هذا الموقع يشرف عليه مجموعة من .طلبة العلم محبي الدكتور خالد حنفي.
إرسل فتوى
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
للحصول على فتوى، يرجى ملء هذا النموذج.
الإمامة في الغرب بين الوظيفة والرسالة
هذا بحث أبث فيه كلمات إلى الأئمة حملة رسالة الدعوة، وإنه لأمر صعبٍ أن يتحدث الإنسان إلى أهل العلم والدعوة والتزكية؛ ولكن حديثي وكلماتي هي من باب المثاقفة والمدارسة والمراجعة، وتذكير بعضنا لبعض بواجبات ومتطلبات المرحلة التي نحن فيها الآن.
مفهوم الإمام في الغرب
العنوان الذي أردت التمركز حوله في هذا البحث هو: “الإمام في الغرب من الوظيفة إلى الرسالة”.
إن الذي يخطر على البال عندما نقول “موظف”، وعندما نقول “صاحب رسالة” هو: أن الموظف يؤدي مهمة محدودة، بروتينية وبرتابة.
وتحضرني كلمة كان يقولها أحد الأئمة مزاحاً، حيث يقول: “على قدر فلوسهم” بمعنى أن الراتب ضعيف، فيكون الأداء على قدر هذا الراتب؛ لكن الألمان يقولون: “المزاح نصف الحقيقة”، فكل شيء نمزح فيه هو جزء من الحقيقة.
فالموظف هو إطار محدود جداً، أما صاحب الرسالة فهو المهموم المتحرق بالواجب الدعوي الذي يريد أن يقوم به، محترق باستنقاذ الناس من النار، محترق بهداية العصاة، ولا ينتظر أبداً أن يُقال له: افعل أو رتب برنامجاً، أو لا ترتب.
وهذا المعنى -معنى صاحب الرسالة- هو ما عبر عنه أحد الدعاة المصلحين حين قال:“إن الداعية يجب أن يكون كنسخة من القرآن الكريم، أو من كتاب كُتب عليه: وقف لله تعالى”.
ومعنى كونه نسخة مكتوب عليها “وقف لله تعالى” ألا أحد سيستأذن عندما يأتي ليطلبها أو ليستفيد منها؛ فهي متاحة لكل الناس.
والإمام يتأثر بالمجتمع المادي الذي يعيش فيه، وواهم من يعتقد أو يظن أنه سيعيش في هذه البيئة، ولا يأخذ من شررها ومن أخلاطها، ومما هي فيه.
أذكر أن أحد الأئمة الفضلاء جاء إلى مسجد في أحد البلدان الأوروبية، وقال لهم:“أنا داعية وتربيت في الدعوة”، فقالوا له: “نظام العمل معنا كذا وكذا، ولك يوم عطلة في الأسبوع”
فقال لهم: “ليس هناك شيء اسمه عطلة، الإمام لا يعرف العطل، ولا يعرف الإجازات”فظلوا فرحين جداً به، واتصلوا بي سعداء، يقولون: “هذه أول مرة نرى أحداً، يقول الإمام لا يعرف العطل”.
بعد سنتين أو ثلاث اختلفوا، وقرروا أن يستغنوا عنه، فقال لهم:“حسنًا، لي عندكم كم (يوم إثنين) منذ بداية عملي معكم، كانت عطلات أريد تثمينها الآن”.
قالوا له: “ولكنك قلت: إن الداعية وقف لله، ولا توجد عطل!”
فقال لهم: “هذا كان كلاماً في البدايات؛ لكن الآن فقد تغيرت الأمور، وهناك حسابات”
فالإمام يتأثر بالمجتمع المادي، وشيئاً فشيئاً يجد أن البعد الرسالي يتراجع من حيث لا يدري، فيدخل في “السيستم” ويصبح جزءاً منه، ولا يشعر بنفسه أصلاً؛ لذلك يحتاج لمن يذكره بصورة دائمة.
تحدي الإلحاد والجيل الجديد في الغرب
كيف يمكن للإمام أن يعرف أن دراسة أُجريت في بريطانيا وكندا، وقد نُشرت في بريطانيا في 26 مارس 2025، تقول: أن هناك نسبة كبيرة من الجيل الجديد في أوروبا ترتد عن الإسلام!!
فكيف يمكن لإمام يُفترض أنه صاحب رسالة ينام عندما يسمع دراسة كهذه، ولا يواصل الليل بالنهار ليستنقذ الناس مما هم فيه؟!
غياب السلطة الملزمة في الغرب، وأثره على عمل الإمام
نحن نعلم أن كل مؤسسة دينية أو دعوية في العالم الإسلامي ترعى الأئمة، أو توظفهم، أو تقوم على شؤونهم، تلزمهم بخياراتها ونظامها، ولا يستطيع الإمام أن يخرج عن هذه المنظومة، أو هذه القوانين.
الإمام في الغرب لا توجد سلطة تلزمه، حتى لو حاولت سلطة إدارة المسجد أن يكون لها سلطة إلزامية عليه؛ لكنها ليست سلطة ذات صورة قانونية؛ لأنه إذا لم يعجبه العمل معهم بالمسجد سيتركهم ويرحل.
هذا الأمر نتج عنه إشكاليات كبيرة جداً؛ منها أنك لا تستطيع أن تلزم الإمام بقرار أو موقف معين، فمثلًا: عندما نجتمع مع الأئمة لنتفق معهم على شهر رمضان، تجنبًا للوقوع في الاختلاف والاضطراب الذي يحدث كل رمضان، يقومون بتأييد كلامنا، ويتم التوقيع على ما اتفقنا عليه معهم؛ لكن بعد دخول رمضان تجد كل إمامٍ قد قام بإصدر بيان ورسالة صوتية، وأحدث إشكالاً في الموضوع، واعتبر نفسه هو الممثل للمسلمين!!.
