إرسل فتوى

فقه الدعوة وأولوياتها

فقه الدعوة وأولوياتها من قصة إسلام الطفيل بن عمرو

خطبة الجمعة  بمسجد المهاجرين. بون ألمانيا. 28 نوفمبر 2025م

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،

فما أحوجنا أن نتعلم فقه الدعوة وأولياتها في زمن فقدت فيه البوصلة واختلطت فيه الأولويات وخير من يعلمنا فقه الدعوة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وسأقص عليكم طرفا من إسلام صحابي جليل هو

سيدنا الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه

وهذه قصه إسلامه كما ترويها كتب السير:” كانت قُريشٌ تُحذِّر منَ الاستِماعِ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا قَدِم الطُّفَيلُ بن عمرٍو مكةَ مَشَى إليه رجالٍ من قُرَيشٍ، وكان الطُّفَيلُ رجلًا شَريفًا شاعِرًا لَبيبًا، فقالوا له: “يا طُفَيلُ، إنَّك قَدِمتَ بلادَنا، وهذا الرجلُ الذي بين أظهُرِنا قد فرَّق جماعَتَنا، وشتَّت أمْرَنا، وإنَّما قَولُه كالسِّحرِ يُفرِّق بين الرَّجلِ وبين أبيه، وبين الرَّجُلِ وبين أخيه، وبين الرَّجُلِ وبين زَوجَتِه، وإنَّا نَخشَى عليك وعلى قَومِك ما قد دَخلَ علينا، فلا تُكلِّمَنَّه ولا تَسمَعَنَّ منه شيئًا”. قال: فَواللهِ ما زالوا بي حتَّى أجمعتُ ألَّا أسمَعَ منه شيئًا ولا أُكلِّمه، حتى حَشَوتُ في أُذُنَيَّ حين غَدَوتُ إلى المسجِدِ كُرسُفًا -قُطنًا- خوفًا مِن أن يَبلُغَني شيءٌ مِن قَولِه، وأنا لا أُريدُ أن أسمَعَه. فغَدَوتُ إلى المسجدِ فإذا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائمٌ يصلِّي عند الكَعبةِ. قال: فقُمتُ منه قريبًا، فأبى الله إلَّا أنْ يُسمِعَني بعضَ قولِه. قال: فسَمِعتُ كَلامًا حَسَنًا. فقُلتُ في نَفسي: وا ثُكْلَ أُمِّي، واللهِ إنِّي لرَجلٌ لَبيبٌ شاعِرٌ ما يَخفَى علَيَّ الحَسنُ من القَبيحِ، فما يَمنَعُني أن أسمَعَ من هذا الرَّجلِ ما يقولُ؟ فإنْ كان الذي يَأتي به حَسنًا قَبِلتُه، وإن كان قَبيحًا تَرَكتُه. فمَكَثتُ حتى انصَرَف رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى بيتِه فاتَّبَعتُه، حتى إذا دخل بَيتَه دَخَلتُ عليه، فقلتُ: يا مُحمَّدُ، إنَّ قومَك قد قالوا لي كذا وكذا، للذي قالوا؛ فوالله ما بَرِحوا يُخوِّفونَني أمْرَك حتى سَدَدتُ أُذُنَيَّ بكُرسُفٍ لِئَلَّا أسمَعَ قولَك، ثمَّ أبَى الله إلا أن يُسمِعَني قَولَك، فسَمِعتُه قَولًا حَسَنًا، فاعرِضْ علَيَّ أمْرَك. قال: فعَرَضَ علَيَّ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الإسلامَ، وتلا علَيَّ القُرآنَ، فقرأ سورة الإخلاص والفلق، فلا والله ما سَمعتُ قولًا قطُّ أحسنَ منه، ولا أمرًا أعدَلَ منه. فأسلمتُ وشَهِدتُ شهادةَ الحقِّ، وقلتُ: يا نبيَّ الله، إنِّي امرُؤٌ مُطاعٌ في قومي، وأنا راجِعٌ إليهم، وداعيهِم إلى الإسلامِ، فادعُ الله أن يجعلَ لي آيةً تَكون لي عَونًا عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: “اللَّهمَّ اجعَل له آيةً”.  

