إرسل فتوى

السبيل إلى قلة رائدة

السبيل إلى قلة رائدةInterest-on-savings-account

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. 31 أكتوبر 2025م

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد

فما أن تنفسنا الصعداء بعد توقف الحرب في غزة على ما خلفته من دمار وخراب للإنسان والعمران حتى أفقنا على مأساة أهلنا وإخواننا في السودان وفي الفاشر حيث:

  • الحصار والتجويع والتقتيل والاغتصاب للنساء.
  • مشاهد مروعة للآلاف من المدنيين رجالا ونساء وصغارا .
  • خلال يومين فقط قتل في الفاشر 2000 شخص حسب منظمات حقوقية.
  • يُدفن الناس أحياء بشكل جماعي، أنهارٌ من الدماء توثقها الأقمار الصناعية.
  • تهجير الآلاف كُرها إلى المجهول.
  • تفنن في التوحش والإذلال للبشر.
  • في ظل تغطية إعلامية غائبة وصمت وتآمر عربي وخذلان دولي تمهيداً لمزيد من التقسيم لهذا البلد الطيب.

وكأن أمتنا اليوم باتت مكلومة مصابة تتنقل من محنة إلى محنة ومن جرُح إلى جرح، وهذا يؤكد حاجتنا إلى إيجاد تلك القلة الرائدة العاملة التي تعمل على استنقاذ الأمة من تلك الحالة التي بلغتها من ضعف وهوان وعجز وخذلان رغم كثرتها العددية، لكنها كثرة غير فاعلة أو مؤثرة ولو في حدها الأدنى المتمثل في كف العدوان أو إيصال الغذاء أو الدواء للمحاصرين من أهلها في بقعة منها، وأصبح عدوها رغم كثرتها تلك لا يأبه لها ولا يكترث لأمرها وكأنها غير موجودة أصلاً.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في توصيف هذه الحالة الغثائية حين قال:” ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا وما الوهن قال: حب الدنيا وكراهية الموت”

وحال المسلمين في أوروبا رغم الحريات النسبية التي يتمتعون بها مقارنة بغيرهم لا يختلف كثيرا عن حال الأمة في مجموعها، مهما كثروا عدديا يبقى أثرهم محدود وقدرتهم على مواجهة التحديات الواقعة والمتوقعة ضعيفة جدا، وما نحتاجه هو التفكير في السؤال: كيف نوظف الكثرة فيما تحسنه ويدخل تحت قدرتها؟ وكيف نوجد القلة الرائدة المؤثرة في السياق الأوروبي، وكيف يدخل أحدنا في زمرتهم، أو أجعل واحدا منهم من نسلي؟

وهذه أهم الخطوات المعينة على إيجاد القلة الرائدة:

1- الخروج من الخلاص الفردي إلى البعد الرسالي:

سيطرت ثقافة الخلاص الفردي وتوحشت القيم الفردية على التهمم بأمر الجماعة والأمة وتراجع أوغاب التدين الصافي الذي ينتقل من الفردي إلى الجماعي، ويجسد الرسالة الإصلاحية للمسلم في الكون والحياة، تلك الرسالة التي سطرها الأنبياء جميعا في رسالتهم مع أقوامهم، وحياة المسلم في الغرب تُضاعف لديه ولدى الجيل الجديد التمركز حول الفردانية و غياب الجماعية، فيكفيني أن أؤدي العبادات الفردية وأذهب للعمرة والحج وأُنفق في سبيل الله، لكن ما شأني بغزة والسودان وغيرهما؟!

والتدين الحقيقي هو الذي يحمل المسلم فيه همَّ غيره ويسعى لرفع الظلم عنه ولا يحيا في هذا العالم لنفسه دون اكتراث بما يقع لغيره من بغي وظلم، ونحن نقرأ سورة الفاتحة لا نجد فيها خطابا فرديا واحداً، (اهدنا الصراط المستقيم) وكذا الدعاء في خواتيم البقرة (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) يتمثل روح الجماعة وسماع استغاثتها، وقد علمتنا نملة في مملكة سيدنا سليمان عليه السلام أن تنذر قومها وتحذرهم وتحرص عليهم ولا تطلب السلامة والنجاة لنفسها قال تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18] ، والقرآن الكريم لا يعذر العاجز عن إغاثة المسكين لفقره؛ لأنه يملك حض المجتمع على إغاثته قال تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ [الماعون: 3] وقد فسر ابن الجوزي هذه الآية بقوله: لا يطعمه ولا يأمر بإطعامه، والإسلام جعل إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان في إشارة إلى أن التوجيهات النبوية بالنظافة الفردية لا تغني عن المسؤولية تجاه نظافة الحي والشارع، والمسلمون في الغرب يُخشى عليهم من تغلل تلك القيم في حياتهم فينقطعون عن هموم وقضايا أمتهم!!