كذلك عندما نقول لهم: “إن عقود الزواج العرفية تسبب مشاكل، يا ليت نحد منها، ولا نلجأ إليها إلا في حالات ضرورية معينة، ويجب أن يكون الزواج موثقاً حتى تُحفظ الحقوق”، فتجد من يذهب ويعتبر نفسه هو ممثل المسلمين؛ بل بالعكس يطعن في الأئمة الذين يخالفونه ويتلزمون بهذا الرأي!!
هل ينتج الخطاب الديني إلحاداً؟
هل يمكن للخطاب الديني أن ينتج إلحاداً، أو أن يتسبب في وجود ظاهرة الإلحاد؟
نعم، وهذا واقع للأسف الشديد، سواء في أوروبا، أو في العالم الإسلامي.
وأنا هنا لا أقوم بإلقاء اللوم على الأئمة أبداً، فالإمام للأسف الشديد وخاصةً في أوروبا يُطلب منه كل شيء، ولا يُقَدم له أي شيء، أو يُقَدم له القليل جداً من الدعم.
يعتبر الإمام في أوروبا هو أهم شخصية فاعلة مؤثرة في مؤسسات حفظ الدين في الغرب، فالمسجد هو أهم مؤسسة بالنسبة لحفظ الدين في أوروبا، والإمام هو عماد هذه المؤسسة، سواء في جمع الجمهور، أو في تجميع الأموال والنفقات، أو في غير ذلك من الأشياء التى يحتاجها المسلمون في الغرب.
فنريد منه أن يحل المشاكل الزوجية، والمشاكل النفسية، ويقوم بالخطابة، وتحفيظ القرآن، وتعليم اللغة العربية، وهذا عمل مؤسسي تقريباً، فينتظر منه أن يقوم بأداء خمسة أو ستة اختصاصات، وهو مجرد شخص واحد فقط، كيف يقوم بأداء هذه الأشياء كلها؟!
وفي نفس الوقت لا الكليات التي تخرج الأئمة تراعي هذه الأمور، ولا المناهج، ولا الحلقات المتتابعة تنتج هذا الإمام، المجدد المستنير المراعي للواقع، فمن الظلم أن يتم جلد الإمام على مَدَار الوقت؛ لأننا لم نقدم له الدعم الذي يتناسب مع محاسبته بعد ذلك.
تحدي السيولة الوعظية، تطور الوظيفة الدعوية
تعتبر وظيفة الإمام اليوم هي أعقد وأخطر وظيفة، فكل المهن والوظائف تطورت ودخل عليها تجديد، إلا وظيفة الإمامة.
لو نظرنا الآن إلى إقبال الناس على الدروس المسجدية الأسبوعية، مقارنة بما كان من قبل، سنجد ضَعفًا في الإقبال عليها، وهذا الضعف في الإقبال لا علاقة للإمام به، ولا بعلمه، ولا بإعداده، ولا بتحضيره، فهناك أسباب كثيرة أدت إلى هذا، منها السيولة الوعظية في الشبكات والميديا.
أحد تلاميذي يدرس في المغرب الآن، قلت له: “هل تحضر دروساً للمشايخ في المغرب؟”
قال لي: “نعم”، وأخبرني أن مما يحضر من الدروس، درس التفسير للشيخ/ مصطفى البيحاوي، وهو رجل عالم
فقلت له: ” كم عدد الحضور في درس التفسير للشيخ/ مصطفى البيحاوي؟”
قال لي: ” الذين يحضرون عشرة، أو خمسة عشر رجلًا “!!
هل معقول هذا؟!! كيف لشيخ له هذه المكانة العلمية يحضر له هذا العدد فقط؟!
هذا بسبب وجود متغيرات هائلة حدثت في حياة الناس.
وتصوري أن الحضور لخطبة الجمعة وصلاتها، لولا أنها مفروضة من الشارع -سبحانه- كان سيصيبها نفس الذي أصاب الدروس الأسبوعية الآن، فالتحدي أمام الإمام كبير جدًا.
بالإضافة إلى أن حتى الخطاب الديني الموجود، منه ما ينتج إلحاداً.
حدثني أستاذ جامعي في ألمانيا يشرف على عشرين طالب دكتوراة تقريبًا، قال لي:“هؤلاء نوابغ، لا تستبعد أن تراهم أو ترى بعضهم حاصلين على جوائز نوبل في سنوات قادمة، بعضهم ألحد، بعضهم متشكك، بعضهم قاطع خطبة الجمعة، ولم يَعُد يصلي في المساجد”.
قلت له: “لماذا؟ قل لي ما السبب؟ أعطني أنا محترق، كيف هذا الكلام؟”.
قال لي: “سألتهم هذه الأسئلة كلها”، فقالوا لي: ” ليس لدينا استعداد لنذهب ونجلس مثل الحائط الذي نستند إليه، نجلس لنسمع خطاباً مكروراً منذ أن ولدنا ونحن نسمعه في المساجد، نحن عندنا قضايا وتحديات ومشاكل وإشكالات، لماذا لا يتم الحديث عنها؟ لماذا لا يتم طرحها، ونجد أجوبة حولها في الخطاب الدعوي الموجود؟”.
الإمام ورفع الصوت في الخطبة
حكى لي إمامُُ أنه حضر تجمعاً شبابياً في مسجده، تسلل إليهم من غير أن يشعروا، وكان الشباب يقومون بأداء مسرحية، يحاكون فيها طريقة كلام وخطاب كل الأئمة الموجودين في المدينة، فكان أحدهم يمسك عصًا ويخبط بها ويصرخ، والشباب جالسون يضحكون عليه؛ لأنه كان يصرخ على شيء لا يحتاج صراخاً، وقد أتي بموضوع يناسب بلداننا العربية، ولا علاقة له بالواقع في بلدهم الأوروبي.
