إرسل فتوى

فقه الموازنات في السياق الغربي

فقه الموازنات

موضوع هذه المحاضرة هو: فقه الموازنات في السياق الغربي

وهذا الموضوع موضوع متشعب ومترامي الأطراف سنحاول أن نعطي إشارات لبعض النقاط المهمة والتي ينبني عليها الكثير من التطبيقات العملية في هذه المحاضرة.

الأمة اليوم بشكل عام والمسلمون في الغرب بشكل خاص بحاجة إلى الاهتمام بثلاثة ألوان من الفقه:

 الفقه الأول هو فقه الأولويات

 والفقه الثاني هو فقه الموازنات

والفقه الثالث هو فقه المستقبليات.

فقه الأولويات معناه ترتيب الأعمال يعني أن أعرف درجة ورتبة كل عمل كل حكم شرعي من الأحكام والأوامر والمنهيات فلا أقدم ما يستحق التأخير ولا أؤخر ما يستحق التقديم هذا معناه معنى فقه الأولويات.  

وقد أخذ بحظ لا بأس به من الجانب التأصيلي أو الجانب التنظيري، فهناك كتب ومؤلفات كتبت في موضوع فقه الأولويات وضرورة لفت نظر المسلمين والأمة والعاملين إليه، لكن الخلل في التنزيل وفي التطبيق في فقه الأولويات حاصل وموجود في الشرق كما هو في الغرب.

فقه الموازنات: يرتبط بفقه الأولويات من جهة ما العمل في حالة التزاحم؟ إذا تزاحمت الواجبات أو المحرمات أو المنهيات أو المصالح مع المفاسد، وكنت مضطرًا إلى الإخلال بأحدها فماذا أفعل وما هو المعيار الذي يمكن أو المعايير التي يمكن أن تكون حاكمة وضابطة لعملية الموازنة بين أمر وأمر أو حكم وحكم أو مسألة ومسألة.

فقه المستقبليات: أو علم المستقبليات يرتبط بالأولويات ويرتبط كذلك بالموازنات فهو مؤثر فيما يجب أن يتقدم وما يجب أن يتأخر وما يجب أن يترك في حالة الموازنة لأني أقدم ما أستشرف مستقبلًا أني في حالة تقديمه سأحقق جملة هائلة من المصالح وأدرأ جملة هائلة من المفاسد بخلاف الصورة الظاهرية التي يمكن أن تظهر لي بشكل سطحي الآن.

 وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من المواقف استشرف فيها المستقبل وأشهر الصحابة الذين اعتنوا بفقه المستقبليات أو علم المستقبليات هو سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.

فقه الموازنات هو فقه معياري لا يختص بمسألة الحلال والحرام فحسب إنما هو علم معياري ينسحب على شؤون كثيرة وأكثر ما يتجلى ويتضح تطبيقه والعمل فيه في المجال السياسي وفي المجال الحياتي وفي المجال الطبي.

علم الطب كله يقوم على فقه الموازنات؛ النقاش الدائر الآن حول اللقاحات الخاصة بفيروس كورونا يقوم على الموازنة بين الأضرار أو الأعراض الجانبية التي يمكن أن تصيب الإنسان إذا ما أخذ اللقاح مقارنة  بالأمراض أو المخاطر بنقل العدوى مع حالة الشلل العام التي أصابت العالم الآن، وأضرت باقتصاده، وبعلاقاته الاجتماعية ؛ هنا تأتي عملية الموازنة بين أخذ اللقاح وبين استمرار الحال على ما هو عليه من إصابات ووفيات ….إلى آخره.

مسارعة الدول والهيئات الطبية والشركات الطبية إلى إنتاج اللقاحات وتقديم هذا اللقاح وإنتاجه على غيره من التطعيمات الأخرى هو إعمال لفقه الأولويات.

 وقد أعجبني تشبيه أحد الأطباء لهذا الأمر عندما أجاب على سؤال لماذا السرعة في إنتاج اللقاح مقارنة بلقاحات أخرى تأخرت وأخذت خمس سنوات وسبع سنوات إلى آخره فقال: إنه يشبه سيارة الإسعاف عندما تأتي في شوارع أوروبا فتخلي وتفسح لها السيارات الطريق فتمضي بسرعة حتى تسعف المريض.

الدول والحكومات جعلت الأولوية الأولى لإنتاج هذا اللقاح فرصدت ميزانيات مالية كبيرة وقدمته على غيره من اللقاحات الأخرى.

أضعف ألوان الفقه هو فقه الموازنات والمستقبليات؛ لأنه ينبني على عدم الاهتمام بفقه الموازنات وفقه الأولويات والمستقبليات التخبط في فهم الدين والتأخر من حيث أردنا أن نتقدم.

ومن المؤكد أن الوجود الإسلامي في الغرب هو جزء من هذه الأمة إذا الأمة عندها خلل في فقه الأولويات بطبيعة الحال سيتأثر المسلمون في الغرب بهذا الخلل وسينتقل إليهم لكنهم أكثر تضررًا منه من غيرهم لأن الوجود الإسلامي في الغرب بطبيعته تحدياته أكثر؛ وبالتالي إشكالاته ونقاط ضعفه أكثر منها في المجتمعات الأخرى؛ فينبني على الإخلال بهذا الفقه التأخر من حيث نريد أن نتقدم، وينبني على الإخلال بهذا الفقه تفويت الفرص وأيضًا مضاعفة التحديات.

هذا الموضوع يحتاج إلى مدارسة ويحتاج إلى دربة حتى نصل إلى الملكة التي تعيننا على التطبيق والتنفيذ، لأننا لا نريد بالحديث عن الموازنات أن يكون حديثًا نظريًا وإنما أن ننتقل فيه من التنظير إلى التفعيل والتطبيق.

