكاننا، وليس الاستسلام والهروب من المكان الذي أتواجد فيه، فهذا يتناقض مع أصل رسالة الأنبياء.

الدرس الثاني: الوفاء والإحسان لغير المسلمين

الوفاء والإحسان لمن يحسن إلينا، ولو كان غير مسلم؛ فسيدنا يوسف لم ينسَ إحسان عزيز مصر، حين قال لزوجته (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)  [سورة يوسف:21]

فرفض يوسف طلبها قائلًا (مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) [سورة يوسف: 23]

ويصلح التفسير هنا بـ”ربي” أي سيدي وزوجكِ الذي أحسن إليّ، فيريد أن يرد له الجميل والإحسان، والمسلمون في الغرب مطالبون برد الجميل، والإحسان لهذه المجتمعات الغربية، وذلك عن طريق حراسة القيم؛ فالحضارة الغربية في حالة إفلاس قيمي، والمسلمون بما يملكون من مشروع قيمي يمكنهم إنقاذها من هذا الإفلاس، فوجود المكون المسلم كفيل بحراسة هذه القيم، وبحماية هذه الثوابت التي قامت عليها هذه الحضارة، والتي إذا تراجعت أو أَفِلت أو ذبلت، آذنت بأفول هذه الحضارة، وأفول أي حضارة تتراجع عن قيمها، وتتراجع عن أخلاقها.

الدرس الثالث: الانتماء والعمل والإصلاح

فلابد من الانتماء للوطن الجديد وحبه، والعمل على إصلاحه، والإسهام في بناء وصناعة حضارته؛ فبعض الناس يعيشون في الغرب لأجل أن يستفيد ويجمع المال، بثقافة الأخذ لا العطاء؛ أما سيدنا يوسف فلم يفعل هذا الأمر؛ بل قام باستنقاذهم من الأزمة والمجاعة الإقتصادية، وأعلن عن قدرته للإصلاح قائلًا للملك (اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [سورة يوسف: 55]

فيجب أن يكون للمسلم دور واضح، يعبر عن انتماء حقيقي للمجتمع والبلد الذي يعيش فيه.

الدرس الرابع: نسيان إساءات الماضي

فسيدنا يوسف لم يسترجع ما حصل من تآمرإخوته عليه، وإلقائه في البئر، واتهامه بالسرقة، وهذه الأشياء كلها، وقال: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [سورة يوسف: 92]  

ولما اتضحت لهم حقيقته، وأنه يوسف الذي ألقوه في البئر، قال لهم (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ)  [سورة يوسف: 100] ولم يقل من البئر؛ لكي لا يذكرهم بظلمهم.

وقال (مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)  [ يوسف: 100] رغم ما فعلوه به، نسب ما وقع له للشيطان وليس لهم، ورغم ما وقع منهم يقول عليهم “إخوتي”.

فهذا يعلمنا أنه لا ينبغي أن نعيش في إساءات وصراعات الماضي، ونجتره بصورة دائمة، كما يفعل -مثلًا- بعض الإخوة الجزائريين، ممن يعيشون في فرنسا، فيجتر التاريخ ويعكر على الإنتماء والعيش المشترك القائم الآن، بالصراعات القديمة التي كانت موجودة، ويريد أن يُحمل الأجيال الجديدة الحالية وزر ما حدث في التاريخ السابق.

الدرس الخامس: القيام بواجب الدعوة رغم التحديات

يمكن لقائل أن يقول: إن سيدنا يوسف كان في السجن، في ابتلاء وامتحان، لا يتناسب معه أن يدعو إلى الله في هذا التوقيت، وفي هذا المكان!!

 للشيخ/ يوسف القرضاوي “رحمه الله” كلمة لطيفة جدا، سمعتها منه، يقول فيها:“الوجود الإسلامي في الغرب، وُجِدَ بقدر الله، ولو لم يوجد هذا الوجود بقدر الله، لوجب على المسلمين أن يوجدوه”

 قارن بين هذا الكلام، وبين من يدعو المسلمين في أوروبا اليوم إلى الهجرة والفرار، وإلى تغيير المكان، وترك التدافع الذي نؤكد عليه.

الدرس السادس: المشاركة السياسية والتميز العلمي

المسلمون في الغرب واجبهم الأكبر أن يتكتلوا، وأن يتحدوا، وأن يشاركوا سياسيا، إذا فعلوا ذلك سَتُحَل ثلاثة أرباع مشكلاتهم، فالتضييق على الحريات الدينية للمسلمين الآن، من أين يأتي؟

يأتي بالقانون، والقانون يصنعه السياسيون، والأحزاب وتوجهاتها السياسية، هذه الأحزاب بتوجهاتها السياسية إذا أدركت أن للمسلمين كتلة تصويتية مؤثرة في الإنتخابات، بحيث يمكنها إنجاح مرشحيها أو إسقاطهم، ستنخفض حدة الضغط على الحريات الدينية للمسلمين.

لكن مشكلتنا أننا إما متفرقين ومشتتين، أو أننا حصرنا قضية المشاركة السياسية في الحلال والحرام، وأغلب الناس قالوا إن المشاركة تتناقض مع قاعدة الولاء والبراء، وكيف أصوت لحزب يقول بالمثلية، أويقول بأي مبدأ يتعارض مع قيم الإسلام؟!