وأود أن أنبه إلى أن رفع الصوت في الخطبة فيه نقاشات كثيرة، من أين أتينا برفع الصوت في الخطبة؟
ورد في السنة “كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يقولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ” (أخرجه مسلم في صحيحه)
حسنًا، هل كانت كل خطابات النبي صلى الله عليه وسلم كأنه منذر جيش؟
هل كانت هناك مكبرات صوت كالموجودة الآن؟
هل كان في كل مرة يتحدث فيها، وفي نفس الموضوع ونفس القضية، يتحدث بنفس حدة الصوت ونفس النبرة؟
أحد الإخوة متزوج من ألمانية غير مسلمة، وهي شخصية مرموقة جداً، وتعمل مديرة بنك، حكى لي أنه في يوم عطلة أخذها إلى المسجد، وقال لها: ” هذه فرصة تحضرين صلاة الجمعة، وتسمعين الخطبة، وتستفيدين منها، وتتعرفين على الإسلام، وأنا أصلي”.
ذهب للصلاة، وهي جلست تستمع للخطبة، وبعدما خرج من المسجد قال لها: ما رأيك في الخطبة؟
قالت له: أنا خرجت بعد خمس دقائق، لم أستطع أن أكمل، قال لها: لماذا؟
قالت له: الإمام يصرخ جداً، والكلام الذي أسمعه في الترجمة لا يحتاج صراخاً، فإما أن المترجم يقول شيئاً والإمام يقول شيئاً آخر، أو أن الإمام يمثل؛ لأن الكلام لا يستدعي أبداً الصراخ، ورفع الصوت.
فمسألة رفع الصوت تحتاج إلى مقاربة، ومراعاة للحال، وإلى تقدير للأمر.
والإمام يجب عليه أن يعتبر نفسه وهو على المنبر، كأن خطبته تبث على الهواء مباشرة لجميع البيوت في دولته الغربية، والناس جالسون يسمعونها في بيوتهم، فَلَكَ أن تتخيل أن هناك عائلة كندية -مثلًا- غير مسلمة تستمع إلى الخطبة، كيف ستُقدر الكلام، وكيف ستتعاطى معه؟
كيف ستنظر إلى الصراخ، وإلى الحديث، وإلى الآية، وإلى التفسير، وإلى التأويل الذي ستقوله؟
يجب أن نضع أنفسنا أمام هذا الاحتمال، وهو احتمال وارد جداً مع الشبكات، ومع التصوير والبث المباشر الموجود الآن.
ومما يزيد من صعوبة وخطورة عمل الإمام، هو تعدد أعين الرقابة والتأويل، فهناك جهات مختلفة تتابع وتؤول الحديث، وتحمله دائماً على أسوأ محامله؛ حتى تُدين الإمام فيما يقول وفيما يطرح، وهذا يستدعي من الإمام مزيدًا من التدقيق والانتباه والحيطة.
أهم تحديات الإمامة، ومعوقات الرسالة في السياق الأوروبي
أولاً: تراجع الروحانية والروح
يمكن أن تستمع إلى خطيب أو إلى واعظ، يتكلم بكلام في غاية الإحكام، وفي غاية الدقة، وفي غاية الإعداد؛ لكنه لا روح فيه.
وحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن قراء القرآن “يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ” (أخرجه البخاري ومسلم)
وهذا نراه كثيراً اليوم، فأحياناً تستمع إلى أصوات ندية طرية، في غاية الإتقان؛ لكنك لا تجد روحاً، ولا تجد أي تفاعل قلبي بينك، وبين هذه الأصوات وهذه التلاوة.
وذات الشيء بالنسبة للخطبة؛ فقد يتحدث الإمام بكلام عادي جداً، وبمضامين قالها في خطب سابقة؛ ولكن يجد نفسه تشعر بها، ومن يستمع إليه يشعر بها، ويتأثر بها، ويتجاوب معها، ما السبب؟!
السبب هو الروح، والحالة الإيمانية التي سيطرت عليه وهو يقوم بإعداد الخطبة، ولأنه بهموم بحال الناس، ومهتم بما سَيُحدث به إلى الناس.
وهذا الموضوع يجب أن نتوقف عنده كثيراً؛ لأنه مهما قلنا من تجديد الخطاب الدعوي، فإن لم نجدد الروح بالروحانية، فلن نفعل أي شيء من تجديد الخطاب الدعوي.
فقم بتجديد الكلام، وأحكم الصناعة والصياغة، والبيان المبين؛ لكن إذا الروح والقلب لم يتزكَّ قبل الكلام، فلن تجد له تأثيرًا، ولن تصل إلى النتيجة المطلوبة.
ثانياً: السيولة الوعظية في العالم الشبكي
نحن اليوم كأئمة إذا أردنا أن نعد محاضرة أو خطبة، التحدي الكبير هو كيف تنتقي المادة والفكرة؟
فالبحث في العالم الشبكي يُخرج لك مئات النتائج من كتب ومحاضرات، ماذا آخذ وبماذا أدعم؟ وما هو المعيار الذي على أساسه أنتقي، وهل أستمع إلى كل هذه النتائج، وأقرأها كلها حتى آخذ منها ما أريد؟
لا نعرف، فهذا للحقيقة تحدٍ كبيرٍ جداً، وللأمانة لم ننجح في بناء منظومة المناهج والتعليم، وإنما نحن نعمل على ما هو موجود في التراث، وبالتالي المشكلة والعلة ما زالت قائمة كما هي، لم نتجاوزها حتى الآن.
ثالثاً: إشكالية اللغة بالنسبة للإمام
نلاحظ في أوروبا أن الخطاب الدعوي لا مستقبل له بدون لغة البلد، وهناك معضلة كبيرة جداً في قضية تعلم الإمام للغة، وليس المقصود أنه سيتعلم المفردات، ويتمكن أن يتحدث أو يقرأ من ورقة، فاللغة روح، وهذا لن يتم إلا من الجيل الجديد.
لا أعتبر أن تقصير الإمام، أو عجزه عن تعلم اللغة، بسبب أن ملكاته لا تستطيع؛ بل لأن اللغة ذاكرة، فهل الذاكرة التي حفظت القرآن الكريم، وحفظت ألفية ابن مالك، ومئات الآلاف من الأبيات الشعرية، تعجز عن حفظ عدد من المفردات، وتركب منها عدة جملة، وتتحدث بها؟!