الواقع أن الأمة في مجموعها والعلماء والفقهاء والمؤسسات الإسلامية في الغرب طبقت عمليًا فقه الموازنات بفطرتها في تعاملها مع جائحة كورونا مثلًا:

قبلت المساجد والهيئات الإفتائية الصلاة مع التباعد الجسدي مع أنه الصلاة مع التباعد الجسدي فيها إشكالات فقهية كثيرة فيها مخالفة مباشرة للنصوص الآمرة برص الصفوف، وبالتقارب وبالنهي عن صلاة منفرد خلف الصف؛ بل صدرت فتوى عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ترفض الصلاة المتباعدة في بداية وقوع الجائحة، وقبل أن تتكشف وتظهر لنا هذه المعلومات التي ظهرت عندما بدا أن أمد الجائحة يمكن أن يطول ويمكن أن يستمر، ولا يُعلم له نهاية يمكن أن يمتد إلى سنة يمكن أن يمتد إلى سنتين.

 فقبل العلماء وقبل المسلمون في الجملة هذه الصلاة المتباعدة بإعمال فقه الموازنات فصلاة متباعدة خير من لا صلاة، وخير من تعطيل الجمعة لعام أو لعامين يُحرم الناس منها بل إن الصلاة حتى المتباعدة نفسها كانت لا يتمكن منها كل الناس لأن أغلب المساجد لا يُسمح لها إلا بعدد محدود من الناس ومهما تكررت الجمعة في المسجد الواحد يبقى شريحة أو عدد كبير من الناس لن يتمكن ولن يستطيع أن يؤدي الصلاة ومع ذلك ففقه الموازنات جعلنا نقبل بهذه الصلاة المتباعدة.

أيضًا أحكام التغسيل والدفن والتكفين بالنسبة للميت الذي مات بكورونا : والفتوى التي صدرت عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بأن من مات بكورونا يُدفن بالكيس الذي خرج به من المشفى دون تغسيل أو تيمم بإعمال فقه الموازنات الذي يُحافظ ويحمي بصورة أساسية الحي من انتقال العدوى إليه إذا قام بالتغسيل ولم يكن يكون مدربًا على الوقاية والحماية لنفسه بل إن الدول تحملت الأضرار الاقتصادية مُعملة بذلك فقه الموازنات لحفظ الأنفس.

ونحن بحاجة إلى فقه الموازنات في السياق الأوروبي لنوازن بين الانتماء للبلد الأصلي وبين الانتماء للوطن الأوروبي الذي نعيش فيه.

فنوازن بين الانتماء للأمة المسلمة ولقضاياها وللوطن الأوروبي الذي نعيش فيه.

 عدم إعمال فقه الموازنات نتج عنه وضوح الانتماء للأمة على الانتماء للوطن الأوروبي.

 ونتج عن هذا الكثير من التفريعات والتطبيقات التي أضرت أو أخرت الوجود الإسلامي في الغرب من حيث أراد أن يتقدم.

فلذلك إذا أردنا أن نعمل فقه الموازنات في هذه المسألة فالانتماء للأمة لا يمنع من الانتماء للوطن الأوروبي الذي نعيش فيه.

 الانتماء لقضايا المسلمين الطارئة أو المستدامة كالقضية الفلسطينية مثلًا لا يمنع ولا يتعارض مع الانتماء وضرورة الاهتمام والاعتناء وجعل الأولوية لقضايا البلد الذي نعيش فيه.

 وعلى ذلك أدلة كثيرة لعل أهم واقعة تاريخية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تؤكد على هذا المعنى: الهجرة إلى الحبشة.

كيف جسد الصحابة الذين عاشوا في الحبشة مفهوم التوطين ومفهوم المواطنة؟  لقد جعلوا الأولوية الأولى للحبشة وللبلد الذي يعيشون فيه ومع ذلك لم ينقطعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة وبقوا على اتصال دائم معهم إلى أن أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعودة مرة أخرى، وهذا لعله أظهر مثال نؤصل به لفقه الموازنات أو نوضح به فكرة فقه الموازنات.

في القرآن الكريم في سورة الكهف وفي قصة موسى والخضر وفي المواقف الثلاثة من خرق السفينة إلى قتل الغلام إلى بناء الجدار في هذه المواقف الثلاثة أعمل الخضر فقه الموازنات فارتكب الضرر الأخف ليدفع به الضرر الأكبر والضرر الأعظم وإنكار سيدنا موسى عليه السلام عليه كان بسبب عدم وجود العلم الذي كان لدى الخضر.

وهنا يتعين علينا أن نمتلك هذا العلم وأن نبحث في هذا العلم أن نقرأ التاريخ وأن نفهم الواقع حتى نحسن استشراف المستقبل فنبني التوجهات ونبني القرارات والاختيارات على فقه وعلم مُبين نستطيع أن نحقق به مصالح الدين والدنيا وندفع أيضًا المفاسد قدر الإمكان.

 لو لم يعب السفينة بالتخريق لغصبها الملك، وفاتت منافع كثيرة جدًا على أعداد كبيرة من الناس، ولو لم يقتل الغلام رغم أنه مفسدة لكان في بقائه مفسدة أعظم لوالديه في دينهم ودنياهم، والمشقة الحاصلة بإقامة الجدار أقل ضررًا من سقوطه، لأن سقوطه سينبني عليه ضياع مال أولئك الأيتام.

أنا أريد هنا أن أركز على نقطة واحدة من أهم النقاط المفصلية في فقه الأولويات وفقه الموازنات وفقه المستقبليات أو علم المستقبليات وهذه الجزئية أو هذه النقطة هي نقطة وثيقة الصلة وبالغة التأثير في فقه الموازنات وإن أثرت في الأولويات والمستقبليات ألا وهي مسألة درجات الأحكام التكليفية.

هل الأحكام التكليفية على درجة واحدة من الأهمية عند الله سبحانه وتعالى؟

 بمعنى أن الأحكام التكليفية هي مأمورات ومنهيات.

