هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
حاجةُ المسلم المعاصر للاعتكاف والخلوة
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا. 6 مارس 2026م
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،
فقد مضت أيام شهر رمضان المبارك سريعاً ربح فيها من ربح وخسر فيها من خسر، وها نحن نقترب من العشر الأواخر من رمضان والتي تبدأ قبل غروب شمس الثلاثاء القادم الموافق للعاشر من شهر مارس، والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان سنة نبوية داوم عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وترَكَ الاعتكاف في العشر الأواخر مرةً فقضاه في شوال، واعتكف العشر الأُول منه، ولما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً، والمسلم المعاصر خاصة من يعيش في الغرب بحاجة ضرورية ماسة إلى اغتنام هذا الحمَّام الروحي والاعتكاف والخلوة مع الله تبارك وتعالى، وأن يُكيِّف حياته على ضرورة الأخذ بحظ وافر من اعتكاف العشر الأواخر من رمضان؛ لأنَّ نمط الحياة العصرية خاصة في الغرب سريعٌ جداً ومنتج للغفلة وقسوة القلب وجفاف الروح، ومع تصاعد وتيرة الحرب واتساع دائرتها يعيش الناس في خوف وترقب وقلق على حياتهم وأموالهم ومستقبلهم وأولادهم ويحارون في كيفية التعامل مع الأحداث ومتابعة الماجريات السياسية والشبكية وكلها تؤدي إلى اعتلال القلب وقسوته، وعندما أقارن بين عالمنا وزماننا وزمان السابقين من الأئمة السالفين وكيف دعوا للعزلة والخلوة وصنفوا فيها الكتب المستقلة كالإمام الخطابي وغيره وبين زماننا وعصرنا أجد عجباً، فزمانهم كان قليل الأحداث بسيط التركيب، لا تكاد تجد فيه من الشواغل والصوارف ما تجد في عالم اليوم بهواتفه وشبكاته وأحداثه وحروبه وصراعاته وأمراضه ومع ذلك شكوا من آثار الخلطة السلبية على القلب والروح فراحوا يختلون ويعتزلون ويغسلون قلوبهم بدموعهم بعيداً عن صخب الحياة وضجيجها الهادئة الساكنة أصلاً.
لقد كان نظام حياتهم كله تفكر وتأمل وفيه مساحات هائلة من الوقت للأنس بالله والتلذذ بمناجاته ومع ذلك طلبوا مزيداً من العزلة والخلوة لأوقات خاصة يأنسون فيها بربهم، وينقطعون فيها عن دنيا الناس فماذا عسانا نقول عن زماننا وعصرنا الرقمي المتسارع كثير الأحداث صاخب الأفكار؟ لا شك أننا بالنظر إلى زمانهم نحتاج إلى أضعاف ما يحتاجون من ساعات وأيام للاعتكاف والخلوة مع الله والنفس لنتجاوز آثار المادية على القلب والروح والحد الأدنى من ذلك هو اعتكاف العشر الأواخر من رمضان.
استمعتُ إلى أحد تلاميذ الشيخ محمد الغزالي رحمه الله بعد وفاته وهو يقول: كنا نفقد الشيخ أسبوعا لا نعرف أين هو ولا تعرف أسرته مكانه ولا يستطيع أحد الوصول إليه فنسأله بعد ظهوره فيقول:” قصدتُ مسجداً لا يعرفني فيه أحد فاعتكفت فيه أُطهِّر نفسي وأزكي روحي وقلبي بالعبادة والأُنس بالله كيف أدل الناس على الله وأنا فارغ القلب جاف الروح والله تعالى يقول: “قد أفلح من تزكى”
إنَّ الاعتكاف المطلوب من المسلم اليوم في العشر الأواخر التي نترقبها هو الاعتزال الحقيقي لدنيا الناس والعالم الشبكي، والانقطاع والتفرغ للعبادة والتفكر في أحوال النفس والعزم على الأخذ بيدها إلى خالقها، وليس مجرد لزوم المسجد مع جلسات السمر والغيبة وقضاء الساعات على الهاتف، فمثل هذا الاعتكاف لا حظَّ لصاحبه منه سوى التعب والنصب!! ومن ثمار وآثار الاعتكاف على القلب والروح ما يلي:
1- الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم:
فقد “كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذَا دَخَلَ العَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ المِئْزَرَ” متفق عليه
والباعث على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر هو أنها خواتيم الشهر والأعمال بالخواتيم، والعبرة بكمال النهايات لا بنقصان البدايات.
وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم:” اللَّهمَّ اجعَلْ خيرَ عُمُري آخِرَه، وخير عملي خواتيمه، وخيرَ أيَّامي يومَ ألقاكَ”
ولأن ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وليلة القدر خير من ألف شهر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:” من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” متفق عليه، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:” اعْتَكَفَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَشْرَ الأُوَلِ مِن رَمَضَانَ واعْتَكَفْنَا معهُ، فأتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: إنَّ الذي تَطْلُبُ أمَامَكَ، فَاعْتَكَفَ العَشْرَ الأوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا معهُ فأتَاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ الذي تَطْلُبُ أمَامَكَ، فَقَامَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِن رَمَضَانَ فَقالَ: مَن كانَ اعْتَكَفَ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلْيَرْجِعْ، فإنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وإنِّي نُسِّيتُهَا، وإنَّهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ، في وِتْرٍ، وإنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أسْجُدُ في طِينٍ ومَاءٍ وكانَ سَقْفُ المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وما نَرَى في السَّمَاءِ شيئًا، فَجَاءَتْ قَزَعَةٌ، فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بنَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى رَأَيْتُ أثَرَ الطِّينِ والمَاءِ علَى جَبْهَةِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ” البخاري. وفي الحديث دلالة على أن المقصود الأعظم من الاعتكاف هو تحري ليلة القدر، وأنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها تكون في ليلة وترية؛ بدلالة سيدنا جبريل عليه السلام وبتحقق رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده في ماء وطين.
