هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
العمرُ المبارك
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 2 يناير 2026م
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فإن هذه الجمعة هي الأولى في عام ميلادي جديد والمسلم مطالب بمحاسبة ومراجعة نفسه على رأس كل فاصل زمني طال أم قصر، ليكون ما تبقى له من عمره شاهدا له لا عليه يملؤه بإنجاز يرضي الله وينفع الناس؛ كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أنفسَكم قبل أن تُوزنوا”
والزمن هو رأس مالنا الأكبر والفرصة الممنوحة لنا من السماء لنتسابق فيها حتى نرى أثرها في الآخرة بين يدي الله عز وجل، ونحن على أعتاب عام ميلادي جديد يجب أن نساءل أنفسنا عن سبل تحصيل البركة في أعمارنا بحيث يكون العمر مليئا بالإنجاز مهما قصر، والحديث عن بركة الأزمنة والأوقات والأعمار ضروري في السياق الأوروبي؛ لأنه عالم مادي بامتياز يقل فيه الحديث عن البركة، ورغم التطور التقني المختصر للوقت إلا أننا لا نشعر بتلك البركة في الأوقات فينصرم اليوم والعام بل العمر سريعا لا نشعر به، فكثيرا ما يكون العمر قصيرا ومباركا، والعكس يكون العمر طويلا لا بركة ولا إنجاز فيه.
والمتأمل لأعمار وأحوال كثير من الصحابة والسلف والصالحين يلحظ بجلاء بركة الأعمار وعظم الإنجاز؛ فهذا سيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه أسلم وعُمره ثلاثون عامًا، ومات وعمره ستٌّ وثلاثون، وقد اهْتَزَّ العَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ”، وهذا الإمام البخاري رحمه الله جمع مئة ألف حديثٍ صحيح، وقد عاش خمسًا وستين سنةً فقط، والإمام الشافعي عاش 54 سنة، والنووي مات وعمره 44 سنة، وأبو حامد الغزالي 52 سنة، وتركوا من التصانيف والعلوم ما نفع الله به المسلمين إلى اليوم، وقبل كل هؤلاء عاش نبينا صلى الله عليه وسلم فقط 63 سنة أحدث فيها أعظم تغيير عرفته البشرية.
والسؤال: كيف أبلغ البركة في الوقت فأنجز فيها أضعاف ما ينجز غيري، وكيف أصل إلى العمر المبارك؟ فعن نفيع بن حارث الثقفي رضي الله تعالى عنه قال: “أنَّ رجلًا قال يا رسولَ اللهِ أيُّ الناسِ خيرٌ؟ قال من طالَ عمُرهُ وحسُن عملُه. قال: فأيُّ الناسِ شر؟ قال: من طال عمُرهُ وساء عملُه” الترمذي بسند صحيح.
وهذه جملة من أهم الأسباب الجالبة للبركة في الأعمار والأوقات:
(ولا تغني هذه الأسباب بالطبع عن تنظيم الوقت والتخطيط لأعلى درجات الإفادة منه)
1- الاشتغال بالقرآن الكريم:
الاشتغال بالقرآن تعليما وتدريسا وتربية والإكثار من تلاوته وتدبره من أسباب البركة في العمر وكثرة الإنجاز، وقد قرأت عن كثير من أئمة السلف وبعض الصالحين من المعاصرين من تجاوز قلة البركة في الوقت بزيادة ورده من القرآن ولما رأى البركة تزيد بالتلاوة ضاعف أكثر في القراءة حتى أنه كان يقرأ في اليوم عشرة أجزاء من القرآن الكريم، وقد لاحظتُ أن علماء القراءات قديما وحديثا عمَّروا طويلا بينما الفقهاء كانت أعمارهم قصيرة؛ ومن الأمثلة على طول عمر القُرَّاء:
2- صلة الأرحام:
من أهم الأسباب الجالبة للبركة في العمر صلة الأرحام، وهو من أكبر التحديات في العالم الحديث وفي واقع المسلمين في أوروبا حيث تنفصل الأسر والعائلات جغرافيا وينشغل كل بدنياه وأولاده ويضعف التواصل فتقل البركة:
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مَن سرَّهُ أن يُبسطَ لَه في رزقِهِ ، وأن يُنسَأَ لَه في أثرِهِ ، فليَصِلْ رَحِمَهُ” متفق عليه.
وعن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يردُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ، ولا يزيدُ في العمُرِ إلَّا البرُّ” الترمذي بسند حسن.
3- طلب الحلال في الرزق وتجنب الشبهات والمحرمات:
وهو أمر كثيرا ما نغفل عنه فيقل تحرينا للحلال في المطعم والمشرب، والله سبحانه وتعالى توعد بمحق البركة من الكسب المبني على الربا فقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ [البقرة: 276]
وعن حكيم بن حزام -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا؛ فإن صدقا وبيَّنا، بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا، مُحقت بركةُ بيعهما” متفق عليه.
وعن ثوبان قال: “جاء حكيم بن حزام فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، فقال: “يا حكيمُ، إن هذا المالَ خضِرة حُلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس، بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفسٍ، لم يبارَكْ له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى”، قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارقَ الدنيا؛ فكان أبو بكر -رضي الله عنه- يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبْلَه منه، ثم إن عمر -رضي الله عنه- دعاه ليعطيَه فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني أعرِض عليه حقَّه من هذا الفيءِ فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأْ حكيمٌ أحدًا من الناس بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى توفِّيَ” متفق عليه.
3- الصدقات الجارية:
فعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “سبعٌ يَجري للعبد أجرُهنَّ وهو في قبره بعد موته: مَن علَّم علمًا، أو أجرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجدًا، أو ورَّث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته” ابن حبان والبزار بسند حسن. فابحث لنفسك عن واحدة أو أكثر تتركها أثراً تُذكر به بعد موتك، وتبقى صدقة جارية تمنح بها العمر المبارك.
اللهم بارك في أعمارنا وأعمالنا وأولادنا،
وأحسن خاتمنا وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها
وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة،
واجعل هذا العام عام سلام وأمن وخير وبركة وحرية وعدل
على أهلنا في غزة والسودان واليمن وكل مكان وعلى البشرية جمعاء،
والحمد لله رب العالمين.