المأمورات تدخل فيها دائرة الواجبات والمندوبات .

والمنهيات تدخل فيها دائرة المحرمات والمكروهات.

فهل الواجبات كلها على درجة واحدة من الأهمية بمعنى أننا نحصل على كل الواجبات ذات الأجر ونحصل على ترك كل المحرمات ذات الأجر كما ينال فاعل ومرتكب المحرمات كلها بنفس الدرجة ذات الوزر.

قد يفهم بعض المسلمين هذا الأمر فيرى أنه كل ما أمرنا الله سبحانه وتعالى به إلزامًا هو على درجة واحدة من الأهمية والأجر والثواب واللوم والعقاب؛ فيقولون مثلًا: إن الصلاة فرض وإن الحجاب فرض  .

نعم الصلاة فرض والحجاب فرض لكن هل درجة ومنزلة الصلاة كدرجة ومنزلة الحجاب في الإسلام؟

كلا، هذا في درجة وفي رتبة وهذا في درجة وفي رتبة.

حتى أركان الإسلام ليست كلها على رتبة واحدة كما يقول الإمام الشاطبي رحمه الله حيث يقرر: أن الإخلال بالصلاة ليس كالإخلال بالزكاة والإخلال بالزكاة ليس كالإخلال بالصيام والإخلال بالصيام ليس كالإخلال بالحج وإن كانت كلها أركان للإسلام ومطلوبة على سبيل الحتم والإلزام ذلك لأن رتبتها عند الله سبحانه وتعالى تختلف عن بعضها.

ولذلك هذا موضوع في غاية الأهمية يحتاج منا إلى تأمل ويحتاج منا إلى تركيز وإلى تفصيل.

الإمام القرافي والإمام العز بن عبد السلام يشرحان في كتبهما هذه الأحكام بشيء من التفصيل.

ويتحدث الإمام القرافي عن أن المندوب قد يرتفع رغم أنه مندوب يعني من السنن المؤكدة وغير المؤكدة مندوب يعني ليس مطلوب على سبيل الحتم أو على سبيل الإلزام قد يرتفع في درجته وفي ثوابه عند الله سبحانه وتعالى إلى مرتبة الواجب رغم أنه مندوب بأي شيء بالمردود المصلحي يعني يقول إن درجة الواجب لازالت تتقاصر وتتراجع حتى تصل إلى أعلى رتب المندوب ولا زالت رتبة المندوب ترتفع بحسب مردوده المصلحي حتى تصل إلى رتبة أو درجة الواجب كل هذا بحسب المصلحة التي تعود على الفرد وتعود على المجتمع من وراء فعل هذا الواجب أو فعل هذه السنة أو هذا المندوب.

إذًا الأحكام ليست على درجة واحدة من الأهمية في حالة الامتثال أو اللوم والعقاب في حالة الترك.

هنا يأتي السؤال أيهما أولى بالاعتناء وبالتقديم بالأجر والثواب؟

درجة المأمورات يعني الواجبات والمندوبات أم درجة المنهيات التي تشمل أو يدخل فيها المحرمات والمكروهات؟

الاتجاه الذي نتبناه وندعو إليه هو الاتجاه الذي تبناه عدد من الأصوليين في مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والإمام الرازي وغيرهم من علماء الأصول بخلاف الجمهور.

لأنه الجمهور قال: إن المنهيات والمحرمات هي الأولى بالاعتناء والأولى بالتقديم، وتركها يحصل المسلم عليه أجرًا أكبر من الامتثال في دائرة الواجبات والمندوبات.

لماذا نرجح هذا الاتجاه ونقول: نحن في الغرب تحديدًا نحتاج أن نعلي من قيمة ومركزية الواجبات والمندوبات على المحرمات والمنهيات؟

لأن الإشكالات في حياة المسلم في الغرب تأتي دائمًا في دائرة المنهيات والمحرمات.

انظروا مثلًا إلى القضايا المثارة والتي تثير جدلًا بصورة دائمة في السياق الغربي:

  • قضية المثلية أو الشذوذ الجنسي محرمات.
  • قضية المصافحة مصافحة الرجل للمرأة والمرأة للرجل وإن كانت مسألة خلافية لكنها تدخل في دائرة المحرمات.
  • الخمر وأحكامها والعمل في محلات فيها الخمور أو حمل الخمور أو الجلوس على مائدة يُدار عليها الخمر.
  • ملف القروض بكل درجاتها وأقسامها وأنواعها يدخل في دائرة أو في ملف الربا المحرم في الإسلام.
  • ملف التهنئة اللي ما زلنا مشغولين به حتى الآن يدخل كذلك في دائرة المحرمات.
  • موضوع الاحتفالات بشكل عام الاحتفالات بالأعياد الدينية أو الأعياد الوطنية أو غير ذلك.

وأؤكد هنا وأرجو أن ينتبه الأخوة والأخوات الذين يتابعون هذا الحديث الآن ألا يفهموا من كلامي هذا أني أهون أو أدعو إلى التهوين من دائرة المحرمات أو المنهيات ما دمنا نريد أن نعلي من قيمة ودرجة الواجبات والمندوبات في الإسلام كلا.

الأصل بمقتضى العبودية أن يقوم المسلم بالامتثال في دائرة الأمر والامتثال في دائرة النهي ولكن نحن نقول أيهما أهم وأولى بالاعتناء وبالتقديم بمقتضى فقه الأولويات؟

 وإذا كنا بمقتضى فقه الموازنات مضطرون إلى ارتكاب مفسدة أو ترك مصلحة يعني أنا مخير الآن لا أستطيع أن أجمع بين فعل الواجب وترك المحرم فهل أترك الواجب أو أقصر في إقامة الواجب وأقع في المحرم؟ أم أُسلِّم الواجب وأفعل الواجب وإن وقعت في المحرم مضطرًا؟

وهو ما يُعرف بقاعدة أو مبدأ:درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، أو درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.