قال: فخَرَجتُ إلى قومي وقد وقع نورٌ بين عينَيَّ مِثلُ المِصباحِ، فقُلتُ: اللَّهمَّ في غيرِ وجهي، إنِّي أخشى أن يَظُنُّوا أنَّها مُثلةٌ وَقَعت في وَجهي لفِراقي دينَهم. قال: فتَحَوَّل فوَقَع في رأسِ سوطي. قال: فجَعَل الحاضِرُ يَتراءَون ذلك النُّورَ في سَوطي كالقِنديلِ المُعلَّقِ، وأنا أهبِطُ إليهم من الثَّنيَّةِ، قال: حتى جِئتُهم فأصبَحتُ فيهم. فلمَّا نزلتُ أتاني أبي، وكان شيخًا كبيرًا، قال: فقلتُ: إليك عنِّي يا أبتِ، فلستُ منك ولستَ منِّي. قال: ولِمَ يا بُنَيَّ؟ قال: قلتُ: أسلمتُ وتابَعتُ دينَ محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: أيْ بنيَّ، فديني دينُك. قال: فقلتُ: فاذهَبْ فاغتَسِلْ وطهِّرْ ثيابَك، ثم تعالَ حتى أُعَلِّمَك ما عَلِمتُ. فذَهَب فاغتَسَلَ، وطهَّرَ ثيابَه، ثم جاء فعَرَضتُ عليه الإسلامَ، فأسلمَ.
ثم أتَتْني صاحِبَتي -زَوجَتي- فقلتُ: إليكِ عنِّي، فلستُ منكِ ولستِ منِّي. قالت: لِمَ؟ بأبي أنت وأمي. قلتُ: قد فرَّق بيني وبينكِ الإسلامُ، وتابَعتُ دينَ محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قالت: فديني دينُكَ. قلتُ: فاذهَبي فتطهَّري، فذَهَبَت فاغتسَلَت، ثم جاءت فعَرَضتُ عليها الإسلامَ، فأسلَمَت.

ثم دعوتُ دَوسًا إلى الإسلامِ فأبطَؤوا علَيَّ إلا أبا هريرة فكان أسرعهم إسلاماً، ثم جئتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمكةَ، فقلتُ له: يا نبيَّ الله، إنَّه قد غَلَبني على دوسٍ الزِّنا -لَهوٌ مع شُغُلِ القَلبِ والبَصرِ-، فادعُ الله عليهم، فقال: “اللَّهمَّ اهدِ دَوسًا، ارجِعْ إلى قومِكَ فادعُهم وارفُقْ بِهِم”. قال: فلَم أزَلْ بأرضِ دَوسٍ أدعوهم إلى الإسلامِ، حتى هاجَرَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينةِ، ومَضَى بدرٌ وأُحُدٌ والخَندَقُ، ثم قَدِمتُ على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِمَن أسلم معي من قومي، ورسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بخَيبَرَ، حتى نزلتُ المدينةَ بسبعين أو ثمانين بَيتًا من دوسٍ، ثم لَحِقْنا برسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بخَيبَرَ، فأسهَمَ لنا مع المسلمين”.

دروس في فقه الدعوة وأولوياتها من قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي

1- القرآن وسيلة البلاغ المبين الساحرة للإسلام:

فالطفيل لم يتمالك نفسه أمام سحر القرآن وتأثيره بعد سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما نفتقده في التعريف بالإسلام للأوروبيين اليوم خاصة مع حجاب اللغة، ولابد من إيجاد مقاربات لتجاوز حاجز اللغة وإيصال هدايات القرآن لغير المسلمين.

