إرسل فتوى

دلائل نبوته من سيرته (الجزء الثاني)

دلائل نبوته من سيرته (الجزء الثاني)299325_478233675543598_625899702_n

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون . ألمانيا 27 سبتمبر 2024م

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد

فلا زلنا في شهر ميلاد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي شهر مولده يحلو الحديث عنه وعن سيرته النيرة الطاهرة المطهرة، ونتابع ما بدأناه الجمعة قبل الماضية من استكمال براهين نبوته من سيرته، وقد ذكرنا ثلاثة أدلة وهي: سيرته قبل النبوة، وأميته صلى الله عليه وسلم، وقطعه بأنه خاتم الأنبياء ورسالته خاتم الرسالات، واليوم نستكمل براهين نبوته من سيرته فنقول:  

1- ثباته في المحن وإخباره بالنهايات في البدايات:

تعرَّض النبي صلى الله عليه وسلم للكثير من المحن والشدائد، وكان يبشر في كل محنة بكل يقين بفتح وخير كبير يعقبها؛ كما في الهجرة عندما تعقبته قريش وأدرك أبو بكر رضي الله عنه أنهم سيفتكون بهم قال له: ﴿‌لَا ‌تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ معنا﴾ [التوبة: 40]، وبشَّر سراقة قائلاً: كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ وتتحقق نبوءته ولبسهما في زمن الفاروق عمر رضي الله عنه، ومنطقي وعقلي أن يتوقع أو يستشرف إنسان ذكي حاذق مزيداً من الانتصارات عقب الانتصارات والفتوحات، أما الحديث بيقين عن نصر وتمكين في وقت المحنة وتوقع الاستئصال الكلي للرسالة وصاحبها فهذا لا يكون إلا بوحي من الله تعالى.

2- عبادته في السر:

رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً تعبده لربه في السر دون علمه بمشاهدة رواة عبادته؛ فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:” بِتُّ في بَيْتِ خَالَتي مَيْمُونَةَ بنْتِ الحَارِثِ زَوْجِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وكانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عِنْدَهَا في لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إلى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: نَامَ الغُلَيِّمُ أوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عن يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عن يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ، حتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلَاةِ.” وكذلك حديث حذيفة رضي الله عنه في صحيح مسلم الذي صلى فيه خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ في الركعة الأولى بالبقرة وال عمران والنساء ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم سجد فكان سجوده نحوا من ركوعه، وهذا يعني أنه قام أغلب الليل إن لم يكن كله. فهذه العبادات الخفية لا يمكن أن تصدر عن متقِّول يدعي النبوة أمام الناس، وإنما عن نبي يوقن بما يدعو إليه.

3- انتفاء الغرض الشخصي:

فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إطرائه والمبالغة في تجاوز قدره ومنزلته فقال:” لَا تُطْرُونِي كما أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فإنَّما أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولوا: عبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ” أخرجه البخاري. ونهى عن القيام له تعظيما، وقد أتى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ رجلٌ ، فَكَلَّمَهُ ، فجَعلَ ترعدُ فرائصُهُ ، فقالَ لَهُ : “هوِّن عليكَ ، فإنِّي لستُ بملِكٍ ، إنَّما أَنا ابنُ امرأةٍ تأكُلُ القَديدَ بمكة” وهو ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ ‌الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 86] ولا يكون هذا إلا لنبي إذا ما قارناه بأصحاب المذاهب والأفكار الباطلة فإنهم يسعون لتحقيق المصالح والمآرب الشخصية عادةً.

4-التوازن في حياته صلى الله عليه وسلم:

وهذا من معجزات سيرته، فإنك قلما تجد نابغاً ومميزا في أمر إلا وجدته على حساب أمور أخرى في حياته، فإذا نبغ علميا كان على حساب علاقاته الاجتماعية، وهكذا، أما حياة النبي صلى الله عليه وسلم فإذا نظرت إلى أي جانب منها وجدتها مشبعة تماما كأنما تفرغ لها، إذا نظرت إليه صلى الله عليه وسلم رسولا أو داعيا أو معلما أو زوجا أو قائدا أو عابدا وجدته كاملا خاليا من القصور أو النقص، وهذا لا يتحقق بالمقاييس البشرية وإنما بتأييد ومدد من الله تعالى.

5-عدم استغلاله فُرص التعالي:

وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم مواقف وفرص كان يمكنه أن يستغلها للتعالي والتكبر والفخر لو أراد، ولكنه يأبى أن يفعل ذلك ولو كان مدعياً لاستغلها أعظم استغلال. كما حدث عندما مات ولده إبراهيم الذي حزن عليه حزنا شديداً ووافق موته كسوف الشمس، وكان يسعه أن يستثمر الفرصة لو لم يكن صادقاً لكنه أنكر عليهم قائلاً:” إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللهِ يُخوِّفُ اللهُ بهما عبادَه وإنَّهُما لا ينكسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه فإذا رأيتم كسوفَ أحدِهما فصلُّوا حتى ينجلي”.

وإذا كنا نستدل بما ذكرنا على نبوته صلى الله عليه وسلم فإننا بحاجة إلى تمثل هذه القيم والـتأسي بنبينا صلى الله عليه وسلم فيها، نحتاج إلى الثبات على المبدأ خاصة مع تتابع المحن على أمتنا والاستبشار بالفرج وعدم اليأس، ونحتاج إلى عبادة السر وكثرة الضراعة إلى الله تعالى أن يكشف الكرب عن أمتنا، ونحتاج إلى التواضع والتخلق بأخلاق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونحتاج إلى التوازن بين الانتماء لأمتنا بمقتضياته والانتماء لأوطاننا الأوروبية بتبعاته، عسى أن يعجل الله تعالى بتفريج الكرب عن أمتنا الجريحة.

 

ربنا ارفع عنا الظلم والحرب، وفرج الكرب عن أهلنا وإخواننا في غزة والسودان ولبنان وكل مكان، واجعل محبتنا للنبي صلى الله عليه وسلم سبباً في لقائنا به في الفردوس الأعلى من الجنة، والحمد لله رب العالمين.

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 180