 إذا قلت بأن دائرة المحرمات هي الأولى بالعناية والأولى بالتقديم وترك المحرمات أعلى ثوابًا من فعل الواجبات فهذا معناه فعلًا أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.

إذا أخذت هذا المبدأ وطبقته على كثير من القضايا والملفات في السياق الغربي تحديدًا فسأكون أمام تعطيل الكثير من المصالح الكثير من الواجبات حتى أُسلِّم الفرد والجماعة المسلمة في الغرب من الوقوع في دائرة المحرمات.

خذ مثلًا حتى أقرّب الصورة:

مسألة المشاركة السياسية:

 المشاركة السياسية في السياق الغربي أكثر ما يشوّش عليها أو يجعل شريحة كبيرة من المسلمين تعزف عن المشاركة فيها بمستوياتها المختلفة لا أقصد طبعًا مجرد التصويت في الانتخاب إنما أتحدث عن الفعل السياسي أتحدث عن المشاركة السياسية الفاعلة بشكل عام أكثر ما يشوّش عليها أنه أن يتلبّس المسلم في أثناء عملية المشاركة السياسية بشيء محرم.

يقول لك هذا الحزب عنده مبدأ أو عند هذا المرشح السياسي الذي سأقبله أو سأصوّت له إشكالية في برنامجه تتعارض مع مبدأ إسلامي أصيل كالقول بالمثلية مثلًا أو الشذوذ الجنسي أو كذا أو غير ذلك من المسائل.

هو في بقية الدوائر مثالي جدًا في ملف البيئة في ملف الحريات في ملف الأسرة في هذه الملفات كلها مثالي جدًا لكن إن قبلت التصويت له أو المشاركة معه أو دخول الحزب معه فقد دخلت في هذه الإشكالية المحرّمة.

 إذًا مشاركتي السياسية ستمكّن الوجود الإسلامي في الغرب من الحفاظ على جملة من الواجبات وجملة من المصالح، لكن هناك مفسدة في دائرة من الدوائر درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة سيقول أدرأ هذه المفسدة حتى وإن فاتت هذه المصالح بينما الذي ندعو إليه ونؤصّل له هو أن دائرة الواجبات والمأمورات تتقدم وتعلو دائرة المحرمات وبالتالي:

جلب المصلحة يقدم على درء المفسدة

بمعنى أنه الأصل والواجب هو أن أُقيم الواجبات وأن أحافظ على دائرة المأمورات، فإن كنت مضطرًا للحفاظ على دائرة الواجبات أو المأمورات أن أتلبس أو أن أرتكب مفسدة من المفاسد في دائرة المنهيات أو المحرمات فلأرتكبها حتى أحافظ على دائرة الواجبات والمأمورات.

أرجو أن تكون الفكرة المبدئية واضحة بهذا الذي قلت.

ما الدليل على هذا الكلام الذي نقوله؟

هناك أدلة كثيرة جدًا الإمام ابن تيمية ذكر حوالي عشرين دليل على هذا الأصل، فقد اعتبر الأمر أو المأمورات هي الأصل أو هي الأصول وأن المنهيات والمحرمات هي فروع تابعة لها ومتفرعة عنها، وشرح تلميذه الإمام ابن القيم ما قاله أستاذه ابن تيمية، وحشد عليه أكثر من مائة دليل.

من هذه الأدلة ما قاله الإمام ابن تيمية : إن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه وجنس ترك المأمور به أعظم من جنس فعل المنهي عنه، وإن مثوبة بني آدم على أداء الواجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرمات وإن عقوبتهم على ترك الواجبات أعظم من عقوبتهم على فعل المحرمات هذا كلام واضح.

 إذن فعل أي واجب أعظم في ثوابه وفي أجره عند الله سبحانه وتعالى من ترك أي محرم وإن الإثم والعقوبة واللوم على ترك الواجب كترك الصلاة مثلًا أعظم عند الله سبحانه وتعالى من ارتكاب أو فعل المحرم.

من العبارات المهمة التي توضح الأمر:

هذه المقارنة التي عقدها الإمام ابن القيم بين معصية آدم ومعصية إبليس فاعتبر أن معصية آدم أنه نُهي عن أكل الشجرة فأكل منها فتاب الله سبحانه وتعالى عليه وقد كانت معصية في دائرة المحرمات يعني أكل ما حرّم الله عليه أكله.

إبليس كانت معصيته في دائرة المأمورات أمر أن يسجد فلم يسجد فلم يُتب عليه.

لماذا ؟ ما الفرق بين بين الأمرين بين فعل المنهي عنه وبين ترك المأمور به؟

معصية ترك المأمور به سببها الكبر والعزة أنا خير منه، ومعصية أو ذنب فعل المنهي عنه شهوة أو حاجة ، وفرق كبير بين الأول وبين الثاني، فلا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.

وكما قال ابن القيم ويدخلها من مات على التوحيد وإن زنى وإن سرق هذا نصه وهذه عبارته لا يعني هذا أننا ندعو الناس إلى فعل الواجبات والإتيان بالمحرمات هذا لا يقول به عاقل وإنما ترتيب الأولويات.

الفكرة الأساسية التي نريد أن نصل إليها من خلال هذا الكلام ومن خلال هذه الموازنة وهذا الترتيب :

أن فعل المأمورات يؤدي إلى ترك المحرمات بينما ترك المحرمات لا يؤدي عادة أو غالبًا إلى فعل فعل الواجبات

بمعنى لو أنا عندي شخص لا يصلي ترك الصلاة فترك المأمور به وهو يشرب الخمر فعل المحرم المنهي عنه.

