هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
التجارة الرابحة: ولد صالح يدعو له
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 14 نوفمبر 2025م
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فإن القرآن الكريم اعتنى كثيراً بأمر صلاح الذرية واستقامتها، وذكر نماذج من أسر وذرية الأنبياء صلاحاً واستقامة، أو ضلالاً وكفراً.
وأكثر المواضع التي ذكرت فيها الذرية في القرآن الكريم وردت مقرونة بالصلاح والاستقامة كقوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [الصافات: 100] وقوله: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ [آل عمران: 38]
وقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له…. ” رواه مسلم.
وكل إنسان مفطور على سلامة وجوده في الدنيا، واستمرار ذكره فيها بعد موته كما في الحديث السابق، وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني
فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني
فالأولاد هم التجارة الرابحة التي تحافظ بها على سلامة واستمرار ذكرك الحسن في حياتك وبعد موتك، وبحسن تربية الأولاد وإقامتهم على الدين يتحقق أمر الاستخلاف وتعمير الأرض وفق أمر الله؛ لهذا يجب أن يكون الهمُّ الأكبر لنا في الغرب هو:
كيف ننجو بأنفسنا وأولادنا ونحفظ عليهم دينهم واستقامتهم؟
لتضاعف التحديات والخطر على الدين في الغرب أكثر من البيئات والأماكن الأخرى، والواقع الذي أشاهده يومياً خطير ومقلق، حيث تتزايد حالات الانحراف عن الدين والخروج منه في صفوف الجيل الجديد على الساحة الأوروبية، ومخاطر التدين والثبات على الدين تتضاعف بتقادم الأجيال وكل مسلم مسؤول عن نفسه وولده واستنقاذهم من النار.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]، وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [طه: 132]
والمسؤولية تجاه الأبناء لا تتم بالرعاية المالية والمعيشية فحسب، وإنما بالتربية المنتجة للمسلم المستقيم، والثابت على الدين، والهداية والقلوب بيد الرحمن ولكن الله سائلنا عما فعلنا ليثبت أولادنا على الدين!!
وإذا كنا نفرح بالداخلين في الإسلام من الأوروبيين فعلينا أن نقلق ونحزن بدرجة أشد على الخارجين منه ممن ولدوا مسلمين، ولكن ضاع دينهم بسبب تقصير أبويهم، أو عدم إدراكهم للمخاطر المحيطة بهم، أو بالمنهجية الخاطئة في تربيتهم، وكما دخل أوروبيون الإسلام بسبب غزة خرج شباب ولدوا مسلمين بسبب غزة أيضاً حيث أُشربوا سؤالاً قُتل بحثاً ودرساً، وهو سؤالهم عن هذا الشر:
كيف لا يمنع الإله القادر الرحيم قتل الأطفال والأبرياء ومن لا ذنب لهم في فلسطين وغيرها؟
وانقطاع الدين في النسل والذرية لا يقع فقط بالانحراف عن الدين وإنما يقع أيضا بالامتناع عن بناء الأسرة أو إنجاب أطفال يُرَبون على حب الدين والعمل له، أو بالاختيار الخاطىء غير المؤسس على الدين عند الزواج، أو بالزواج مع اختلاف الدين، وهذه أهم العوامل والأسباب الحافظة لدين الذرية في الغرب في ظل تجدد التحديات وتعدد المخاطر:
1-الدعاء المستدام:
تكرر في القرآن الكريم دعاء الأنبياء لأبنائهم كدعاء إبراهيم عليه السلام لولده ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: 100-101] ،
ودعاء امرأة عمران أم مريم: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [آل عمران: 35-36]
ومن دعاء عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74]
وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة كدعائه لابن عباس بالعلم، وأنس بن مالك بكثرة المال والولد، وقال صلى الله عليه وسلم:” ثلاث دعوات مستجابات، لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده” الترمذي وأحمد بسند صحيح عن أبي هريرة.
وحذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء على الأبناء فقال:” لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خَدَمِكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقون من الله تعالى ساعةَ نيلٍ، فيها عطاءٌ، فيستجيب لكم” رواه مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه.
