هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا . 18 أكتوبر 2024م
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد
فتستمر حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي لأهل غزة وفلسطين، وكلما ظننا أن الاحتلال والبغي قد بلغ أقصى حد للطغيان والقتل للأبرياء والنساء والأطفال والمدنيين رأينا صورة أخرى جديدة أشد عنفا وقسوة ودموية من التي سبقتها، فقد رأينا على الهواء حرق خيام النازحين بمن فيها، وتوقف العديد من المشافي عن العمل وإسعاف الجرحى بأدوات طبية بسيطة، ورأينا عجز الناس عن دفن الشهداء، والذي يدمي القلب هو أن الأمة في مجموعها لا تتضامن ولا تستمر في إنكار الظلم والاحتلال ومؤازرة المظلوم ونجدته بصورة تتعادل مع هذا الطغيان والإجرام، بل على العكس فتر الناس حتى عن مجرد متابعة الأخبار.
ومع هذه الأحداث العظام التي نتابعها يتعين علينا أن نعتني بدراسة القوانين والسنن الإلهية التي لا تتغير ولا تتبدل ولا تحابي أحدا والتي اعتنى بها القرآن كثيراً قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: 137]، وقال مؤكدا على قانون وسنة الهلاك بسبب الظلم: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: 59]
ومن أهم السنن التي يتعين علينا العناية بدراستها اليوم سنة التدافع، دفع الشر بالشر ودفع الشر بالخير، فقد يدفع الظلم بالظلم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأنعام: 129] فينتقم الله من الظالم بظالم أشد منه ثم ينتقم منه، وقد يدفع الباطل بالحق كما في سورتي البقرة والحج، قال الله تعالى معقبا على الصراع بين الحق والباطل في قصة طالوت وجالوت: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 251]
وفي سورة الحج معقبا على الصراع بين قريش والنبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40] فالغاية من التدافع هو حصر الفساد ومنع الشر ومقاومة البغي، وأى خير في قتل الأولياء وهدم المساجد والصوامع والبيع وأماكن العبادة، ومن أهم ما يجب الوعي به في هذه المرحلة من تاريخ الصراع بين الحق والباطل ما يلي:
1- من لا يدرك سنة التدافع يدفع ثمناً أكبر:
وهذا ما فعله قوم موسى رفضوا الدخول في المدافعة مع الباطل مع أن الله وعدهم بالنصر: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾ [المائدة: 22]، فعوقبوا بالتيه 40 سنة، وهذا ما فعله العرب حين احتلت أرضهم وسلبت مقدساتهم منذ 76 سنة من عام 1948م رفضوا المدافعة وآثروا السكون والدعة فكانت النتيجة ما هم عليه من الذلة والمهانة، ولما فهم بنو إسرائيل بعد موسى سنة التدافع تغير الحال قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 246]، وأمتنا لن يتغير حالها إلا إذا فهمت قانون التدافع وعملت به كما فهمه من حدثنا القرآن عنهم ودعانا إلى الاعتبار والاتعاظ بحالهم.
2-الغلبة للحق مهما طغا الباطل والنصر قطعا للمؤمنين:
إن طغيان الباطل وعلو صوته ومبالغته في سفك الدماء قد يحبط بعض المسلمين أو ينكسرون من النصر والغلبة أو يشككهم ذلك في موعود الله، ومن يقرأ القرآن الكريم يجد عشرات الآيات في مواضع مختلفة تقطع بأن النصر والتأييد للمؤمنين ولأهل الحق على أهل الباطل ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: 171-173]، وقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47] ، وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51] وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأنعام: 34]، وقد يتأخر النصر لتحقيق نصر أكبر كما في تأخير فتح مكة حتى السنة الثامنة للهجرة يعني قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين.
3- نصر المؤمنين يُسبق عادة بأذى وتمحيص:
إن نصر الله تعالى للمؤمنين لا يتم دون جهد وصبر وثبات وأذى يلحق المؤمنين وشهداء يقتلون قبل تحقق النصر، ولا يصح أن نحزن عليهم لأنهم كما قال ربنا عنهم: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: 169] ، وأن لا نتعلق بغير الله، وإن رحل شهيد خلفه غيره والأمة ولادة والخير فيها إلى قيام الساعة، والقرآن الكريم يوضح هذه السنة بآيات واضحات: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 140]
4- ابحث عن موقعك في التدافع:
لابد أن تبحث عن موقعك في التدافع وفي أي صف أنت، وأن تبذل جهدك لمؤازرة أهل الحق وأن لا تستسلم لليأس والإحباط، أو تنحاز لأهل الباطل، أو تتصرف بسلبية وتجرد من الإنسانية فإن فعلت فقد ساهمت في تطويل الطريق وتأخير النصر وإحداث التغيير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، لا يصح أن نلقي باللائمة على الأمة ونحن جزء منها.
اللهم انصر عبادك المستضعفين في غزة وفلسطين ولبنان والسودان وكل مكان، وارحم شهداءهم واشف جرحاهم وانتقم ممن ظلمهم وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، والحمد لله رب العالمين.