هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
عبادةُ الوقت
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 30 يناير 2026م
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد
فقد شُغل العلماء قديماً وحديثاً بسؤال مركزي مهم وهو: ما أفضل وأحب العبادات إلى الله عز وجل؟
وما هي أفضل عبادة تختصر طريق المسلم إلى مرضاة الله وجنته؟
فذهب قومٌ إلى أنها العبادة متعدية النفع مقارنة مع القاصرة، وذهب قومٌ إلى أنها العبادة التي تتطلب مشقةً ومجاهدةً وبذلاً أكبر من غيرها، وقد فتح الله على الإمام ابن القيم فتحاً في هذا الباب فذهب إلى أن أفضل العبادات وأحبها إلى الله وأعظمها أجراً وثواباً هي عبادة الوقت؛ حيث قال: إن العبادة تفضل وتعظم بحسب وقتها فقد يكون الصيام وهو من أحب العبادات إلى الله غير مفضل أو محرم أو مكروه بحسب الوقت، فصيام يوم العيد محرم، وصيام يوم عرفة للحاج مكروه، ولغير الحاج مستحب ومندوب، فتأمل كيف أن العبادة الواحدة كانت مندوبة مرغوبة ومكروهة أو محرمة وذلك بحسب وقتها. لذلك فمن أهم الواجبات على المسلم أن يتأمل ويساءل نفسه دوما ما هي عبادة الوقت الآن حتى يحسن التسابق نحو الجنان والتجارة مع الله عزوجل، ونحن نترقب ليلة النصف من شعبان التي توافق ليلة الثلاثاء القادم بحول الله تعالى وتبدأ من غروب شمس يوم الاثنين الموافق للثاني من شهر فبراير لهذا العام 2026م، أرى أن عبادة الوقت هي التركيز على أمرين:
الأول: سلامة الصدر من التشاحن والتباغض
والثاني: إصلاح القلوب والاستعداد لشهر رمضان المبارك
وهذه إضاءات حول الأمرين:
1- سلامة الصدر السبيل إلى وحدة الأمة وترابطها:
ورد في فضل ليلة النصف من شعبان أحاديث كثيرة ضعيفة، ولكن من أهم الأحاديث الصحيحة التي وردت في فضلها حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه” رواه البيهقي والطبراني، وحسنه الألباني، وحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن” رواه ابن ماجه، وابن حبان وحسنه الألباني، وفي رواية: أو قاتل نفس، وهذه الأحاديث الصحيحة تثبت فضلاً لتلك الليلة وتوجب على المسلم اغتنامها ليظفر منها بالمغفرة والرحمة وأن لا يكون فيها من المحرومين، ولا يجوز تخصيص الليلة بعبادة جماعية خاصة، ولكن يشرع قيامها وتلاوة القرآن فيها والتضرع إلى الله بالدعاء والمناجاة لأنها ليلة نزول الرحمة والمغفرة، ويجوز صيام نهار الاثنين لأنه مندوب صيامه وهو في شهر شعبان، ولكن تبقى عبادة الوقت الظاهرة المتفق عليها في تلك الليلة هي التغافر والتصافي واستعادة الأخوة التي كادت أن تندرس أو تضعف بسبب التأثر بالعيش في الغرب، فقد ضعفت أخوتنا وتكدرت سواء بين الأخوة الأشقاء أو بين الأخوة العاملين، أو بين الأصدقاء والزملاء أو في الدوائر العامة التي تمركز الإنسان فيها حول ذاته ولم يكترث بهموم الآخرين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ” َوَاللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ. أخرجه البخاري. وإنَّ أظهرَ صورة لتراجع هذه الأخوة ضعف نصرتنا لإخواننا وأهلنا في غزة في هذا البرد الشديد والحصار الخانق عليهم فرج الله عنهم.
2- إصلاح القلوب قبل رمضان:
لقد أكثر النبي صلى الله عليه وسلم من الصيام في شهر شعبان كما في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه حيث قال متسائلا: يا رسولَ اللهِ، لم أرَك تصومُ من شهرٍ من الشُّهورِ ما تصومُ شعبانَ، قال: “ذاك شهرٌ يغفَلُ النَّاسُ عنه بين رجب ورمضانَ، وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، وأُحِبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائمٌ” النسائي وأحمد بسند صحيح. وإنما أكثر النبي صلى الله عليه وسلم من الصيام في شهر شعبان لتهيئة القلوب في رمضان، فإن الصيام قصده التقوى والتقوى محلها القلب، فلابد من إعداد القلب في شعبان ليتحقق التزود بالتقوى في رمضان.
