إرسل فتوى

حاجةُ البشرية للدين

حاجةُ البشرية للدين

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 6 فبراير 2026م

الحمد لله رب العالمين والصلاة والس لام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد

فلا حديث للعالم شرقاً وغرباً إلا عن تلك الملفات والوثائق المرئية والمصورة والمراسلات المأذون بنشرها لفظائع وشنائع وأهوال وقعت في جزيرة الشيطان مِن قِبَل قادة وساسة وأثرياء العالم وما نُشر موثَّقاً يعف القلم واللسان عن ذكره؛ حيث بلغ الإنسان فيه مستوى منحطا لا تبلغه الحيوانات، فإن الحيوانات تقتل لتأكل فإذا شبعت توقفت عن القتل، وتمارس الجنس لتتكاثر ولا تعرف الاغتصاب أو الإكراه أبداً في عملية التزاوج.

فأي درك انحطت إليه الإنسانية حيث يبلغ بها الأمر استغلال القاصرات واغتصابهن !!

إن هذه الجرائم التي هزت العالم ولا زالت لتؤذن بأفول حضارة الغرب التي جمعت كل أسباب الأفول والانحدار، فبعد صمتها ودعمها وقيادتها لقتل الأطفال والمدنيين في غزة استكملت الركن الأول (الظلم)وكفى به سبباً للأفول والانهيار، قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود: 102] وقال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ﴾ [الأنبياء: 11] 

وقال ابن خلدون في قانونه الشهير: “الظلم مؤذن بخراب العمران”

وأما الركن الثاني لزوال الحضارات فهو الطغيان بعد الاستغناء وهو ما تجسده الأهوال القادمة من جزيرة الشيطان قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7] ، وحين يتابع المرء تلك الوقائع والمشاهد التي تقشعر منها الأبدان يلهج لسانه بالحمد والشكر لله على نعمة الإسلام، ونعمة القرآن، ونعمة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي أرشدنا، وعلمنا وأخرجنا بالقرآن من ظلمات الجاهلية إلى أنوار الإسلام، ويتساءل المرء أيضا عن دعاة حقوق الإنسان والحيوان والطفل والمرأة والديمقراطية والحرية أين صوتهم الذي لطالما علا وارتفع نقداً وهجوما على الإسلام دين الرحمة والنور والخير للبشرية كلها فسمموا عقول شبابنا وبناتنا وهدموا منظومة الأسرة باسم الحرية والمساواة، أيناك يا حمرة الخجل!!

ولكنَّ الدرس الأعظم من تلك الأحداث المفصلية الكبيرة هو حاجة الإنسان والبشرية للدين، فإن الإنسان بلا دين يهوي إلى أسفل وأحط من الحيوانات قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179]

ولا يمكن تخيل الحياة بلا دين كما يقول المؤرخ والفيلسوف اليوناني بلوتارك:” منَ المُمكنِ أنْ نجِدَ مُدَّنا بلا أسوارٍ، ولا ملوكٍ، ولا ثروةٍ، ولا آدابٍ، ولا مسارحَ…، ولكن لم يرَ إنسانٌ قَطُّ مدينةً بِلا مَعبدٍ، ولا يمارِسُ أهلُها الصلاة”.

والإنسان إذا غابت الآخرة عنه فلا نهاية لتوحشه وتفحشه فيما يفعل ويمارس؛ قال الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي في توصيفه لموت الحضارة الغربية: “الحضارة الغربية تموت، لأنها تفتقر إلى الغايات، تعرف اليوم الحاضر ولا تعرف اليوم الآخر” ودورنا في الغرب حراسة القيم ومقاومة الانحدار الحضاري والتوحش الإنساني.

إن اللحظة فارقة لعودة البشرية للدين ليملأ فراغها، ويعمر خرابها، ويوقف طيشها وبطشها، ويمنع نزول العذاب بها قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]

 وهذه جملة من أهم أسباب حاجة البشرية للدين:

1- تحرير الإنسان من الشهوات:

الدين هو أعظم محرر للإنسان من كل عوامل الخوف، فالإنسان يُقهر بالخوف على الحياة والخوف على الرزق وهما الأمران اللذان ربطا في العقيدة بالمشيئة الإلهية المطلقة، فالإيمان يعني الحرية، والحرية تعني التكليف لأنه لا تكليف بدون حرية فعنوان الحياة عند المؤمن العمل والجهاد والمسؤولية لا العبث أو إطلاق العنان للشهوات قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115] فالإسلام يحرر الإنسان من سلطان شهواته حين يكون بحق عبدا لله، وليست الحرية إطلاق العنان للرغبات والشهوات كما في تلك المشاهد الوافدة من جزيرة الشيطان، فهؤلاء ليسوا أحراراً بل عبيداً لشهواتهم التي لا سقف لها، والدين يغرس في نفوس المؤمنين كيفية ترويض الغرائز والشهوات كما في عبادة الصيام ويجعل لها سبيلاً واحداً مباحا مأمونا وهو الزواج، فيتحقق الإرواء الفطري المشروع للغرائز دون زيغ أو شطط.