بالطبع لا؛ لكن الأمر له أسباب وخلفيات أخرى، فما الحل الناجع لهذا الموضوع؟
الحل هو التوريث؛ أن يقوم الإمام بتوريث ما لديه من علم شرعي لمجموعة من الشباب في مسجده، يقومون عنه بالخطاب الدعوي باللغة المحلية للبلد.
المشكلة الموجودة عند شباب الجيل الجديد، أن لديهم ضعفاً ظاهرًا في التكوين الشرعي، والأئمة العرب المهاجرون عندهم امتلاء بالعلم والتكوين الشرعي؛ لكن عندهم ضعف في نقطتين:
الأولى: اللغة، والثانية: المعرفة الحقيقية بالواقع.
إذاً لا بد أن نقوم بعمل تكامل بين الطرفين: الجيل الأول من الأئمة، والجيل الجديد من الشباب، فيورث الإمام العلم الذي عنده إلى هؤلاء الشباب من الجيل الجديد.
وأعتبر أن من أهم معايير نجاح الإمام، أن يقوم بتوريث ما لديه من علم إلى عددٍ من الشباب في مسجده، بحيث يصبحوا قادرين على قيادة الخطاب الدعوي في المسجد باللغة المحلية للبلد.
رابعاً: غياب التوازن، أو ضعف وجوده
أعني بالتوازن: التوازن في الخطاب بين الروحانية والعقلانية، أو بين التلاحم والتفاعل مع قضايا الأمة، وبين التجاوب مع القضايا المحلية الواقعية للبلد.
هناك حالة من الإسراف؛ فأحد الأئمة قضى أكثر من سنتين في سلسلة أسماء الله الحسنى، لا يقطع هذه السلسلة لأي سبب من الأسباب، تأتي أحداث غزة أو غيرها يقول: “لا، أنا أسير مع الناس بسلسلة لا أقطعها”.
هناك إمام يرفض الدعاء على الظالمين، أو الدعاء للمظلومين، لماذا؟
يقول: لا، فلو دعوت على الظالمين سيفهمون أنني أدعو على المعتدين، فأكون قد أدخلت نفسي والمسجد في مشكلة.
حسنًا، ادعُ للمظلومين؟ يقول: “المظلومون الآن هم أهل غزة، فكأنني أدعو لهم”، فيرفض حتى الدعاء طلباً للتوازن!!
وأحياناً يكون التوازن مفقوداً في الخطاب، كخطيب لا يتحدث إلا عن القضايا الروحانية فقط، أو خطابه كله فلسفي بما أننا نعيش في أوروبا، فتضعف وتموت الروح.
فغياب التوازن أيضاً من تحديات الإمامة، ومعوقات الرسالة في السياق الأوروبي.
خامساً: الارتجالية
الارتجالية هي: أننا لا نعطي الخطبة أو المحاضرة حقها من الإعداد، ومن النظر قبلها بفترة طويلة.
الشيخ/ محمد الغزالي -رحمه الله- سُئل: متى تبدأ في إعداد خطبة الجمعة؟ قال: “من وقت نزولي من على المنبر في الجمعة التي سبقتها”.
هل الأمر معقد إلى هذا الحد؟ هل يعييه أن يتحدث بدون إعداد، أو بدون نظر؟
لا؛ ولكنه يحترم جمهوره، ويحترم نفسه، ويتحمل المسؤولية.
سمعته مرة يقول: وأنا أجلس على المنبر والمؤذن يؤذن، قلبي يرتجف.
لماذا قلبه يرتجف؟! ماذا أقول للناس الذين جاءوا يطلبون زكاة قلوبهم، وتطهير أرواحهم، وتثقيف عقولهم؟ ماذا أقول لهم؟ هل أنجح في هذا؟ هل أوفق في هذا الأمر أم لا أوفق؟
مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتقه، ولذلك هو مشغول بالأمر، مهتم به.
كنا في دورة للأئمة في ألمانيا، وأخذنا نسأل الأئمة: في كم من الوقت تعدون خطبة الجمعة؟ كم تأخذ منكم من الوقت؟ وما منهجية اختياركم للموضوع؟ لنستفيد من تجارب بعضنا.
أحد الأئمة -رحمه الله- كان خطيباً مفوها، وله دور كبير جداً في الدعوة، قال:“أنا أعد الخطبة فكرة وموضوعاً في طريقي من غرفة الإمام إلى المنبر”!!
في هذه المسافة يقوم بإعداد خطبته!! كيف هذا يا أستاذ؟!
قارن بين ما قاله هذا الإمام، وبين الشيخ الغزالي وما قاله.
ونظراً لكون الإمام موضوعاً تحت المجهر، وخطابه يتم التدقيق فيه من الجهات الأمنية، ومن الجهات الرقابة المختلفة، فيجب عليه أن يتجنب الارتجالية، ويدقق أكثر في كل كلمة يقولها، ويدرك أنها يمكن أن تؤول، ويمكن أن تقص وأن تجتزأ، وأن تنتزع من سياقها وتوضع في سياق آخر، حتى يضار هو، أو مؤسسته؛ وهذا أدعى إلى أن يدقق لا أن يرتجل.
سادسًا: الماضوية في الخطاب الدعوي
الماضوية هي: أننا دائماً ننزع إلى الماضي والحديث عنه، ولا نتحدث عن الواقع، ولا عن المستقبل.
أحد الشباب الواعدين درس عندنا في الكلية، وكان يترجم الخطبة لأحد الأئمة النوابغ والخطباء المؤثرين، يندر أن تحضر له ولا تبكي أو لا تتأثر؛ لكن هذا الشاب قال لي: “لقد تعبت، ما عدتُ أستطيع أن أترجم لهذا الشيخ”.
قلت له: “هذا عالم جليل، وأنا أتمنى أن أحضر له”.!!