2- الهدى هدى الله:

هذا هو قانون الهداية سواء لأولادنا أو لغير المسلمين، وكلما اشتد التنفير من الإسلام والعداوة له كلما ازداد الإقبال عليه، وقد حاول المشركون تنفير الطفيل من سماع القرآن وأبى الله إلا أن يُسمعه إياه وأن يسلم فور سماعه.

3- الدعاء مقلب ومثبت القلوب على الهداية:

تأثير الدعاء على القلوب عجيب غريب وفي قصة الطفيل كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لقبيلة الطفيل دوس سببا في إسلامهم، وكان دعاؤه للطفيل أن تكون له آية سبباً في إسلام أبي هريرة، وكان دعاء الطفيل سببا في تعديل الآية التي أيده الله بها، وكان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأم أبي هريرة سببا في إسلامها وفي حب الناس لأبي هريرة، فلا تنسوا الدعاء لأولادكم ومن تدعوهم إلى الإسلام.

4- أولوية الاستنقاذ من النار:

يجب أن يكون هم الداعي هو استنقاذ من يدعوه من النار أولاً ثم تأتي التكاليف الشرعية بالتدرج، فلم تذكر كتب السير حديثا مفصلاً عن التكاليف الشرعية وكيفية التزام الطفيل بها وكذلك في دعوة قبيلته وإنما كان متهمما باستنقاذهم من النار أولاً.

5- البلاغ بحسب العلم:

لم يمكث الطفيل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً في مكة ليتعلم الإسلام حتى يصير داعية يدعو قومه إلى الإسلام، وكل مسلم يعرف أصول الإسلام قادر على الدعوة إليه.

6- مشروعية الإقامة بين ظهراني الكفار:

كان الطفيل هو المسلم الوحيد بين قومه ومع ذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالعودة إليهم ودعوتهم إلى الإسلام وبقي معهم وما عاد إلا وقد أسلمت معظم القبيلة وذلك بعد غزوة خيبر يعني بعد قرابة سبع سنوات، وفي هذا بيان لمشروعية الإقامة في الغرب اليوم خاصة مع وجود للمسلمين ظاهر، ومؤسسات ومساجد وفرص لحفظ الدعوة وبيان الإسلام.

7- الأقربون أولى بالدعوة من غيرهم:

كان من فقه الطفيل أن ركز على أبي هريرة وأن بدأ بأبويه وزوجه، وهذا يعني أن المسلم الجديد يتعين عليه أن يبدأ بعائلته وأن لا ينقطع عنهم بمجرد إسلامه، وأن على المسلمين في الغرب أن يركزوا على هداية ذرياتهم وأولادهم أولاً.

8- ضرورة الصبر والرفق بالعصاة والملحدين:

صبر الطفيل مع قومه رغم إعراضهم سبع سنين وأحدنا لا يصبر على من يدعوه سبع ساعات، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالترفق بهم، فلابد من الصبر والرفق مع من ندعوهم سواء كانوا عصاة أو ملحدين.

9- عِظم أجر الدعوة إلى الله:

لنتخيل فضل أبي هريرة على الأمة وعلى خدمة السنة ونقل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن كل هذا الفضل للطفيل منه نصيب لأنه كان سببا في إسلامه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا” فهنيئا للطفيل رضي الله عنه، وهنيئا لكل من جعله الله سببا لهداية نفس واستنقاذها من النار.

 

 اللهم ارزقنا الفقه والحكمة وحسن البيان لدينك،

واجعلنا خير رسل لدينك ودعوتك،

ولا تجعلنا فتنة للذين كفروا،

واهدنا واهد بنا واجعلنا سببا لمن اهتدى،

واحفظ أولادنا وثبتهم على دينك،

ولا تقطع كلمة التوحيد من نسلنا،

وكن للمستضعفين في فلسطين والسودان وكل مكان، والحمد لله رب العالمين.

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 171