2- السكينة النفسية وحياة الروح:

يبحث الإنسان عن السكينة النفسية وحياة روحه، لأنه ليس عقلا فقط أو جسدا فقط، وهو حين يسعى لإشباع غرائزه يظن أنه يحقق بذلك السعادة والسكينة النفسية وهذا في الحقيقة لا يحدث بدليل أن ما وقع في جزيرة الشيطان وقع في بيئات لا تعرف قيودا على متعة الجسد لكنهم وجدوا أنفسهم رغمها ليسوا سعداء فلجأوا إلى سلوك شيطاني يتجاوز حدود العقل والفطرة، ورغمها يعانون من الأمراض النفسية ولا يحسنون النوم إلا بالأدوية، فالعقيدة الدينية وحدها هي التي تحقق السكينة النفسية والحياة الروحية للمؤمن قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 122]، فالإيمان هو الدواء الحقيق لأمراض العصر من خوف ويأس وقلق، ولم يكن الإنسان بحاجة للدين كحاجته له في عصرنا المادي عصر القلق والأمراض النفسية في ظل سيطرة اللذات الحسية وأهواء النفوس، وتأمل حال أهل غزة رغم الحصار والجوع والقتل والدمار فإنهم سعداء بصبرهم وإيمانهم وشعورهم أنهم يعيشون لمبدأ وقضية.  

3- إحياء الضمير والانضباط الأخلاقي:

الضمير أو الوازع الإيماني هو في الحقيقة لا وجود له إلا عند المتدينين فلن تجد ضميرا أو وازعا يمنع صاحبه من الخطأ عند من لا دين له؛ لأن انقياد الإنسان لمكارم الأخلاق يكون إما بالقانون أو برادع من المجتمع، فإذا كان الإنسان بنجوة من سلطان القانون والمجتمع سيفعل ما حلا له إلا إذا وُجد الوازع الديني والرادع الأكبر وهو إيمانه بالله واليوم الآخر ويقينه أن حسابا على مثقال الذر هو ملاقيه وأن مصيره إلى الجنة أو النار، وتلك هي حقيقة التقوى التي تغرسها فينا كل العبادات.

فالإنسان يُقاد من باطنه لا من ظاهره ولا يمكن إيجاد المدينة الفاضلة التي تُحترم فيها الحقوق وتُؤدى فيها الواجبات على النحو الكامل بالقوانين وحدها بل لابد من التربية والتهذيب الديني والخلقي، والمشاهد والصور المنقولة للعالم من جزيرة الشيطان تؤكد هذه الحقيقة فالقوانين موجودة والمجتمع موجود لكنه لم يردع النخبة الثرية الحاكمة للعالم من أن ترتكب تلك الفظائع والأهوال التي وقف العالم مذهولاً أمامها غير مصدق، ولا ريب أن الثبات الأخلاقي هو معيار النصر أو الهزيمة كما قال علي عزت بيجوفيتش: “إن كل قوة في هذا الكون تبدأ بثبات أخلاقي، وكل هزيمة تبدأ بانهيار أخلاقي”

وقد أكد هذه الحقيقة كبار الفلاسفة والمؤرخين الغربيين: خذ مثلاً عالم الفيزياء الأمريكي روبرت ميليكان الحائز على جائزة نوبل يقول: “إن أهم أمر في الحياة هو الإيمان بحقيقة المعنويات وقيمة الأخلاق، ولقد كان زوال هذا الإيمان سبباً للحرب العامة وإذا لم نجتهد الآن لاكتسابه أو لتقويته فلن يبقى للعلم قيمة، بل يصير العلم نكبة على البشرية”

وهذا ويلسون الرئيس الثامن والعشرون لأمريكا يقول:” وخلاصة المسألة أن حضارتنا إن لم تنقذ بالمعنويات فلن تستطيع المثابرة على البقاء بماديتها، وأنها لا يمكن أن تنجو إلا إذا سرى الروح الديني في جميع مسامها، ذلك هو الأمر الذي يجب أن تتنافس فيه معابدنا، ومنظماتنا السياسية، وأصحاب رؤوس أموالنا، وكل فرد خائف من الله محب لبلده” والمقارنة بين الماضي والحاضر تدلك بوضوح على استكمال عناصر الأفول والانحدار للحضارة المهيمنة على العالم كما أسلفنا.

 

اللهم كما أنعمت علينا بنعمة الإيمان بك

وشرف الإسلام لك ثبتنا على دينك

ورُدَّ من شرد من أولاد المسلمين إليك مرداً جميلا،

وكن لأهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين سنداً ومعينا

ووليا ونصيرا، والحمد لله رب العالمين.      

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 183