أنا الآن أريد أن أتوجه إليه بالدعوة هو شخص مسلم أريد أن أدعوه إلى إلى طريق الله إلى أن يستقيم إلى أن يهتدي فبأي شيء أبدأ وعلى أي شيء يجب أن أركز؟

هل أركز على أن يترك المحرمات ويترك شرب الخمر أولًا ؟

أم أن يفعل المأمور به ويحافظ على الصلاة ويستقيم فيها أولًا؟

 الاتجاه الأصولي العام المنهيات والمحرمات أولًا ؛ فاتجه إلى أن يترك الخمر.

هب أني فعلت هذا سيبقى هو ضعيف جدًا إذا ترك الخمر واستمر في ترك الصلاة فيمكن أن يعود في أي لحظة إلى شرب الخمر لكن إذا بدأت معه بإقامة الصلاة وتحسين الصلاة وتجويد الصلاة فسيترك الخمر لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فإقامة الصلاة تؤدي إلى ترك الفحشاء والمنكر وليس من ضرورة ترك الفحشاء والمنكر الإتيان بالصلاة.

الصلاة يجب أن نفهم هذه المعادلة وهي معادلة مغلوطة ومعكوسة في ممارساتنا وفي واقعنا كما سأذكر في الجوانب أو المسائل التطبيقية.

قالوا أيضًا مما يؤكد على أن الأصل وما يجب أن يتقدم وفي حالة الموازنة أو التزاحم بين مأمور به وبين منهي عنه بين مصلحة وبين مفسدة فيجب أن نقدم المصلحة على المفسدة المأمور به على المنهي عنه.

وقالوا فعل الحسنات يوجب ترك السيئات، وترك السيئات لا يوجب بالضرورة فعل الحسنات كما أشرت.

الحسنة التي هي فعل المأمور به تمحو أثر المنهي عنه يعني الإنسان إذا أتى بالصلاة (إن الحسنات يذهبن السيئات) [سورة هود الآية 114]

 ترك السيئات هل يعوض ترك فعل الواجبات؟

كلا، ولذلك السيئات أو المحرمات إذا وقع فيها الإنسان فتنجبر وتنكسر وتنتهي بالتوبة أما المأمورات فلا تنجبر ولابد من قضائها.

المسلم مأمور بقضاء الواجبات التي فاتته بينما ليس الأمر كذلك في أمر السيئات أو المحرمات.

هنالك كلام مهم جدًا قاله الإمام الفخر الرازي في تفسيره وهو عالم أصولي معروف قال: إن الأصل والقصد الأعظم من خلق الله سبحانه وتعالى للخلق هو فعل المأمورات وليس ترك المحرمات.

يعني لو كان القصد الأساسي من خلق البشر وخلق الناس هو ترك المنهيات واجتناب المفاسد فأتم تحقيق لذلك هو عدم خلق البشر أصلًا لأن الناس خُلقوا ليفعلوا لا ليجتنبوا، وإنما كان اجتناب المنهيات، ومفاسدها بسبب ضررها بالمأمورات ؛ يعني الأصل أن نفعل ما أمرنا به أن نقيم الصلاة أن نؤتي الزكاة أن نصوم رمضان إلى آخره.

 ماذا عن دائرة المحرمات ترك الزنا ترك شرب الخمر ترك كل ترك الربا ترك كل المحرمات والموبقات والفواحش؟

قالوا إنما حُرّمت لأنها تضر بالمنهيات (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله ويصدكم عن الصلاة.) [سورة المائدة الآية 91:92 ] إذا أحد المقاصد الأساسية من تحريم الخمر أنه يضر بالمأمور به وهو إقامة الصلاة.

 ما الذي ينبني على هذا المبدأ أو هذا الأصل الذي ذكرت تأثيرًا في فقه الأولويات في فقه الموازنات في فقه المستقبليات؟

لنأخذ مثلًا ملف التعريف بالإسلام والدعوة إليه وكيف نخاطب المسلمين الجدد أو الذين يسألون عن الإسلام :

عندما نتحدث عن الإسلام أو عندما نعرّف بالإسلام هل نركز نركز على دائرة المأمورات أم نركز على دائرة المحرمات والمنهيات؟ الواقع أن بعض المسلمين إذا أراد أن يتحدث عن الإسلام أو أراد أن يدعو إلى الإسلام في السياق الغربي يقدم الإسلام وكأنه قائمة من الممنوعات وهذه الممنوعات التي يقدمها بحديثه عن الإسلام تعطي انطباعًا لغير المسلم بأنه الإسلام لا يعرف إلا المنع ولا يعرف إلا التشديد والتوقف والتصادم معه في الأشياء التي نشأ عليها ووُلد وعاش عليها كشرب الخمر مثلًا فيحصل له النفور أو الاستغراب من الإسلام.

بل أنا أقول إذا سألت أي شخص غير مسلم ما هو تصورك للإسلام ما هو تعريفك للمسلم سيقول لك المسلم هو الذي لا يأكل الخنزير ولا يشرب الخمر.

إذًا تعريفه للمسلم هو الذي يترك المنهيات أو لا يفعل المحرمات.

طيب أين الصلاة أين الزكاة أين الصيام أين أركان الإسلام في الجملة؟

ليست موجودة وليست حاضرة عنده ربما لم يسمع عنها أصلًا.

إذًا الأصل في حديثنا عن الإسلام وهذا المنهج هو المنهج النبوي الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ عندما أرسله إلى اليمن فادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم.

حديث واضح جدًا كله مأمورات لم يدخل في أي  من المنهيات أو المحرمات.

الأعرابي الذي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وقال له إن شرائع الإسلام قد كثرت علي تحدث معه عن الواجبات في حدها الأدنى ولم يتطرق ولم يدخل إلى المحرمات.

هل معنى هذا أننا سنمسك عن الحديث عن المحرمات مع الذين يتحدثون يسألون عن الإسلام أو الذين أسلموا بالفعل؟

كلا، إنما سنركز بشكل أساسي على دائرة المأمورات لأنها ستنمي وتقوي الإيمان في نفسه فسيكون أكثر امتثالًا عندها لترك المحرمات وستأتي سهلة هينة عليه وعندي أمثلة وتطبيقات عملية كثيرة عايشتها وعاصرتها في هذا الباب.