2- التحقق بثمار وآثار الخلوة مع الله:
إن ثمار الاعتكاف والخلوة مع الله كثيرة جداً وقد حدثنا القرآن عن أن الهبات وتفريج الكربات تأتي دائما بعد الاعتزال في الخلوات قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: 49] ، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 37] وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: 38-39]
فالرزق والبشارة كانا بعد عزلة في المحراب وضراعة لله تعالى، ونبينا صلى الله عليه وسلم تحنث وتعبد لله في غار حراء ليكون تهيئة وإعداداً للمهمة العظيمة التي سيحملها وهي البيان والبلاغ للرسالة عن رب العالمين، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل ذكر الله تعالى خاليا ففاضت عيناه، ولعل عزلتنا وخلوتنا ودموعنا في محاريب المناجاة والتذلل في العشر الأواخر تكون سبباً في تفريج كرب أمتنا وإيقاف هذه الحروب الظالمة لتنعم البشرية بالسلام والأمان.
3- تفعيل وسائل التزكية في السياق الأوروبي:
إنَّ المتأمل في وسائل التزكية من صلاة للفريضة والنافلة، ومن صيام ودعاء وذكر وتلاوة للقرآن، وزيارة للقبور والمرضى في الغرب يجد أنها إما غير فاعلة أو محقِّقة لغاياتها أو غير مقدور عليها، فصلاة الجمعة والجماعة تشكل تحديا كبيرا للمسلم الأوروبي أن ينتظم فيها ويداوم عليها، وفي زمن الغفلة نترك الذكر، ومع اكتمال منظومة الأسباب في الغرب يغيب أو يضعف معنى الافتقار والتذلل إلى الله في الدعاء وهكذا في بقية الوسائل، والاعتكاف فرصة للمسلم الأوروبي أن يُفعِّل وسائل التزكية وأن يشحن قلبه وروحه لبقية العام بالزاد الإيماني والله تعالى أمرنا في كتابه بالانقطاع لعبادته فترة بعد فترة قال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8]
ومن الحِكم اللطيفة النافعة لابن عطاء الله السكندري رحمه الله قوله:” ما نفع القلب شيء مثل عزلة دخل بها ميدان فكرة”
فالاعتكاف مع التفكر في أحوال النفس وأمراضها وكيفية الخلاص منها هو أنفع شيء للقلب، ويطلق لنا ابن القيم هذا التحذير المخيف فيقول:” متى رأيت نفسك تهربُ من الأُنس به إلى الأُنس بالخلق، ومن الخلوة مع الله إلى الخلوة مع الأغيار، فاعلم أنك لا تصلُح له” والاعتكاف فرصة ذهبية وهدية ربانية للخروج من زحام الدنيا والأنس بالخلق إلى التحليق في الأجواء الربانية والأنس بالخالق.
4- القدرة على مواجهة التحديات والقيام بمهمة الاستخلاف:
إن المسلم المعاصر في العالم المادي خاصة في الغرب لا يقوى على مواجهة تحديات الحياة وضغوطها وفتنها إلا بأنوار الربانية وسطوع نور الإيمان في القلب بالطاعة، ولا يمكن تجاوز المخاوف التي يعيشها العالم إلا بالإيمان بالله والرضا بقضائه وقدره، وقيام المسلم بمهمة الاستخلاف وتعمير الأرض وفق منهج الله ومقاومة الطغيان والظلم وإقامة العدل في الأرض لا يتم إلا بشحنة وطاقة روحية دافعة، واعتكاف العشر هو سبيلنا في رمضان لتحقيق هذا المقصد وتلك الغاية، ولهذا تجاورت سورتا المزمل والمدثر في المصحف للتأكيد على أن قيام النهار بالعمل للدين والقيام بمهمة الاستخلاف لا يتم إلا بقيام الليل. فمن فرَّط فيما مضى يعزم على الاستدراك في تلك العشر، وليأخذ كلٌ منا بحظه منها، فمن عجز عن تمامها فليس أقل من لياليها الوترية، أو ليلها فقط أو بعض ساعاتها، ولنجعل لنا ساعة تفكر ومناجاة في محاريبنا في تلك العشر ولو في بيوتنا قبل أن تنفض سوق الرحمات دون أن نظفر منها بسهم.
اللهم بلغنا ليلة القدر ولا تحرمنا أجرها وبركتها وعفوها،
وأعنا في العشر على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك،
وكن للمستضعفين في غزة وفلسطين
وكل مكان ولياً ونصيراً وسنداً ومعيناً، وأحسن ختامنا
وعاقبتنا في الأمور كلها،
والحمد لله رب العالمين.
لتحميل الخطبة اضغط هنا
حاجةُ_المسلمِ_المعاصرِ_للاعتكافِ_والخلوةِ