قال لي: “كلامك صحيح؛ لكن المشكلة هي أنه دائم الهجوم والنقد، ودائم الحديث عن الماضي؛ فالأمة في نظره فاشلة تائهة ضائعة، ونحن فشلة وخسرنا وضعنا، ولا أمل فينا، وهذا أمرُُ لا يمكن تحمله، يكفى أن يقول ذلك مرة، اثنين، ثلاثة، خمسة؛ لكن استمراريته في الأمر جعلتني لا أستطيع أن أتحمل، أو أن أستمر فى الاستماع له والترجمة أكثر من ذلك”
سابعًا: الفردانية، وغياب الشورى
الفردانية هي: أن الإمام يبقى وحده، لا يريد أن يستفيد من غيره، أو أن يستمع إلى غيره، أو أن يتشاور مع غيره.
كما قلت، لكونه لا توجد سلطة ملزمة، فكل إمامٍ يعتبر نفسه شيخ الإسلام، لا يحتاج لأحد، أو أن يتشاور مع أحد.
التشاور في الخطاب، وفي المواقف وفي التوجهات العامة، خاصة في الأحداث الكبرى التي تهم الناس، والتي ينتظر الناس فيها الكلمة الفصل؛ مهم جداً أن يكون موجود فيها، لتتكون فيها رؤية جماعية.
ثامنًا: التحدي الشبكي، ومنزلق الذكاء الاصطناعي
أشرت إلي التحدي الشبكي، وإشكالية الذكاء الاصطناعي الآن أخطر بكثير، وبعض الأئمة -للأسف- استسهل الأمر فسقط في فخه.
يقول لك: عندما أطلب منه أن يعطيني أفكارًا، يعطيني أفكارًا كثيرة، وكلها أفكار واقعية وممتازة، وأي شيء أطلب منه تحضيره أو اختصاره أو ترجمته، يقوم بفعله بسرعة وسهولة.
حسنًا؛ لكن في النهاية أنت ستصاب بالتبلد الفكري، فلن تفكر أبدًا أن في أن تقرأ وتطلع، فهناك فارق كبير جدًا بين من يخطب أو يحاضر أو يتحدث من تراكم المعلومات والقراءة الموسوعية المستمرة المستدامة، وبين من يعد الخطبة أو المحاضرة بطريقة التقاط المعلومة والكلمة من هنا تارة، ومن هناك تارة أخرى، بالإضافة إلى أن هذه الطريقة (الذكاء الاصطناعي) مع تحيزه، ومع إشكالاته الأخرى الكثيرة، سيفقدك قضية الروح، ففي النهاية الروحانية لن تكون موجودة في الخطاب.
الانتقال من الوظيفة إلى الرسالة
كيف يمكن أن ننتقل من الوظيفة إلى الرسالة كخطوات عملية؟ فيما يلي نذكر أهم هذه الخطوات:
الخطوة الأولى: تجديد الروح بالروحانية
لابد للإمام أن يعتني بالحالة الإيمانية والتزكوية الخاصة به، وهذا يكون بالعمل على جانبين:
عمل على الجانب الفردي: بأن يهتم الإمام بأوراده، وحاله وأحواله مع الله.
عمل على الجانب الجماعي: بإعداد لقاء وتجمع إيماني شهري مثلاً، يلتقي فيه الأئمة، وتُشعل فيه شعلتهم الإيمانية، حتى يستمر القطار في الحركة.
لقد تابعت وتأملت في الدعاة، والمصنفين والفقهاء قديماً وحديثاً، وجدت أن مفتاح تأثيرهم، هو قضية الروحانية، والصدق والإخلاص والتجرد، عند إرادة التصنيف أو الكتابة، أو الحديث، أو أي شيء آخر.
نماذج في الإخلاص والبركة
سُئل الإمام أحمد في آخر عمره، عمن نأخذ العلم بعدك؟ قال لهم: مِن عبد الوهاب الوراق.
فقالوا له: لكنه خفيف في العلم (علمه ليس غزيرًا)، قال لهم: “ولكنه رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق”.
أي أنه لو فُرِضَ أن عنده نقص في التكوين -ليس في الأصول- هذا النقص سيكمل بصلاحه، وخشيته وتقواه.
كُتب في عهد الإمام مالك مائة “موطأ”، ولما أرادوا جمعها والتخلص منها، حتى لا يبقى للناس إلا موطأ
الإمام مالك، قال لهم كلمته الشهير “ما كان لله بقي” وفي رواية “ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل”
قال المؤرخون: فاختفت هذه الموطآت، وكأنما ألقيت في الآبار، ولم يبق للناس إلا ما كان فيه الإخلاص لله سبحانه وتعالى.
ناشئة الليل وأثرها في رسالة الإمام
يقول الله تعالى (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) [سورة المزمل، الآية 6]
يحدث أحياناً أن يُلحن الخطيب أوالمتحدث في الكلام، ويشعر باللحن ويدركه ولا يعود إليه، وعندما يراجع ما قاله ويستمع إليه يقول: “كيف قلت هذا؟ وكيف وقعت في هذا الخطأ؟!”.
السر في الأمر يرجع إلى الروح؛ لأنه بالتأكيد يعرف القاعدة اللغوية التى خالفها في كلامه، بدليل أنه لما سمع حديثه قال: “كيف قلت كذا؟”.
فناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً؛ كن مخلصاً في السر تكن فصيحاً في العلن.
الخطوة الثانية: الخطاب العلمي العملي
إن الخطاب لابد أن يكون خطاباً علميًا عمليًا كخطاب النبيين، جامعًا بين العلم والعمل.
فالإمام عندما يشحن الناس ويحمسهم، لابد أن تكون هناك نتيجة مبنية على هذا الشحن، ماذا عليهم أن يفعلوا بناء على كلامه وخطابه لهم؟
فمثلًا: لو حدثهم عن غزة، وما فيها من إبادة لأهلها، وعن الحالة المأساوية التى يعيش فيها أهلها، وشحنهم إيمانيا، وهيج مشاعرهم وأحاسيسهم، ما النتيجة المترتيبة على حديثه، ما الواجب عليهم فعله؟
لابد أن يكون هناك توجيه عملي لإفراغ هذه الطاقة في نهاية الخطاب، للوصول إلى الرسالية التي نتحدث عنها، وإلى الخطاب المنشود الذي نتحدث عنه.