لعلّي أذكرها في أثناء النقاش حتى أمر على أفكار أخرى مما ينبني على هذا التطبيق أو على هذا الأمر:

معيار قياس التدين في السياق الغربي أو حتى العربي وأولويات الإصلاح الديني للمجتمعات.

إذا أردنا أن نقيس التدين في مجتمع من المجتمعات أو في أوساط الشباب الأجيال الجديدة التي وُلدت وازدادت في الغرب، أذكر لكم هذه القصة:

عندي إمام في بلد أوروبي إمام ينشط ويعمل في أوساط شباب الجيل الثاني وما بعده جمع مجموعة من الشباب حوالي مائة شاب وفتاة في ليلة إيمانية وأراد أن يرفع الواقع وأن يتعرف على مشكلة هؤلاء الشباب والشابات فعمل لهم استطلاع رأي سرّي يسأل:

  • كم مرة شربت الخمر؟
  • هل لك صاحبة أو صديقة عشت معها في علاقة محرمة؟
  • ما حدود هذه العلاقة والتدرج معها ؟
  • هل ذهبت إلى مرقص أو إلى ملهى ليلي كم مرة .
  • إلى غير ذلك.

طبعًا هو جاءني مهمومًا حزينًا وقال لي أنا تألمت كثيرًا عندما وجدت حركة التدين بهذا المستوى في أوساط الشباب والفتيات وعدد كبير منهم وقع في محرم كذا ونسبة كذا أعلى من كذا إلى آخره.

قلت له لقد أخطأت الوجهة، وكان عليك أن يكون استطلاع الرأي ليس بالسؤال عن أي محرم وقعتم فيه؟ وإنما عن مستوى ودرجة ونسبة إقامة الواجبات في حقكم… كان عليك أن تسألهم عن أداء الصلاة عن الزكاة.

إذن أقول بشكل واضح جدًا دعونا نتحدث عن أركان الإسلام في واقع الوجود الإسلامي في الغرب بل في الشرق:

ماذا عن أركان الإسلام؟

كم نسبة المسلمين الذين يصلون؟

كم نسبة المسلمين الذين يزكون؟

كم نسبة المسلمين الذين يصومون؟

كم نسبة المسلمين الذين يحجون؟

سنجد الخلل قائم في أركان الإسلام كلها.

هناك دراسة عن واقع التدين في السياق الألماني على سبيل المثال تتحدث عن نسبة المسلمين الذين يصلون لا تتعدى العشرين في المائة في أحسن الأحوال!!!

يعني نحن نتحدث عن قرابة ثمانين في المائة من المسلمين لا يصلون أهم ركن من أركان الإسلام بعد التوحيد فيه هذا الخلل بهذه النسبة الكبيرة جدًا !!!

أين المشروعات؟ أين الدور الذي قامت به المؤسسات الإسلامية في الغرب لترفع من نسبة المصلين في أوساط المسلمين؟

معنى هذا أن المؤسسات أن هذا الإمام لو أنه اشتغل على مسألة الصلاة من لا يصلي يصلي…. غير المنتظم في الصلاة ينتظم فيها من يصلي دون خشوع يصلي بخشوع لاستقامت عنده دائرة المحرمات وآمن فيها بصورة مباشرة وصورة تلقائية لكنه لم يحدث.

لقد فكرت كثيرًا وسألت كثيرا من المؤسسات أو الجهات التمثيلية التي تمثل المسلمين أمام الجهات السياسية في أوروبا وفي الغرب أي مؤسسة أو أي جهة تحدثت عن تمكين المسلمين في العمل أو الطلبة من أداء صلاة الجمعة أن تكون هناك إمكانية لكل مسلم لكل مسلمة في عمل في دراسة أنه يوم الجمعة هذا يمكّن من أداء الصلاة لأن هذه مسألة لها أهمية كبيرة في حياة المسلمين في دينهم كذا كذا إلى آخره تصدرت ملفات أخرى وقدمنا أنفسنا بها للمجتمع سياسيًا وإعلاميًا عن هذا الملف الدقيق والحساس، والذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم أهم أركان الإسلام بعد التوحيد.

انظروا إلى الخلل في الأولويات وفي الموازنات وفي المستقبليات لدى الحركات الإسلامية والدول والبلدان التي صعد فيها الإسلاميون بالانتخابات بعدما سُمّي بأحداث الربيع العربي ما هي الأولويات أو الموازنات التي أعملها عملتها هذه التيارات في هذه البلدان؟

ركزت بشكل أساسي على دائرة المحرمات والممنوعات ولم تلتفت ولم تشتغل على دائرة المأمورات ودائرة الواجبات التي تشكل الدائرة الأم التي يجب أن تكون لها الأولويات.

في السياق الغربي فيما يتصل بمسألة تربية الأولاد في الغرب عندما نربي أولادنا في الغرب عندما نتحدث أو نريد أن نصل إلى معيار لقياس التدين عند شبابنا وبناتنا في الغرب: هل نعتني أكثر بدائرة المأمورات الصلاة الصيام الزكاة حتى الحج العمرة كل أمر أم دائرة المحرمات والمنهيات؟

ويعتبر الأب وتعتبر الأم أن ابنهما أو بنتها في قمة التدين عندما نقول: الحمد لله لم يشرب الخمر ولا يدخن ولم يذهب إلى ملهى أو مرقص لكن تسأل عن الصلاة تجد ضعف وتجد تراجع وتجد تهاون وتجد إشكالات كبيرة جدًا.

طيب أنت لا تفرح كثيرًا بأنه لم يقع في هذه المنهيات أو المحرمات لأنه كما قلنا ضعيف جدًا يمكن أن يسقط في أي في أي وقت.

