إرسل فتوى

تدبيرُ الله في قصص الأنبياء

تدبيرُ الله في قصص الأنبياء

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 12 ديسمبر 2025م

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،

فقد تحدثنا في الجمعة الماضية عن تدبير الله للأمور بالنظر في القرآن الكريم، وأوردنا مواقف من السيرة النبوية على تدبير الله الأمور لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف اهتم القرآن الكريم ببيان هذا الأمر في أربعة مواضع من آياته وسوره، وهذا يعني تسليم الأمر لله والرضا بما قضى وقدر والصبر على ابتلائه واليقين في أن تدبير الله لك خير من تدبيرك، وأن الأمور ليست على ما يبدو في ظواهرها أنها شر وضرر محض لا خير فيها؛ لأن التدبير هو اتساق النهايات مع البدايات.

فقد يحدث أن ينزل بالعبد ابتلاء في بدنه أو ماله فيدعو الله تعالى وينفق ويتصدق فيقع أن يزيد البلاء أو المرض أو ينتهى الأجل، وهنا يتبرم العبد ويجزع وربما انقطع عن العبادة وقل صبره عليها ونفسه تحدثه أين أثر الدعاء والطاعة؟

والجواب:

أن الله هو مدبر الأمر، وزيادة الابتلاء عليك هو رفع لدرجتك ومنزلتك عنده؛ فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل كما جاء في الحديث، وإن وقعت الأخرى وهي انتهاء الأجل فمدبر الأمر علم أنك لا تطيق صبرا على زيادة البلاء، ورأى منك عبودية وطاعة فعجل بقبضك إليه لترى ثمرة صبرك وطاعتك في الجنة لأنه يحبك، وهكذا يجب أن نفهم عن الله تدبيره لسائر أمورنا، وهذه نماذج من تدبير الله للأنبياء والمرسلين:

1- تدبير الله لنبيه يوسف عليه السلام:

وصف الله قصة يوسف في القرآن الكريم بأنها أحسن القصص فقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 3]، وأكد في ختامها على أخذ العبرة والعظة منها فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: 111]

وهي القصة الوحيدة المكتملة في سورة واحدة لنبي في القرآن الكريم، وهي مليئة بالدروس والعبر لكن أعظم دروسها هي كيف يدبر الله الأمور بحكمته ولطفه الخفي ليصل إلى أحسن خاتمة وأفضل نتيجة وإن بدت المقدمات قاسية ومؤلمة قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 100] فألطاف الله تعالى وحكمته ظاهرة جلية في أحداث القصة ووقائعها لتكون الخاتمة هي النجاة والتمكين رغم أن البداية كانت حسداً وتآمراً وإلقاءً في الجب ثم الاتهام الظالم من امرأة العزيز واللبث في السجن بضع سنين ثم يتجدد الاتهام من إخوته ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 77] تقع هذه الأحداث المأساوية ليوسف النبي بن النبي الكريم بن الكريم، لكن الله يدبر الأمر بلطفه وحكمته ويشارك كل هؤلاء في صناعة أحداث تبدأ من الجب وتنتهي إلى الملك قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ [يوسف: 100]، والرسالة هي: سلِّم الأمر لمدبر الأمر ولا تنظر إلى الفصول الأولى من القصة وانتظر خاتمتها فالعاقبة أبداً للمتقين.  

2- تدبير الله لنبيه موسى عليه السلام:

ولا تَقِلُّ قصة سيدنا موسى عليه السلام في تعاجيبها عن قصة سيدنا يوسف عليه السلام وكل أحداثها تؤكد أن تدبير الله فوق تخطيط البشر، فقد نشأ موسى في زمن بطش فرعون وتقتيل المواليد الذكور، وشاء الله أن يُرَبى في قصره، وتأملوا تدبير الله في هذه الآية العجيبة التي تجمع بين الابتلاء واليقين قال تعالى:” ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: 7-8]، ثم أعاده الله إلى أمه بتدبير لطيف آخر قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: 12-13] 

ثم خرج من مصر إلى مدين خائفا يترقب في مرحلة جديدة من الصبر والإعداد والزواج والمسؤولية، وبعد اكتمال الإعداد الروحي والنفسي كلَّمه الله عند الطور وكلفه بالرسالة، وواجه فرعون رغم بطشه وقوته وجبروته موقنا في تدبير الله ونصره وتأييده، والرسالة: أنَّ الذي دبَّر ليوسف وموسى عليهما السلام سيدبر لك وسيدبر لأمته وسيخرجها من وهنها وضعفها بلطفه وحكمته، فقدِّم ما في وسعك وارض بقدر الله واصبر عليه فالأمور تجري بمقادير وفق حكمة وألطاف المدبر جل في علاه.

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك،

ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك،

ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا،

ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبداً ما احييتنا،

واجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا،

ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا

ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يخشاك ولا يرحمنا،

وفرج الكرب عن أهلنا في غزة والسودان وكل مكان، والحمد لله رب العالمين.

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 176