إرسل فتوى

حصادُ رمضان

حصادُ رمضان

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 20 مارس 2026م

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فقد تربينا في مدرسة الثلاثين يوما فتطهرت القلوب وزكت الأنفس، واليوم نقف مع حصاد ما زرعناه في رمضان وما يمكن أن نتقوى به على نوائب الزمن وتقلباته ونتخذ منه زادا لرمضان القادم

وهذا موجز بحصاد رمضان وأهم ثماره:

1- استعادة السيادة على النفس:

إنَّ أعظم ثمار التربية في مدرسة الثلاثين يوماً هو استعادة السيادة على النفس والتخلص من الشهوات والعادات التي استرقتها واستعبدتها، والواجب الحفاظ على هذه الثمرة وعدم الاستسلام للنفس والشيطان والعودة لعادة أو شهوة استذلتنا بعد أن تذوقنا حلاوة التحرر وتمام العبودية لله لثلاثين يوماً من رمضان، والواجب هو الانتقال من تحرر الأفراد بالصيام في رمضان إلى تحرر الأمة من الاستبداد والتبعية والطغيان، وتحرير المقدسات المسلوبة والأقصى الأسير الذي يشكو إلى الله المسلمين وهم يرون فراغه من المصلين 17 يوما من رمضان.

2-تنمية ملكة المراقبة والتزود بالتقوى:

من حصاد رمضان التزود بالتقوى وتنمية المراقبة لله عزوجل؛ وذلك لسرية عبادة الصيام مقارنة بالعبادات الأخرى، فأنت في صومك تراقب قطرة الماء تنزل في حلقك خشية فساد صومك، والواجب أن تراقب (سنت) الحرام يدخل جيبك، وكلمة الحرام تلوث سمعك، ونظرة الحرام تلوث بصرك، والصيام يعلمنا الإخلاص والتجرد لله عزو وجل، والإخلاص إن حضر في أعمالنا ومؤسساتنا حلَّت البركة وثبت الأجر وذللت العقبات وعظم الأثر، فحافظ على ثمرة الصيام بدوام المراقبة لله عزوجل، وخشيته في السر والعلن، وداوم على تربية أولادك على إصلاح سريرتهم وخشيتهم لخالقهم.

3-التكافل والشعور بالآخرين:

لقد جُعنا لبعض الأيام والأوقات في رمضان لنشعر بمن يجوع في كل الأوقات، ومن حصد هذه الثمرة في رمضان يتعين عليه أن لا ينسى الشعور بالجوعى والمحاصرين كفالة ودعما وإغاثة مستدامة، وأحق الناس بها أهلنا وإخواننا في غزة ومن في مثل حاجتهم كالسودان واليمن وغيرهم.

4-معرفة قيمة الوقت:

لقد أعطينا في شهر الصبر الدقيقة حقها وقدرها؛ لأنها يمكن أن تُضيِّع يوما من أيام صيامنا فنرقب ساعتنا عند فطرنا وإمساكنا، فهل تعلمنا قيمة الوقت من مدرسة الثلاثين يوما ووقفنا مع أنفسنا وقفة جادة لسنواتٍ تضيع من أعمارنا فيما لا يفيد ونحن مسؤولون وموقوفون بين يدي الله عنها قال صلى الله عليه وسلم: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع… وعن عمره فيما أفناه” وعدو الإنجاز وقاتل الوقت في عصرنا: الهواتف والشبكات فلنرَشِّد استخدامنا لها ولنكن قدوة صالحة لأولادنا.

5-أهمية وضرورة الوحدة:

لقد ذقنا حلاوة الوحدة والاجتماع في يوم العيد حيث عيدنا كأمة معا وليس فقط كمسلمين في أوروبا، كما تجرعنا مرارة الانقسام في أول رمضان، والصيام عبادة جماعية وليس عبادة فردية والواجب أن تظهر فيه روح الجماعة ووحدة الأمة شرقا وغربا، ولا سبيل لبلوغ هذا القصد إلا بالاجتماع خلف المرجعية الفقهية الأوروبية للمسلمين وعدم الخروج عليها تحت أي مبرر أو مسوغ.

6- أهمية استثمار المواسم الربانية للمسلم الأوروبي:

إنَّ العيش مع العبادة في رمضان واسترواح القلب والروح بالطاعة وخروجه لثلاثين يوماً من ظلمات المادية إلى رحمات الربانية، ومعرفة قيمة الاعتكاف والخلوة والتفكر في أحوال النفس وحالها مع خالقها وبحث كيفية نقلها من حالة الأنس بالخلق إلى الأنس بالخالق يؤكد للمسلم الأوروبي ضرورة وأهمية اغتنام واستثمار المواسم الربانية والتخطيط لها ورفع مستوى العناية بها في قابل الأعوام.

7-العيش مع القرآن والتلذذ بأنواره:

رمضان بحق شهر القرآن ولا ريب أننا في رمضان نعيش مع القرآن ونتلذذ بأنواره أكثر من أي وقت في العام، والقرآن غذاء الروح فلا تدعنَّ غذاء روحك صباح كل يوم يمر بك بعد رمضان، وأجعل صلتك به مرتقية متجددة ليُقال لك يوم القيامة:” أقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، ونحن بالجملة بحاجة إلى استبقاء حد أدنى من العبادات بعد رمضان حتى لا نكون بهذا الوصف القرآني: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا ﴾ [النحل: 92]. ونكون من أولئك الذين ازدادوا بالطاعة هدى وتقى قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم وحِّد صفنا وألف بين قلوبنا، وأَمِّنا في أوطاننا، وكن للمستضعفين في كل مكان، والحمد لله رب العالمين.
لتحميل الخطبة اضغط هنا

حصاد رمضان

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 192