نحن نسمع في التربية لا تفعلوا اتركوا النهي النهي الأمر بالنهي أكثر مما نسمع افعلوا الزموا يتعين كذا يجب كذا حتى الأسئلة التي تأتينا الأسئلة التي تأتينا في لجان وهيئات الفتوى أكثر ما تأتي في دائرة المحرمات وليس في دائرة الواجبات.

كيف ندرب أولادنا على المحافظة على الصلاة ؟

كيف نتغلب على الصعوبات أو الإشكالات التي تواجه أولادنا في إقامة الصلاة في صلاة الجمعة في كذا إلى آخره.

في دائرة الواجبات تحديدًا في الجملة.

الأسئلة

1- ماذا نفعل مع من لديه شكوك في الدين نفسه بم نبدأ؟ وهل نباشر في الحديث حول الصلاة أم الحجاب لمن هي مثلًا من من البنات متبرجة لا تريد أن تلتزم بالحجاب؟ نبدأ بها بسؤالها إلى الحجاب أم إلى الصلاة؟

هذا السؤال كاشف عن حجم المشكلة التي أتحدث عنها الآن يعني النبي صلى الله عليه وسلم رتب أركان الإسلام بالتوحيد أولًا.

لماذا أثرت شبهات أو أسئلة المشككين والملحدين في الشباب المسلم في السنوات الخمس أو العشرة الأخيرة بشكل كبير حتى أصبح الإلحاد يشكل ظاهرة في حتى في المجتمعات المسلمة ليس فقط في السياق الغربي؟

أين الإشكال في هذا الموضوع؟

الإشكال في هذا الموضوع أن دائرة المأمورات لم يقع الاعتناء بها ولم يقع تحصين الشباب بشكل صحيح فيها ومناهج وكتب ومؤلفات وطرق تدريس العقيدة لا توصل إلى تحقيق هذا التحصين، وبناء هذا الإيمان، والإجابة على هذه الأسئلة، أو إكساب أو إعطاء الشباب القدرة على التعاطي مع هذه الأسئلة أو مع هذه الإشكالات فنتج عنها هذا الذي نراه الآن.

وبالتالي الأصل أن نهتم بموضوع الاعتقاد وموضوع التوحيد وأن نطور معارفنا وأن نؤهل وأن تقوم المؤسسات الإسلامية بتأهيل الأبوين بل أقول بتأهيل الأئمة وبتأهيل الدعاة ليمتلكوا القدرة على التعاطي مع مشكلات ومع أسئلة الشباب في هذا في هذا الباب.

2- أيهما نقدم الحجاب أم الصلاة؟

تمامًا أنا دائمًا أقول الصلاة أولًا. الصلاة إذا استقامت إذا انضبطت إذا أنا أطرح عليكم سؤالًا والإجابة على السؤال تجيب على هذا السؤال الذي طُرح:

لماذا تتجرأ المسلمة التي ولدت مسلمة لأسرة مسلمة في مجتمع وفي بيئة مسلمة عاشت مع الحجاب عشرين سنة أو ثلاثين سنة من عمرها تقرر في وقت من الأوقات أن تخلع حجابها وتقول إني لم أكن مقتنعة به عندما ارتديته وقيود اجتماعية وتقاليد وإلى آخره؟

بينما المسلمة التي اعتنقت الإسلام بالأمس المسلمة الجديدة الأوروبية التي اعتنقت الإسلام بالأمس تلبس حجابها وتتمسك به وتدخل في معارك وصراعات جديدة بالنسبة لها مع عائلتها مع مجتمعها في عملها قد تتعرض وتضحي وتتمسك وتكون فرحة بهذا الأمر وعندنا وقائع كثيرة في هذا؟

الإجابة: إنه الإيمان تمكّن من قلبها فصارت مقاومة لشهوتها لأن كل امرأة عندها شهوة التزين والتجمل والظهور أمام الرجال وأمام الناس بغير حجاب وبكامل الزينة فكلما علا منسوب الإيمان بدائرة المأمورات اللي في مقدمتها الصلاة سهل على النفس تمامًا أن تطيع وأن تأتمر في كل الدوائر والجوانب الأخرى.

مرة أخرى أقول الحجاب فرض نعم مأمور به ومطالب به حتمًا نعم، والصلاة كذلك لكن لا يمكن أبدًا أن تكون رتبة الصلاة كرتبة الحجاب، ولا تكون من تركت الصلاة كمن تركت الحجاب، وفعل الأول يؤدي إلى الالتزام بالثاني ، والالتزام بالثاني مع ترك الأول لا يؤدي إلى الاستقامة والاستمرارية على الثاني.

3- هل معنى فقه الموازنات أنه يمكن في البلاد الأوروبية والأمريكية خصوصًا القريبة من القطب أن يُرخّص في عملية الإفطار قبل الأذان في رمضان عندما يطول النهار في الصيف؟

 هذه القضية درسناها في المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث وانتهينا إلى أن نسير مع كل المجامع الفقهية يعني كل المجامع الفقهية المعاصرة فيما عدا دار الإفتاء المصرية ولجنة الفتوى معنا في هذه الفتوى أنه أي بلد يتميز فيه الليل عن النهار يجب أن يتم المسلم فيه الصيام إلى الليل ثم أتم الصيام إلى الليل.

لماذا؟

لأن الله سبحانه وتعالى فرض علينا الصيام ووضح صورة معينة للعبادة وقدم لنا الحل إذا عجزنا عن الإتيان بالعبادة على هيئتها : (فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر.) [ البقرة الآية 184 ]

فمن لا يستطيع أن يصوم عشرين ساعة أو إحدى وعشرين ساعة يجوز له أن يفطر ثم يقضي هذه الأيام بعد رمضان.

هذا يؤكد على أن إعمال فقه الموازنات لا يعني التنازل عن الثوابت، ولا يعني تغيير صورة العبادة، وأن مبدأ التيسير الذي ندعو إليه كمبدأ في فقه الحضور الإسلامي في الغرب لا يعني أيضًا الخروج على النصوص.