لهذا كان بعض السلف يسمون شهر شعبان شهر القراء لأنهم كانوا يكثرون فيه من تلاوة القرآن استعدادا لرمضان، وكانوا يخرجون زكاة أموالهم في شعبان حتى يتجنبوا تشتيت القلوب ولو بإخراج الزكاة في رمضان، وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الغفلة في شعبان؛ لأنه يقع بين شهرين فاضلين رجب ورمضان، والعبادة في وقت الغفلة ثوابها عظيم، فلنعد قلوبنا لرمضان بتوبة صادقة، وعودة للقرآن، ومحو للران من عليها، والتدريب على ترك المشتتات للقلب في مقدمتها الهواتف والشبكات، واختبار قسوتها أو رقتها بالمختبرات التي تختبر بها القلوب، كحال القلب عند الذكر وعند سماع القرآن أو تلاوته، وفي الخلوات، فإن القلب هو النافع الوحيد يوم القيامة قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]
3- خطرٌ جديدٌ يهدد المُكوِّن المسلم في الغرب:
في الأحاديث الصحيحة التي أثبتت فضلا لليلة النصف من شعبان أن المغفرة والرحمة في هذه الليلة تشمل جميع الخلق إلا المشرك أو المشاحن، ومن المهددات الكبرى للمكون المسلم في الغرب ارتداد نسبة من الجيل الجديد عن الإسلام، فقد اطلعتُ على دراستين عن ظاهرة الارتداد عن الإسلام في الغرب ممن وُلدوا مسلمين أُجريت على 13 دولة أوروبية ونُشرت بتاريخ 26 مارس 2025م وتنتهي إلى أن نحو 13 % ممن تربوا وولدوا مسلمين غادروا الإسلام، وهم لا ينتقلون إلى ديانة أخرى وإنما ينتقلون إلى اللادين، وترجع الدراسة السبب إلى الشبهات الفكرية أو الأزمات النفسية، ونحن في ليلة النصف من شعبان علينا أن نضرع إلى الله أن يرد هؤلاء الشباب إلى دينهم، وأن نبحث عن كيفية تحصين من لم يسقط في هذا الخطر من غيرهم، فنحن في عالم يموج بالشبهات والشهوات، وعلى الأبوين والدعاة والمراكز الإسلامية في الغرب أن تقف وقفة جادة مع هذه الظاهرة شديدة الخطورة وأن تبحث كيف تتجنب مخاطرها على مستقبل الإسلام في الغرب.
4- آفة المسلمين في الغرب التنازع والفرقة:
إذا كانت ليلة النصف من شعبان هي ليلة التغافر والتصافي ونبذ الحقد والغل والتشاحن والتباغض فنحن بحاجة إلى ترتيب بيتنا الداخلي أولاً والنظر بمكاشفة ومصارحة مع أحوالنا وواقعنا في الغرب على مستوى المراكز والمؤسسات والجهات التمثيلية وأهل المساجد في الجملة، فالواقع يؤكد وجود حالة من التقاطع والفرقة أو في أحسن الأحوال أن التآخي والتعاون والتواصل دون المستوى المطلوب، ولو صدق العاملون لدين الله في الغرب لجعلوا من ليلة النصف من شعبان فرصة سنوية للمراجعة والعمل الجاد على استعادة لحمة الأخوة والتعاون والعمل المشترك وتجاوز الأهواء والأمراض التي أضرت وتضر بالوجود الإسلامي في الغرب، إن التنازع والفرقة مؤذن بذهاب الأثر والريح وذلك في الأحوال العادية فكيف بالأحوال الاستثنائية كتلك التي نمر بها اليوم والتي تكاد تهدد الوجود الإسلامي في الغرب من أصله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46].
اللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان
واكتبنا فيه من عتقائك من النارومن المقبولين الفائزين،
ولا تحرمنا من رحمتك ومغفرتك في ليلة النصف من شعبان،
واحفظ شباب وفتيات المسلمين في الغرب من الفتن ما ظهر منها وما بطن،
وثبتنا وإياهم على دينك،
وكن لأهلنا وإخواننا في غزة سندا ومعينا ووليا ونصيرا
والحمد لله رب العالمين.
لتحميل الخطبة PDF اضغط هنا