وهذا ليس من الفقه، وليس من الحكمة في شيء، فسيدنا يوسف لم يصوت، ولم يشارك سياسيا؛ بل طلب أن يتولى الوزارة، والمسؤولية في حكومة ودولة غير مسلمة!!

ليس هناك أوضح من هذا دليلا على مشروعية وصحة المشاركة، والفعل والحضور السياسي، وتغليب فقه الموازنات، وترجيح المصالح على المفاسد، كما هو متقرر ومعلوم.

الأمر الآخر هو: أن المسلمين في أوروبا لن يتمكنوا إلا بالعلم والتخصص، فسيدنا يوسف لما طلب الوزارة من الملك قال له  (اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [سورة يوسف: 55] فلابد لشبابنا ولأولادنا أن يتميزوا علميا ودراسيا.

 حدثني أحد الاخوة في فرنسا، أن طبيبة مسلمة أرادت ان تُوظف في إحدى المستشفيات، وكانت المستشفى بحاجة إليها، وقالوا لها إن من شروط، ونظام العمل أن تخلعي حجابك، فقالت: لا، لن أتنازل عن حجابي أبدًا،

ورفضت الوظيفة، ورفضت أن تخلع حجابها، ثم ذهبت وقامت بتطوير نفسها وقدراتها العملية، فحصلت على أعلى الشهادات والدرجات العلمية، حتى صارت ذات مكانة وكفاءة علمية، يَصعُب على أي مستشفى أن يتجاهلها أو يرفضها، فطلبها أحد أكبر مستشفيات فرنسا، فقالت لهم سأعمل بحجابي، فقالوا: لا مانع، ستعملين بحجابك.

وعملت في المستشفى، حتى صارت هي المسؤولة عن تعيين الطبيبات في هذا القسم من هذا المستشفى،

وصارت تسمح للطبيبات أن يعملن بالحجاب، حدث هذا بماذا؟ّ

بـ (إني حفيظ عليم)، وبرحلة طويلة من المثابرة والتدافع، وليس الهروب والفرار، كما يفضل بعض الناس.

الدرس السابع: التوازن بين المواطنة، والتفاعل مع قضايا الأمة

سيدنا يوسف عليه السلام لم يقل” أنا مرتاح في هذا المكان، وتوليت منصبا كبيرًا، وتم رد اعتباري” وانتهى الأمر؛ بل ظل متواصلًا مع أبيه وإخوته (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى العَرَشِ..)    [سورة يوسف: 99]

فليس معنى الدعوة إلى الإنتماء إلى البلدان الغربية التي نعيش فيها، والمواطنة، أن يكون المسلم مواطنًا غربيًا خالصًا، فينسى أمته وقضاياها، ولا يتفاعل معها، فلابد ان يكون لدينا شيء من التوازن بين الإنتماء إلى الوطن الذي تعيش فيه، وبين التفاعل مع قضايا الأمة، بما لا يتعارض مع القوانين والنظم التي تحكم هذه البلاد، فلا يمكن لمسلمٍ ألا يتفاعل مع قضية غزة مثلًا.

كيف نتفاعل معها والسياسة الغربية معلوم عنها أنها داعمة بصورة مباشر، أو غير مباشرة، أو صامتة؟ هناك مساحات يمكن أن نتحرك من خلالها، كالمساحة الانسانية،  بالدعم الإنساني والإغاثي، مع الشفافية والتزام الطرق القانونية، فيتم الدعم بصورة قانونية، وشفافة ومعلنة أمام الجهات الرقابية الموجودة في الدولة، وأن يقتصر هذا الدعم على إغاثه المدنيين والأطفال، ودعم المستشفيات.

فهناك مساحات واسعة، ودوائر هائلة جدًا يمكننا العمل فيها، ومسموح بها قانونيًا وإعلاميًا، وسياسيًا، نستطيع أن نتحرك فيها، فنحقق بذلك الإنتماء للأمة من جهة، ومن جهة أخرى نحقق الإنتماء للبلد الذي نعيش فيه بالإلتزام بالقوانين والنظم.

الدرس الأخير: التفاؤل والاستبشار الدائم مهما كانت الصورة قاتمة

سورة يوسف أكثر سورة نهت عن اليأس، قال الله (وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)  [سورة يوسف: 87]

 فهي سورة التسلية والتسرية عن المكروبين والمحزونين كما قلنا، فإذا رأيت حال الأمة وواقعها، وتألمت له، أو رأيت ابتلاء شديدًا نزل بك وتألمت له، فلا تترك اليأس يحيط بك، ويقعدك عن العمل، وتفاءل واستبشر، وإقرأ وانظر إلى سورة سيدنا يوسف، كيف بدأت، وأين انتهت.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزق شبابنا عفة يوسف، وبناتنا طهارة مريم، إنه سميع مجيب، وصلِ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

 

ملحوظة مهمة: هذه المحاضرة تم تفريغها وتنسيقها للفائدة العلمية من فريق الموقع، وليست بطريقة التصنيف أو التأليف العلمي.

 

 

 

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 183