المجلس الأوروبي للإفتاء متهم بأنه يتبنى منهجية التيسير بدون ضابط، وإن هدفه إن ييسر على المسلمين.

لو كان هدفنا أن نيسر على المسلمين بالخروج على النصوص لكان أسهل علينا أن نقول بما قالت به لجنة الفتوى في الأزهر أو الشيخ مصطفى الزرقاء ولكن قلنا أنه يجب أن يتم المسلمون الصيام إلى الليل كما ذكرت.

تبقى عندنا نقطتين بسرعة النقطة الأولى البلدان التي يستمر فيها الليل أربع وعشرين ساعة أو النهار أربع وعشرين ساعة وهذا موجود في بعض المدن شمال السويد وفيها أعداد من المسلمين وعائلات من المسلمين وقد زرناهم واطلعنا على مشاكلهم هؤلاء يصومون ويصلون على أقرب بلد تنضبط فيها الأوقات والعلامات.

تبقى مدن أخرى عندهم ليل ونهار لكنه قصير جدًا يصل إلى ساعة أو إلى ساعتين أو إلى ساعة ونصف قلنا أن هؤلاء يلحقون بالبلدان التي لا ليل فيها حتى إذا قل الليل عن ثلاث ساعات فيجوز لهم أن يصوموا وأن يفطروا على أقرب بلد لهم والله أعلم.

4- بعض الناس يأخذ فقه الموازنات على أنه نوع من التنازل؛ ما هي الحدود من حيث الرؤية المنهجية للثوابت التي لا يمكن التنازل فيها أو التي قد لا تخضع لفقه الموازنات؟

فقه الموازنات لا بد أن يكون حاضرًا معنا في كل الأحوال وفلسفة فقه الموازنات أصلًا هو سبيل لحفظ الثوابت يعني إعمال فقه الموازنات هو سبيل لحفظ الثوابت.

فقه الموازنات ليس القصد منه أن أتنازل أو أن أتراجع أو أن أترك أو أن أقصّر أو أن أفعل الواجبات وأفعل المحرمات أيضًا أو أقصّر في الواجبات أبدًا ليس هذا هو المقصود إنما الحديث هنا إذا كنت مضطرًا اضطرارًا ليس أمامي حل إلا واحدة من اثنين لا أستطيع أن أجلب المصلحة وأدرأ المفسدة إن جلبت المصلحة فسأرتكب المفسدة إن درأت المفسدة فسأترك المصلحة وأفوت الواجب ماذا أفعل في هذه الحالة؟ ففقه الموازنات يتحدث عن حالة التزاحم أوعن حالة التدافع أنا مضطر أن أفعل هذا مثل ما قلت في نموذج الصلاة هذا مثال واضح جدًا لفقه الموازنات.

في وقت وباء كورونا: أنا مُخيَّر الآن بين أن أصلي الجمعة بالتباعد وخمسة وعشرين شخصًا في المسجد وأكرر الصلاة ست مرات أو ثماني مرات كل هذا مخالف للأصل.

 لا يجوز أن تتكرر صلاة الجمعة في المسجد الواحد  جمعة واحدة فقط ؛ بل لا يجوز أن تتكرر الجمعة في المدينة الواحدة من حيث الأصل.

الأصل أن المدينة الواحدة يكون لها جمعة واحدة ، لكن إقامة جمعة ثانية جوزها العلماء المعاصرون فقط للتغير الذي حصل بزيادة أعداد المسلمين وضيق المساجد وتباعد المسافات إلى آخره.

أنا خالفت كل هذا صليت صلاة متباعدة تعدد الجمعة في المسجد الواحد لست مرات أو ثماني مرات عدم تمكين عدد كبير من المسلمين من أداء صلاة الجمعة لماذا قبلت بكل هذا؟

هل أنا هنا تنازلت عن الثوابت أم حافظت عليها؟ حافظت عليها لأنه هذا خير من أن أتركها بالكلية لعام أو لأكثر.

وهذا أيضًا يرتبط ارتباطًا جوهريًا ببقاء واستمرارية المساجد لأنه المساجد لا يمكن أبدًا أن تستمر وكما أشرت حتى في الأمور الطبية علم الطب كله هو علم يقوم على الموازنات.

الذي يقدم على عملية جراحية ليست هي مخاطرة يمكن أن يعرض حياته فيها للموت أو يمكن أن يصاب بالعمل لماذا يضحي ويوقع بنفسه على قبول هذا الإجراء؟

يوازن بين مصلحة ومصلحة وبين مفسدة ومفسدة.

5- ما تعليقكم على حديث النبي صلى الله عليه وسلم (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) وهو حديسث متصل بفقه الموازنات؟

هذا حديث مهم جدًا لأنه هو عُمدة الأدلة التي استدل بها من قال إنه  درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة وترك المحرمات مقدم على فعل المأمورات لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال فاجتنبوه ولم يربطه بالاستطاعة بينما في المأمورات قال فأتوا منه ما استطعتم.

والحقيقة أن الحديث لا علاقة له بالمأمورات والمنهيات.

المأمورات مربوطة بالاستطاعة لأنه كل الناس تستطيع الصلاة لكن ليس كل الناس تستطيع الحج  وليس كل الناس تستطيع الصيام فلا بد أن يربطه بالاستطاعة الفعل لا بد أن يربط بالاستطاعة.

إنما النهي الترك الترك مقدور عليه لكل الناس لأن الترك ليس فعلًا الترك ترك لهذا حسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال فاجتنبوه وفي الأمر قال فأتوا منه ما استطعتم فالحديث لا يدل على أن المحرمات تتقدم أو تركها يحصل المسلم عليه ثوابًا وأجرًا أكبر من المأمورات والله تعالى أعلم.

بارك الله فيكم وشكر الله لكم.

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 171