نصيحة القرضاوي وأهمية القراءة
طلب أحد الأئمة من الشيخ القرضاوي -رحمه الله- أن ينصحه ؛ لأنه سيسافر إلى أوروبا، وسيكون له دور كبير في أحد المساجد.
قال الشيخ له: “لابد أن تقرأ كثيراً”.
قال الإمام له: “جزاك الله خيراً، فهل من نصيحة ثانية؟”.
قال الشيخ له: “لابد أن تقرأ كثيراً”، وأطال في لفظها بطريقة الشيخ المعروفة عنه، وكررها له أكثر منه مرة “لابد أن تقرأ كثيراً”.
الهواتف وشبكات التواصل شغلتنا وصرفتنا عن القراءة، وقد وفرت لنا مختصرات وأشياء سريعة، والإنسان يتأثر بالسرعة التي حوله، فيجد نفسه لا يصبر على قراءة كتاب مطول في موضوع ما، ويرى أن أمور خطبه ودروسه تمضي على خيرحال، والجمهور يزداد عدده في مسجده، والأمور لا بأس بها؛ فلماذا يتوسع في القراءة العلمية والعملية؟
الخطوةالثالثة: واقعية الخطاب الدعوي
لابد أن يكون الخطاب الدعوي خطاباً واقعياً.
كنت في محاضرة مع الشباب، أتحدث إليهم عن العفة وغض البصر في السياق الأوروبي، وأخذت أتحدث إليهم كما نتحدث دائماً، عن مواقف السلف في غض البصر، فبدأ الشباب يتكلمون معي بانفتاح، فقالوا:
“يا دكتور أنت تعيش أين؟ أنت لا تعيش حالنا ولا تعرف ما يجري، الواقع الذي نعيشه غير هذا، ولا يستقيم معه هذا الكلام الذي تقوله، دعنا نتحدث نحن إليك، ونحكي لك ما يحصل معنا حتى تدرك حجم الفتن وحجم الإشكالية؛ لأنكم محتاجون لتغيير الخطاب، بما يتناسب مع الظرف الذي نحن موجودون فيه”
الخطوة الرابعة: تجنب الازدواجية في الخطاب
بعض الأئمة يقول: “دعنا نقول الكلام الذي نحن مقتنعون به بيننا في جلساتنا، ويكون عندنا خطابان؛ خطاب في المحافل والجلسات الخاصة، وخطاب عام هو الذي ندقق فيه، ونراجع أمورنا لأجل الرقابة، وغير ذلك”.
هذا لا يصلح في هذا الزمن، ولا يصلح مع هذه الشبكات ومع تعدد الرقابة؛ خطابنا واحد، ولا أعتقد أن عندنا شيئاً في الإسلام يمكن أن نستحي منه، أو نخاف أو نحذر منه، القضية هي كيف نعرضه، وكيف نقدمه، وكيف نتحدث عنه.
الخطوة الخامسة: التوريث الدعوي
التوريث الدعوي من أهم الواجبات الإمامية في السياق الأوروبي، فلابد أن يكون عند الإمام مجموعة من طلبة العلم، الذين يورثهم ما عنده من علم وتربية، على مدار وجوده في المسجد، أو في المؤسسة التي يعمل فيها.
الخطوة السادسة: الذهاب إلى الناس لا انتظارهم
هذه قضية يجب أن ننشغل بها، وأن نفكر فيها: هل ننتظر الناس أم نذهب إليهم؟
نحن عملنا الدعوي كله قائم على من يأتينا من الناس، من يتوب، من يؤوب، من يعود، يأتي إلى المسجد فنبدأ نخاطبه ونتحدث إليه.
حسنًا، وماذا عن بقية الفئات من المسلمين؟ العصاة؟ الذين خرجوا من الإسلام؟ الذين تشككوا؟
كل الدوائر والفئات التي هي خارج دوائر المسجد؟
هل عندنا أي آلية لمتابعة أحوالها، أو السؤال عنها، أو إرشادها؟
بعضهم والله لا يحتاج أكثر من جلسة واحدة، من كلمة، من موعظة، من تذكير بالله سبحانه وتعالى.
هل عندنا أي برامج في هذا السياق؟ لا أعلم أن أي مؤسسة إمامية على الساحة الأوروبية اشتغلت على هذه المساحة، أو عملت فيها.
الشرائح المستهدفة خارج المسجد
كيف نذهب للناس؟ ما هي الشرائح الدعوية التي تعمل معها كإمام؟ الشريحة المسجدية فقط؟
كم تمثل الشريحة المسجدية من نسبة المسلمين الموجودين في مدينتك؟
هل تمثل 50%؟ لا تصل حتى إلى 50%، لنقل 20% أو 30%، والدليل انظر لأعداد الحاضرين في الأعياد مثلاً، مع أن ليس كل الناس يصلي العيد أيضاً.
إذاً عندك 70% من المسلمين موجودون خارج دائرة المساجد، هل هؤلاء لا يحتاجون إلى دور دعوي؟
لا يحتاجون إلى نشاط دعوي؟ لا يحتاجون إلى استهداف وعمل؟
فالشريحة التي جاءت للمسجد، قد اهتمت وعلمت وأدركت، فهؤلاء الذين لا يأتون إلى المسجد، كيف نصل إليهم؟ هل فكرنا فيهم؟ هل وضعنا برامج لهم؟
منهج الشيخ “نعمة الله” في الدعوة
هناك دعاة ذهبوا إلى الملاهي والمراقص والمقاهي، وتحدثوا إلى الناس هناك، منهم شيخ تركي قابلته اسمه “نعمة الله”، رجل تركي بسيط جداً، ليس عنده علم واسع ولا تكوين أكاديمي؛ لكن أحسبه كان رجلاً صالحاً رحمه الله، يحمل بطاقة مكتوب عليها: “لا إله إلا الله محمد رسول الله” مترجمة بعدة لغات، يذهب للملاهي ويقف على الباب ويقول: “قل لا إله إلا الله تدخل الجنة”، ويكلمهم باللغة التي يقدر أن يكلمهم بها، ويعطيهم البطاقة، ويقول له: “اذهب للمسجد ستجد معلومات أكثر عن لا إله إلا الله”، هو ليس “تبليغياً” بالمعنى الحزبي؛ لكن كل منهجه الدعوي يتلخص في هذه الطريقة.