وقبل أسابيع شَهِدتُ في مدينة ألمانية حفلَ إجازة شاب ولد في ألمانيا للقرآن الكريم كاملاً، ورأيت في وجهه نوراً من أنوار القرآن، وقد امتلأت عيناه بالدموع طوال القراءة، وما أن فرغ من الختم والإجازة من شيخه حتى انكب على قدمي والديه يقبلهما شكراً وامتناناً، وفوجئتُ أنه سرد القرآن الكريم كاملاً على شيخه المجيز من صدره في قرابة شهر فقط، ثم تحدث والده قائلاً: لا أكاد أصدق ما أراه الآن فقد كان ولدي بعيداً تماماً عن هذا الإنجاز، وما تخيلته يوماً في هذا المكان، وسألت نفسي كيف حدث هذا التحول والتغير الجذري في حياة ولدي؟
قلت لنفسي هي رحمة من رحمات ربي ودعوة صالحة صادفت وقت إجابة مني أو من أمه أو من أحد الصالحين، فلا تتوقفوا عن الدعاء لأولادكم وتلمسوا أوقات الإجابة؛ فالقلوب بين يدي الرحمن يقلبها كيف يشاء.
2- البيئة والصحبة الصالحة:
أمرنا الله تعالى بلزوم البيئة الصالحة وأهل الصلاح فقال تعالى:﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28]
وحدثنا عن أهل الكهف للاقتداء بهم في اعتزال البيئة الفاسدة التي تعبد غير الله فقال تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ﴾ [الكهف: 16]، وأوجب علينا الهجرة وتغيير المكان الذي نحب إذا استحال العيش بالدين فيه فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 97]
وحديث قاتل المئة نفس يؤكد على أثر ودور البيئة في الصلاح أو الانحراف، وعلى كل مسلم يعيش في الغرب أن يوجد لأولاده البيئة الصالحة والصحبة الصالحة وأن يقربهم من المساجد وأهل التقى، وأن لا يتردد في اتخاذ القرار الذي يحفظ الدين والتدين على أولاده ومن ولي أمرهم، وأن يحذر من ضياع الدين بالدنيا.
3- صلاح واستقامة الأبوين:
من يخاف على أولاده عليه بتقوى الله وإصلاح نفسه قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [النساء: 9]، وقد سخَّر الله من يقيم الجدار لحفظ مال الأيتام بسبب صلاح أبويهما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾ [الكهف: 82]، كما استُبدل الغلام الفاسق بصالح بسبب صلاح الأبوين أيضاً قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 80-81]
وكثيراً ما وجدتُ صلاح واستقامة الأبناء في الغرب مرجعه إلى صلاح والديهم، وأنَّ لهما أو لأحدهما سُهمةً في خدمة بيوت الله.
4- ترشيد استعمال الهواتف والشاشات:
مخاطر الهواتف والشبكات لا تخفى على أحد اليوم، وهي ناقلة للشبهات والشهوات على نحو لم يكن يتصوره العقل، وخطرها على الصغار أكبر من الكبار، وأشد مخاطرها بلوغ حالة الإدمان وأن تصبح الهواتف هي التي تسيطر علينا وعلى أولادنا وتتحكم فينا ولا نتحكم فيها، وأن يدمنها الصغار فتؤثر على تركيزهم وتشتتهم فتتأثر دراستهم وتتقطع روابطهم الاجتماعية، ويقلُّ أو ينعدم الحوار الأسري ويصبح كل فرد في الأسرة غريب عن الآخر حتى وإن عاش معه في نفس الغرفة أو البيت. ليس المقصود التجنب الكلي للهواتف والشبكات وإنما ترشيد استعمالها، وتأخير إعطائها للأطفال قدر الإمكان وتقدير ساعات محددة لاستعمالها في اليوم لا يتجاوزها الأبناء، وإيجاد مساحات كافية من الوقت للحوار الطويل مع الأبناء للقراءة والحوار والشعور بالجو العائلي.
اللهم احفظ أولادنا وثبتهم على دينك في كل مكان
وفي الغرب خاصة يا رب العالمين،
اللهم جنبهم قرناء السوء،
وارزقهم الصحبة الصالحة التي تعينهم على طاعتك،
اللهم لا تقطع كلمة التوحيد من نسلنا،
ورد من شرد من أولاد المسلمين إلى دينك ردا جميلاً،
وفرج الكرب عن أمة حبيبك صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين.