إرسل فتوى

ثلاث وصايا نبوية جامعة

ثلاث وصايا نبوية جامعة

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 26 ديسمبر 2025م

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير معلم ومبشر ومنذر وقد أوصانا وأرشدنا إلى كل ما يقربنا إلى الله ويأخذ بأيدينا إلى الجنة ويباعد بيننا وبين النار، وهذه وصية نبوية جامعة كم نحتاج إليها في زماننا خاصة في الغرب .

فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: ” يا رسولَ اللهِ، علِّمْني وأوجِزْ، قال: إذا قُمْتَ في صلاتِكَ، فصَلِّ صلاةَ مُودِّعٍ، ولا تَكَلَّمْ بكلامٍ تعتذِرُ منه، وأجمِعِ اليَأْسَ عمَّا في أيدي النَّاسِ. ” رواه أحمد وابن ماجة بسند صحيح.

والعظة النبوية البليغة تلخص الجواب عن كيفية إصلاح وتنظيم علاقتك مع الله ومع الناس، والجامع المشترك بينها هو إصلاح الباطن والظاهر، وأن صلاح الباطن بالصلاة نتيجته صلاح الظاهر بعدم التعلق بغير الله والاستغناء عما في أيدي الناس، وأن التعلق يجب أن يكون بالله وحده، وهذه إضاءات حول الوصايا الثلاث:

1- صل صلاة مودع:

إن الصلاة في الإسلام هي عماده وعموده والمسلمون في الغرب بحاجة ماسة إلى مراجعة حالهم معها فبها نستعين على مواجهة التحديات والابتلاءات، وقد تكرر التوجيه القرآني إلى الاستعانة بالصلاة في مواضع مختلفة كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾  وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153] 

وقد ورد التوجيه القرآني للعناية بالصلاة والتأكيد على مركزيتها في عبادة المسلم وحياته قرابة 55 مرة، سواء بالحفاظ والمداومة عليها، أو بالخشوع فيها، أو بالتحذير من السهو والغفلة عنها، كما ورد الأمر بإقامة الصلاة بأغلب الصيغ اللغوية وفي كل الأحوال سفرا وحضرا وأمنا وخوفا وصحة ومرضا، والواقع أن العُطل والإجازات العامة في أوروبا كهذا اليوم تكشف لنا عن تقصير المسلمين بحق صلاة الجمعة التي تعد شعارا وشعيرة للإسلام كما تمثل أهم وجبة روحية وثقافية واجتماعية للمسلم في الأسبوع؛ فتفيض المساجد في العطل بالناس وهذا أمر يفرحنا ولا شك، ولكنا نتوجه برسالة مشفق محب لكل مسلم شهد الجمعة أن يجاهد نفسه مستعينا بالله على الانتظام في صلاة الجمعة والجماعة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وأن يضحي في سبيل تحقيق هذا المقصد بما يقدر عليه، وإني لأذكر في هذا داعيا بكل خير لذلك الطبيب المسلم الذي تنازل عن 20 % من راتبه ليتمكن من صلاة الجمعة وقال لي لا اتحمل تفويت الجمعة بعد أن سمعت الوعيد النبوي بالطبع على القلب وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:” من ترك الجمعة ثلاثا تهاونا طبع الله على قلبه” رواه أبو داود والترمذي وأحمد بسند صحيح، ثم قال: وماذا أربح إذا خسرت قلبي وقد قال الله تعالى:” ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [الشعراء: 88]؟!!

والنبي صلى الله عليه وسلم في عظته الوجيزة البليغة لا يرشدنا إلى المداومة والمحافظة على الصلاة فحسب وإنما يرشدنا إلى كيفية تفعيل وتأثير الصلاة في حياتنا وتحقيقها لمقاصدها العامة والخاصة وهي أن نصلي صلاة مودع وكأنها آخر صلاة، إننا نفتقر جداً إلى هذه الوصية لأننا ندخل الصلاة وقلوبنا خارجها متعلقة بالدنيا وزخارفها فلا ينتفع القلب بها، وقلَّ أن يستشعر ذلك الشعور النبوي الفريد الآثر ” وجعلت قرة عيني في الصلاة” و “أرحنا بها يا بلال”

حدثني شاب أخبره طبيب القلب بحاجته إلى فحص طبي دقيق لأن حالة قلبه مقلقة والفحص سيحدد كم يعيش في ظنه الطبيب وتقديره، وهل يحتاج إلى تدخل جراحي عاجل أم لا؟ يقول الشاب: صليت الفجر في المسجد قبل الفحص ولأول مرة في حياتي أشعر بمعنى ” صل صلاة مودع” لقد غسلت نفسي بدموعي في تلك الصلاة؛ لأنه شعر بدنو أجله وافتقاره إلى ربه.

إن صلاة المودع وكأنها آخر صلاة أفضل وسائل الخشوع لكنه أمر يحتاج إلى صبر ومجاهدة ومداومة وتأمل معي مجاهدة وصبر سيدنا ثابت البناني لنفسه ليبلغ الصلاة الخاشعة قال: “جاهدت نفسي بالصلاة عشرين سنة ثم تلذذت بها عشرين سنة، ووالله إني لأدخل في الصلاة وأنا أحمل همَّ خروجي منها”

2- لا تتكلم بكلام تعتذر منه:

الوصية النبوية هي وصية بحفظ اللسان وتجنب الكذب واللغو لأنه يُلجئك للاعتذار، وأفضل من الاعتذار تجنب الخطأ الموجب للاعتذار، وأفضل من التوبة مجاهدة النفس عن المعصية، والشبكات ومنصات التواصل منزلقات خطيرة لآفات الكتابة والنشر وكثرة الأخطاء وتكدير العلاقات الأخوية والاضطرار للاعتذار أو التكبر عنه، وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من آفات اللسان فقال: ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت” متفق عليه، وإنما ركز النبي صلى الله عليه وسلم على اللسان في هذه الوصية البليغة لأن اللسان هو العضو المؤثر على عمل بقية الجوارح؛ فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إذا أصبح ابنُ آدمَ ؛ فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تكفِّر اللسانَ، فتقول : اتقِ اللهَ فينا ؛ فإنما نحن بك ؛ فإن – استقمت استقمْنا وإنِ – اعوججتَ اعوججنا” الترمذي وأحمد بسند حسن. ومعنى تكفِّر اللسان: أي تتذلل له أن يتق الله في الأعضاء فإنَّ استقامتهم وعوجهم مرهونة باستقامته. والحديث دعوة لمراجعة النفس قبل الفعل أو الترك أو التقصير حتى لا تعتذر وتعاتب نفسك على عدم الفعل كالتقصير في بر الأبوين ثم الاعتذار، أو التقصير في العبادات أو الواجبات الاجتماعية ثم اعتياد الاعتذار، فالتحقق بالوصية النبوية يدفعك إلى العمل وتجنب التقصير وتقليل الاعتذار.

3- أجْمِع اليأس عما في أيدي الناس:

اجعل توكلك وطلبك من الله، استغن بالله عن الناس، والله تعالى كافيك قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [الزمر: 36]، ومن توكل على الله بحق أغناه عن الناس قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: 3]، والوصية الثالثة هي نتيجة للأولى والثانية، والحديث لا يعني قطع التعامل مع الناس أو الامتناع عن طلب مساعدتهم، وإنما يوجه إلى عدم التعلق بهم ونسيان التوكل على الله وسؤاله أولاً.

********************

أيها الأخوة: علينا أن لا ننسى إخواننا في غزة الذين يقاسون شدة البرد والمطر وقلة الغذاء والدواء وأن نمد لهم يد العون، فإن لم تحركنا الأخوة الإسلامية فلتحركنا الإخوة الإنسانية، وأن ندعو لهم بدعاء سيدنا أويس القرني رضي الله عنه حين قال لما عجز عن مساعدة بعض أصحاب الحاجات:” اللهم إني أبرأ إليك من كل كبد جائعة ومن كل بدن عار، اللهم إني لا أملك إلا ما ترى”

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك،

واجعلنا من الذين هم على صلاتهم يحافظون وفيها يخشعون،

اللهم طهر ألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة،

وقلوبنا من النفاق والرياء،

وفرج الكرب عن أمة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم،

وكن للمستضعفين من المسلمين في غزة والسودان

وكل مكان والحمد لله رب العالمين.   

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 176