أنا لا أقول أنني متفق معه تماماً؛ لكن سبحان الله، هدى الله على يديه خلقاً كثيراً جداً، وبعد ما مات بدأ الناس يكتبون عنه.
أحدهم كتب فقال: “أنا قابلت هذا الرجل على باب خمارة، وأعطاني هذه البطاقة، ولما رأيته قلت: هذا جاء يُذكرني، فذهبت للمسجد بعدها، ومن وقتها وأنا مستقيم منذ أن قال لي هذه الكلمة”.
حاجة الناس إلى المعلومة البسيطة
هذا نموذج عملي في هذا الموضوع؛ فقد اتصلت بي ابنة، تريد مقابلتي لتستفتيني في مشكلة كبيرة، وجائتني فوجدتها متبرجة لا ترتدي حجابًا!!
مشكلتها أنها تزوجت دون علم أهلها وحملت، ولا تعرف أتسقط الجنين أم لا، ولا تعرف كيف تخبر أهلها.
قلت لها: “من الجيد أنك خائفة من الله، فلا تجهضي الجنين”
فقالت: “ما دام هذا حكم الله، فلن أجهضه، وسأواجه مصيري أيًا كان”
فقلت لها: “ما دمتِ تخافين من الله، فلماذا لستِ محجبة؟!”
قالت لي: “هل الحجاب شيء ضروري في الإسلام؟”.
قلت لها: “ماذا تقولين؟! ألا تعرفين أن الحجاب فرضية لازمة؟!”.
قالت لي: “والله لا أعرف، فأنا الوحيدة التي تحاول أن تلتزم دينياً في عائلتي، والوحيدة في عائلتي التي تصوم، وعائلتي كلها تشرب الخمر ولا تصلي، ولا تعرف أي شيء عن الإسلام”.
بدأت أدخل معها في تفاصيل مشكلتها، فوجدت أن من حملت منه قد غرر بها وخدعها، وأفهمها أن الزواج هو مجرد أن تقول “زوجتني وزوجتك، والله خير الشاهدين، وفقط”، ودخل بها بناءً على هذا.
وصُدِمَت لما أوضحتُ لها خطأ ما قاله لها، وكلما قلتُ لها شيئًا من حقائق الإسلام، تُصدم لعدم معرفتها به. هذه مسلمة وعائلتها من أصول مسلمة مهاجرة جيل ثانٍ، تخيلتم الأمر؟!
دعكم من أوروبا، في مصر حدثني أستاذ في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، أنه كان أستاذاً ويشرف على طابق من الطوابق، وعنده معيدون ومدرسون مساعدون، فمر عليهم ليدعوهم لشرب الشاي معه كتحية من لهم، فرفضت إحداهن دعوته!!! فقال لها: “لماذا رفضتِ تحيتي؟”. قالت له: “أنا صائمة اليوم”.
قال لها: “لماذا صائمة؟”. قالت له: “اليوم الإثنين، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يصوم الإثنين والخميس، فأنا أصومهما لأنهما سنة”.
قال لها: “ما شاء الله، هذا شيء عظيم جداً؛ ولكن كيف تفعلين النافلة وتتركين الفريضة؟!”.
قالت له: “ما هي الفريضة؟”. قال لها: “الحجاب”.
قالت له: “من قال إن الحجاب فريضة؟”.
قال: “بدأت أتكلم معها وأناقشها وأعلمها، فجاءت متحجبة في اليوم التالي”.
انظروا تعرف أن صيام الإثنين سنة؛ لكنها لا تعرف أن الحجاب فريضة، سبحان الله!!
فالناس لديهم فقرُُ معرفي، ونحن تاركون للشريحة والفئة الأكبر التي يجب أن نعمل معها، وحصرنا أنفسنا في دائرة واحدة لا نخرج عنها، وهذا أمر يحتاج إلى مراجعة.
لذلك أثرت أمر التوريث الدعوي، وأمر تحركنا كدعاة وعدم انتظار من يأتي إلينا جاهزاً، ثم نبدأ نعمل معه كما نفعل في خطاباتنا، فهل سنبقى هكذا، أم سيكون عندنا رؤية وتفكير؟
وهذه هي “الرسالة” ما دامت مهمتي أن آخذ الناس إلى الله سبحانه وتعالى ودلالتهم عليه؛ فلابد أن أرى كل الناس، وليس فقط الذين جاؤوا إلى المسجد.
أفكار لتطوير خطبة الجمعة
هذه بعض الأفكار والملامح الأساسية حول خطبة الجمعة، وما يتعلق بها:
1- ضرورة الإعداد المبكر المتقن
خطبة الجمعة هي نعمة كبرى امتن الله بها علينا كمسلمين، وهذه النعمة لا توجد في أي أمة أخرى غيرنا، فالناس يأتون للخطبة يتعبدون إلى الله بالإنصات إلى الخطيب لنصف ساعة كل أسبوع، فلا يجوز لأحدهم أن ينشغل عنه بشيء، عبادتهم أن ينصتوا إليه، فكيف لخطيب تكون عنده هذه المساحة ثم لا يستثمرها حق الاستثمار؟، ولا يغتنمها حق الاغتنام؟، ولا يكترث لها؟
ولا يقوم بالتحضير المتقن للشيء الذي سيحدثهم فيه، ولا يهتم بالأمر، ولا يدعو الله أن يلهمه ويعينه ويوفقه، وأن يجري التأثير والأثر على لسانه وقلبه عندما يتحدث إلى الناس!!