2- الوعي والسعي المبكر لإيجاد القلة الرائدة:

كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: “اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك أبي الحكم بن هشام وعمر بن الخطاب”

واختياره صلى الله عليه وسلم لهذين الرجلين قبل إسلامهما لعلمه بأثرهما وريادتهما وما سيكون من خير للإسلام والمسلمين على أيديهما، وقد أجاب الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم، فأسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان من أمره ما كان، فأتعب المؤرخين وكتاب السير بكثرة مناقبه ومزاياه، وهذا منهج نبوي متكرر في التقاط النابغين والرواد والقادة الذين رباهم صلى الله عليه وسلم فصنعوا حضارة تَعلّم العالم منها قرونا، والواجب علينا السعي والعمل على إيجاد القلة الرائدة مبكراً خاصة في تربية أولادنا وتعليمهم وتوجيههم إلى التخصصات العلمية التي تصنع المفكر والفيلسوف والقائد والموجه. لقد أهمل المسلمون التخصصات المنتجة للقلة الرائدة وركزوا على التخصصات الوظيفية التي تحقق الغنى وتجلب المال أسرع فقط، فلابد من الوعي بأهمية وضرورة وجود القلة الرائدة ودعمها لاستكمال البناء والتكوين.

3- توظيف الكثرة فيما تحسنه:

إنَّ ذم الكثرة الذي أشرنا إليه في حديثنا السابق لا يعني عدم الإفادة منها ولكن يجب توظيفها فيما تحسنه وتجيده بمزيد من توعيتها وتحسيسها بالشأن العام وعدم التقليل من الأثر الذي تحدثه، وقد رأينا أثر التظاهرات المليونية المتضامنة في غزة كيف أسهمت في إيقاف الحرب وخلق رأى عام رافض للقتل والظلم؛ وفي الحديث ما يشير إلى خطر وأهمية تكثير سواد فئة في الشر أو الخير فعن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” من كثَّر سواد قوم فهو منهم، ومن رضي عمل قوم؛ كان شريك من عمل به” رواه أبو يعلى. فتكثير سواد الظالمين يصيب فاعله بالإثم والعقوبة، وكذا تكثير سواد المؤمنين يثيب صاحبه ويرفع درجته عند الله، والقلة الرائدة لن تستطيع إحداث الأثر المنشود بدون وجود ومؤازرة الكثرة معها، ومن حِكم إنزال الملائكة يوم بدر تكثير سواد المسلمين للربط على قلوبهم وتثبيت أقدامهم، والصلاة في المسجد الأكثر جماعة أفضل وأعظم أجراً لأنها مظهر لعزة المسلمين وهيبتهم، لهذا حرص سيدنا عبدالله بن أم مكتوم على المشاركة في تكثير سواد المسلمين رغم كونه أعمى معذور؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رأيت يوم القادسية عبد الله بن أم مكتوم الأعمى وعليه درع يجرّ أطرافها، وبيده راية سوداء، فقيل له: أليس قد أنزل الله عُذرك؟ قال: بلى، ولكني أكثر سواد المسلمين بنفسي، وتوظيف هذه الكثرة لن يتم إلا بالاتحاد والتكتل.  

4- العناية بالاستشراف والتعليم:

إن القرآن يوجه للعناية بأمر الاستشراف والتوقع وإيجاد القلة الرائدة في ضوء هذا الاستشراف المبني على الدراسات المستقبلية التي قصَّر المسلمون فيها كثيرا رغم التوجيه القرآني لضرورة العناية بها؛ فسورة القمر أرشدت المسلمين لحدث سيقع بعد سنين في قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45]  فما ظهر معناها لسيدنا عمر رضي الله عنه وقت نزولها وما فهمها إلا يوم بدر حين رأی رسول الله ﷺ يثب في الدرع ويتلوها.

وكذلك فواتح سورة الروم قال تعالى: ﴿الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 1-5] فالقرآن الكريم يوجه المسلمين إلى ضرورة الوعي والتأمل فيما يجري حولهم من أحداث يكون لها أثر عليهم وضرورة فهمها وتحليلها والاستعداد لما ينبني عليها من نتائج والتعامل معها في ضوء السنن وتأثير القلة الرائدة وفاعلية الكثرة مهما قلَّ عملها ودورها.

اللهم كن لأهلنا وإخواننا في السودان وغزة وكل مكان وليا ونصيرا وسندا ومعينا،

أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، وعليك اللهم بمن ظلمهم وسفك دماءهم،

اللهم أريتنا فيهم حلمك وإمهالك فأرنا فيهم بطشك وقوتك،

والحمد لله رب العالمين. 

د. خالد حنفي
د. خالد حنفي
المقالات: 171