2- حسن ودقة اختيار الموضوع
اختيار موضوع الخُطبة يجب أن تكون له معايير؛ منها ما هو واقعي يتعلق بالواقع الذي نحن فيه، ومنها ما يتعلق بحاجات الناس الذين نخاطبهم، فالموضوع يجب أن يتناسب معهم.
فأكثر ما يجب أن يسبب أرقًا وهمًا للخطيب، ويشغل فكره لأيام هو: أي موضوع يمكن أن ينفع الناس ويفيدهم؟ أفاضل بين هذا وبين هذا.
فمثلًا: لو يوم عطلة عامة صادف أن كان يوم الجمعة، فالمساجد تكون ممتلئة، وقد تتضاعف فيها أعداد المصلين الحاضرين للخطبة، ومنهم أناس ربما لأول مرة يأتون إلي المسجد، فماذا سنقول لهم؟
لابد أن نفكر فيما سنقوله لهم؛ فربما سيسمع أحدهم منك كلمة لأول مرة ولن تراه ثانية، فماذا ستقول له في هذه الدقائق حتى توصل إليه الرسالة؟
3- وحدة الموضوع
فلابد أن تصاحبك الفكرة التي تتحدث عنها من بداية حديثك، وتستمر معك إلى نهاية الحديث، فخطبة الجمعة أو المحاضرة كأنها بحث علمي مصغر، بحث علمي له فكرة، وموضوع، ونصوص، ونتيجة
عملية يصل إليها في النهاية.
فعندما يخرج المصلي من المسجد وأسأله: ماذا استفدت اليوم؟ وعن ماذا كان يتحدث موضوع الخطبة؟
يستطيع أن يقول لي ماذا استفاد، وبماذا خرج، وما الذي حصله من الموضوع.
أهمية التركيز
كان عندنا خطيب من أميز الناس، وله جمهور كبير، وجمهور المسجد قد تضاعف حجمه خمسة أضعاف في فترة وجيزة جداً.
صلى عنده أحد الشباب، وبعدها قابلت هذا الشاب، فقلت له: “صليت عند الشيخ فلان؟”، قال: “نعم “.
قلت له: “الخطبة كيف كانت؟”، قال: “جميلة جدا، وقوية، ومؤثرة”، وأخذ يمدح ويثني.
قلت له: “عن ماذا كان يتحدث، وما هو موضوع الخطبة اليوم؟” وكان هذا بعد الخطبة بساعة واحدة فقط،
سكت قليلاً وقال لي: “كان يتكلم عن الإسلام”.
رد علي يشيء واسع جدًا! لم تعلق في ذهنه أي فكرة بعد ساعة!، فكيف بعد فترة أطول؟! بالتأكيد لن يتذكر أي شيء.
4- ضبط الوقت
لابد أن يكون وقت الخطبة منضبطاً، والنهاية أهم من البداية، فلابد أن يعرف الناس متى سيخرجون من المسجد، ومتى سينتهي وقت الخطبة.
وقد تناقشنا في موضوع الوقت المناسب هذا كثيراً جداً في ألمانيا مع المجالس والأئمة؛ فمنهم من يريد أن وقت الخطبة خمس دقائق فقط، ومنهم من يريد أن يجعلها ساعة ويستشهد على ذلك بنماذج، كعدنان إبراهيم الذي يجعل خطبته تقارب الساعتين، وكالشيخ الجزائري المعروف/ العربي الكشاط فخطبته لا تقل أبداً عن ساعة ونصف.
دارت نقاشات طويلة جداً، انتهينا فيها إلى أن الخطبة المقبولة التي يمكن أن توصل فيها الأفكار، يجب أن تكون بحدود 15 إلى 20 دقيقة، ولو هناك ترجمة لها يمكن أن تأخذ 10 دقائق بعد ذلك، فيكون مجمل وقت الخطبة والصلاة في حدود الثلاثين دقيقة تقريبًا.
الشيخ/ علي الطنطاوي “رحمه الله” له مقال طويل في موضوع خطبة الجمعة، وهو من الناس الذين يتشددون جداً في زمن الخطبة، ويرى أنها يجب ألا تتجاوز ثماني دقائق أو عشر دقائق، وينتقد حتى الأئمة الذين يطيلون في الدعاء في آخر الخطبة، وينتقد ضرورة أن يُقال في آخر الخطبة “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون”؛ يتساءل لماذا لابد أن تُقال هذه الآية، فتطيل زمن الخطبة؟
5- الهيئة والأداء
يجب أن تكون الهيئة مناسبة للخطيب وللإمام، متناسبة مع ما يلقيه من حديث للناس، ومتلائمة مع أعراف الناس.
فمثلاً: إذا كنت تخطب عند الأتراك، فمستحيل أن يقبلوا منك الخطاب إذا كنت حاسر الرأس، أو أن يصلوا خلفك وأنت حاسر الرأس على الأقل.
وفيما يخص الأداء، فقد تكلمنا في قضية الصوت ورفعه، وهذه أيضاً تحتاج إلى نقاشات.
6- أخيرًا: الوسطية في التعامل مع التكنولوجيا
لابد من الوسطية في التعامل مع الشبكات؛ فلا يمكن أبدًا لأحد أن يهمل الاستفادة من الشبكات، والاستفادة من الميديا؛ لكن الأمر يحتاج إلى حذر، ويحتاج إلى عدم الوقوع في خطر ترك القراءة، أو التبلد الفكري والاستسهال، أو خفوت الروحانية بسبب أن الشيء مُعدّ جاهز، ونحو ذلك.
ختامً: أتمنى ان أكون قد وُفِقتُ للإلمام بالموضوع، وأحسنتُ عرضه من خلال هذه الكلمات القليلة التى لا توفيه حقه؛ لكنها رؤوس أقلام، وإشارات لأولي الألباب، من أهل الدعوة والأئمة والخطباء والدعاة.
ملحوظة مهمة: هذه المحاضرة تم تفريغها وتنسيقها للفائدة العلمية من فريق الموقع، وليست بطريقة التصنيف أو التأليف العلمي.